
أرفض أن تتغير الصورة الذهنية لأبلة كوثر فى مخيلتى فهى كما اعتدت أن أراها دائماً ..امرأة متألقة, طويلة القامة, ممتلئة بعض الشئ ملائكية الوجه.. الجميع يحبها ويحترمها, كانت أبلة كوثر هى مدرسة التدبير المنزلى فى مدرستى الإبتدائية وصديقة أمى الصدوق, لا يملك أحد أمام وجهها السمح سوى الإبتسام والإستمتاع بحضورها الدائم الذى يشبه تيار هواء منعش فى قيظ الصيف. عشقت هذه السيدة الدافئة التفاصيل. وخصوصا أحضانها الرحبة التى كانت تلتهم جسدى الضئيل لتمنحنى بعد مختلف للمشاعر..
كنت صغيرة السن حين إختفت أبلة كوثر من المدرسة ولم تعد تسعدنا بزياراتها المنزلية لأمى وعندما سألت أمى عنها أجابتنى قائلة: أصابها المرض اللعين.. لم تقدر سنوات عمرى القليلة على استيعاب وفهم هذه الجملة ... ولكنى استقصيت الأمر فعلمت أنها أصيبت بمرض يسمى سرطان الثدى ولم تكتشف هذا المرض الا فى مراحلة المتأخرة جدا .
ظهرت أبلة كوثر بعد فترة فى المدرسة وكان ظهورها حدث غير متوقع بالمرة , وبعدها ظهرت فى منزلنا ودخلت غرفة الجلوس وأغلقت أمى الباب. وفى حالة تلصص من خلف شيش البلكونة رأيت أبلة كوثر منهارة فى البكاء بين ذراعى أمى وهى تحكى لها عن مدرسة اللغة العربية التى استفسرت منها عن كيفية إظهار شكل الثدى طبيعى بعد عملية الإستئصال... لم أفهم حينها سبب دموعها ولا طبيعة معانتها ولكنى كنت أدرك أنها تتألم .
بقيت أبلة كوثر لمدة سنة تنير الأجواء من حولنا بابتسامتها وجمالها وعطرها ألى أن إختفت مرة أخرى وطال إختفاؤها فذهبت الى امى وأبلغتها أنى أرغب فى زيارة أبلة كوثر. حاولت أمى أثنائى عن هذه الفكرة ولكن مساحة ما فى صدرى كانت تصر على رؤياها ذهبت الى منزلها ورأيتها على فراش المرض بعد أن تمكن المرض من عظامها. وليتنى استمعت الى نصيحة أمى فقد رأيت انسانة أخرى لا أعرفها لا أدرى أين ذهب جمالها و لا من أين ظهرت هذه النتؤات فى صفحة وجهها حتى صوتها خمدت رناته التى أعتدت على تألقها... رجعت الى أمى وارتميت فى حضنها وسألتها ببراءة سنوات عمرى القليلة: هى فين أبلة كوثر؟ كان نفسى أشوفها قبل ما تموت .بس للأسف اللى شفتاها النهاردة واحدة عمرى ما قابلتها ..!!
وبعد عدة أشهر رحلت من علمتنى دروسى الأولى فى فن المطبخ .. وتركتنا –أنا وبناتها- فى حالة من اليتم.. أحسست أنى فقدت أم لى .. بل أحسست أن أم لى قد سرقها مرض يرفض الناس ترديد اسمه ويكتفون بالإشارة اليه بالمرض اللعين.. مازلت أحتفظ بصورتى الذهنية القديمة لها , مازلت على اتصال ببناتها اللاتى يهرعن الى حضن أمى فى المناسبات والأعياد كى يستدفئن ليس من برودة الجو ولكن من قسوة اليتم.