صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 22

الموضوع: مسألة سيناء المصرية ...نص تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم61 - 30 يناير 2007

  1. #1
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation مسألة سيناء المصرية ...نص تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم61 - 30 يناير 2007

    مسألة سيناء المصرية ...نص تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم61 - 30 يناير 2007



    سبق لنا وتداولنا موضوع سيناء ..

    ونظرا للأهمية التوثيقية ... سوف أنشر أدناه أيضا كامل التقرير ... باللغتين العربية والإنجليزية .. تعقيبا علي الملخص ...وسأضيف لليه الخرائط التي أرفقت بالتقرير المفصل


    الملخص العربي



    خلاصة وتوصيات

    عاد الإرهاب إلى مصر في عام 2004 بعد غيابٍ دام سبع سنوات، إذ وقعت هجماتٌ متعاقبة، وبرزت في سيناء حركةٌ غير معروفةٍ من قبل. وقد اتسم رد الفعل الحكومي بالاقتصار على المجال الأمني في المقام الأول: اعتقال الإرهابيين والقضاء عليهم. ركزت المنظمات غير الحكومية المصرية والدولية على انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت بارزةً في التدابير الأمنية.

    أما الصحافة فانصب اهتمامها على المسؤولية المحتملة لتنظيم القاعدة. وقد اقتصرت كلٌّ من استجابة الحكومة والمناقشات التي شهدها الجمهور الواسع على الجوانب السطحية للأحداث وتجاهلت المشكلات الاجتماعية ـ الاقتصادية والثقافية الكامنة في قلب مسألة شبه جزيرة سيناء.

    إن ظهور حركة إرهابية حيث لم يكن للإرهاب وجودٌ من قبل لدلالةٌ على وجود توتراتٍ ونزاعات كبيرة في سيناء؛ وهي في المقام الأول دليلٌ على علاقتها الإشكالية مع الأمة ـ الدولة المصرية. وما لم يجر تناول هذه العوامل على نحوٍ حقيقي، فلا مجال لافتراض إمكانية التخلص من الحركة الإرهابية.

    ولطالما كانت سيناء (في أحسن الأحوال) منطقة شبه منفصلة. ولطالما كانت هويتها المصرية بعيدةً كل البعد عن كونها أمراً ثابتاً تماماً. ظلت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي من عام 1967 إلى 1982.

    وقضت اتفاقية السلام لعام 1979 بإخضاعها إلى نظام أمني خاص؛ وهذا ما يتيح لمصر حرية العمل العسكري فيها. إن وضع سيناء الجيوسياسي (تمثل كامل خط حدود مصر مع إسرائيل وقطاع غزة) يجعلها ذات أهمية استراتيجية لكلٍّ من مصر وإسرائيل، كما يجعلها حساسةً لتطورات النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

    ويتباين سكانها الذين يناهز عددهم 360 ألفاً (قرابة 300 ألفاً في الشمال و60 ألفاً في الجنوب) عن بقية أهل البلاد. وثمة أقليةٌ هامةٌ تنحدر من أصولٍ فلسطينية مع أن معظم أفرادها مولودون في مصر. وأما بقية السكان فيطلق عليهم اسم "البدو"، وهم من قاطني شبه الجزيرة منذ زمنٍ بعيد.

    ويتمتع العنصر الفلسطيني بإحساسٍ شديد بالهوية الفلسطينية والارتباط بسكان غزة والضفة الغربية. أما البدو (ولم يعد فيهم إلا أقليةٌ صغيرة من سكان الخيام الرحل) فلديهم هويةٌ متميزةٌ أيضاً؛ فهم شديدو الوعي بأصولهم التاريخية العائدة إلى شبه جزيرة العرب وينتمون إلى قبائل لها فروعٌ كبيرة في كلٍّ من إسرائيل وفلسطين والأردن. وهم ممن يتجهون شرقاً بطبيعتهم، كالفلسطينيين، وليس صوب بقية الدولة المصرية إلى الغرب منهم. وليس للفلسطينيين والبدو نصيبٌ من التراث الفرعوني المشترك بين سكان وادي النيل (مسلمين ومسيحيين)، وهم لا يعيرونه اهتماماً.
    تفاقمت فوارق الهوية هذه بفعل التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شجعتها السلطات منذ 1982.

    ولم تحاول الحكومة دمج سكان سيناء ضمن نسيج الأمة من خلال برنامجٍ بعيد النظر يستجيب إلى حاجاتهم ويحقق مشاركتهم الفاعلة.

    بل عمدت إلى تشجيع استيطان مهاجري وادي النيل الذين تجنح إلى محاباتهم على نحوٍ منهجي؛ وذلك إلى جانب ممارستها التمييز بحق السكان المحليين فيما يتعلق بالإسكان وفرص العمل في الشمال، وكذلك في عملية تنمية المناطق السياحية في الجنوب (وهي ملك للمصريين والأجانب على حدٍّ سواء).

    ولا تتيح هذه التطورات أمام السكان المحليين فرصاً كثيرة؛ بل غالباً ما تتم على حسابهم (خاصةً فيما يتعلق بالحق في الأرض)، مما أثار استياءً عميقاً في صفوفهم. ولا تكاد الحكومة تفعل شيئاً لتشجيع مشاركة أهل سيناء في الحياة السياسية القومية. وهي تستخدم أسلوب "فرّق تسُد" في إدارتها ذلك القدر الضئيل الذي تسمح به من التمثيل المحلي، كما تروّج للتراث الفرعوني على حساب التقاليد البدوية في سيناء.

    ومن هنا نرى أنه تحت مشكلة الإرهاب تكمن "مسألة سيناء" الأشد خطورةً والأكثر دواماً، والتي يتعين على الطبقة السياسية معالجتها. ولن يكون ذلك أمراً سهلاً. وطالما أن لهذه المسألة جذورٌ عميقةٌ في أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن حلها النهائي يعتمد على حل هذه الأزمات. لكنه يتطلب أيضاً دمجاً ومشاركةً كاملين لسكان سيناء في الحياة السياسية القومية. وهذا يعني أن حلها معتمدٌ أيضاً على إصلاحاتٍ سياسيةٍ كبيرة في البلاد كلها، وهو ما ليس يلوح في الأفق الآن.

    ورغم عدم إمكانية توقع حلٍّ قريب لمسألة سيناء، فإن بمقدور الحكومة، ومن واجبها، تعديل الاستراتيجية التنموية التي تتسم بقدرٍ كبيرٍ من التمييز وقلة الفاعلية، وذلك لتلبية الحاجات المحلية. ومن شأن خطةٍ جديدةٍ تحظى بتمويلٍ ملائم وتوضع بالتشاور مع ممثلين محليين حقيقيين ويشترك جميع عناصر السكان في تنفيذها أن تغيّر مواقف أهل سيناء من الحكومة من خلال معالجة مظالمهم.
    توصيات

    إلى الحكومة المصرية:


    1. العمل على إعداد خطة تنموية اجتماعية واقتصادية شاملة من أجل سيناء بالتشاور مع قادة المجتمع المحلي ومع القطاع الخاص والمانحين. وعلى هذه الخطة أن:
    *أ- تتعامل مع المنطقة ككلٍّ واحد؛


    *ب- تأخذ باعتبارها الاعتماد الاجتماعي ـ الاقتصادي المتبادل بين شمال سيناء وجنوبها؛


    *ج- تلغي جميع التدابير والمعايير التي تمارس التمييز بحق السكان المحليين.

    2. تشجيع مشاركة المجتمعات المحلية وممثليها السياسيين الحقيقيين في صنع القرار التنموي الخاص بسيناء؛

    3. تسهيل وتشجيع بناء القدرات المحلية (كالجمعيات المحلية مثلاً)، وذلك عن طريق تبسيط الأنظمة الإدارية والسياسية وتوجيه القروض والمنح الحكومية لصالح تزويد هذه الجمعيات بما يلزمها؛

    4. تزويد المجتمعات البدوية بأدوات صياغة المشاريع التنموية المحلية وتنفيذها، وخاصةً من خلال تنظيم دورات تدريبية؛

    5. الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية المتميزة لسيناء بصفتها جزءاً من التراث القومي، وتمويل مشاريع تعمل على حفظها.

    إلى الأحزاب السياسية المصرية:

    6. إقامة امتداداتٍ في المنطقة (أو تطويرها وتوسيعها إن وجدت) من خلال ضم عناصر من السكان المحليين وإتاحة السبل النظامية أمامهم للتعبير عن احتياجاتهم ومعاناتهم الخاصة؛

    إلى شركاء مصر الدوليين:

    7. الاعتراف بالخطر الذي يمكن أن تشكله مسألة سيناء، إن لم تعالج، على استقرار مصر على المدى المتوسط. وكذلك تشجيع السلطات ومساعدتها على وضع تصور لخطة تنمية خاصة جديدة للمنطقة، وتمويل هذه الخطة وتنفيذها؛
    القاهرة/بروكسل، 30 كانون الثاني/يناير





    د. يحي الشاعر
    التعديل الأخير تم بواسطة يحى الشاعر ; 04-02-2008 الساعة 04:58 PM

  2. #2
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    افتراضي

    مسألة سيناء المصرية
    تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم61 - 30 كانون الثاني/يناير 2007
    جدول المحتويات
    خلاصة وتوصيات.................................................. .................................................. ................................ I.
    1.مقدمة.................................................. .................................................. .................................... 1
    2.المعلومات المعروفة عن الهجمات الارهابية في سيناء.................................................. ........................... 2
    أ.ملابسات التحقيق.................................................. .................................................. ............... 3
    بجماعة التوحيد والجهاد.................................................. .................................................. ........ 4

    3.أشكالات دمج سيناء في مصر.................................................. .................................................. ....... 6
    أ.من الاحتلال البريطاني الى اتفاقيات كامب ديفيد.................................................. ........................... 6
    بضبط الحدود.................................................. .................................................. .................... 8

    1.معبر رفح الضيق.................................................. .................................................. .... 8
    2.التهريب على الحدود بين مصر وغزة.................................................. ............................ 10
    3.الحدود مع اسرائيل.................................................. .................................................. 10
    4.أهل سيناء : فسيفساء من التناقضات.................................................. ............................................. 11
    أ.البدو.................................................. .................................................. ........................... 11
    بالفلسطينيون.................................................. .................................................. ................... 12

    ت.مصريو وادي النيل.................................................. .................................................. ......... 13
    ث."البوسنيون" في العريش.................................................. .................................................. ..... 14
    5.التنمية غير المتساوية والتخصص الاقليمي.................................................. ....................................... 15
    أ.فوارق سكانية.................................................. .................................................. ................. 15
    بجنوب سيناء.................................................. .................................................. ................... 15

    1 شرم الشيخ وطابا.................................................. .................................................. .......... 15
    2 .دهب ونويبع .................................................. .................................................. ............. 17
    3 الأرض.................................................. .................................................. .............. 17
    4الرعي والمحاصيل غير المشروعه .................................................. ...................................... 19
    5 قضايا البيئة , والسياحة البيئية , والمانحون .................................................. ............................ 19
    ت .شمال سيناء.................................................. .................................................. .................... 21
    1 محاولات التصنيع.................................................. .................................................. ......... 21
    2 .هيمنة الزراعة ومشكلة المياه .................................................. ............................................ 22
    ثتمصير سيناء وتوطين البدو.................................................. .................................................. 23
    6. خيارات السياسات : معضلات وأوليات.................................................. ............................................. 25
    أ.السيادة الوطنية والسيطرة المحلية.................................................. ............................................ 25
    بالتضامن الاقليمي والهويات المسحوقة.................................................. ....................................... 25

    تالميول "الاستعمارية".................................................. .................................................. ......... 27
    7. خاتمــــة.................................................. .................................................. .......................... 29
    ملاحـــــــــق
    أ*- خارطة العامة لسيناء.................................................. .................................................. ......... 31
    ب*- المناطق العسكرية المحددة في سيناء.................................................. ........................................ 32
    ت*- القبائل البدوية في سيناء.................................................. .................................................. .... 33
    ث*- حول انترناشونال كرايسز جروب.................................................. ............................................ 34
    ج*- تقارير كرايسز جروب وملخصاتها حول منطقة الشرق الاوسط.................................................. ........ 36
    ح*- أعضاء مجلس أدارة كرايسز جروب.................................................. ...................................... 38

  3. #3
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation

    مسألة سيناء المصرية
    تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم61 - 30 كانون الثاني/يناير 2007

    جدول المحتويات

    خلاصة وتوصيات.................................................. .................................................. ................................ I.
    1.مقدمة.................................................. .................................................. .................................... 1
    2.المعلومات المعروفة عن الهجمات الارهابية في سيناء.................................................. ........................... 2
    أ.ملابسات التحقيق.................................................. .................................................. ............... 3
    بجماعة التوحيد والجهاد.................................................. .................................................. ........ 4

    3.أشكالات دمج سيناء في مصر.................................................. .................................................. ....... 6
    أ.من الاحتلال البريطاني الى اتفاقيات كامب ديفيد.................................................. ........................... 6
    بضبط الحدود.................................................. .................................................. .................... 8

    1.معبر رفح الضيق.................................................. .................................................. .... 8
    2.التهريب على الحدود بين مصر وغزة.................................................. ............................ 10
    3.الحدود مع اسرائيل.................................................. .................................................. 10
    4.أهل سيناء : فسيفساء من التناقضات.................................................. ............................................. 11
    أ.البدو.................................................. .................................................. ........................... 11
    بالفلسطينيون.................................................. .................................................. ................... 12

    ت.مصريو وادي النيل.................................................. .................................................. ......... 13
    ث."البوسنيون" في العريش.................................................. .................................................. ..... 14
    5.التنمية غير المتساوية والتخصص الاقليمي.................................................. ....................................... 15
    أ.فوارق سكانية.................................................. .................................................. ................. 15
    بجنوب سيناء.................................................. .................................................. ................... 15

    1 شرم الشيخ وطابا.................................................. .................................................. .......... 15
    2 .دهب ونويبع .................................................. .................................................. ............. 17
    3 الأرض.................................................. .................................................. .............. 17
    4الرعي والمحاصيل غير المشروعه .................................................. ...................................... 19
    5 قضايا البيئة , والسياحة البيئية , والمانحون .................................................. ............................ 19
    ت .شمال سيناء.................................................. .................................................. .................... 21
    1 محاولات التصنيع.................................................. .................................................. ......... 21
    2 .هيمنة الزراعة ومشكلة المياه .................................................. ............................................ 22
    ثتمصير سيناء وتوطين البدو.................................................. .................................................. 23
    6. خيارات السياسات : معضلات وأوليات.................................................. ............................................. 25
    أ.السيادة الوطنية والسيطرة المحلية.................................................. ............................................ 25
    بالتضامن الاقليمي والهويات المسحوقة.................................................. ....................................... 25

    تالميول "الاستعمارية".................................................. .................................................. ......... 27
    7. خاتمــــة.................................................. .................................................. .......................... 29
    ملاحـــــــــق
    أ‌- خارطة العامة لسيناء.................................................. .................................................. ......... 31
    ب‌- المناطق العسكرية المحددة في سيناء.................................................. ........................................ 32
    ت‌- القبائل البدوية في سيناء.................................................. .................................................. .... 33
    ث‌- حول انترناشونال كرايسز جروب.................................................. ............................................ 34
    ج‌- تقارير كرايسز جروب وملخصاتها حول منطقة الشرق الاوسط.................................................. ........ 36
    ح‌- أعضاء مجلس أدارة كرايسز جروب.................................................. ...................................... 38

  4. #4
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation

    أ‌-


    تقرير حول الشرق الأوسط رقم 6130كانون الثاني/يناير 2007


    مسألة سيناء المصرية
    خلاصة وتوصيات



    عاد الإرهاب إلى مصر في عام 2004 بعد غيابٍ دام سبع سنوات، إذ وقعت هجماتٌ متعاقبة، وبرزت في سيناء حركةٌ غير معروفةٍ من قبل. وقد اتسم رد الفعل الحكومي بالاقتصار على المجال الأمني في المقام الأول: اعتقال الإرهابيين والقضاء عليهم. ركزت المنظمات غير الحكومية المصرية والدولية على انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت بارزةً في التدابير الأمنية. أما الصحافة فانصب اهتمامها على المسؤولية المحتملة لتنظيم القاعدة. وقد اقتصرت كلٌّ من استجابة الحكومة والمناقشات التي شهدها الجمهور الواسع على الجوانب السطحية للأحداث وتجاهلت المشكلات الاجتماعية ـ الاقتصادية والثقافية الكامنة في قلب مسألة شبه جزيرة سيناء. إن ظهور حركة إرهابية حيث لم يكن للإرهاب وجودٌ من قبل لدلالةٌ على وجود توتراتٍ ونزاعات كبيرة في سيناء؛ وهي في المقام الأول دليلٌ على علاقتها الإشكالية مع الأمة ـ الدولة المصرية. وما لم يجر تناول هذه العوامل على نحوٍ حقيقي، فلا مجال لافتراض إمكانية التخلص من الحركة الإرهابية.

    ولطالما كانت سيناء (في أحسن الأحوال) منطقة مهمشة. ولطالما كانت هويتها المصرية بعيدةً كل البعد عن كونها أمراً ثابتاً تماماً. ظلت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي من عام 1967 إلى 1982. وقضت اتفاقية السلام لعام 1979 بإخضاعها إلى نظام أمني خاص؛ وهذا ما يتيح لمصر حرية العمل العسكري فيها. إن وضع سيناء الجيوسياسي (تمثل كامل خط حدود مصر مع إسرائيل وقطاع غزة) يجعلها ذات أهمية استراتيجية لكلٍّ من مصر وإسرائيل، كما يجعلها حساسةً لتطورات النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

    ويتباين سكانها الذين يناهز عددهم 360 ألفاً (قرابة 300 ألفاً في الشمال و60 ألفاً في الجنوب) عن بقية أهل البلاد. وثمة أقليةٌ هامةٌ تنحدر من أصولٍ فلسطينية مع أن معظم أفرادها مولودون في مصر. وأما بقية السكان فيطلق عليهم اسم "البدو"، وهم من قاطني شبه الجزيرة منذ زمنٍ بعيد. ويتمتع العنصر الفلسطيني بإحساسٍ شديد بالهوية الفلسطينية والارتباط بسكان غزة والضفة الغربية. أما البدو (ولم يعد فيهم إلا أقليةٌ صغيرة من سكان الخيام الرحل) فلديهم هويةٌ متميزةٌ أيضاً؛ فهم شديدو الوعي بأصولهم التاريخية العائدة إلى شبه جزيرة العرب وينتمون إلى قبائل لها فروعٌ كبيرة في كلٍّ من إسرائيل وفلسطين والأردن. وهم ممن يتجهون شرقاً بطبيعتهم، كالفلسطينيين، وليس صوب بقية الدولة المصرية إلى الغرب منهم. وليس للفلسطينيين والبدو نصيبٌ من التراث الفرعوني المشترك بين سكان وادي النيل (مسلمين ومسيحيين)، وهم لا يعيرونه اهتماماً.

    تفاقمت فوارق الهوية هذه بفعل التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شجعتها السلطات منذ 1982. ولم تحاول الحكومة دمج سكان سيناء ضمن نسيج الأمة من خلال برنامجٍ بعيد النظر يستجيب إلى حاجاتهم ويحقق مشاركتهم الفاعلة. بل عمدت إلى تشجيع استيطان مهاجري وادي النيل الذين تجنح إلى محاباتهم على نحوٍ منهجي؛ وذلك إلى جانب ممارستها التمييز بحق السكان المحليين فيما يتعلق بالإسكان وفرص العمل في الشمال، وكذلك في عملية تنمية المناطق السياحية في الجنوب (وهي ملك للمصريين والأجانب على حدٍّ سواء). ولا تتيح هذه التطورات أمام السكان المحليين فرصاً كثيرة؛ بل غالباً ما تتم على حسابهم (خاصةً فيما يتعلق بالحق في الأرض)، مما أثار استياءً عميقاً في صفوفهم. ولا تكاد الحكومة تفعل شيئاً لتشجيع مشاركة أهل سيناء في الحياة السياسية القومية. وهي تستخدم أسلوب "فرّق تسُد" في إدارتها ذلك القدر الضئيل الذي تسمح به من التمثيل المحلي، كما تروّج للتراث الفرعوني على حساب التقاليد البدوية في سيناء.

    ومن هنا نرى أنه تحت مشكلة الإرهاب تكمن "مسألة سيناء" الأشد خطورةً والأكثر دواماً، والتي يتعين على الطبقة السياسية معالجتها. ولن يكون ذلك أمراً سهلاً. وطالما أن لهذه المسألة جذورٌ عميقةٌ في أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن حلها النهائي يعتمد على حل هذه الأزمات. لكنه يتطلب أيضاً دمجاً ومشاركةً كاملين لسكان سيناء في الحياة السياسية القومية. وهذا يعني أن حلها معتمدٌ أيضاً على إصلاحاتٍ سياسيةٍ كبيرة في البلاد كلها، وهو ما ليس يلوح في الأفق الآن.

    ورغم عدم إمكانية توقع حلٍّ قريب لمسألة سيناء، فإن بمقدور الحكومة، ومن واجبها، تعديل الاستراتيجية التنموية التي تتسم بقدرٍ كبيرٍ من التمييز وقلة الفاعلية، وذلك لتلبية الحاجات المحلية. ومن شأن خطةٍ جديدةٍ تحظى بتمويلٍ ملائم وتوضع بالتشاور مع ممثلين محليين حقيقيين ويشترك جميع عناصر السكان في تنفيذها أن تغيّر مواقف أهل سيناء من الحكومة من خلال معالجة مظالمهم.

    توصيات

    إلى الحكومة المصرية:
    1. العمل على إعداد خطة تنموية اجتماعية واقتصادية شاملة من أجل سيناء بالتشاور مع قادة المجتمع المحلي ومع القطاع الخاص والمانحين. وعلى هذه الخطة أن:

    ‌أ- تتعامل مع المنطقة ككلٍّ واحد؛

    ‌ب- تأخذ باعتبارها الاعتماد الاجتماعي ـ الاقتصادي المتبادل بين شمال سيناء وجنوبها؛

    ‌ج- تلغي جميع التدابير والمعايير التي تمارس التمييز بحق السكان المحليين.

    2. تشجيع مشاركة المجتمعات المحلية وممثليها السياسيين الحقيقيين في صنع القرار التنموي الخاص بسيناء؛

    3. تسهيل وتشجيع بناء القدرات المحلية (كالجمعيات المحلية مثلاً)، وذلك عن طريق تبسيط الأنظمة الإدارية والسياسية وتوجيه القروض والمنح الحكومية لصالح تزويد هذه الجمعيات بما يلزمها؛

    4. تزويد المجتمعات البدوية بأدوات صياغة المشاريع التنموية المحلية وتنفيذها، وخاصةً من خلال تنظيم دورات تدريبية؛

    5. الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية المتميزة لسيناء بصفتها جزءاً من التراث القومي، وتمويل مشاريع تعمل على حفظها.

    إلى الأحزاب السياسية المصرية:

    6. إقامة امتداداتٍ في المنطقة (أو تطويرها وتوسيعها إن وجدت) من خلال ضم عناصر من السكان المحليين وإتاحة السبل النظامية أمامهم للتعبير عن احتياجاتهم ومعاناتهم الخاصة؛

    إلى شركاء مصر الدوليين:

    7. الاعتراف بالخطر الذي يمكن أن تشكله مسألة سيناء، إن لم تعالج، على استقرار مصر على المدى المتوسط. وكذلك تشجيع السلطات ومساعدتها على وضع تصور لخطة تنمية خاصة جديدة للمنطقة، وتمويل هذه الخطة وتنفيذها؛

    القاهرة/بروكسل، 30 كانون الثاني/يناير 2007





  5. #5
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation


    تقرير حول الشرق الأوسط رقم 6130كانون الثاني/يناير 2007


    مسألة سيناء المصرية



    1. مقدمة

    في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2004، انفجرت ثلاث قنابل في كلٍّ من المنتجعات البحرية في طابا ورأس الشيطان[1] ونويبع في جنوب سيناء قرب الحدود الإسرائيلية فقتلت 34 شخصاً.[2] وفي 23 تموز 2005، استهدفت شرم الشيخ وقتل فيها زهاء 70 شخصاً جلّهم من المصريين. وفي 14 آب/أغسطس 2005، استهدفت قنبلتان مزروعتان على الطريق حافلة عابرة تعود إلى قوات المراقبة متعددة الجنسية في سيناء، وذلك قرب حدود غزة في الشمال، مما ألحق إصاباتٍ طفيفة باثنين من الكنديين. وفي 24 نيسان/أبريل 2006 استهدف منتجع دهب الساحلي بجنوب سيناء بثلاث قنابل قتلت 18 شخصاً من السياح المصريين والأجانب وجرحت حوالي 90 غيرهم. وبعد يومين من ذلك استهدفت قوات المراقبة متعددة الجنسية من جديد، وذلك عند الغورة على حدود غزة، ولم يصب أي أجنبي.
    عاد الإرهاب إلى مصر بعد غيابٍ استمر سبع سنوات (1997 – 2004).[3] وكانت عمليات شرم الشيخ وطابا ونويبع متماثلة الأسلوب: استخدام عدد من السيارات المفخخة ضد المدنيين. وقد نسبت هذه الهجمات المحضرة بعناية إلى تنظيم القاعدة على نحوٍ متعجّلٍ أول الأمر، لكن حقيقة من يتحمل المسؤولية الفعلية عنها ظلت مثار سؤالٍ زمناً طويلاً. وبعد تحقيقاتٍ اتسمت بالارتباك، أعلنت السلطات أن جماعةً مصريةً غير معروفةٍ سابقاً قامت بهذه الهجمات جميعاً، وهي جماعة التوحيد والجهاد التي تضم عناصر من البدو وأشخاصاً من أصولٍ فلسطينية من شمال سيناء، ومن منطقة العريش خاصةً.
    ومن المحيّر أن هذه الهجمات الرئيسية الثلاث وقعت في تواريخ تحمل قيمة رمزية في مصر، أو بالقرب من تلك التواريخ. فالسادس من تشرين الأول/أكتوبر ذكرى عبور قناة السويس في حرب 1973؛ و23 تموز ذكرى ثورة 1952؛ كما أن يوم 24 نيسان/أبريل يصادف عشية ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، ويصادف عيد شم النسيم[4] أيضاً.[5] إن هذه التواريخ، إضافةً إلى العدد الكبير من الضحايا المصريين،[6] سببٌ يدفع إلى التفكير في الكيفية التي قد يمكن بها الربط بين هذه الهجمات وبين مسألة سيناء وأهلها من حيث علاقتهم بالأمة ككل. كما أن ثمة جانباً آخر (هوية الإرهابيين) يوجب تفحص وضع سيناء اليوم بعد 25 عاماً من عودتها إلى مصر في أعقاب احتلالٍ إسرائيلي دام 15 عاماً، وبعد تاريخٍ أصابته نزاعات الشرق الأوسط بآثارٍ مؤلمة.


    2. المعلومات المعروفة عن الهجمات الإرهابية في سيناء

    بعد أيامٍ معدودة من تفجيرات دهب، كثفت الشرطة عملياتها للقبض على أعضاء حركة التوحيد والجهاد. وقد قتل زعيم الحركة نصر خميس الملاحي يوم 9 أيار/مايو 2006، في حين استسلم زميله الفار محمد عبد الله عليان أبو غرير. إن الشهادة التي أدلى بها الأخير أمام نيابة محكمة أمن الدولة بالإسماعيلية أوائل شهر تموز، وكذلك اعترافات أفراد الجماعة الآخرين الذين ألقت الشرطة القبض عليهم خلال موجاتٍ متعاقبة من الاعتقالات بعد شهر تشرين الأول/أكتوبر 2004، تلقي الضوء خاصةً على ارتباك عمليات التحقيق التي تضمنت اعتقال آلاف الأشخاص في سيناء وقتل عشرات من أفراد الجماعة. وتشدد الرواية الرسمية التي قدمتها الشرطة على عنصرين رئيسيين: الأول هو أن تنفيذ الهجمات جاء كجزءٍ من خطةٍ واحدة وضعتها جماعة التوحيد والجهاد؛ وأما الثاني فهو أن هذه المنظمة على صلةٍ بالتنظيمات الإسلامية الفلسطينية.
    وعلى نحوٍ أكثر تحديداً، قيل أن الفلسطينيين متورطون في تدريب أفراد الجماعة في غزة ومصر. ويقال أن اثنين من الرجال المسؤولين عن تفجيرات دهب تدربوا في فلسطين؛ كما يزعم أن ثلاثة فلسطينيين قاموا بتدريب أعضاء الجماعة في مصر، وأن الشرطة عثرت مع مشتبهٍ فيه اعتقلته في أيار/مايو 2006 على هاتفٍ مرتبطٍ بالشبكة الهاتفية الفلسطينية، وكذلك على مبلغ 1000 دولار.[7] وبإيراد هذه المعلومات، تزعم السلطات أن ثمة صلة بين التنظيم الإرهابي وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. أما السلطة الفلسطينية التي سارعت إلى إدانة تفجيرات دهب،[8] فتقول أن الصلة الممكنة الوحيدة هي صلةٌ بين أفراد فقط، وأنها تستند إلى روابط عائلية وقبلية.[9]
    لم تصدر أية مطالبةٍ رسمية، كما لم يصدر تصريحٌ رسمي، لا قبل الهجمات في سيناء ولا بعدها؛ وهذا ما يترك تلك الأحداث مفتوحةً للتخمين.[10] لكن، وحتى إن وجدت "صلة فلسطينية" حقيقةً، فقد أقيمت هذه الصلة في مصر أول الأمر. إن زعيم الجماعة نصر خميس الملاحي، وواحدٌ من الأشخاص المسؤولين عن تفجيرات طابا (إياد سعيد صالح) من أصلٍ فلسطيني، لكنهما مصريا المولد.
    وثمة سببٌ وجيه يحمل على الاعتقاد بأن الهجوم الأول في طابا كان على صلةٍ بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني (وإن لم يكن مرتبطاً بالضرورة بأحد الفصائل الفلسطينية). ويمثل منتجع طابا الواقع على مرمى حجر من الحدود الإسرائيلية وجهةً مفضلة للإسرائيليين من أجل قضاء العطلات؛ وقد كان بين الضحايا كثيرٌ منهم. لكن الغالبية العظمى من ضحايا الهجمات اللاحقة كانت من المواطنين المصريين.[11]
    ويطرح البعض فرضيةً مفادها أن تفجيرات شرم الشيخ ودهب كانت عملاً انتقامياً قامت به الجماعة رداً على اعتقال آلاف الأشخاص في أعقاب تفجيرات دهب.[12] وقيل إن من شأن هذه الفرضية أن تفسر سبب استهداف المدنيين المصريين (بفرض أن الإرهابيين قصدوا قتل المصريين).[13] كما رأى آخرون في تفجيرات شرم الشيخ، وبصرف النظر عن جنسيات الضحايا خاصةً، ضربةً موجهةً إلى الرئيس مبارك (أو رسالةً له)، وذلك بالنظر إلى أن شرم الشيخ مكانٌ رئيسي لعقد مؤتمرات القمة وإلى أن الرئيس يذهب إليها كثيراً. وقد تلقت نظرية الرسالة الموجهة إلى مبارك مزيداً من التأييد من خلال تفجيرات دهب. وقد شاعت أنباءٌ على نطاقٍ واسع قالت أن المؤسسة الرئيسية التي استهدفتها التفجيرات كانت مطعم آل كابوني بمركز البلدة.[14] أما ما لم تقله الأنباء فهو أن مالك هذا المطعم كان من مؤيدي مبارك المحليين البارزين في الانتخابات الرئاسية التي جرت في آب/أغسطس ـ أيلول/سبتمبر 2005.[15]
    وعلى نحوٍ أكثر عمومية، كانت فرضية استهداف مصر والمصريين على نحوٍ ما (وليس السياح الإسرائيليين أو الغربيين مثلاً) حاضرةً على نحوٍ بارز في تعليقات وسائل الإعلام المصرية.[16]
    إن فرضية الاستهداف المتعمد للمدنيين المصريين تنقض (جدلاً على الأقل) الزعم بمسؤولية تنظيم القاعدة[17] وتطرح أسئلةً تتعلق بوضع سيناء وسكانها ضمن إطار الدولة المصرية بحيث يمكن تفسير الهجمات بأنها تعبيرٌ عن "مشاعر انفصالية بين أهل سيناء يحملونها تجاه بقية المصريين"، وذلك حسب تعبير عبد اللطيف المنياوي في صحيفة الأهرام. إن دعوة المنياوي إلى اليقظة إزاء محاولات الرامين إلى تقسيم الأمة (إسرائيل تلميحاً)، وهي نظريةٌ متكررة الظهور لدى المعلقين المصريين، تجعله يلح على أن "سيناء جزءٌ لا يتجزأ من مصر، وأن البدو هم أبناء الأمة المصرية".[18]
    إن الإصرار على هذه النقطة يكشف مدى إشكالية دمج سيناء منذ الانسحاب الإسرائيلي منها. ومازالت نظرة سكان وادي النيل إلى بدو سيناء تحمل أثر تركة الحروب التي دارت في شبه الجزيرة. وقد أفضت تفجيرات سيناء إلى نظرةٍ أكثر تنوعاً إلى البدو شبه المجهولين الذين يغلب وصمهم بصفاتٍ سيئة؛ لكن بعض المصريين مازالوا ينظرون إلى البدو بوصفهم خونة ومتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي، إضافةً إلى اعتبارهم انتهازيين غير وطنيين يمارسون مختلف أنواع التهريب (المخدرات والنساء والأسلحة)، وأنهم يعملون مع السياح الإسرائيليين، ولعلهم صاروا إرهابيين الآن.
    ‌أ- ملابسات التحقيق
    يتعين التعامل الحذر مع تلك الحفنة من المعلومات المتوفرة حول التفجيرات الإرهابية في سيناء. فالصحافة، وهي المصدر الرئيسي، لا تنشر إلا ما تسمح به السلطات. ويبدو أن جماعة التوحيد والجهاد فقدت قيادتها بعد مقتل نصر خميس الملاحي الذي زُعم أنه قائدها، وكذلك بعد اعتقال عرفات عودة الذي يعتبر الشخص الثاني بعد أن قتلت الشرطة في أيلول/سبتمبر 2005 خالد المساعيد، وهو من أسس الجماعة مع الملاحي. كما اعتقل زهاء ثلاثين عضواً مزعوماً في الجماعة في شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو 2006 في ذروة عملية تحقيقٍ مطولةٍ اتسمت بعنف خاص وأدت إلى مقتل 15 شخصاً خلال هذين الشهرين وإلى مواجهاتٍ مع الشرطة بمنطقة العريش وعشراتٍ من الاعتقالات أيضاً (آلاف المعتقلين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2004). وقد قتل جميع من شاركوا في العمليات مشاركةً مباشرة إضافةً إلى من يزعم أنهم قادة جماعة، وذلك إما أثناء الهجمات ذاتها أو خلال الحملات التي شنتها الشرطة. وقد استندت إعادة بناء الأحداث على اعترافات الأعضاء المزعومين في الجماعة، وقلةٌ منهم شاركوا على نحوٍ غير مباشر.
    وقد لقيت الاعتقالات والتحقيقات شجباً واسعاً من جانب منظمات حقوق الإنسان. ففي الأيام التي أعقبت تفجيرات طابا، وقدرت هيومن رايتس ووتش وبعض الجماعات المصرية أن عدد المعتقلين بلغ 3000 شخصاً في العريش وشرم الشيخ وشيخ زويد ورفح واحتجازهم أشهراً كثيرة من غير إجراء تحقيقٍ قضائي معهم.[19]وقد كشفت الشهادات عن استخدام التعذيب في الاستجواب.[20]وضع شمال سيناء في حالة شبه حصار وجرت مراقبة الطرق مراقبةً شديدة. وبعد تفجيرات شرم الشيخ ودهب، تحدثت الصحافة عن آلاف الاعتقالات، كما عبرت منظمات حقوق الإنسان المصرية عن قلقها الكبير.[21] لكن تقدير عدد الاعتقالات أو إجراء استطلاع ميداني حولها كما جرى بعد تفجيرات طابا كان أمراً مستحيلاً لأن "الناس كانوا خائفين من الكلام وتقديم الأدلة" كما يقول أحمد سيف الإسلام مدير مركز هشام مبارك الحقوقي ومحامي الدفاع في محاكمات طابا.[22] وهو يقول أن الشرطة تقلل من الرقم الحقيقي كثيراً. وقد استهدفت الاعتقالات شمال سيناء[23] على نحوٍ خاص حيث ينتمي معظم أفراد الجماعة، لكن جنوب سيناء شهد اعتقالاتٍ أيضاً.[24]
    ‌ب- جماعة التوحيد والجهاد

    أتت المعلومات الوحيدة المتوفرة عن هذه الشبكة الإرهابية من اعترافات المشتبه فيهم. وتقول هذه الاعترافات أن منفذي الهجمات كانوا من البدو وغيرهم من ذوي الأصول الفلسطينية من أعضاء الجماعة التي تشكلت بعد بداية الحرب العراقية. ويبلغ عدد أعضاء الجماعة 40 شخصاً تشير أسماؤهم إلى انحدارهم من القبائل والعائلات البارزة في شمال سيناء (السواركة والمساعيد والترابين).
    وقد أسس الجماعة كلٌّ من خالد المساعيد ونصر خميس الملاحي. وقتل المساعيد، وهو طبيب أسنان من العريش والمشتبه فيه الأول في تفجيرات شرم الشيخ، على يد الشرطة في أيلول/سبتمبر 2005. أما الملاحي، وهو خريج كلية الحقوق، فقد بدأت الشرطة البحث عنه بعد تفجيرات طابا وكان من بين المتهمين الخمسة عشر في المحاكمة التي بدأت في شباط/فبراير 2006 وانتهت في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2006.[25] وكان الملاحي المولود في دلتا النيل لأبوين فلسطينيين جاراً للمساعيد في مدينة العريش؛ ويقال أنه كان شاباً ذكياً لكنه ترك الدراسة للعمل في الحقل. وكان يحرص على التردد إلى جامعٍ في منطقة شيخ زويّد كان خطبته تدعو إلى الجهاد، أي إلى استخدام جميع الوسائل من أجل تغيير المجتمع، إضافةً إلى المقاومة والتضامن مع الشعبين العراقي والفلسطيني.[26]
    ووفقاً لإفادة أحد المتهمين بتفجيرات طابا أمام المحكمة،[27] كانت الجماعة تعتبر حكام مصر وشرطتها من الكفرة، وكانت تعتبر السياحة والآثار الفرعونية من المحرمات وتصف زيارة المواقع الأثرية بأنها عبادة أصنام.[28] وقام الملاحي والمساعيد بتجنيد شباب من منطقة شيخ زويد الزراعية التي تتفشى فيها البطالة، وهي منطقةٌ تتميز بسوء البنية التحتية الأساسية الشديد أو بانعدامها، وكذلك بقربها من فلسطين لا من ناحيةٍ جغرافيةٍ فقط بل من ناحية الصلات العائلية والقبلية واللغوية والاقتصادية.
    وبما يتجاوز الملابسات المتعلقة بهجمات سيناء، وكذلك بالنظر إلى عدم شفافية التحقيق، نقول إن ثمة مخاطر في محاولة إعادة إنشاء تفاصيل ما حدث؛ وذلك حتى في الإطار العام. لكن الهوية البدوية والفلسطينية لأفراد الجماعة الإرهابية تقدم نقطةً يمكن الانطلاق منها. وهي تقود تحديداً إلى التفكير في ما يدعى باسم "مسألة سيناء" عامةً، وتلقي الضوء على أربعة جوانب رئيسية في هذه القضية:

    q خصوصية هذه المنطقة الحدودية المصرية التي ترتبط تاريخياً واجتماعياً بجوارها الشرقي أكثر مما ترتبط بوادي النيل؛
    q تعدد أصول سكان المنطقة، بمن فيهم الفلسطينيون الذين يعيشون ويعملون فيها ولهم صلاتٌ تاريخيةٌ وعائليةٌ واقتصادية ولغوية عبر الحدود؛
    q الأوضاع الوحشية على حدود غزة رغم انسحاب الإسرائيليين منها في آب/أغسطس 2005 وتولي المصريين والشرطة الفلسطينية والمراقبين الأوروبيين المسؤولية عن ضبط الحدود؛
    q حقيقة كون هذه العمليات نفذت على يد رجال من شمال سيناء واستهدفت منتجعاتٍ سياحية في جنوبها، وهي منطقةٌ ذات أهميةٍ استراتيجيةٍ للسياحة نجت في التسعينات من العنف الذي مارسته الجماعة الإسلامية في وادي النيل.[29] وبكلماتٍ أخرى، نقول أن هذه الأفعال تلقي الضوء على عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الشمال الذي يعتبر من أفقر المحافظات المصرية، وبين الجنوب الذي تتركز فيه الاستثمارات الخاصة والمساعدات التي يقدمها المانحون.

    وتبين هذه العناصر الحقائق الاجتماعية والسياسية المعقدة في المنطقة، كما تظهر عدم إمكانية رد الأمر إلى حالةٍ عارضةٍ مؤقتة أو إلى بعض البدو المتمردين وعددٍ محدود من الفلسطينيين المعزولين. فالأمر يتعلق بالوضع الجيوسياسي، وهو يكشف ضمناً عن مدى الصعوبة التي واجهت الحكومة المصرية في دمج هذه المنطقة الحدودية التي عاشت أخطار الحرب والسلم أكثر من 50 عاماً (وهي منزوعة السلاح من عام 1982)؛ وكانت لمدةٍ أطول من ذلك بكثير نقطة تقاطع سياسية وعسكرية واستراتيجية واقتصادية دولية هامة من أجل بناء الأمة المصرية.



    [1]- تقع رأس الشيطان بين طابا ونويبع. وقد أقيمت فيها مؤخراً مخيماتٌ بدوية للسياح (ومعظمهم إسرائيليون).


    [2]- قتل 12 إسرائيلياً، وجرح 120 في هجمات طابا ورأس الشيطان.


    [3]- لم يعد الإرهاب إلى سيناء وحدها. ففي 7 نيسان/أبريل 2005 انفجرت قنبلةٌ في حي خان الخليلي السياحي بالقاهرة فقتلت سائحين فرنسيين وأمريكياً واحداً. وفي 30 نيسان/أبريل، في القاهرة أيضاً وفي حادثةٍ يرجح ارتباطها بما قبلها (كان منفذوها من نفس الحي)، ألقى رجلٌ بنفسه من فوق جسر 6 أكتوبر، وعند انفجار قنبلة منزلية الصنع كان يحملها، قتل ذلك الشخص وجرح ثمانية أشخاص آخرين. وبعد ساعة من ذلك أطلقت شقيقته وخطيبها النار على سياح إسرائيليين قرب قلعة القاهرة ثم قتلا نفسيهما.


    [4]- يعود شم النسيم إلى أيام الفراعنة. وتحتفل به جميع الأديان في البلاد.


    [5]- لم تغفل الصحافة المصرية عن دلالات هذه التواريخ؛ "لعبة الفزورة"، الأهرام ويكلي ، 27 نيسان/أبريل ـ 3 أيار/مايو 2006.


    [6]- سقط 14 مصرياً من أصل 18 قتيلاً في دهب، وكان الآخرون من الألمان واللبنانيين والروس والسويسريين. المصدر السابق.


    [7]- هذا ما أوردته الصحافة المصرية استناداً إلى بلاغٍ عن وزارة الداخلية. "من شرم الشيخ إلى فلسطين"، و"اعترافاتٌ خطيرة حول الهجمات الإرهابية في سيناء"، الأهرام، 29 أيار/مايو 2006؛ المصري اليوم، 24 أيار/مايو و3 حزيران/يونيو 2006.


    [8]- وكالة الأنباء الفرنسية، 26 نيسان/أبريل 2006.


    [9]- المصري اليوم، 3 حزيران/يونيو 2006.


    [10]- انظر "من وراء التفجيرات في سيناء؟ تنظيم أرهابي ... القاعدة... البدو... أم مخابرات أجنبية؟"، المصوَّر، 5 أيار/مايو 2006.


    [11]- ثمة إسرائيلي واحد بين المصابين في دهب.


    [12]- دخلت هذه الفرضية حيز التداول عبر بيانٍ صدر عن جماعة "شهداء كتائب سيناء" الغامضة ادعى (على نحوٍ غير مقنع) المسؤولية عن تفجيرات شرم الشيخ، المصري اليوم، 25 تموز 2005.


    [13]- طبقاً لاعترافات غرير، كان الهدف هو "قتل الإسرائيليين والأمريكيين انتقاماً لضحايا الانتفاضة الفلسطينيين. ولم نكن نقصد إيذاء المسلمين"، المصري اليوم، 29 تموز 2006 (تستشهد الصحيفة بمحضر استجواب المتهم أمام نيابة محكمة أمن الدولة الذي جرى بموجب قانون الطوارئ). ليس من المفاجئ في شيء أن ينكر المتهمون أمام محكمةٍ مصرية اعتزامهم استهداف المصريين، لكن ذلك يترك سبب وجود غالبية من الضحايا المصريين في تفجيرات شرم الشيخ ودهب من غير توضيح. ففي شرم الشيخ، انفجرت قنبلةٌ في البلدة القديمة التي يقل فيها وجود السياح الأجانب عما هو في البلدة الحديثة في خليج نعمة حيث وقعت الهجمات الأخرى. وبما أن القتلى السبعة عشر الذين سقطوا في بلدة شرم الشيخ القديمة كانوا من المصريين، يمكن القول إن هذا يدعم نظرية الاستهداف المتعمد للمصريين إلا إذا افترض المرء أن القنبلة انفجرت عرضاً أو قبل موعد توقيتها.


    [14]- "بركٌ من الدماء في تفجيرات مصر"، بي بي سي نيوز، 24 نيسان/أبريل 2006؛ "قنابل تقتل 23 مصرياً على الأقل في منتجعٍ مصري" و"زعماءٌ يشجبون تفجيرات مصر"، الغارديان، 25 نيسان/أبريل 2006؛ "تفجيرٌ انتحاري في منتجعٍ مصري يقتل 18 شخصاً"، وكالة الأنباء الفرنسية، 25 نيسان/أبريل 2006. وقالت الصحافة المصرية أن القنبلة الأولى انفجرت في مطعم آل كابوني، الأهرام ويكلي، 27 نيسان/أبريل ـ 30 أيار/مايو 2006.


    [15]- مقابلات كريسز جروب ومشاهداتها، دهب، 24 – 30 نيسان/أبريل 2006. أقام مالك المطعم في أنحاء المنطقة لافتاتٍ كبيرة تؤيد ترشيح الرئيس مبارك، تحمل دعايةٍ للمطعم أيضاً. وكانت اللافتات ما تزال موجودةً وقت وقوع التفجيرات في نيسان/أبريل 2006.


    [16]- أصدر مجلس الوزراء في 24 تموز 2005 بياناً يعلن فيه أن التفجيرات تستهدف مصر واقتصادها، الأهرام، 25 تموز 2005. وبعد تفجيرات دهب، قال المدير السابق لجهاز أمن الدولة في مصر فؤاد علام أن المجموعة المسؤولة عن هجمات سيناء (بخلاف الحركات الجهادية في وادي النيل في التسعينات؛ أي تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية) كانت "تختار المكان والزمان اللذان توجد فيهما غالبيةٌ من السياح المصريين"، الأهرام ويكلي، 27 نيسان/أبريل ـ 3 أيار/مايو 2006.


    [17]- ردد المحللون الإسرائيليون والصحافة الإسرائيلية هذا الزعم بحماسةٍ. لكن، وإذا كان المدنيون المصريون مستهدفون على نحوٍ متعمد، فمن شأن ذلك التشكيك في المسؤولية المباشرة لتنظيم القاعدة. إن مبدأ التكفير الذي تأخذ به القاعدة مقتصرٌ على الدول ولا يشمل الناس. أما المفهوم الأكثر اتساعاً، وهو "تكفير المجتمع" الذي وفّر أساساً عقائدياً لمذابح المدنيين الجماعية التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر أواسط التسعينات فهو ما شجبته القاعدة رسمياً إذ أنها قطعت علاقاتها بالجماعة الإسلامية المسلحة لهذا السبب تحديداً. انظر تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم 29 الصادر عن كرايسز جروب "النزعة الإسلامية والعنف والإصلاح في الجزائر: قلب الصفحة"، 30 تموز 2004.


    [18]- الأهرام ويكلي، 27 نيسان/أبريل ـ 3 أيار/مايو 2006.


    [19]- أدى عنف الاعتقالات واتساع نطاقها في صفوف الرجال من السكان إلى تعبئة نسائية في مناطق شيخ زويد ورفع والعريش. ففي 11 كانون الأول/ديسمبر، ذهبت أمهات السجناء وزوجاتهم وشقيقاتهم إلى القاهرة للإدلاء بشهاداتهن عن الأوضاع، ولقين ترحيب نقابة الصحفيين المصرية. "شمال سيناء، النساء يدخلن المعركة"، لا ريفو ديجبت، كانون الثاني/يناير ـ شباط/فبراير 2006.


    [20]- "مصر: الاعتقالاتٌ الجماعية والتعذيب في سيناء"، هيومن رايتس ووتش، شباط/فبراير 2005.


    [21]- أقامات عربية، 27 نيسان/أبريل 2006.


    [22]- مقابلة كرايسز جروب مع أحمد سيف الإسلام من مركز هشام مبارك الحقوقي، القاهرة، 29 تموز 2006.


    [23]- زارت كرايسز جروب شيخ زويّد ومحيطها في أوائل حزيران/يونيو 2006 أي بعد أيامٍ قليلة من عمليات الشرطة التي انتهت باعتقال من يشتبه بأنهم أفرادٌ في الجماعة وبمقتل سبعة أشخاص. وكان السكان مازالوا في حالة صدمة ولم يجرؤوا على الحديث صراحةً. لم ينج منزلٌ واحد من تفتيش الشرطة بعد تفجيرات طابا الإرهابية، وكانت الإغارات تتم ليلاً من قبل عشرات عناصر الشرطة في سيارات مصفحة. لكن الظاهر أن التحقيقات في تفجيرات شرم الشيخ ودهب كانت أكثر اعتماداً على استخدام شبكة من المخبرين في أوساط السكان المحليين. وقد تناولت الصحافة هذا التغيير تناولاً موسعاً وتحدثت عن "تعاون من جانب بعض القبائل المحلية"، وهو ما أكدته لنا بعض المصادر المحلية.


    [24]- في 15 أيار/مايو 2006، تحدثت يومية الحياة، دون ذكر المصدر، عن 3000 معتقل بعد تفجيرات دهب من بينهم 2000 في جنوب سيناء. ولم تنج من الاعتقالات قرية أبو غالوم الصغيرة جداً الواقعة على بعد كيلومتراتٍ قليلة إلى الشمال من دهب بجنوب سيناء. ولا يمكن الوصول لهذه القرية التي يسكنها 30 أسرة من صيادي الأسماك البدو إلا بالعربات أو على الأقدام عبر طريقٍ تحاذي الساحل. وقد احتجز من أهلها ثلاثة أشخاص منذ نيسان/أبريل 2006 دون تقديمهم إلى التحقيق القضائي. مقابلة كرايسز جروب، أبو غالوم، دهب، جنوب سيناء، حزيران/يونيو 2006.


    [25]- صدر حكم الإعدام بحق ثلاثة متهمين، وصدر الحكم بالحبس بحق عشرة غيرهم: المؤبد لاثنين، و15 عاماً لاثنين آخرين، وعشرة أعوام لثلاثة، وسبعة أعوام لاثنين، وخمسة أعوام لمتهمٍ واحد. رويترز، 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2006. أما الملاحي الذي قتلته الشرطة في 9 أيار/مايو 2006 فقد حوكم وصدر عليه حكم الإعدام غيابياً.


    [26]- "الإرهابي الملاحي... قائد الجناح العسكري للتوحيد والجهاد"، الأهرام، 6 أيار/مايو 2006. وقد وجه الصحفي في هذه اليومية القومية السؤال التالي إلى المقربين من الملاحي: "كيف تحول المحامي وخريج الحقوق والمثقف حسب شهادة زملائة الى زعيم خلية إرهابية مسلحة ؟ نفذت تفجيرات طابا وشرم الشيخ ودهب ؟".


    [27]- بدأت في شباط/فبراير 2006 محاكمة 15 شخصاً من المتورطين في هجمات طابا. وتولى الدفاع محامون من منظمات حقوق الإنسان المصرية، وأبرزهم أحمد سيف الإسلام مدير مركز هشام مبارك الحقوقي. مقابلة كرايسز جروب مع أحمد سيف الإسلام، القاهرة، 27 تموز 2006.

    [28]- الحياة، 1 حزيران/يونيو 2006، بالاستناد إلى مصادر الشرطة.

    [29]- في فترة 1992 – 1997، عانى وادي النيل موجةً من الهجمات التي استهدفت السياح والموظفين الحكوميين والأقباط. وفي جنوب سيناء وظفت الحكومة (بعونٍ من القطاع الخاص والمانحين) استثماراتٍ ضخمة اجتذبت حوالي ثلث السياح الأجانب الذين بلغ عددهم 8 مليون عام 2005. وفي أواسط عام 1997، وقّع أعضاء الجماعة الإسلامية (وكان معظمهم في السجن) اتفاقيةً تقضي بوقف أعمال العنف. ثم لقي هجوم الأقصر الذي وقع في تشرين الثاني/نوفمبر 1997 إدانةً إجماعيةً وكان نهاية العمليات الإرهابية. انظر دراسة موجزة صادرة عن كرايسز جروب، الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم 13، "النزعة الإسلامية في شمال أفريقيا، 2: فرصة مصر"، 20 نيسان/أبريل 2004.



  6. #6
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation



    1. إشكالات دمج سيناء في مصر

    أ‌- من الاحتلال البريطاني إلى اتفاقيات كامب ديفيد
    تمتد شبه جزيرة سيناء البالغة مساحتها 61000 كيلومتراً مربعاً من ساحل البحر المتوسط إلى خليج السويس وخليج العقبة. وبصفتها منطقةً حدودية تقع عند التقاء قارتي أفريقيا وآسيا، كانت سيناء على الدوام عازلاً استراتيجياً بين وادي النيل وجيران مصر الشرقيين.[1] ويصفونها بالعربية بأنها "مفتاحٌ" بأكثر معاني هذه الكلمة حرفيةً.[2]
    وأثناء حكم محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت السيطرة على سيناء نقطة خلافٍ جوهرية اعتباراً من اللحظة التي بدأت فيها مصر تؤكد على استقلاليتها عن السيطرة العثمانية من خلال بناء دولةٍ مركزية والعمل على تحديد حدودها. وأدى افتتاح قناة السويس عام 1869 إلى وضع المنطقة في محور المناورات التي راحت تقوم بها القوى الأوروبية للسيطرة على التجارة بين المتوسط والبحر الأحمر. وفي عام 1906، توصل البريطانيون الذين بسطوا انتدابهم على مصر منذ 1882 إلى ضم شبه جزيرة سيناء إلى ولاية مصر [3] رسمياً وإلى الاتفاق على ترسيم الحدود بينها وبين فلسطين.[4] وبعد ذلك خضعت سيناء للإدارة العسكرية البريطانية.
    لكن قناة السويس ظلت، ومن نواحٍ كثيرةٍ، الحدود الشرقية الحقيقية لمصر. وظلت سيناء منطقة مهمشة تحدد الظروف السياسية الاستراتيجية تبعيتها. وفي فترة 1949 – 1967، كانت سيناء وقطاع غزة تحت الإدارة العسكرية المصرية. وتمثل الفارق بين المنطقتين في أن ادعاء مصر(وممارستها) السيادة على سيناء كان موضع اعترافٍ عام، في حين لم تدعِ السيادة على غزة حيث كانت إدارتها تلقى دعم أول قوات لحفظ سلام تابعة للأمم المتحدة من تشرين الثاني/نوفمبر 1956 حتى حزيران/يونيو 1967، وذلك طبقاً للاتفاقيات التي وضعت حداً لأزمة السويس عام 1956. وقد أدت حرب 1967 وهزيمة مصر فيها إلى تأكيد الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها سيناء بالنسبة لكل من مصر وإسرائيل التي احتلت بعد تلك الحرب شبه الجزيرة طيلة خمسة عشر عاماً.
    ثم جاءت اتفاقية كامب ديفيد في أيلول/سبتمبر 1978 وتلتها اتفاقية سلامٍ رسمية في آذار/مارس 1979 فوضعت سيناء في مركز المفاوضات وفي قلب عملية تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل. وكان الأمر بالنسبة لمصر مسألة تحريرٍ وتأكيدٍ على السيادة الوطنية لا صلة له بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وكشفت المفاوضات الطويلة الشاقة لاستعادة منطقة طابا عن مدى تصميم مصر في سعيها إلى تأكيد حدودها الوطنية.[5] وجرى نزع سلاح شبه جزيرة سيناء التي استقرت فيها قوة المراقبين متعددة الجنسيات[6] التي بدأت عملها في 25 نيسان/أبريل 1982، أي يوم انسحاب قوات إسرائيل من سيناء.
    وعادةً ما تشجب المعارضة المصرية، الإسلامية خاصةً، هذه القوة بصفتها قوةً أمريكية.[7] لكن، ومنذ آب/أغسطس 2002، بدأت الولايات المتحدة تقلل عدد جنودها تدريجياً، فقد هبط عددهم إلى النصف تقريباً بعد أن كانوا يشكلون غالبية عناصر القوة عام 1983.[8]
    أما من الناحية الإدارية فإن سيناء تنقسم إلى محافظتين متساويتي المساحة تقريباً، وذلك وفق خطٍّ يمتد من شرقها إلى غربها؛ وفي كلٍّ منهما مجلسٌ ومسؤولون تنفيذيون منتخبون محلياً، كما هي الحال في 26 محافظة أخرى في مصر. وعلى رأس كلٍّ من المحافظتين يوجد محافظٌ يعين من بين جنرالات الجيش كما في جميع المحفظات المصرية تقريباً. أما من الناحيتين العسكرية والأمنية، فالمنطقة خاضعةٌ إلى نظامٍ خاص. وهي مقسمةٌ إلى أربع مناطق تمتد من الشمال إلى الجنوب توجد في كلٍّ منها وسائل سيطرة وفقاً لما تسمح به اتفاقيات كامب ديفيد الدولية:[9]
    q المنطقة أ: شريطٌ من الأرض إلى الشرق من قناة السويس يمتد من الشمال إلى الجنوب يُسمح لمصر فيه بنشر فرقة مشاة معززة يبلغ عدد جنودها 22 ألفاً؛
    q المنطقة ب: وهي وسط سيناء حيث تنتشر الشرطة المصرية وتساندها أربع كتائب؛
    q المنطقة ت: تقع إلى الغرب من الحدود مع غزة وإسرائيل وعلى امتداد خليج العقبة حتى شرم الشيخ جنوباً. وتتولى مسؤولية السيطرة عليها الشرطة المصرية وقوة المراقبة الدولية. ولقوة المراقبة قاعدةٌ في الغورة في الشمال، وقاعدةٌ أخرى قرب شرم الشيخ في الجنوب؛
    q المنطقة ث: شريطٌ ضيق على الجانب الشرقي من الحدود المصرية الإسرائيلية حيث يحق لإسرائيل نشر أربع كتائب مشاة، بما في ذلك على امتداد حدود قطاع غزة.
    ب‌- ضبط الحدود
    أعاد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة من جانبٍ واحد طرح مسألة السيطرة المصرية على حدود مصر الشرقية وعلى منطقة سيناء عامةً. وتسمح اتفاقية 28 آب/أغسطس 2005 بين إسرائيل ومصر للأخيرة بنشر سرية من 750 جندياً (وليس من رجال الشرطة الذين لم يكن مسموحاً لغيرهم بالتواجد في تلك المنطقة سابقاً) من أجل ضبط الحدود على امتداد طريق فيلادلفي البالغ طولها 14 كم.[10] وقد أثار هذا الأمر احتجاجاتٍ لدى بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي كان من بينهم زعيم المعارضة بنيامين ناتانياهو الذي رأى أن ذلك يجرّ إلى "إعادة عسكرة" سيناء خلافاً للاتفاقيات عام 1979.[11] أما في مصر فكانت هذه الاتفاقية منسجمةً مع مطالبة السلطات المصرية بمزيدٍ من الموارد من أجل ضبط المنطقة الحدودية، وهو ما جاء استجابةً للنقد الذي تعرضت له جراء بطء التحقيق في الهجمات الإرهابية.[12] كما أن إسرائيل، ومنذ بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، مارست ضغطاً منتظماً على مصر فيما يخص تهريب الأسلحة وانتقال من يشتبه بأنهم من المقاتلين الفلسطينيين عبر الحدود.[13]
    وقد شكك المسؤولون العسكريون الإسرائيليون في كفاءة تلك الترتيبات. فعلى الرغم من تعزيز قوات الحدود المصرية، يقول هؤلاء أن أعمال التهريب الجارية عبر شبكةٍ واسعة من الأنفاق لم تتأثر بالإجراءات المصرية إلا قليلاً. وقدر مسؤولٌ استخباراتي إسرائيلي أن 30 طناً من المتفجرات عبرت إلى قطاع غزة عام 2006،[14] إضافةً إلى الخبرات الفنية المرافقة[15] وملايين كثيرة من الدولارات.[16] وهو يقول أن اثنين فقط من أصل 100 مستشار تحتفظ بهم مصر في غزة يقيمون فيها على نحوٍ دائم.[17] وللدلالة على مواطن القصور في التدابير الأمنية المصرية يستشهد الإسرائيليون بقلة عدد عناصر المخابرات، وبشكوكٍ تتعلق بوجود الرشوة، وخاصةً في صفوف الجنود العاديين؛[18] وكذلك بالافتقار إلى الإرادة السياسية.
    1. معبر رفح الضيق
    منذ تدمير مطار ياسر عرفات الدولي في وقت مبكر من اندلاع منذ تدمير مطار ياسر عرفات الدولي في وقت مبكر من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية[19] صار معبر رفح الطريق الرئيسية لمغادرة قطاع غزة والدخول إليه. كما أن إغلاق المعبر أو فتحه مرهون بموافقة إسرائيل، وهذا ما ينتج آثاراً إنسانيةً وبيلةً في معظم الأحوال. وفي آب/أغسطس 2004، غضب الرأي العام المصري لمعاناة حوالي 9000 فلسطيني ظلوا عالقين على الجانب المصري من الحدود ثلاثة أسابيع. وقد توفي ثمانية منهم خلال تلك الفترة. [20] وعلى الرغم من انسحاب القوات الإسرائيلية وإخلاء المستوطنات بنهاية آب/أغسطس 2005، وترك أمر ضبط الحدود للفلسطينيين والمصريين، عاد معبر رفح فأغلق من جديد في السابع من أيلول/سبتمبر سبتمبر نزولاً عند أوامر إسرائيلية. وفي 12 أيلول/سبتمبر، أحدثت ثغرة في الجدار الحدودي بينما كانت السلطات المصرية تطالب باتفاقية واضحة حول إدارة معبر رفح. ولمدة أسبوع واحد دخل إلى مصر آلافٌ من أهالي غزة من غير إجراءات رسمية لعبور الحدود، وذلك لزيارة أهلهم وأصدقائهم، ولكن أيضاً من أجل التزود بالوقود وغيره من السلع.[21]
    كما قلنا سابقاً، ثمة 70 مراقباً جمركياً أوروبياً (بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في مراقبة الحدود)، وهم يعملون على مؤازرة الشرطة الفلسطينية ويراقبون معبر رفح منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2005. [22] ومن الناحية النظرية لم يعد للإسرائيليين وجود مادي في المعبر، لكنهم يراقبون حركة الناس وأوراقهم الشخصية من خلال نظام مركزي للمراقبة والمعلومات، ثم يبلغون المراقبين الأوروبيين باعتراضاتهم.
    ويظل إغلاق المعبر أو فتحه أمراً لا يمكن التنبؤ به؛ وقد صارت الحوادث التي تقع عنده أمراً أكثر شيوعاً. ففي كانون الثاني/يناير 2006، قتل ضابطان مصريان وجرح 30 جندياً في اشتباكات مع من يزعم أنهم عناصر من كتائب عز الدين القسام كانوا يحاولون السيطرة على المعبر.[23] واعتباراً من 25 حزيران/يونيو 2006، أدت عملية "أمطار الخريف" الإسرائيلية في قطاع غزة إلى ترك عدة آلاف من الفلسطينيين عالقين على الجانب الآخر من الحدود في ظروف صحية حرجة أدت إلى عدد من الوفيات.[24] وفي 14 تموز 2006، أحدث الفلسطينيون ثغرة جديدة في الجدار سمحت لعدة آلاف من الأشخاص بالعبور.
    وفي 11 آب/أغسطس، أعيد فتح المعبر بضع ساعات أمام الحركة المتوجهة من غزة إلى مصر.[25] وقد انتظر الآلاف على الجانب الفلسطيني من الحدود أياماً كثيرة في حين أُمر الفلسطينيون بمغادرة الجانب المصري بحلول نهاية تموز؛ كما علق غيرهم عند عبورهم مطار العريش أو القاهرة. ومنعت التدابير الأمنية الإضافية على طريق العريش رفح عدداً آخر من الوصول إلى المعبر. ولم يتمكن أحد من دخول غزة، فقد أعيد الأجانب الذين لم يكونوا يحملون تكليفاً من منظمات دولية (كان معظم العاملين في تلك المنظمات قد غادروا غزة) أو يحملون تصاريح صحفية إسرائيلية. وقد وجه نقد شديد للمراقبين الجمركيين الأوروبيين:

    "إنهم يعملون ساعة واحدة يومياً. وهم لا يفعلون شيئاً إلا تفقد جوازات السفر، وهو عين ما يقوم به الإسرائيليون، بينما يدخنون ويراقبون الوضع. وهم بحاجة إلى إذن من الإسرائيليين حتى يذهبون من قاعدتهم في كفر سالم إلى المعبر".[26]

    وفي محاولة للتعامل مع هذا الوضع الصعب نشرت مصر في آب/أغسطس 1300 شرطياً على الحدود مع فلسطين وذلك رداً على أعضاء الفصائل المسلحة الفلسطينية الذين هددوا بإحداث ثغرة جديدة في الجدار للسماح بعبور لأشخاص العالقين على الحدود إلى الجانب المصري.[27] ثم فتح معبر رفح بالاتجاهين أخيراً يوم 26 آب/أغسطس، لكن لمدة 10 ساعات فقط، وسمح بعبور زهاء 7000 شخصاً إضافة إلى عبور السلع التي ضمت إغاثات إنسانية.[28] لكن معبر رفح لم يفتح منذ أواخر حزيران/يونيو حتى كانون الأول/ديسمبر 2006 (وعلى نحو جزئي) إلا بما مجموعه 33 يوماً فقط.[29]

    2. التهريب على الحدود بين مصر وغزة

    في أيار/مايو 2006 اعتقلت الشرطة المصرية مراهقين فلسطينيين من غزة كانا يحملان سكاكين وقنابل منزلية الصنع بنية بيعها في رفح.[30] وتواظب الحكومة الإسرائيلية من جانبها على شجب وجود الأنفاق التي تستخدم لتهريب الأسلحة عبر الحدود بين غزة ومصر. وهي تزعم أنها دمرت العشرات منها.[31] ومن نشاطات التهريب الفردية التي تتحدث عنها الصحف المصرية دائماً، إلى التهريب واسع النطاق الذي يتم عبر شبكات محكمة بين الجانبين، صارت الحدود بين غزة ومصر تشتهر بالتهريب منذ نهاية حرب 1948 عندما بدأت الحكومة المصرية إدارتها.وكانت السلع المستوردة إلى غزة تهرّب على نحو منتظم إلى مصر عبر سيناء. كما وجدت طريق تهريب نشطة بين عامي 1948 و1967 تربط بين الضفة الغربية وغزة عبر إسرائيل، ثم تمتد إلى سيناء أيضاً. وتواصل التهريب بعد حرب 1967، وخاصة تهريب منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن الأسلحة إلى مقاتليها بقطاع غزة. لكن هذا النوع من التهريب توقف بعد أحداث أيلول/سبتمبر الأسود (الصدامات العنيفة بين الحكومة الأردنية ووحدات منظمة التحرير عام 1970).
    وعاد التهريب ليصبح قضيةً مطروحةً من جديد بعد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982؛ بل ازداد شدةً بعد اتفاقية أوسلو عام 1993، وخاصةً في السنوات الأخيرة بعد فلتان السلطة في قطاع غزة، وذلك من خلال الأنفاق في المقام الأول وعبر المنافذ الساحلية أيضاً. وتكاد طرق التهريب إلى غزة تخضع لمجموعة من العائلات؛ وهي تعمل في بعض الأحيان ضمن تعاونٍ وثيق مع بعض الفصائل الفلسطينية.

    3. الحدود مع إسرائيل

    إذا انتقلنا إلى الجنوب قليلاً وتجاوزنا طريق فيلادلفي، نجد أن ضبط الحدود مع إسرائيل أقل تأثراً بالنزاعات الإسرائيلية الفلسطينية، لكنه يظل إشكالياً. ففي معظم المنطقة الحدودية الممتدة 230 كم دون حمايةٍ إلا من سياجٍ بسيط، تشتهر قبائل البدو التي تتحرك هناك بممارسة جميع أنواع التهريب.[32] وهذه المنطقة خاصةً منطقة عبور للمخدرات والمهاجرين المتخفين، كما أنها قاعدةٌ سيئة السمعة لشبكاتٍ تجلب النساء من روسيا ووسط أوروبا وشرقها للعمل في الدعارة داخل إسرائيل. ويقول تقريرٌ صدر عام 2004 عن السفارة الأمريكية في إسرائيل:[33]
    "تستخدم مصر كبلدٍ لتجميع وعبور ضحايا الإتجار بالبشر من وسط أوروبا وشرقها. وقد صار من المؤكد أن مصر هي بلد العبور الأول فيما يخص التهريب إلى إسرائيل. وتنقل الضحايا بالطائرات إلى مدنٍ مثل هرقدة وشرم الشيخ والقاهرة، ثم إلى إسرائيل عبر صحراء سيناء. ويجري تهريب النساء جماعاتٍ، إلى جانب السلع والمخدرات والأسلحة والعمال المهاجرين".[34]



    [1]- انظر الخريطة في الملحق (أ) أدناه.


    [2]- يستخدم الجغرافي المصري جمال حمدان خاصةً هذا التعبير في كتابه "سيناء"، (القاهرة، 1982).


    [3]- كلمة ولاية هنا هي الاسم الرسمي الذي يطلق على مناطق الإمبراطورية العثمانية، وكانت مصر واحدةً منها من الوجهة الرسمية.


    [4]- نعوم شقير، "تاريخ سيناء"، (بيروت، الطبعة الأولى 1906، طبعة 1991). كان الكاتب يعمل لدى الإدارة العسكرية البريطانية وقد عمل في سيناء سنواتٍ كثيرة.


    [5]- أعيدت منطقة طابا إلى مصر يوم 18 حزيران/يونيو 1989.


    [6]- تشارك في هذه القوة عشرة بلدان هي الولايات المتحدة وفيجي وكولومبيا والأورغواي وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج وفرنسا وإيطاليا، وتضم قرابة 3000 عنصر عسكري ومدني. ويتولى ضابطٌ نرويجي قيادة هذه القوة إضافةً إلى 1900 مراقب. ويشكل عناصر الولايات المتحدة وفيجي وكولومبيا القسم الأكبر من الجنود، بما في ذلك فصيلة من كلٍّ منها تتولى خفارة المناطق النائية؛ انظر http://www.globalsecurity.org/military/ops/mfo.htm . وتساهم كلٌّ من مصر وإسرائيل والولايات المتحدة في موازنة القوة السنوية البالغة 51 مليون دولار؛ انظر www.mfo.org .


    [7]- أدت هذه الاتهامات إلى حبس عادل حسين شهراً واحداً عام 1994. وقد كان يرأس تحرير صحيفة الشعب العائدة لحزب العمل (حزب إسلامي). وحظرت الحكومة كلاً من الحزب وصحيفته منذ عام 1999.


    [8]- "لا أعتقد أننا مازلنا بحاجةٍ لإبقاء قواتنا في سيناء. ونحن نعمل بحرصٍ مع أصدقائنا وحلفائنا في إسرائيل ومصر للبحث عن سبيلٍ معقول... لتقليل عدد جنودنا الموجودين في سيناء"، دونالد رامسفيلد، كانون الثاني/يناير 2002، ورد في: http://www.globalsecurity.org/military/ops/mfo.htm.


    [9]-انظر الخريطة في الملحق (ب) أدناه.


    [10]- الأهرام ويكلي، 1 – 7 أيلول/سبتمبر 2005.


    [11]- يقول يوفال شتينيتز، رئيس لجنة الدفاع والخارجية في الكنيست، أن هذا الأمر أعاد "الجيش المصري إلى أرض شرق سيناء وسمائها وبحرها. وليس المهم أن تكون تلك القوة صغيرة نسبياً. إنه خطأٌ استراتيجي مصيري... إن طلقة البداية [في الحرب] أمرٌ مهم جداً. ليس لإسرائيل عمق استراتيجي؛ وبالتالي فإن مسألة وجود جيشنا على بعد 150 كم أو 15 كم من الحدود أمرٌ هامٌ جداً"، جيروسالم بوست، 25 آب/أغسطس 2005، والأهرام الأسبوعي، 1 – 7 أيلول/سبتمبر 2005.


    [12]- كان وجود القوات العسكرية مقتصراً على المنطقة (ب)، ولم يكن بوسعها التدخل في المنطقة (ت) من أجل مساندة قوات الشرطة. وقد جرت مطاردة الإرهابيين أساساً إلى الجنوب من العريش (المنطقة ب)، وذلك وصولاً إلى رفح (المنطقة ت).


    [13]- "قال آفي ديشتر، مدير الشين بيت (المخابرات الإسرائيلية) سابقاً، أن 18 طناً من المتفجرات جرى تهريبها إلى القطاع عبر منطقة رفح، وأن المصريين لا يفعلون إلا القليل لمنع ذلك". "التسيب الناجم عن الانسحابات الإسرائيلية من جانبٍ واحد"، جيروسالم بوست، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2006.


    [14]- في تشرين الثاني/نوفمبر 2006، زعم مدير الشين بيت يوفال ديسكين أن 33 طناً من المتفجرات الشديدة من العيارات العسكرية، و20000 بندقية حربية، و3000 مسدساً، و6 مليون مشطاً من ذخائر الأسلحة الصغيرة، و38 صاروخ قسام بعيد المدى، و12 صاروخ موجه مضاد للطائرات يطلق عن الكتف، و95 قاذفة صواريخ مضادة للدبابات، و410 صاروخ مضاد للدبابات، و20 صاروخ عالي الدقة مضاد للدبابات، تم تهريبها إلى غزة منذ فك الارتباط الإسرائيلي. "ما وراء الأخبار: الخطر الذي يتهدد المدنيين الإسرائيليين من قطاع غزة"، وزارة الخارجية الإسرائيلية، 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2006.


    [15]- "إيران وحزب الله يرسلان الخبراء لإقامة جنوب لبنان جديد في غزة مع وجود أسلحة بالستية وأنظمة دفاع جوي ودفاعات معززة لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي". مقابلة كرايسز جروب مع مسؤول في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، القدس، كانون الثاني/يناير 2007.


    [16]- لم تضع اتفاقية رفح أية أحكام بشأن التحويل الشخصي للأموال، ذلك رغم سعي إسرائيل إلى إدخال تعديل عند تجديد الاتفاقية في أيار/مايو 2007. مقابلة كرايسز جروب مع مسؤول بوزارة الخارجية، القدس، كانون الثاني/يناير 2007.


    [17]- مقابلة كرايسز جروب مع مسؤول في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، كانون الثاني/يناير 2007.


    [18]- "تقوم الحركات الإسلامية والسلطة الفلسطينية برشوة بعض العناصر الميدانيين. فعندما تتقاضى 120 دولاراً في الشهر ثم يعرض عليك الآلاف يكون الأمر مغرياً". مقابلة كرايسز جروب مع مسؤول في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، كانون الثاني/يناير 2007. وتحدث دبلوماسيون غربيون عن حالاتٍ عبر فيها غزاويون إلى مصر عن طريق الأنفاق ولم يعترض سبيلهم إلا مراقب جمركي مصري يطالبهم بالمال. مقابلة كرايسز جروب، القدس، كانون الثاني/يناير 2007.


    [19]- تعرض مطار ياسر عرفات الدولي في رفح إلى هجوم عسكري عنيف من جانب إسرائيل في 2001-200، وهو متوقف عن العمل حتى الآن.


    [20]- قدرت الصحافة وجود زهاء 5000 فلسطيني عالقين في القاهرة، و2500 في العريش، و1500 في رفح. وقال الأمين العام لمحافظة شمال سيناء السيد قطب إن تلك هي المرة الخامسة في نفس السنة التي يغلق فيها المعبر لمدة غير محددة. مقابلة مع الأهرام هيبدو، 10 آب/أغسطس 2004.


    [21]- "سندريلا في رفح"، الأهرام ويكلي، 22-28 أيلول/سبتمبر 2005.


    [22]- أتى المراقبون الأوروبيون نتيجةً للاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2005 حول الحركة والعبور والذي أبرم برعاية الولايات المتحدة. وموضوع الاتفاق هو "توفير حضور طرف ثالث في معبر رفح للمساهمة في افتتاحه من خلال التعاون مع مساعدة الاتحاد الأوروبي في البناء المؤسساتي، وكذلك لبناء الثقة بين حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية". ويعمل المراقبون الأوروبيون على الجانب الفلسطيني فقط.


    [23]- الجزيرة، 5 كانون الثاني/يناير 2006؛ الأهرام ويكلي، 10-18 كانون الثاني/يناير 2006.

    [24]- تحدثت المصادر الرسمية عن وفاة شخصين: "وفاة فلسطينيين فيما ينتظر 1000 فلسطيني عند المعبر المغلق بين مصر وغزة"، ميدل إيست تايمز، 15 تموز 2006. لكن شبكات الإذاعة المحلية تحدثت عن 9 وفيات كان معظمها من الأشخاص المسافرين إلى مصر لتلقي العلاج.


    [25]- الجزيرة، 11 آب/أغسطس 2006؛ بي بي سي، 11 آب/أغسطس 2006.


    [26]- مقابلة كرايسز جروب مع عفاف عدوان وهي فلسطينية تقيم بالولايات المتحدة، القاهرة، 18 آب/أغسطس 2006. وكانت عدوان في زيارة لعائلتها في غزة منذ بداية حزيران/يونيو، وهي من بين الدفعة الأخيرة التي سمح لها بعبور الحدود، وذلك بعد يومين من الانتظار مع عدة مئات من الأشخاص عند معبر رفح. وفيما يتصل بالوجود الأوروبي عند المعبر، انظر التصريح الصحفي الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بعنوان "مراقبو الاتحاد الأوروبي في رفح يساهمون خنق قطاع غزة وتجريده من المدنيين"، 3 آب/أغسطس 2006، www.pchrgaza.org/files/pressR/English/2006/88-2006htm. وحول الوضع العام في فلسطين، انظر تقرير الشرق الأوسط رقم 57 الصادر عن كرايسز جروب "إسرائيل/لبنان/فلسطين: الخروج من الهاوية"، 25 تموز 2006.


    [27]- "1300 شرطي مصري يحرسون الحدود بين مصر وغزة"، 21 آب/أغسطس 2006، رويترز.


    [28]- المصري اليوم، 17 آب/أغسطس 2006.


    [29]- "سيفتح معبر رفح 9 ساعات يوم السبت"، مركز الشرق الأوسط الإعلامي الدولي، 30 كانون الأول/ديسمبر 2006.


    [30]- الوفد، 21 أيار/مايو 2006.


    [31]- قال ميري إيزين المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت: "رأت إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة النتائج الجانبية السيئة لحربها في لبنان، فقد حدثت زيادة في تهريب الأسلحة". وقال الجيش الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2006: "تم تدمير 15 نفقاً خلال الأيام الماضية"، وقد ورد هذا القول في "القلاقل تغلق الحدود بين مصر وغزة"، كريستيان ساينس مونيتور، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2006..


    [32]- ثمة أربع قبائل تتقاسم منطقة الحدود، وهي من الشمال إلى الجنوب: الترابين والتياها والعزازمة والأحيوات.


    [33]- انظر www.protectionproject.org.


    [34]- "الإتجار بالنساء عبر مصر خلال عام 2003"، طريقٌ نشطة من أجل العمال المهاجرين، تقرير من إعداد السفارة الأمريكية بتل أبيب، 12 كانون الثاني/يناير 2004.



  7. #7
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation




    1. أهل سيناء: فسيفساءٌ من التناقضات

    ثمة غموضٌ كبير يكتنف أصول سكان سيناء الذين تجري مضاهاتهم بالبدو عموماً.[1] ويكمن خلف هذه الوحدة الظاهرية تنوعٌ غني. كما لا يمكن اختزال جماعات السكان إلى بدو رحّل فقط، فلديهم تاريخٌ من الاستيطان والتبادلات الغنية يعكس حقيقة كون سيناء موقعاً لتقاطع طرقٍ جغرافية.

    أ‌- البدو
    كانت سيناء تاريخياً منطقة للبدو من أهل الصحراء، وهم ينحدرون من شبه جزيرة العرب وبلدان المشرق. وتنتشر في سيناء الآن قرابة 15 قبيلة بدوية، وذلك ضمن مناطقٍ تدار وتحكم عبر اتفاقياتٍ بين تلك الجماعات ووفقاًَ للأعراف.[2]

    ومن بين أهم القبائل في الشمال الشرقي على امتداد ساحل المتوسط قبيلتي السواركة والرميلات. وهم يستوطنون مناطق العريش وشيخ زويّد[3] ورفح، كما تنقسم هذه القبائل إلى عائلاتٍ ممتدة. وإلى الغرب منهم يوجد المساعيد والبياضية والدواغرة. ويغلب التياها والاحيوات والعزازمة على وسط سيناء وتمتد مناطقهم حتى إسرائيل والضفة الغربية.

    أما في الجنوب فالجماعات الغالبة هي الطوارة؛ وهي اتحادٌ من القبائل يضم العليقة وأولاد سعيد والمزينة الذين يعيشون في منطقة شرم الشيخ، وفي الجبال الداخلية ومنطقة دهب خاصةً. أما الترابين، وهم جماعةٌ هامةٌ تاريخياً وحاضراً، فهم في نويبع، لكنهم موجودون في الشمال خاصةً ضمن منطقةٍ تمتد لتبلغ إسرائيل والضفة الغربية. وهناك قبيلة الجبالية التي تقول الأساطير أنها أتت من فالاشي في رومانيا عندما جاء بها العثمانيون لضمان الأمن في المنطقة. وقد تحولوا إلى الإسلام ويعتبرون بدواً الآن؛ لكنهم محافظون على هويتهم من خلال ارتباطهم بدير سانت كاترين. وهم يسيطرون على تلك المنطقة (وعلى الطرق السياحية أيضاً).

    ومن الصعب تقدير عدد البدو في سيناء، فغالباً ما تكون الأرقام التي توردها الصحافة غير موثوقةٍ إذ تصل أحياناً إلى 200000 من أصل عدد إجمالي لسكان سيناء يناهز 360000 نسمة.[4] ومعظم من يطلق عليهم اسم البدو فلاحون أو صيادون مستقرون منذ زمنٍ بعيد، لكن بينهم أيضاً تجارٌ وموظفون ومرشدون سياحيون وأصحاب فنادق. أما عيشة الترحال والرعي (وهما السمتان الرئيسيتان المميزتان للتقاليد البدوية) فهي غير موجودةٍ الآن إلا لدى أقلية صغيرة تضم أفقر البدو وأكثرهم تهميشاً. ويطلق عليهم لتمييزهم عن غيرهم اسم العربان وليس البدو أو العرب،[5] ويعيشون أساساً في الجبال أو الهضاب الداخلية حيث تكون ظروف العيش صعبةً على نحوٍ خاص. ولم يعد يجري التعبير عن الهوية البدوية من خلال أسلوبٍ خاصٍ في الحياة (البداوة)، بل من خلال الانتماء إلى جماعةٍ تُعرّف نفسها بهذه الهوية.

    أما من يعتبرون بدواً، على نحوٍ شديد العمومية، فهم فسيفساء من الجماعات السكانية تعكس التاريخ المعقد للاستيطان الذي جرى في شبه الجزيرة مع تمييزاتٍ واضحة من ناحية الأصول والتقاليد والنشاطات الاقتصادية، بل واللهجة أيضاً. ويمكن التمييز على نحوٍ واضحٍ جداً بين أهل سيناء وأهل وادي النيل من حيث لهجاتهم. فلهجة سيناء أقرب إلى ما نجده في المشرق (فلسطين أو لبنان) أو في جزيرة العرب (الأردن والسعودية). لكن اللهجة تميز أيضاً بين قبيلةٍ وأخرى.[6] كما تتميز جماعات البدو عن بعضها من حيث السيطرة على الموارد الاستراتيجية (الأراضي الزراعية في الشمال والمياه في الصحراء والجبال الداخلية).

    ب‌- الفلسطينيون

    يقدر عدد الفلسطينيين في مصر بين 50000 و70000 نسمة.[7] ويقدر أيضاً أن ثلث سكان العريش (تبلغ 100000 نسمة) من الفلسطينيين، رغم عدم وضوح وضعهم وتاريخ قدومهم إليها. كما أن للفلسطينيين وجودٌ كبير في البلدات الحدودية مثل شيخ زويّد، ومثل رفح بطبيعة الحال.[8]

    ومنذ عام 1984، حرصت الحكومة دائماً على عدم تحول مخيمات اللاجئين فوق أرضها إلى مناطق سكن دائم. وخلال الثمانينات والتسعينات كان مخيما السلوم قرب الحدود الليبية و"كندا" في رفح المصرية استثناءً من هذه القاعدة.[9] وجرى في آخر المطاف نقل سكان مخيم كندا الذين جاؤوا بفعل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء الذي أدى إلى تقسيم رفح نصفين عام 2000، فذهبوا إلى موقعي "البرازيل" و"تل السلطان" ضمن الجزء الفلسطيني من رفح.[10] وفي عام 2004، استهدفت التوغلات الإسرائيلية هذين الموقعين وهدمت المنازل فيهما كجزءٍ من خطةٍ ترمي إلى إنشاء منطقة عازلة وحماية الجدار الحدودي.[11]

    ولا يخضع لاجئو 1948 الفلسطينيون في مصر إلى إشراف المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة،[12] ولا لإشراف وكالة الغوث، فقد رفض رئيس مصر آنذاك جمال عبد الناصر هذا الإشراف. وكان الفلسطينيون يتمتعون عادةً بمثل ما يتمتع به المصريون من حقٍّ في ملكية الأرض والوظائف ومجانية التعليم والصحة. كما ساهمت الإدارة المصرية في سيناء وغزة في الفترة 1948 – 1967 مساهمةً كبيرة في بناء روابط مستقرة بين الشعبين، خاصةً بوجود عدد من القبائل الممتدة على جانبي الحدود. لكن وضع الفلسطينيين صار محل نقاش في السبعينات بعد اتفاقيات كامب ديفيد وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.[13] وبفعل قانونٍ صدر عام 1978، صار الفلسطينيون يصنفون من الأجانب.[14] واعتباراً من أزمة حرب الخليج عام 1990، عمدت مصر إلى فرض قيود شديدة على دخول فلسطينيي غزة. ويقدر أن زهاء 45000 فلسطيني غادروا مصر عام 1995 للعمل في غزة أو للدراسة فيها مع الحفاظ على صلاتهم بعائلاتهم بمصر.[15]

    ت‌- مصريو وادي النيل

    منذ عام 1982 فصاعداً، صارت مصر تعتبر مسألة سيناء أمراً يتعلق بتوطين السكان في المقام الأول. وكانت زيادة عدد سكان شبه الجزيرة وسيلةً لضبطها ودمجها ضمن نسيج البلاد. ومن الصعب إيراد معطيات كمية حول هذه العملية إذا لا توجد أبحاثٌ حولها. و"المصريون" كما يدعون محلياً (حتى فيما بينهم) وافدون من مختلف مناطق وادي النيل، بما فيها الدلتا والجنوب. وهم يشكلون جماعةً متميزة من حيث اللهجة والنشاط الاقتصادي؛ وغالباً ما يقيمون ضمن تجمعاتٍ توافق قراهم أو محافظاتهم الأصلية.

    على سبيل المثال، تعتبر العائلات الوافدة من المنوفية (في الدلتا) مهمةً في شمال سيناء. وقد اهتمت الحكومة كثيراً بتشجيع أهل المنوفية (وهي محافظة الرئيس مبارك) على الهجرة، فعرضت عليهم رواتب مغرية ووظائف في القطاع العام.[16] وتوفر بعض المصانع التي أقيمت في منطقة العريش (ومعظمها مصانع استخراجية، إضافةً إلى مصنعي أسمنت) وظائف ذات رواتب جيدة يحتل معظمها أشخاصٌ من وادي النيل. أما في الجنوب، فقد ازداد استيطان المصريين مترافقاً مع نمو السياحة منذ التسعينات فصاعداً. ويحتل الوافدون من وادي النيل معظم الوظائف، وخاصةً في القطاع غير الرسمي، التي يمكن فيها تفادي الضرائب والرقابة الحكومية تماماً أو إلى درجةٍ كبيرة.[17]


    ث‌- "البوسنيون" في العريش

    الفئة الأخيرة التي يجدر ذكرها هي جماعةٌ من السكان لها تاريخها الخاص وتستقر في العريش حيث تعرف باسم "البوسنيين". وخلال الحقبة العثمانية أقيمت في العريش حاميةٌ عسكرية جاءت مما يُعرف باسم البوسنة الآن. ومازال أبناء هؤلاء الناس في العريش، وهم حريصون على انتمائهم لأسلافهم. وفيما يتجاوز الحقائق التاريخية، يتمسك هؤلاء بتراثهم بصفته أساساً لهويةٍ "أوروبية" ضمن الوسط المحلي تميزهم عن كلٍّ من البدو والوافدين من وادي النيل. ولهذا الخطاب عن الهوية أساسٌ مادي يستندون إليه، فهؤلاء "البوسنيون" ("الأوروبيون") بيض الجلود شقر الشعور زرق العيون بخلاف ملامح من يدعون باسم "الأفارقة" ("المصريين") بسمرتهم وشعرهم المجعد.


    [1]- كان علماء اللسانيات الأجانب الوحيدين الذين بحثوا في تنوع سكان سيناء، وأنتجوا أفضل الدراسات المعاصرة في هذا الميدان: رودلف دو جونغ، "قواعد اللهجات البدوية في ساحل سيناء الشمالي: جَسر الهوة اللغوية بين شطري العالم العربي الشرقي والغربي"، (بريل، 2000)؛ كلينتون بيلي، "الشعر البدوي من سيناء إلى النجف"، (لندن، 2002). ويكاد الاهتمام المصري بسيناء ينحصر بالجانبين الجيواستراتيجي والعسكري؛ ولعل مما يدل على ذلك هو أن أفضل خرائط المنطقة من صنع الجيش، وهي غير متوفرةٍ على نطاقٍ واسع. ولم يجر إدراج الثقافة البدوية ضمن برامج توثيق وحفظ التراث المصري إلا منذ وفترةٍ وجيزة، وأبرز من قام بذلك هو المركز المصري لتوثيق التراث الثقافي والطبيعي. مقابلة كرايسز جروب مع أيمن خوري مدير المشروع في المركز، القاهرة ونويبع، حزيران/يونيو 2006.

    [2]- انظر الخريطة في الملحق ت أدناه.

    [3]- انظر www.protectionproject.org.

    [4]- في أربعينات القرن العشرين، قدر محمد عواد وجود 12000 من البدو الرحل في الشمال وما بين 2000 إلى 4000 في الجنوب. محمد عواد، "استيطان جماعات البدو الرحل وشبه الرحل في وسط سيناء"، إنترناشيونال ليبر ريفيو، المجلد 79، 1959؛ ورد لدى غلاسنر، مارتن، "بدو جنوب سيناء في ظل الاحتلال الإسرائيلي"، جيوغرافيكال ريفيو، المجلد 64، العدد 1، كانون الثاني/يناير 1974. ويورد غلاسنر إحصائياتٍ صادرة عن الإدارة العسكرية الإسرائيلية بجنوب سيناء تتحدث عن وجود 7700 بدوي عام 1972. وفي 1993، أحصت دراسةٌ أجراها مكتب المحميات الوطنية في سانت كاترين 11084 بدوياً من أصل مجموع السكان البالغ 28225 نسمة. لكن الدراسة لا توضح ظروف إجراء الإحصاء أو تعريف "البدوي". كما لم تشمل البدو في مناطق المحميات القومية. وتغطي هذه المحميات معظم منطقة ساحل خليج العقبة (النقب، وأبو غالوم، ونويبع) ومنطقة دير سانت كاترين.

    [5]- كلمة "بدو" تعبيرٌ عام يعني "أهل البادية" أما في الاستخدام المعاصر، وحسب سياق الكلام، فيمكن اعتبار كلمة "عرب" مرادفةً لها على أنها تشير بالضرورة إلى ارتباطٍ بالجزيرة العربية وبأرض النبي. أما في الاستخدام العام فإن كلمة عربان تنطبق على البدو الرعاة الرحل الذين عادةً ما يعيشون في الخيام؛ وهذه سماتٌ تميزهم عن غيرهم من البدو المستقرين منذ أجيالٍ كثيرة. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يقدم بدويٌّ من الترابين عضوٌ في مجلس المدينة (منصب عام وسياسي) ويملك مؤسسةً سياحية نفسه بوصفه عربياً/بدوياً بحيث يشدد على وضعه كوجيهٍ محلي مختلفٍ عن العربان، مع إدراكه أن صورة البدوي في ذهن مخاطبه ترتبط أساساً بالبدو الرحل في الجبال.

    [6]- يدرس كلٌّ من دي جونغ وبيلي الغنى اللغوي لدى أهل سيناء، وقد استشهدنا بهما سابقاً.

    [7]- كان عددهم 53 ألفاً عام 2000 كما يقول السفير الفلسطيني في مصر. وتقول اللجنة الأمريكية للاجئين أن عددهم كان 50000 عام 2001. وهم يبلغون 70000 وفقاً للسلطان المصرية. وردت هذه الأرقام لدى عروب العابد، "الفلسطينيون في مصر: دراسةٌ عن الأسر وطرقها في التلاؤم"، برنامج دراسات هجرة اللاجئين القسرية، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 2003، http://www.aucegypt.edu/fmrs/documen...lishReport.pdf.. وأشارت الكاتبة إلى أن نتائج الإحصاء السكاني المصري لعام 1996 غير موثوقة.

    [8]- تتفق هذه التقديرات مع التقديرات التي أفادتنا بها مصادر محلية التقيناها ميدانياً، ومع التقارير الصحفية أيضاً. ولا توجد دراسات تعطي أرقاماً دقيقة عن الوجود الفلسطيني في المنطقة.

    [9]- راقبت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين إعادة توطين سكان مخيم كندا، وذلك كأمرٍ استثنائي في مصر. وقد أسست هذه المنظمة عام 1949 للاهتمام باللاجئين الفلسطينيين في سورية ولبنان والأردن وغزة. انظر رون ويلكنسون، "نقل مخيم كندا"، تقريرٌ معدٌّ لصالح مركز أبحاث التنمية الدولي، القاهرة، أيار/مايو 2001،

    http://www.dfait-macci.gc.ca/middle_...mp_reviewen.as.

    [10]- كان لهذه التدابير جانبٌ قسري، بما في ذلك استعمال القوة. لكن الفلسطينيين لم يبدو أية مقاومة تقريباً لأن الإجراء تأخر كثيراً بسبب الاختلافات السياسية والافتقار إلى التمويل.

    [11]- في عام 2002، اعتزمت إسرائيل بناء جدار يرتفع 8 أمتار ويمتد 1600 متراً على الحدود بين غزة ومصر، وذلك من مخيم يبنة إلى معبر صلاح الدين الحدودي مع مصر. وكان الهدف إقامة منطقة عازلة على امتداد 14 كم على الحدود المصرية (طريق فيلادلفي)، وذلك أساساً من خلال تعزيز الرقابة على شريط الأرض الممتد بين الجدار والمناطق السكنية. وجرت إقامة هذه المنطقة العازلة عبر هدم مئات المنازل. فقد قامت إسرائيل بتوغلٍ عسكري يومي 12 و13 أيار/مايو 2004 فدمرت 298 منزلاً على امتداد الحدود وقتلت 15 مدنياً. كما جرت عملية "قوس قزح" في مخيمي تل السلطان والبرازيل في رفح فهدمت 166 منزلاً ونجم عنها 32 ضحية في صفوف المدنيين. وبلدة رفح من أكثر المناطق تعرضاً للعنف في الأراضي الفلسطينية، إذ قتل الجيش الإسرائيلي فيها زهاء 400 مدني بينهم 80 طفلاً في الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر 2000 إلى آب/أغسطس 2004. وقد قسمت رفح إلى قسمين منذ عودة سيناء إلى مصر عام 1982، "شطر رفح، تدمير جماعي للمنازل في قطاع غزة"، هيومن رايتس ووتش، تشرين الأول/أكتوبر 2004.

    [12]- ثمة أقل من 200 فلسطيني مسجلين لدى مكتب المفوضية العليا للاجئين في القاهرة. "ربع قرن بعد كامب ديفيد، يقول الخبراء إن اللاجئون الفلسطينيون في مصر يتعرضون للتمييز"، وكالة أنباء الأمم المتحدة، 21 حزيران/يونيو 2006.

    [13]- في عام 1978، اغتيل وزير الثقافة المصري يوسف السباعي على يد جماعة أبو نضال. ويقال أن هذا الفعل الذي جاء تعبيراً عن الغضب الفلسطيني من اتفاقيات كامب ديفيد ألح ضرراً كبيراً بالعلاقات المصرية الفلسطينية.

    [14]- حرم هذا التصنيف الفلسطينيين من حق التملك (حتى التسعينات)، ومن التعليم المجاني (صار عليهم دفع رسوم التعليم بالقطع الأجنبي)، ومن الرعاية الصحية في المؤسسات العامة. وسمح قانونٌ صدر عام 2004 للأمهات المصريات المتزوجات من أجنبي (غير فلسطيني) بنقل الجنسية المصرية إلى الأبناء. لكن استثناء الفلسطينيين من هذا القانون ألغي آخر الأمر بفعل الانتقادات التي تعرض لها.

    [15]- العابد، ورد أعلاه، ص 15.

    [16]- مقابلات كرايسز جرب مع مقيمين من المنوفية استقروا في العريش أواخر الثمانينات، العريش، حزيران/يونيو 2006.

    [17]- تسمح كثرةٌ من النشاطات التي تزدهر على هامش السياحة لآلاف الأشخاص بكسب رزقهم من خلال العمل باعةٍ متجولين أو سائقي سيارات أجرة أو عمال في الأسواق السياحية غير مصرح عنهم (غالباً ما يكونون من أقارب صاحب العمل)، وكذلك في المشاريع العائلية الصغيرة وأعمال البناء.



  8. #8
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation



    1. التنمية غير المتساوية والتخصص الإقليمي


    أ‌- فوارق سكانية
    جرت عملية إعادة دمج سيناء بعد الانسحاب الإسرائيلي من خلال سياسة سكانية طوعية في المقام الأول راحت تشجع زيادة النمو السكاني في مرحلة 1986 – 1996. وبلغ معدل النمو السكاني السنوي في المنطقة عامةً 5%، لكنه كان 6.7% في الجنوب بالمقارنة مع 4.7% في الشمال.[1] كما أن توزع السكان غير متساوٍ إذ يستقر 80% منهم في الشمال ضمن المنطقة الساحلية غالباً. وكان عدد سكان شمال سيناء 300000 نسمة عام 2002، ثلثهم في العريش وهي مركز المحافظة. أما محافظة جنوب سيناء فلم يتجاوز عدد السكان الرسمي فيها 60000 نسمة.[2]

    وثمة نسبةٌ عالية من الرجال قياساً إلى النساء، فقد بلغت نسبة الرجال في جنوب سيناء 62% عام 1996، وبلغت 52% في الشمال. وثمة تفسيرٌ بسيط لهذه الظاهرة: جرت عملية "إعادة التوطين" من خلال تصدير اليد العاملة "الرجالية" أساساً. وفي الشمال حيث تميل نسبة الجنسين إلى الاعتدال أكثر من الجنوب، أدت الحوافز المتمثلة في الإسكان والعمالة المستقرة إلى اجتذاب عائلات كاملة من وادي النيل. أما في الجنوب فإن معظم الوظائف موجودة في قطاع السياحة والقطاع الخاص، وبالتالي فهي موسميةٌ وعرضية. وغالبية السكان الناشطين الموسميين من الرجال صغار السن والعازبين الذين يتمتعون بحركيةٍ عالية. أما إذا تزوجوا فهم يواظبون على التنقل بين سيناء ومحافظتهم الأصلية.
    وفي مرحلةٍ أحدث عهداً، شهدت معدلات النمو السكاني في سيناء تراجعاً واضحاً. فصارت الزيادة السكانية السنوية 2.6% في الشمال و2.2% في الجنوب.[3] لكن هذه الأرقام لا تأخذ بحسبانها السكان الناشطين اقتصادياً في القطاع غير الرسمي، ويقدر عددهم بعشرات أو مئات الألوف. وتعكس هذه التقديرات في المقام الأول آليات قطاعي الخدمات والبناء المرتبطين بالسياحة، وكذلك كثافة هجرة اليد العاملة في الجنوب خاصةً منذ التسعينات فصاعداً.
    وتترافق هذه الفوارق السكانية مع عدم مساواةٍ شديد الوضوح بين الشمال الذي يعتبر من بين أفقر المحافظات المصرية والجنوب الذي دبّ فيه النشاط بفعل اقتصادٍ يقوم جزئياً على النفط في خليج السويس لكنه يعتمد على السياحة أولاً؛ وهو يلقى دعماً كبيراً من السلطات والقطاع الخاص والمانحين الأجانب.
    ب‌- جنوب سيناء

    1. شرم الشيخ وطابا
    طبقاً للأرقام الرسمية، استقبلت محافظة جنوب سيناء 2.6 مليون سائح أجنبي عام 2003، وهم أكثر من ثلث زوار مصر. وما من ريبٍ في أن السياحة هي النشاط الاقتصادي الاستراتيجي من أجل تنمية المنطقة، وهي تقوم على الاستثمارات الخاصة وتلقى دعم وكالات التنمية الدولية والحكومة المصرية من خلال الهيئة القومية للتنمية السياحية.[4] وبعد أن كانت محافظة جنوب سيناء لا تضم إلا 17 فندقاً عام 1994، صارت الآن تضم 3.5% من حجم الاستيعاب السياحي في مصر. وفي عام 2002، كان في المنطقة 225 منشأة سياحية تركز 57% منها في شرم الشيخ التي سجلت أكثر من 6 مليون ليلة سياحية.[5]
    وقد استضافت شرم الشيخ (التي كانت في الأصل قريةً للصيادين) مقر القيادة العسكرية لجنوب سيناء خلال الاحتلال الإسرائيلي. وازداد سكانها (البلدة والقرى المحيطة بها) من 1500 نسمة عام 1986 إلى 7500 نسمة في عام 1996 كان 70% منهم من الذكور. وأما اليوم، ففي البلدة مطارٌ دولي وطرقٌ معبدةٌ عريضة ومستشفى حديث وبنيةٌ تحتيةٌ شاملة (محطات تحلية المياه ومعالجة النفايات) لخدمة الزبائن الدوليين في المجمعات السياحية المتكاملة التي تمتد كيلومتراتٍ كثيرة على طول الساحل وتشتهر بشواطئها الفريدة.
    وبعد أن توجهت منذ البداية إلى تلبية متطلبات السياح الأوروبيين، الإيطاليين خاصةً،[6] صارت شرم الشيخ في السنوات العشر الأخيرة منتجعاً ساحلياً يقصده الأثرياء من مصر ودول الخليج أيضاً. وفي عام 2002، كان 35% من نزلاء الفنادق من المصريين الذين يكثر وجودهم أثناء العطلات وفي فصل الصيف خاصةً. وفي التسعينات صار شراء شقة أو فيلا في شرم الشيخ استثماراً مربحاً؛ وبدأ إنشاء الغرف المشتركة (التي يملكها عدد من الأشخاص يتناوبون على استخدامها) في الفنادق الممتازة من أجل المصريين.[7] وتكاد تمكن مقارنة مستويات المعيشة مع ما هو موجودٌ في أوروبا في حين أفرغَت البلدة من سكانها الأصليين بالمعنى الحرفي للكلمة، وذلك على مستويين:

    q ملكية الأرض: خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، جرى توزيع جميع المقاسم العقارية على الشركات المصرية والأجنبية التي تستثمر في السياحة، وأرسل البدو إلى الصحراء، وذلك عبر برنامجٍ حكومي؛
    q فرص العمل: في عام 2002، وفرت 110 فنادق بمفردها من 10000 إلى 30000 وظيفة مباشرة احتل معظمها موظفون غير محليين. وثمة فندق من فئة خمس نجوم يضم 250 موظفاً كلهم من وادي النيل باستثناء بحارين من الطور (وهي مركز المحافظة) يعملان ضمن طاقم السفينة التابعة للفندق.[8]
    وفي أواسط عام 2005، وفي خطوةٍ ترمز إلى دفع السكان المحليين إلى هامش الاقتصاد، بدأ العمل في بناء جدار طوله 10 كم يحيط بالبلدة السياحية، وذلك لضبط الدخول إليها والخروج منها. وتبلغ سماكة هذا الجدار الأسمنتي متراً واحداً وارتفاعه 1.5 متراً وله ثلاث بوابات.[9] لكن حملةً عنيفةً في الصحف أجبرت السلطات المحلية على تعليق العمل بهذا المشروع.[10] وفي نفس الوقت، حظر المحافظ النشاطات الاقتصادية الوحيدة المتاحة أمام البدو وهي توفير رحلات على ظهور الجمال من أجل السياح والعمل بصفة مرشدين سياحيين غير رسميين في الجولات الجبلية، وخاصةً إقامة الحفلات الليلية ضمن خيمةٍ بدوية.[11] ولا يسمح الآن لغير الشركات السياحية الرسمية بتنظيم فعاليات في الصحراء؛ أي "حفلات بدوية" من غير بدو. ولم يعد يسمح للبدو بالتجول في محيط شرم الشيخ مع جمالهم وعرض ركوبها على السياح.
    وفي طابا الواقعة على حدود إسرائيل، وهي القطب الثاني للتنمية السياحية بجنوب سيناء، بدأ القطاع الخاص المصري بالعمل وفق نموذج المجمعات السياحية في شرم الشيخ. وتطوير طابا جزء من مشروع "الريفييرا المصرية" التي ستمتد على طول خليج العقبة. ويجري الآن توسيع الطريق التي تربط بين المدينتين السياحيتين. ومن شأن إصلاح الطريق البرية من السويس إلى طابا أن يجعل المسافة بينها وبين القاهرة لا تزيد عن خمس ساعات.[12]
    ويشكل السياح الأوروبيون والإسرائيليون 80% من نزلاء فنادق طابا.[13] وانسجاماً مع سياسة التخصص الدولي، يخدم المطار الذي افتتح في عام 2002 العواصم الأوروبية حصراً. ويطبق مجمع "مرتفعات طابا" السياحي نموذج "المنطقة المعزولة" في قطاع السياحة (فنادق وفيلات ومرسى لقوارب النزهات وقرية تقليدية وملاعب غولف". والمجمع تابع لمجموعة فنادق أوراسكوم التي تملكها عائلة ساويرس وهي من بين أبرز العائلات في ريادة الأعمال.[14]
    2. دهب ونويبع
    بين طابا وشرم الشيخ ثمة منتجعان سياحيان يقاومان الهيئة القومية للتنمية السياحية وشركات الاستثمار المصرية والخارجية. وهذه المقاومة واحدةٌ من إشاراتٍ كثيرة الدالة على الاستياء الذي تثيره تنمية السياحة في سيناء.
    لم تكن دهب قريةً بالفعل يوماً من الأيام، ولم تكن حتى نقطة استقرارٍ للبدو. وكانت تشتهر بنخيلها والجبل الذي كان البدو يقصدونه أثناء موسم قطاف البلح في الخريف. أما اليوم فهي بلدةٌ صغيرة نتجت مباشرةً عن التنمية السياحية خلال السنوات العشر الماضية. ويبلغ سكانها قرابة 4000 شخصاً من بينهم عدة مئاتٍ من الأجانب، وفيها حوالي 100 فندق معظمها من الفئة المتوسطة. وهي وجهةٌ لقضاء العطلات يفضلها المصريون وعرب الخليج، وهاتان فئتان تشكل كلٌّ منهما 25% من زبائن القطاع السياحي.[15]
    أما نويبع الذي يواجه ميناؤها الأردن والمملكة العربية السعودية، فهي نقطة عبورٍ دولية للسلع والمسافرين إلى دول الخليج (الهجرة والحج). ويتألف سكانها الذين يتراوح عددهم بين 3000 و4000 نسمة من موظفين لدى الحكومة أو الشركات الخاصة، ومعظمهم من وادي النيل. وأما طرابين الواقعة على مسافة عشر كيلومترات أو أكثر إلى الشمال فهي منطقةٌ سياحية نمت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة بمبادرةٍ من بدو قبيلة الطرابين.
    3. الأرض
    في أواسط التسعينات، فتحت اتفاقيات أوسلو الباب أمام آفاق التنمية الاقتصادية. وصارت السياحة أولويةً في جنوب سيناء.[16] وعملت الهيئة القومية للتنمية السياحية التي كلّفت بإدارة هذه التنمية في المناطق غير الحضرية (الساحل والصحراء) على تشجيع القطاع الخاص للاستثمار من خلال بيعه الأرض بسعر 1 دولار للمتر المربع. وجرى تحويل ملكية الأرض التي كانت خاضعةً للأعراف المحلية حتى ذلك الحين.[17] وصار كثيرٌ من السكان المحليين يجدون صعوبةً في امتلاك الأرض في حين استفادت أقليةٌ صغيرة من الوضع الجديد.[18] وكان من شأن الإجراءات الجديدة أن تشجع خاصةً على حدوث مضارباتٍ شديدة بالعقارات، رغم عدم سهولة حيازة قطعة من الأرض وإنشاء مشروع سياحي عليها كما تبين قصة رجل الأعمال القاهري التالية.
    فبعد أن تشجع الرجل نتيجة تجربته السياحية الأولى في المنطقة، قرر شراء أرض على شاطئ البحر بين نويبع وطابا. وقالت له الهيئة القومية للتنمية السياحية في البداية إنها وزعت الأرض كلها. فلجأ الرجل إلى السجل العقاري لإثبات عدم وجود مالك للأرض التي يطلبها، وتمكن من الحصول عليها آخر الأمر. لكن 11 شخصاً من قبائل شمال سيناء وجنوبها اعترضوا مدعين ملكية الأرض، وقاموا في ليلةٍ واحدة ببناء عدد من الأكواخ من سعف النخل فيها لإثبات وضع اليد، ثم أرسلوا بضعة رجالٍ مسلحين لإخافة المالك الجديد. لكن الرجل قاوم. وجمع مجلساً قبلياً لكي يحدد مالكاً واحداً للأرض ثم يقرر التعويض الواجب دفعه له. وانتهى الأمر بالمستثمر القاهري إلى شراء الأرض مرتين (مرة من الحكومة ومرة من البدو). واستغرق الأمر قرابة خمس سنوات حتى تمكن الرجل من بناء مطعم على أرضه. ومازال حتى الآن يدفع 300 جنيه مصري (50 دولار) شهرياً من أجل "الحماية".[19]
    وفي الترابين، حلت فنادق ومطاعم رخيصة محل عشرين مخيماً للبدو تظللها سعف النخل ضمن المنطقة السياحية. وهذه المنشآت الجديدة موجهة للإسرائيليين الشباب أساساً، وهي مبانٍ دائمة من طابقين أو ثلاثة في بعضها مكيفاتٌ للهواء. وكثيرٌ من المالكين الجدد لهذه المنشآت من أهل شمال سيناء، وأغلبهم من عائلات العريش البدوية التي تشتهر بمهاراتها في ميدان الأعمال.[20] وانتقلت مخيمات البدو إلى المناطق التي مازالت فيها شواطئ محمية ومازالت خاضعة لهيئة التنمية السياحية وللشركات الاستثمارية الكبيرة من أجل مشروع "الريفييرا". وقد شهدت منطقة دهب، حيث تتمتع قبيلة المزينة بوجودٍ قوي، نفس النمط من المضاربات العقارية.[21]
    وعلى نحوٍ عامٍ نقول إن بيع الحكومة الأراضي الساحلية إلى المجموعات الاستثمارية الكبيرة خلال الخمسة عشر عاماً الفائتة دفع بالسكان المحليين خارج مناطق التنمية السياحية وأغلق في وجوههم سبل الوصول إلى موارد الدخل الرئيسية في المنطقة. كما أدت مشاريع توطين البدو الرحل إلى ابتعادهم التدريجي عن الرعي وتجمعهم حول مراكز النمو الحضري الرئيسية دون السماح لهم بالوصول إلى فرص العمل التي خلقتها السياحة.
    من المعروف ما إذا كانت دهب ونويبع ستتبعان المسار عينه. فالمقاومة المحلية مازالت قويةً. وتتزايد ندرة قطع الأرض ذات الموقع المتميز، ومن الصعب على المالكين البدو أساساً أن يبتعدوا عن المنطقة أكثر من ذلك. ويحاول مالكو الأراضي في المخيمات البدوية إلى الشمال من نويبع التنسيق فيما بنيهم للتفاوض مع الهيئة القومية للتنمية السياحية على مكان إقامةٍ دائمٍ لهم (وتوفير الكهرباء وتقنين حقوق الملكية العقارية)، وكذلك لمقاومة "مشاريع مجموعة ساويرس الاستعمارية" حسب تعبير واحدٍ منهم.[22]
    لكن هذا لن يحدث من غير توتراتٍ، بل ونزاعاتٍ أيضاً. ومادام كلٌّ من الحكومة والقطاع الخاص لا يبذلان جهداً حقيقياً من أجل حيازة معظم الأراضي الاستراتيجية الباقية، فبوسع البدو أن يظلوا من اللاعبين في سوق العقارات المحلية مما يسمح لهم بنيل شيءٍ من الدخل الناجم عن السياحة. أما إذا فقدوا ما بقي لهم في السوق وظلوا ممنوعين من ممارسة دورٍ هام ضمن الازدهار الاقتصادي الجديد، فسوف تكون النتيجة مزيداً من الاستياء والنقمة وسينشأ احتمال وقوع مصادمات خطيرة.

    4. الرعي والمحاصيل غير المشروعة

    في المناطق الجبلية وفي هضاب وسط سيناء وجنوبها، يمثل رعي الأغنام والماعز والجمال النشاط الاقتصادي الرئيسي منذ زمنٍ بعيد. لكن إغراءات الاستقرار وزيادة شح المياه، وكذلك انتشار المراكز الحضرية، إلى جانب عوامل أخرى، أدت كلها إلى الإضرار الشديد بهذا النشاط الأساسي بالنسبة للهوية البدوية، فحلت محله زراعة الخشخاش والقنب في أماكن كثيرة، وهي أكثر ربحاً منه بكثير.
    وبعد تراجع هذه الزراعات الممنوعة في ظل الاحتلال الإسرائيلي،[23] عادت إلى الظهور من جديد في التسعينات لتصير هدفاً لحملاتٍ منتظمة من أجل إتلافها. وخلال أيار/مايو 2006، جرت واحدةٌ من هذه الحملات وصفت بأنها "حرب" وقيل أن 500 عنصراً من الشرطة والجيش شاركوا فيها واستمرت عشرة أيام، فأسفرت عن إتلاف 450 مزرعة وثلاثة أطنان من البانجو (نوعٌ محلي من الماريغوانا) وثلاثة ملايين نبتة.[24]
    لكن البدو ليسوا المستفيد الرئيسي من هذه النشاطات غير المشروعة بالضرورة، فهم غالباً ما يلعبون دورهم في الجزء الأدنى من سلسلة الإنتاج والتوزيع. ويقول الجغرافي الأمريكي جوزيف هوبس:
    "لا يمارس جميع بدو جنوب سيناء زراعة المخدرات. وما من مؤشراتٍ تدل على غنى من يزرعونها. فقد يكسب الأكثر نشاطاً من بينهم 5600 دولار سنوياً من زراعة الخشخاش، وهذا يعادل أربعة أضعاف ما يمكن أن يجنيه من أجرٍ شرعيٍّ مستقر... وعادةً ما يكون مزارعو الخشخاش رجالاً تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، وهم ممن لم يتمكنوا من الحصول على وظيفةٍ تقدم لهم راتباً، أو لم يتمكنوا من الحفاظ عليها".[25]

    وقد قال أحد البدو لهوبس:
    "قبل عشرين عاماً كان العمل متوفراً لكل قادرٍ عليه. أما الآن فلا يوجد عمل. صار الطقس أسوأ من قبل ولم يعد لدينا مطر. ولم يعد للماعز الجبلي وجودٌ بعد صيده كله".[26]

    وتنتشر زراعة الخشخاش بشكلٍ رئيسي في منطقة دير سانت كاترين، وهو مركزٌ للسياحة الدينية ومنطقة التدخل الحكومي الرئيسية لحماية البيئة، وهو التدخل الذي بدأ منذ عام 1996 بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي. ويهدف البرنامج أيضاً إلى حماية البدو الرحل، وهم "نوعٌ آخذٌ بالاختفاء" (قدّر وجود 6500 بدوي في المنطقة عام 1996)[27]، لكنه يهدف قبل كل شيء إلى السيطرة عليهم واستئصال زراعة الخشخاش من خلال تحويل المنطقة إلى محمية من أجل السياحة البيئية التي يمكن أن توفر فرص عمل وأن تكون أحد أشكال التنمية السياحية المرغوبة لدى المانحين.

    5. قضايا البيئة، والسياحة البيئية، والمانحون

    في عام 1988، جعلت هيئة البيئة المصرية منطقة سانت كاترين محميةً طبيعية، وذلك كخطوةٍ أولى من خطة حماية لمنطقة جنوب سيناء. وفي التسعينات، قدم الاتحاد الأوروبي 23 مليون يورو من أجل برامج حماية البيئة،[28] بما في ذلك إدارة المحميات الطبيعية الأربع رأس محمد وسانت كاترين والنقب وأبو غالوم، وهي تغطي 32% من مساحة محافظة جنوب سيناء. وفي عام 2005، أطلقت الهيئة مرحلة تمويلٍ جديدة من أجل برنامج التنمية الإقليمي بجنوب سيناء بموازنةٍ بلغت 64 مليون يورو خصص منها 34 مليوناً للبنية التحتية والتجهيزات، إضافةً إلى منحة قدرها 20 مليون يورو من أجل مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية المحلية.[29]
    لكن النتيجة كانت ذات وجهين. فالظاهر أن المانحين والحكومة المصرية ركزوا على مشروع منطقة سانت كاترين. في حين تركت منطقة أبو غالوم الرائعة وتجمعات صيادي الأسماك البدو "غير المرغوب فيها" لتواجه مصيرها.[30] أما منطقة النقب قرب شرم الشيخ فهي متروكة لمستثمري القطاع الخاص على نحوٍ متزايد. وقد تحول هؤلاء إلى ما يسمونه السياحة البيئية من الناحية الرسمية، لكنهم غالباً ما يبدون قدراً قليلاً من احترام البيئة.
    لقد انصب نقدٌ واسع على إجراءات تمويل مشروع تنمية جنوب سيناء ومعايير اختيار المشاريع ضمنه. وتعني قلة وجود منظمات مجتمع محلي مدنية (ثمة أقل من عشر منظمات غير حكومية ناشطة في ميدان التنمية المحلية بجنوب سيناء) غياباً شبه تام للبدو عن عملية اختيار المشاريع.[31] ويقول شريف الغمراوي، وهو قاهريٌّ يعيش في سيناء ويدير جمعية "حماية" في نويبع: "عليك أن تتكلم بلغة الاتحاد الأوروبي".[32] ويقول مصدرٌ آخر حسن الاطلاع:
    "تخصص المساعدات التنموية نظرياً من أجل مشاريع تهدف إلى تعزيز المجتمع المدني المحلي. لكن ما من وجودٍ للقدرات المحلية بجنوب سيناء؛ ولا تؤدي المساعدات الدولية فيها إلا إلى تقوية قبضة المؤسسات المركزية على المنطقة ومفاقمة حالة عدم المساواة التي تعيشها. فالمال يقدم لمن يملكون المال أصلاً؛ ويجري المزيد من تهميش الجماعات المهمشة سابقاً. وهذا ما يثير على الفور أسئلةً حول مسؤولية المانحين الدوليين عن توزيع المساعدات التنموية. لا يوجد نظامٌ لضمان تحقيق أهداف المانحين، ولا توجد تدابير لتقييم نتائج هذه المشاريع. ومن غير هذه التدابير يكون من الأفضل عدم التبرع بأية أموال وترك مصر وسيناء تتدبران أمورهما".[33]

    ومع أن الاتحاد الأوروبي هو المانح الرئيسي في جنوب سيناء، فقد خصص البنك الدولي لمصر ولهيئة التنمية السياحية (التي أحدثت بهذه المناسبة) في عامي 1991 و1993 ما لا يقل عن 850 مليون دولار من أجل تمويل البنية التحتية ومشاريع حماية البيئة في البحر الأحمر وخليج العقبة. إن تركز الاستثمارات الخاصة وتوظيفات الحكومة المصرية والمانحين في جنوب سيناء يشدد على استمرار افتقار الشمال إلى التنمية.

    ت‌- شمال سيناء

    إن شمال سيناء من أفقر المحافظات المصرية كما تؤكد المؤشرات الأساسية للتنمية البشرية. ورغم شدة النمو السكاني في فترة 1986 – 1996، فإن هذا النمو لم يحدث إلا نتيجة سياسة التوطين وتشجيع الهجرة من وادي النيل. ولم تتجاوز خطط التنمية الوطنية لهذه المنطقة مرحلة الرغبات، فما كان من اتجاه ميول الهجرة إلا أن انقلب. والهدف الآن كما يقول حسن ونان، مدير الجهة التنفيذية المسؤولة عن التنمية الحضرية بمحافظة شمال سيناء: "هو وقف هجرة سكان المحافظة الأصليين، وتشجيع من غادروها على العودة، وتحويلها إلى محافظةٍ تستطيع اجتذاب الناس من وادي النيل".[34] وهذه هي الحال في منطقة العريش خاصةً التي يهاجر منها الشباب الذين يملكون خبرةً في الري ضمن المناطق شبه الصحراوية قاصدين المزارع الكبيرة على الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية.[35]
    ويمثل كلٌّ من الزراعة وصيد الأسماك نشاطين اقتصاديين رئيسيين. وتقتصر الصناعة على بضعة محاجر في قلب المنطقة وعدد من مصانع الزجاج والفحم والسيراميك والأسمنت والمنتجات الغذائية. وقد نمت السياحة المحلية في العقد الأخير، وذلك خاصةً في العريش التي شهدت حركة إعمار كبيرة عند شواطئها فصارت تستقبل في الصيف 50000 سائحاً مصرياً يمضون إجازاتهم في شققٍ وشاليهاتٍ مستأجرة.
    1. محاولات التصنيع

    يمثل حسن راتب رمزاً لمحاولات التصنيع في المنطقة. وهو رجل أعمالٍ من القاهرة يسيطر على القطاعات الإنتاجية الرابحة الرئيسية[36] ويمقت الناس استعداده إلى التصدير إلى الأسواق المجاورة.[37] ويمكن فهم كراهية أهل المنطقة لمستثمري القطاع الخاص من خلال الجدل الذي ثار على المستوى الوطني منذ عام 2004 بفعل الاتفاقيات الاقتصادية بين مصر وإسرائيل من قبيل اتفاقية إقامة "المناطق الصناعية المؤهلة".[38]

    وتمثل قلة فرص الحصول على عمل في قطاع الصناعات الغذائية مصدراً آخر لاستياء أهل المنطقة. فعلى سبيل المثال، تعتبر منطقة شيخ زويد (التي ينحدر منها معظم عناصر جماعة التوحيد والجهاد) مشهورةً بأشجار الزيتون. لكن الجيش يدير مصنع زيت الزيتون الوحيد في المنطقة الذي يعمل فيه موظفون غير محليون؛ وذلك في حين تفتقر الأراضي الزراعية التي يعمل بها البدو والفلاحون إلى المياه والخدمات الأساسية. ويعتبر مصنع الزيت هذا رمزاً واضحاً لما يطلق عليه السكان المحليون اسم "الاحتلال المصري" لأنه قائمٌ ضمن مستوطنة "ياميت" الإسرائيلية السابقة.[39]
    وبعد الانسحاب الإسرائيلي قالت الحكومة أنها تعتزم إعادة بناء هذا المنتجع الساحلي ضمن ما أطلق عليه وقتها اسم مشروع بلدة "فيروز". لكن ذلك لم يحدث رغم أن الكتب المدرسية المصرية تستشهد به حتى الآن بصفته رمزاً لتنمية سيناء ودمجها في مصر. وقال لنا معلم مدرسة ابتدائية شاب بمنطقة شيخ زويد: "مازلنا ننتظر بلدة فيروز. ولكم أن تخيلوا ما أحس به من خجل عندما أتحدث لتلاميذي عن هذا المشروع الوطني الذي لم ير النور بعد".[40]
    2. هيمنة الزراعة ومشكلة المياه

    تتحدث الخطة الوطنية لتنمية سيناء عن تطوير زهاء 100 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بفضل "قناة السلام" وهدف هذه القناة تحويل جزء من مياه دلتا النيل إلى الشرق مما يسمح بري شريط من الأرض في شمال سيناء يمتد من قناة السويس إلى الحدود، وذلك ضمن مشروعٍ يرمي إلى إقامة منطقةٍ زراعية كبرى. وقضت الخطة بأن تبلغ استثمارات المشروع 75 بليون جنيه مصري (13 بليون دولار) بحلول عام 2017. لكن حسن ونان، مدير الجهة المنفذة المسؤولة عن التنمية الحضرية بمحافظة شمال سيناء، يقول إن الدولة استثمرت 21 بليون جنيه مصري اتجه معظمها إلى البنية التحتية،[41] لكنه أثمر نتائج متضاربة. وفي الموضوع نفسه يقول الصحفي المصري فاروق جويدة:

    "لقد أقامت الدولى مشروعات البنية الأساسية ودفعت فيها مئات الملايين من الكهرباء والطرق ولاكباري الضخمة ووصلت مياه النيل عبر ترعة السلام وتوقف كل شئ بعد ذلك فلا الدولة استصلحت الأراضي ولا القطاع الخاص أستغل مياه النيل ولا الشباب وجد فرصته في هذه المساحات الشاسعة ولا سكان سيناء شعروا بتغير حقيقي في حياتهم".[42]

    والواقع أن ما أنجز من المجرى المقرر للقناة لا يتجاوز الثلث. وهي تروي أراضي منطقة القنطرة وصولاً إلى بير العبد، وهذا لا يتجاوز ربع مساحة المنطقة المستهدفة. وتستخدم هذه الأراضي المروية في زراعاتٍ تكثيفية، ويملكها مزارعون كبار يستخدمون عمالاً يأتي معظمهم من وادي النيل. أما بقية المنطقة الداخلية والساحلية بعد بير العبد وصولاً إلى الحدود فمازالت خارج السياسات الرامية إلى تشجيع التنمية الزراعية والتي يعتبر الماء عمادها الوحيد.
    والماء مشكلةٌ أساسية في سيناء. تنتج مناطق العريش وشيخ زويد ورفح الخضار والفاكهة من أجل السوق السياحية في الجنوب، لكن صغار الفلاحين يعتمدون على مزيجٍ من مياه الأمطار التي تتناقص منذ سنوات ويهطل معظمها على الساحل ومن المياه الجوفية التي تتعرض إلى استنزافٍ مبالغٍ فيه. وتحتاج المنطقة الداخلية إلى آبار جديدة. أما مياه الشرب فتوزع بواسطة الصهاريج بسبب الافتقار إلى شبكة توزيع مياه.[43]
    ويقول محافظ شمال سيناء اللواء علي حافظ أن 70% من تنمية المحافظة في يد القطاع الخاص، وهو يؤكد على التناقضات بين المشاريع التنموية الاقتصادية التي يفضلها المستثمرون وبين حاجات المنطقة، وكذلك على ضعف التنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص. وهو يقول: "الأولوية الآن هي للتنمية البشرية". أما من وجهة نظر المستثمر حسن راتب، فإن القطاع الخاص غير مهتمٍ بشمال سيناء بسبب تعقيد قضايا ملكية الأرض فيها.[44]
    وفي الشمال والجنوب معاً، يسيطر العرف الشعبي على موضوع ملكية الأراضي. وتطبق هذا العرف العائلات البدوية التي تحضرت واستقرت منذ أجيالٍ عديدة. وتمتلك العائلات قطعاً صغيرة من الأرض يمكن لمحاصيلها أن تزداد كثيراً إذا تحسنت الظروف (عن طريق الآبار مثلاً). ويمثل الوضع الاجتماعي والتاريخي لهذه العائلات عقبةً كبرى أمام امتلاك الأرض في الشمال، لكنه يزود هذه العائلات أيضاً بمنفذها الوحيد إلى الموارد الاقتصادية المحلية في مواجهة سياساتٍ حكومية تحابي القطاع الخاص. والنقطة الرئيسية في برنامج أشرف أيوب الانتخابي (وهو مرشح حزب التجمع اليساري في العريش للانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2005) هي سن قانون للأراضي التي يشغلها أهل المنطقة وشجب ما تقوم به المحافظة التي تفضل المستثمرين غير المحليين ولا تلتفت إلى التاريخ وإلى حقوق ملكية الأرض المستقرة التي تحفظها الأعراف.[45]
    ث‌- تمصير سيناء وتوطين البدو

    بعد ثلاثين عاماً من محاولات تنمية سيناء، مازالت التصورات المتعلقة بالمنطقة تتحدد بقدرٍ كبير من خلال الاعتبارات العسكرية والأمنية، وهذا ما ازداد وضوحاً بعد الهجمات الإرهابية. فعلى سبيل المثال، كتبت صحيفة الوفد أن من شأن استراتيجية التنمية الزراعية في المنطقة عدم الاقتصار على إتاحة "منجم ذهب" يحتكره بعض مستثمري القطاع الخاص فحسب، بل أن تسمح قبل كل شيء "بإنشاء طوق أمني حول الحدود المصرية المفتوحة". وبوسعها "تحويل مناطق شاسعة إلى نوعٍ من المستوطنات في الصحراء تشكل حاجزاً أمام الإرهابيين والمتآمرين يمنع دخولهم إلى مصر".[46] ولكلمة مستوطنات وقعٌ خاص إذ أنها تستخدم للإشارة إلى المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إن هذا الفهم الأمني للتنمية يترافق مع رغبة السلطات المعلنة في "تمصير" سيناء، لا بالمعنى الاقتصادي والسكاني فقط، بل من حيث الثقافة والهوية أيضاً، وهو ما يحمل دلالةً رمزيةً هامة.

    ولعل التجربة التالية بليغة الدلالة في هذا الصدد. في أوائل التسعينات، نشطت مجموعة من أهل العريش لإقامة متحف للتراث البدوي. وقد تلقت دعماً من مانحين كثيرين (سويسريين وهولنديين خاصةً). وبعد أن أقيم المتحف عام 1994، استقر العزم على إنشاء مركز للتوثيق والأبحاث يعنى بالثقافة البدوية. وأدى هذا إلى إحياء الاهتمام بالتراث البدوي، وفي نفس الوقت أطلقت مشاريع لتطوير الحرف المحلية البدوية وتشجيعها (التطريز وصناعة البسط بشكلٍ رئيسي). وتذهب منتجات هذه الحرف إلى الأسواق السياحية. وقد جعلت المهارات العالية نساء العريش يحظين بشهرةٍ واسعة في مصر كلها. وفي عام 2003، قرر كلٌّ من المجلس الأعلى للآثار ومحافظ شمال سيناء إقامة متحفٍ في العريش لعرض حوالي 2000 قطعة أثرية ضمن مبنى تصل مساحته 2500 متر مربع. وخصص مبلغ 47 مليون جنيه مصري (8.3 مليون دولار) لهذا المشروع الذي (كما يقول محمود مبروك المدير العام لمديرية المتاحف في المجلس الأعلى للآثار) إنه "لا يهدف إلى إقامة متحفٍ فقط، بل إلى إقامة مركزٍ ثقافي لأهل المدينة والزوار الأجانب".[47] وكان الهدف إعادة بناء تاريخ سيناء منذ أزمان ما قبل التاريخ حتى الفتح الإسلامي. كما خصص المجلس الأعلى للآثار أيضاً 10 مليون جنيه مصري (1.8 مليون دولار) من أجل بدء أعمال التنقيب في المواقع النبطية والساميّة والفرعونية.[48]

    وكان من شأن هذا المشروع أن يمثل مبادرةً هامة في المدينة التي تندر فيها النشاطات الثقافية. لكنه مثل تهديداً بإغلاق متحف التراث البدوي ومركز الأبحاث فيه. ولم يتضمن المتحف الجديد قسماً "للفنون المحلية والحرف التقليدية"، وجرى تدريجياً إقصاء مؤسسي متحف التراث البدوي عن إدارته في حين بدأ الخراب يدب في المبنى بحيث راحت السلطات المحلية تهدد بهدمه للسماح بتوسع مصنع الرخام المجاور له.[49] ويشكل مصير هذا المتحف مثالاً جلياً على تطبيق رؤيةٍ سلطويةٍ مركزية من جانب الحكومة المصرية التي تميل عادةً إلى تجاهل السمات الخاصة في مناطق البلاد المختلفة. ويشتكي أحد أعضاء منظمة غير حكومية في العريش قائلاً:

    "لمن يقام هذا المتحف الفرعوني عندما لا تفعل الحكومة المركزية شيئاً لتشجيع ثقافة السكان المحليين؟ هل يقيمونه من أجل السياح الأجانب؟ ومن الذي يأتي إلى العريش في العطلة؟ إنهم المصريون فقط! ليس لدى الشباب فرص عمل. لقد تخرج أبنائي من الجامعة منذ سنة، ولم يجدوا عملاً حتى الآن.... ولابد من الذهاب إلى القاهرة إذا احتاج المرء علاجاً طبياً جيداً. ولا تحقق كل هذه الأموال المخصصة للمتحف اهتمامات أحد ما عدا المحافظ وبعض الأشخاص في القاهرة".[50]

    ويمثل التعليم المدرسي لأطفال البدو قضية هويةٍ حساسة أخرى. وهي مسألةٌ تشهد تضارباً خاصاً بين الثقافة المحلية والثقافة القومية. وغالباً ما يكون معلمو التاريخ من غير البدو ممن يحملون مفهوماً يقوم على أن التراث الفرعوني هو التراث المكوّن للأمة المصرية. وتمثل قصة شاب من قبيلة الطرابين (طرد من المدرسة فيما بعد) مؤشراً على سوء التفاهم القائم بين السكان المحليين وبين المصريين في شبه الجزيرة كلها. فقد ذكّر هذا الطالب أستاذه بأن بدو سيناء ليسوا من سلالة الفراعنة بل من الجزيرة العربية في الأصل، أي من بلد النبي.[51] لكن المعلم، الذي لم يرغب بالنقاش شعر بانزعاجٍ شديد، وجعل قائد الشرطة يستدعي الطالب ووالده محولاً الحادثة إلى أمرٍ يتعلق بالنظام العام.[52]

    وفي رأي كثيرٍ من أهالي العريش، لا يتجاوز اهتمام الحكومة بهم محاولتها بسط نفوذها:
    "ليس للدولة مشروعٌ اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي هنا على الرغم من كثرة الوعود المبذولة خلال 20 عاماً مضت. إن الدولة المصرية وممثلوها يمقتون الناس هنا. أما من ناحيةٍ أخرى فالشرطة موجودةٌ بكل تأكيد. إنه الحضور الوحيد للحكومة في هذه المنطقة".[53]

    وترافق هذا الوجود الأمني سياسية توطينٍ للبدو تحدوها اهتماماتٌ مماثلة وتلقى دعم المانحين أحياناً. ويجري تقديم مشروع برنامج الأغذية الدولي في وسط سيناء بصفته نموذجاً ناجحاً لدمج السكان البدو. والمبدأ فيه هو توفير مساعدات غذائية أساسية للعائلات التي تترك خيامها وتنتقل للعيش في البيوت.[54] لكن، وبعد تمويلٍ استمر خمس سنوات، يوشك المشروع على الانتهاء من غير أن يؤسس لشروط حياة مستدامة تكفل عيش بضع عشرات من الأسر التي استقرت.[55]

    وتحمل تجربة سياسة التوطين عدداً من مراقبي التنمية على التشكيك في استدامة شروط العيش الجديدة بالنسبة للبدو، وكذلك في سياسات الضبط السكاني التي تمارسها الحكومة.[56] إن هذه البرامج تعزز في واقع الأمر الاعتماد الاقتصادي على الغير لدى المجتمعات المحلية الأكثر حرماناً وتعجل في تغيير العادات الاجتماعية والاقتصادية الموروثة عن الأجيال السابقة، والتي تشكل جزءاً من الهوية البدوية. وهي بالتالي تتهدد وجود الثقافة البدوية نفسه بعين الطريقة التي يتعرض بها متحف التراث البدوي إلى خطر الإغلاق.
    لقد أدت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في شبه الجزيرة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، بالترافق مع نسب النمو السكاني العالية،[57] استيطان البدو في محيط المراكز الحضرية بحثاً عن العمل وعن المدارس من أجل أبنائهم.[58] صحيحٌ أن الاستقرار الدائم أمرٌ لا مناص منه، لكن الدعم الذي تقدمه الحكومة والمانحون غير مناسبٍ من أجل تحقيق أهدافٍ بعيدة المدى، كما أنه لا يلائم احتياجات البدو.

    [1]- "التعداد للسكان"، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء ، 1986 و1996.


    [2]- "تقرير التنمية البشرية المصري"، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2004؛ وأيضاً "قاعدة بيانات التنمية البشرية في مصر"،www.undp.org.eg. ولا تأخذ هذه الإحصائيات الرسمية باعتبارها من يعملون في القطاع غير الرسمي، بمن فيهم العمال الموسميون الذين غالباً ما يصرحون عن محافظتهم الأصلية بوصفها مكاناً لإقامتهم.


    [3]- "تقرير التنمية البشرية المصري"، ورد ذكره سابقاً.


    [4]- أنشئت هذه الهيئة عام 1991 لإدارة قروض البنك الدولي الموجهة من أجل تنمية البيئة والبنية التحتية في منطقة جنوب سيناء والبحر الأحمر. وعندما كانت ملحقةً بوزارة السياحة، أنيطت بالهيئة مسؤولية خاصة عن وضع استراتيجية تنمية سياحية في تلك المنطقة، لكن الأهم هو أنها كلفت بتوزيع الأرض وتقييم المشاريع السياحية واختيارها، وأخيراً إيصال مساعدات المانحين إلى القطاع الخاص.


    [5]- "السياحة في أرقام"، وزارة السياحة، القاهرة، 2002.


    [6]- بنيت أول المجمعات السياحية في شرم الشيخ عام 1993 بمبادرةٍ من شركة عقارية إيطالية هي "إرنستو بريتوني". وعمل بريتوني مع وكالات السياحة الإيطالية على الترويج لجنوب سيناء والاستفادة من النظام الخاص الذي منحته الحكومة المصرية للاستثمارات الأجنبية في المنطقة. ميدل إيست إكونوميك دايجست، 16 آذار/مارس 1993.


    [7]- "السياحة في أرقام"، ورد ذكره سابقاً.


    [8]- مقابلة كرايسز جروب مع محمد (27 عاماً) خريج الأدب الفرنسي الذي يتولى إدارة الإطعام وهو من طنطا (في دلتا النيل)، حزيران/يونيو 2006.


    [9]- "جدارٌ للعزل"، الأهرام نصف الشهري، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2005؛ و"شرم الشيخ تبني سوراً من الأسلاك الشائكة لحمايتها من الهجمات"، ميدل إيست تايمز، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2005.


    [10]- "سقطة لن يغفرها التاريخ . إقامة جدار عازل لمنع بدو سيناء من دخول شرم الشيخ.إهدار 20 مليون جنيه من أموال المصريين لتنفيذ الجدار!"، الوفد، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2005. إن استخدام كلمة "جدار" إشارةٌ خفية إلى جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. "بعد حملة الوفد : هدم نصف سور شرم الشيخ"، الوفد، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2005.


    [11]- "قرارات ظالمة ضد بدو سيناء: المحافظ يعاقب البدو بمنع حفلات العشاء السياحية ورحلات السفاري!"، الوفد، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2005.


    [12]- ملاحظات كرايسز جروب، حزيران/يونيو 2006.


    [13]- ازداد عدد السياح الإسرائيليين في مصر زيادة ملحوظة خلال السنوات الخمس الماضية على الرغم من التحذيرات الصادرة عن حكومتهم. فقد ازداد عددهم من 147000 عام 2000 إلى 340000 عام 2003، ثم إلى 390000 في 2004. ولعل تفسير ذلك كامن في أنهم صاروا يميلون إلى اختيار مصر بدلاً من كينيا، وهي وجهة سياحية رخيصة كانت تزخر بالسياح الإسرائيليين إلى أن وقعت الهجمات الإرهابية في مومباسا في تشرين الثاني/نوفمبر 2002. "السياحة في مصر وتفجيرات شرم الشيخ، التقرير الخاص الأول حول آثار تفجيرات شرم الشيخ"، منظمة السياحة العالمية، مدريد، 11 آب/أغسطس 2005، http://www.world-tourism.org/newsroom/Releases /2005/august/egypt.pdf .


    [14]- إن مجموعة أوراسكوم، ومركزها في الولايات المتحدة، من الشركات الأبرز في سوق الهاتف المحمول والإنشاء والسياحة في مصر، ولها أعمال في أفريقيا والشرق الأوسط (إنشاءات كبرى في العراق) وأوروبا (شركة الاتصالات الخليوية الثانية في إيطاليا، وإنشاء مجمع فندقي في سويسرا). وتملك المجموعة منتجع الجونا على البحر الأحمر إلى الشمال من هرقدة، وهو "قرية سياحية" نموذجية تملك كل مقومات البلدة المستقلة كما يقول مالكوه: وسائل النقل وأماكن العبادة وومدرسة دولية ومزرعة ومرافق للإنتاج الغذائي.


    [15]- "السياحة في أرقام"، ورد ذكره سابقاً.


    [16]- خلال فترة 1992 – 1994، عاشت السياحة في وادي النيل أزمةً خطيرة بفعل الهجمات الإرهابية التي شنتها الجماعة الإسلامية في الجنوب خاصةً. فتركزت التنمية السياحية في سيناء والبحر الأحمر.


    [17]- يعطي مبدأ "وضع اليد" حقوق ملكية فعلية للقبيلة أو الأسرة أو الشخص الذي يستوطن أرضاً بكراً. وهذا المبدأ شائع الاستخدام في جميع المناطق الصحراوية، لكنه موجودٌ أيضاً على أطراف المراكز الحضرية بوادي النيل (بما فيها القاهرة) حيث قامت المجتمعات المحلية البدوية وفقاً له (مثل منطقة المعادي ـ حلوان).


    [18]- كان من الممكن أن تبلغ قيمة رقعة من الأرض على شاطئ البحر في طرابين 2 مليون جنيه مصري (360 ألف دولار) في أواسط التسعينات. مقابلات كرايسز جروب مع ملاك أراضي من البدو بمنطقة نويبع، حزيران/يونيو 2006.


    [19]- مقابلة كرايسز جروب، نويبع، حزيران/يونيو 2006.


    [20]- مقابلات كرايسز جروب مع مالكي منشآتٍ سياحية من بدو الشمال والجنوب. ويقول صاحب فندق من العريش من قبيلة السواركة إن حوالي 80% من أصحاب الفنادق في ترابين من الشمال. وقد امتلك الأرض عام 1995 عندما كانت فيها مجموعة من الأكواخ العائدة للبدو المحليين.


    [21]- للاطلاع على تعقيد النزاعات على الأرض، انظر "الدعاوى العقارية"، الأهرام ويكلي، 21 كانون الأول/ديسمبر 2005.


    [22]- مقابلة كرايسز جروب مع عشايش عنايز ترابين مالك مخيم كمكم 3 شمال نويبع، حزيران/يونيو 2006. وكان هذا الرجل، وهو ابن لشاعر معروف، عضواً منتخباً في المجلس المحلي لعدة سنوات، وهو يعمل الآن على مشروع إنشاء متحف للتراث البدوي.


    [23]- خلال الاحتلال الإسرائيلي ساهمت سياسة توفير فرص العمل (وظفت إدارة جنوب سيناء 1200 بدوياً)، إضافةً إلى دفع رواتب لزعماء القبائل، في تقليل زراعة الخشخاش. انظر مارتن غلاسنر، "بدو جنوب سيناء في ظل الاحتلال الإسرائيلي"، جيوغرافيكال ريفيو، المجلد 64، العدد 1 (1974)، ص 31 – 60.


    [24]- "المسائية تشار في أكبر عملية لتدمير مزارع المخدرات في سيناء"، المسائية، 11 أيار/مايو 2006. لكن جوزيف هوبس يؤكد على بعد الأرقام الرسمية عن الحقيقة، هوبس، "تدمير الحقول؛ زراعة الخشخاش لصنع الأفيون في مصر"، جيوغرافيكال ريفيو، المجلد 88، العدد 1 (كانون الثاني/يناير 1998)، ص 64 – 85.


    [25]- المصدر السابق، ص 71.


    [26]- ورد في المصدر السابق، ص 72.


    [27]- كلامٌ عن لسان موظف في الاتحاد الأوروبي، ورد لدى جوزيف هوبس، "التحدث إلى الناس في محمية سانت كاترين القومية في مصر"، جيوغرافيكال ريفيو، المجلد 86، العدد 1 (كانون الثاني/يناير 1996)، ص 1 - 21.


    [28]- تطوير محمية سانت كاترين (6 مليون يورو)؛ مركز مكافحة التلوث النفطي عند مدخل خليج العقبة (4.3 مليون يورو)؛ برنامج تنمية خليج العقبة (10 مليون يورو)؛ ومشروع تطوير محمية رأس محمد (2.5 مليون يورو).


    [29]- "من المكونات الرئيسية لبرنامج التنمية الإقليمي بجنوب سيناء تنفيذ خطة المنحة الأوروبية للتنمية المحلية بقيمة 20 مليون يورو، والتي ستدعم المشاريع المحلية في ستة مجالات تنموية: 1) التنمية الاقتصادية المحلية؛ 2) التنمية الاجتماعية؛ 3) التراث الثقافي؛ 4) التوعية العامة؛ 5) بناء القدرات؛ 6) البيئة والتنمية المستدامة"، مقتطفاتٌ من الدعوة الموجهة إلى المشاركين، على الموقع: http://www.eu-ssrdp.org/.


    [30]- مقابلات كرايسز جروب مع عدد من سكان قرية أبو غالوم بجنوب سيناء، حزيران/يونيو 2006. يوجد في المنطقة زهاء 30 أسرة من قبيلة المزينة. وهي تعتاش من الصيد ومن الدخل الذي يأتيها من بعض السائحين العابرين. لكن الصيد مُنع فيها لأنها منطقةٌ محمية. ومنذ هجمات طابا ودهب (ولا تبعد الأخيرة إلا 10 كم عنها) لم يعد السياح يجرؤون على الذهاب إلى هذه المنطقة المعزولة التي لا يمكن التجول فيها إلا عبر طرقٍ ضيقة أو مشياً على الأقدام على طول الشاطئ. وتتألف القرية من أكواخٍ بنيت من أنقاض المراكب الغارقة، فسكانها لا يقيمون فيها إلا صيفاً. وتملك بعض الأسر منازل لها في القرية الجبلية القريبة, بير الصغير, وفي دهب والمزينة قرب نويبع.


    [31]- مقابلة كرايسز جروب مع برونو فرانسوا الخبير السابق في أركاديس (وهي شركة استشارات تنموية هولندية تعاقد معها الاتحاد الأوروبي في كانون الثاني/يناير 2006 من أجل إعداد مشاريع لصالح برنامج جنوب سيناء)، شرم الشيخ، حزيران/يونيو 2006.


    [32]- مقابلة كرايسز جروب مع شريف الغمراوي، نويبع، حزيران/يونيو 2006.


    [33]- مقابلة كرايسز جروب مع خبيرٍ مصريٍّ شاب، شرم الشيخ، حزيران/يونيو 2006.


    [34]- مقابلة مع حسن ونان في الأهرام نصف الشهري، 2 حزيران/يونيو 2004.


    [35]- مصطفى سنجر، "هجرة كبيرة للمواطنين الى القاهرة "، الأهالي، 14 حزيران/يونيو 2006؛ وكذلك مقابلة كرايسز جروب مع مصطفى سنجر، العريش، حزيران/يونيو 2006.


    [36]- يملك حسن راتب، وهو رئيس جمعية المستثمرين في سيناء، مصنعين للأسمنت يعملان في شمال سيناء منذ عام 1999، إضافةً إلى منتجع سياحي بمنطقة شرم الشيخ. وهو رئيس شبكة المحور للبث التلفزيوني بالكابلات ويملك أغلبية أسهمها؛ كما أسس أول جامعةٍ (خاصة) في سيناء.


    [37]- يقال أن منتجات هذه المصانع استخدمت في إنشاء جدار الفصل في الضفة الغربية. وقد تعززت الشائعات المحلية حول هذا الأمر بفعل فضيحة الفساد في السلطة الفلسطينية التي انكشفت أواسط عام 2004. فقد بيع الأسمنت المصري الذي يباع إلى السلطة الفلسطينية بأسعارٍ مخفضة إلى شركاتٍ إنشائية إسرائيلية تعمل في بناء الجدار. انظر "خيانةٌ في زمن النضال"، الأهرام ويكيلي، 29 تموز ـ 4 آب/أغسطس 2004؛ و"أدلة مصرية وأسرائيلية وفلسطينية .. لجنة قضائية تبدأ التحقيق في قضية الأسمنت المصري"، الأيام، 31 تموز 2004.


    [38]- "تستند الاتفاقية إلى قانونٍ أمريكي يعود لعام 1996 ينص على إقامة مناطق صناعية مؤهلة تستطيع الشركات الإسرائيلية فيها الاستثمار مباشرةً أو توريد المواد من أجل السلع التي يصنعها المصدرون العرب. وفي هذه الحالة تتلقى تلك السلع معاملة تفضيلية عند دخول الولايات المتحدة"، واشنطن بوست، 14 كانون الأول/ديسمبر 2004. وقد طبقت هذه الاتفاقية الموقعة في كانون الأول/ديسمبر 2004 على صناعة النسيج ثم على صناعاتٍ أخرى. وللاطلاع على دراسةٍ اقتصادية نقدية في الموضوع، انظر أمل رفعت، "تقييم أثر اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة على صناعة النسيج والملبوسات المصرية"، المركز المصري للدراسات الاقتصادية، حزيران/يونيو 2006، على الرابط:

    http://www.eces.org.eg/Publications/Index2.asp? l1=4&l2=1&L3=1 وطبقاً لاتفاقيةٍ وقعت في حزيران/يونيو 2005، تقدم الحكومة "25 بليون متر مكعب من الغاز الطبيعي المصري.... إلى شركة الطاقة الإسرائيلية خلال فترة 15 عاماً، مع إمكانية تمديد العقد خمس سنوات إضافية"، الأهرام ويكيلي، 18 – 24 أيار/مايو 2006؛ وتقدر الصحيفة قيمة الصفقة بمبلغ 2.5 بليون دولار.


    [39]- عندما انسحب الإسرائيليون من ياميت عام 1982 دمروا كل ما فيها من بنيةٍ تحتية (كما فعلوا في سيناء كلها). ولم تجر إزالة الأنقاض حتى الآن.


    [40]- مقابلة كرايسز جروب، شيخ زويّد، حزيران/يونيو 2006.


    [41]- مقابلة مع الأهرام هيبدو، 2 حزيران/يونيو 2006.


    [42]- فاروق جويدة، "سيناء بين التنمية والإرهاب"، الأهرام، 6 أيار/مايو 2006.


    [43]- يبلغ سعر صفيحة الماء سعة 60 لتراً حوالي جنيه مصري واحد (0.17 دولار) في المناطق الزراعية بشمال سيناء، لكنه يبلغ 4 جنيه مصري (0.7 دولار) في المناطق الأكثر بعداً إلى الجنوب. وتقدر تكاليف مياه الشرب في مخيم البدو نصف المسكون في نويبع بحوالي 200 جنيه مصري (35 دولار) يومياً. وقد صار الماء قضيةً اقتصادية كبرى. ويمتلك بعض البدو آباراً تسمح لهم بأن يكونوا موردين حصريين للمياه. وفي حالة قرية أبو غالوم مثلاً (شمال دهب) تنقل المياه حوالي 12 كم من بئر في الجبال ضمن أرضٍ تملكها أسرةٌ تعيش من الدخل الناجم عن بيع الماء إلى سكان القرية.


    [44]- انظر زاوية "وجهاً لوجه" التي تصدر يوم الجمعة، مقابلة مع محافظ شمال سيناء ومع حسن راتب، الأهرام، 5 أيار/مايو 2006.


    [45]- أشرف أيوب، "سيناء في خطر: مع أنكار حق أنبائها في ملكية الأرض"، الأهرام، 14 حزيران/يونيو 2006؛ ومقابلة كرايسز جروب مع أشرف أيوب، العريش، حزيران/يونيو 2006.


    [46]- "سيناء صالحة الزراعية...و الاستثمارغائب"، الوفد، 15 أيار/مايو 2006.


    [47]- الأهرام هيبدو، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2006.


    [48]- الأهرام ويكلي، 20 تموز 2005.


    [49]- مقابلات كرايسز جروب، العريش، حزيران/يونيو 2006.


    [50]- مقابلة كرايسز جروب، العريش، حزيران/يونيو 2006.


    [51]- يعتبر فرعون في الإسلام واحداً من الكفار الذين هزمهم النبي. وينظر إليه كأحد رموز زمن الجاهلية.


    [52]- مقابلة كرايسز جروب، نويبع، حزيران/يونيو 2006.


    [53]- مقابلة كرايسز جروب مع شاب من شيخ زويد، وهو خريج فنون يعمل في مصنعٍ بالإسكندرية، حزيران/يونيو 2006.


    [54]- "التوطين، هل هو جيدٌ أم سيء؟"، إيجبت تودي، حزيران/يونيو 2006. يقع مركز برنامج الأغذية العالمي في أبو مسافر بشمال سيناء. والبرنامج أحد متلقي مساعدات الاتحاد الأوروبي ضمن إطار برنامج التنمية الإقليمية بجنوب سيناء.


    [55]- إيجبت تودي، حزيران/يونيو 2006.


    [56]- مقابلة كرايسز جروب مع موظفٍ في منظمةٍ غير حكومية، العريش، حزيران/يونيو 2006.


    [57]- لا تتوفر أرقام بهذا الشأن، لكن ملاحظاتنا ومقابلاتنا تشير إلى معدلات ولادة مرتفعة لدى نساء البدو. مقابلات كرايسز جروب مع نساءٍ من قبيلتي المزينة والترابين، حزيران/يونيو 2006.


    [58]- ليست حاجة البدو إلى تعليم أولادهم عاملاً قليل الأهمية في تفسير استيطان أسر البدو في محيط المراكز الحضرية مع وجود بيوتٍ لهم في الصحراء أو على الساحل. وعلى سبيل المثال، يملك أفراد تجمعات الصيادين في منطقة أبو غالوم منازل أخرى إما في المدينة أو في أقرب قريةٍ تتوفر المدرسة فيها. وهم ينتقلون بين البيتين موسمياً أو في الصيف. مقابلة كرايسز جروب مع أهالي أبو غالوم والبير الصغير بمنطقة دهب، حزيران/يونيو 2006.


  9. #9
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    افتراضي


    1. خيارات السياسات: معضلاتٌ وأوليات


    أ*- السيادة الوطنية والسيطرة المحلية
    كانت العاقبة السياسية الأولى للهجمات الإرهابية إحياء الجدل حول الظروف التي تمارس مصر سيادتها على سيناء في ظلها، وهو جدلٌ يضع موضع التساؤل شروط اتفاقيات كامب ديفيد ضمناً. وتكمن المفارقة في تلك الاتفاقيات في أن نزع سلاح المنطقة زاد من أهمية الجوانب العسكرية والأمنية فيها، وأثار شكاً في درجة سيطرة مصر على ترابها الوطني.
    أدى ربع قرن من تطبيع العلاقات وإشاعة الاستقرار في العلاقات المصرية الإسرائيلية، إضافةً إلى الاتفاقيات الاقتصادية التي عززت الشراكة بين الحكومتين، وإلى الدور الدبلوماسي الذي تقوم به مصر في المنطقة واستعادتها السيطرة على حدودها مع غزة عام 2005، إلى تشجيع كثير من المراقبين على الدعوة إلى إعادة تحديد وضع شبه الجزيرة بما يفضي إلى تعديل النظام المعقد الذي يسودها في نهاية المطاف. ويمكن النظر إلى ما نصت عليه اتفاقية 28 آب/أغسطس 2005 التي سمحت لمصر بنشر 750 عنصراً من حرس الحدود على الحدود بين غزة ومصر على أنها خطوةٌ أولى لإعادة النظر في اتفاقية كامب ديفد بطريقةٍ تقلل القيود المفروضة على السيادة المصرية في سيناء.[1]

    ب*- التضامن الإقليمي والهويات المسحوقة

    وأما العاقبة السياسية الثانية لهجمات سيناء فهي الطريقة التي لفتت بها الأنظار إلى علاقة مصر بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني ودعت إلى وضعها موضع التساؤل. لم تبرهن السلطات المصرية على ما ادعته من علاقةٍ بين المنظمة الإرهابية وبين الفصائل الفلسطينية، في حين نفت السلطة الفلسطينية تلك العلاقة. لكن التاريخ الطويل من المبادلات التجارية والبنى القبلية والعائلية، وكذلك الإدارة العسكرية (المصرية 1949 – 1967، والإسرائيلية 1967 - 1982)، بين غزة وسيناء أفضت إلى بناء صلات تضامن قوية عبر الحدود أدت الانتفاضة الثانية إلى إحيائها منذ عام 2000. وقد أنشئت "اللجنة الشعبية المصرية للتضامن مع الانتفاضة" في تشرين الأول/أكتوبر 2000. ومنذ ذلك الوقت كانت حركة التضامن مع الفلسطينيين تستند في المقام الأول إلى شبكةٍ من اللجان المحلية التي تنشط في المحافظات، وفي مناطق الدلتا خاصةً (محافظ الشرقية ومدينة المنصورة)، وكذلك في أسيوط، وفي شمال سيناء قبل غيرها.[2]
    وقد نظم أعضاء اللجنة والمتعاطفون معها (وجميع التيارات السياسية ممثلةٌ فيها) إرسال زهاء 40 قافلة مساعدات إنسانية إلى غزة، واستفادوا من دعم النقابات المهنية المصرية (الأطباء والمهندسون والمحامون والصحفيون) التي قدمت أموالاً وتبرعات في مختلف أنحاء البلاد. وتعمل العريش واللجنة المحلية فيها كمركزٍ لوجستي وسياسي لهذه التعبئة. كما شهد معبر رفح أيضاً نشاطاتٍ تضامنية، وهو نقطة العبور الوحيدة المتاحة لدخول المساعدات المصرية إلى أهالي غزة.[3]
    وأدت هذه النشاطات إلى إزالةٍ مؤقتة للانقسامات الإيديولوجية باسم القضية المشتركة (وهي دعم الفلسطينيين)، كما كانت مختبراً لتكوين الخبرات في ميدان العمل السياسي والتعبئة السياسية.[4]
    لكن كلاً من لجان التضامن مع الفلسطينيين وحركات المعارضة يواجه عقباتٍ كبيرة أمام نشاطه. فغالباً ما يجري إيقاف قوافل المساعدات التي تسيرها اللجان عند حدود غزة، كما أن المظاهرات غير شرعية بموجب قانون الطوارئ، وتمنع الحكومة جمع الأموال. وأما التعبير الشعبي السلمي عن التضامن مع الشعب الفلسطيني فيظل تحت رقابةٍ لصيقة من جانب الحكومة التي تقيده وتعامله على أنه نشاطٌ غير شرعي، بل هدّامٌ أيضاً.[5] وفي إطار اشتداد النزاع في العراق ولبنان وفلسطين، أدى الضغط الأمني في سيناء وقمع لجان التضامن وحركة المعارضة بالترافق مع السياسات التمييزية تجاه السكان المحليين البدو والفلسطينيين إلى زيادة حدة مشاعر الإحباط والاستياء إزاء الحكومة التي نقم الناس عليها بسبب تحالفها مع الولايات المتحدة واتفاقياتها الاقتصادية مع إسرائيل.[6]
    ومن هنا يتحدث كثيرٌ من أهل المنطقة عن "جيل الانتفاضة" الذي تَسيّس على أساس هويته ودينه، والذي يتزايد جنوحه إلى الجذرية في غياب إطار رسمي معترف به للتعبير عن المعارضة. ويقرّ الأشخاص الذين قابلناهم في شمال سيناء وجنوبها بأن خطب الجمعة مالت إلى التشدد في السنوات الأخيرة في بعض الجوامع المحلية، وبأن السلفية في ازدياد.[7] وفي منطقة نويبع، حظر أحد مالكي المخيمات (وهو من القاهرة) دخول الزبائن الإسرائيليين إلى منشأته "تضامناً مع الانتفاضة" وأشرف على إقامة جامعٍ لملء الفراغ الناجم عن انعدام وجود الجوامع في المنطقة، وكذلك "لشغل المكان وعدم تركه للإسلاميين" (ويقصد السلفيين هنا).[8]
    وعادةً ما يجد التوجه السياسي المتشدد ضمن الخطاب الديني في مسائل الهوية الحساسة في سيناء أرضاً خصبة له. وقد قال لنا بدويٌّ من نويبع عندما سألناه تحديد هويته: "أنا مسلم عربي بدوي من الطرابين، وأنا من سيناء ومن مصر". وقال شخصٌ من العريش: "أنا مسلم من قبيلة السواركة من عائلة أبو شافي، وأنا بدويٌّ وعربيٌّ، جنسيتي مصرية". وفي الحالتين ذكر الدين ثم القبيلة أولاً. والدين عنصرٌ مكون في الهوية البدوية (وهو يشير إلى الأصل الجغرافي الذي يعود إلى بلد النبي)، وفي الحياة الاجتماعية أيضاً. وهو يكون هيكل المجتمعات المحلية، وغالباً ما يكون دفاعها الوحيد أمام التغيرات الاجتماعية والاقتصادية السريعة القاسية الناجمة عن سياسات التوطين التي تعتمدها الدولة والتعليم الذي تفرضه. ولأن الإسلام هو الجانب الأول في الهوية البدوية، وبما أن المنطقة لا تعرف وجوداً لغير المسلمين، فإن الدين يساعد أهل سيناء أيضاً في النأي بأنفسهم عن التراث الفرعوني الذي تريد مؤسسات الدولة ترسيخه كعنصرٍ مشتركٍ من عناصر الهوية القومية.
    وللهوية حساسيةٌ خاصة في سيناء بالنظر إلى تاريخ المنطقة وتنوع سكانها، وكذلك بالنظر إلى صلتها بالنزاعات الإقليمية، وكلها عوامل يمكن أن تدفع بالناس صوب التشدد السياسي. ومهما تكن صلة أعضاء جماعة التوحيد والجهاد بمنظماتٍ إرهابية أجنبية، فإن دروب حياتهم تكشف بوضوحٍ صاعق عن ظاهرة التشدد هذه لدى جيل الشباب الذي يمكن أن يكون انجذابه إلى النشاط الإسلامي المقاتل ناجماً عن مزيجٍ من حالة القنوط الاجتماعية ـ الاقتصادية، وأزمة الهوية، والتضامن الإقليمي. وغالباً ما يشعر المتعلمون والمطلعون المسيسون أن لا مجال أمامهم للمناورة ضمن إطار التعبئة والعمل السياسي شديد المحدودية الذي تسمح به الحكومة المركزية التي لا يحبونها، إن لم نقل التي يكرهونها أيضاً.
    ويزداد خطر النزعة المتشددة بفعل ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية عامةً، وكذلك بفعل عدم المساواة في استغلال موارد المنطقة. ويرى أهل سيناء أن الدولة خاضعةٌ لنفوذ سياسيي القاهرة والنخب الاقتصادية، وأنها أداةٌ للقمع والاحتكار في الشمال والمستفيد الرئيسي من التنمية الاقتصادية خلال الخمسة عشر عاماً الماضية في الجنوب.
    ت*- الميول "الاستعمارية"
    "عرفنا أربع فترات من الاحتلال: البريطاني ثم المصري ثم الإسرائيلي، ثم المصري من جديد منذ ثلاثين عاماً. انظر إليهم؛ إنهم مستعمرو اليوم".[9]
    وتعبر هذه الكلمات التي قالها واحدٌ من أهالي منطقة شيخ زويّد وهو يشير إلى المساكن المبنية لإيواء عمال معمل زيت الزيتون وعائلاتهم (وكلهم من وادي النيل) عن النقمة المحلية إزاء "الغرباء" الذين يتمتعون بالامتيازات، أي المصريين من وادي النيل. وهي تشدد في المقام الأول على المعاملة غير المتساوية فيما يتعلق بفرص الوصول إلى العمل والخدمات الصحية والتعليم والإسكان. ولا مفر من أن يعتبر سكان المنطقة، البدو خاصةً، أن السياسات التنموية الحكومية في سيناء تمارس التمييز بحقهم إذ أن التدابير الوحيدة الموجهة إليهم هي برامج التوطين التي تتكون أساساً من المساعدات الغذائية التي يقدمها المانحون. ولا مفر أيضاًمن أن يعتبر الناس أن هذه السياسات تستجيب في المقام الأول إلى الهدف الأمني المتمثل في السيطرة عليهم وضبطهم.
    فضلاً عما سبق، ومع أن فرص الدخول إلى المؤسسات السياسية المحلية (تمثيليةً أو غير تمثيلية) ليست موصدةً في وجه البدو تماماً، فهي خاضعةٌ إلى سيطرةٍ وثيقة محكمة. ويخضع تمثيل قبائل البدو وقيادتها إلى تحكم الشرطة وموافقتها، بما في ذلك اختيارها من يتحدث رسمياً باسم القبيلة عند التعامل مع السلطات من ضمن عددٍ من الأسماء التي يقترحها مجلس القبيلة.[10] وقد كان للتحالفات والمنافسات التي تشجع هذه التدابير المبنية على سياسية "فرق تسد" على قيامها عواقب هامة: زعزعة التراتبية "التقليدية"؛ وإعادة تعريف شروط التمثيل داخل القبائل؛ واعتماد البعض أسلوب التقرب من مراكز السلطة (الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم خاصةً) بحيث تتقدم المصالح الفردية على مصالح الجماعة؛ وتحالفات المصلحة في أوقات الانتخابات خاصةً ومن أجل تسهيل الحصول على أموال المانحين أيضاً.
    ويميل المراقبون المحليون إلى توجيه انتقادات لاذعة إلى إجراءات اختيار المشاريع التي تحظى بالتمويل الأوروبي. وبما أن من يعترف بهم رسمياً على أنهم ممثلو البدو هم من يستحقون الحصول على التمويل، فمن شأن هذه التدابير أن تعزز عدم تساوي الوصول إلى فرص المشاريع التنموية على المستوى المحلي، وأن تعزز نظام التمييز أيضاً.[11]
    وعلى نحوٍ أكثر عموميةً، نقول إن هذه التدابير تعكس الأحوال القائمة فعلاً: في الشمال حيث فشلت الدولة في الوفاء بما أعلنته من عزمٍ على تشجيع إعادة البناء والتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ وكذلك في الجنوب حيث يُنظر إلى هذه التنمية على أنها تلاقٍ للمصالح (على حساب السكان المحليين) بين السلطات والقطاع الخاص مع دعمٍ مالي من المنظمات الدولية. ومع أن قلة التنمية ليست مبرراً للإرهاب الذي أصاب سيناء منذ عام 2004، فإن من شأن سياسةٍ اقتصادية تأخذ باعتبارها الحاجات الأساسية لدى السكان أن تشجع السلم الاجتماعي والمشاعر المحلية بالعرفان والانتماء إلى الأمة.




    [1]- تبرز مسألة السيادة حتى حيث يستبعد توقعها. ففي 22 آب/أغسطس 2006 وقع حادث سير لحافلة على طريق طابا ـ نويبع أدى إلى مقتل 20 شخصاً من بينهم 10 إسرائيليين مما هزّ الرأي العام الإسرائيلي. وقال محرر صحيفة هاآرتس الإسرائيلية مشيراً إلى سوء أداء خدمات الإسعاف المصرية: "لم يكن ليصيب سيادة مصر وكرامتها أي ضرر لو أنها سمحت لسيارات الإسعاف الإسرائيلية بدخول أراضيها". ثم ذكّر المحرر قرّاءه بدور سيناء في العلاقات المصرية الإسرائيلية: ".... مساحةٌ من الأرض يمكن لمن يمضون عطلاتهم من الإسرائيليين والعرب أن يقيموا فيها معاً"، "اختبار حادثة المرور في سيناء"، هاآرتس، 24 آب/أغسطس 2006.


    [2]- تمثل هذه الشبكات المحلية لدعم الفلسطينيين مظهراً فعالاً (وإن جرى التقليل من شأنه ولم تتناوله الأنباء كثيراً) من مظاهر النشاط السياسي في المحافظات المصرية.


    [3]- مقابلة كرايسز جروب مع أعضاء في اللجنة المصرية واللجان المحلية، القاهرة والمنصورة والعريش، حزيران/يونيو 2006.


    [4]- تتصل التعبئة السياسية ضد الحكومة المصرية اتصالاً وثيقاً بالنشاطات المتعلقة بالقضايا الإقليمية (فلسطين، ثم العراق ولبنان)؛ فالأخيرة تعمل كحافزٍ على المطالبة بالإصلاحات الداخلية. كما أن معظم أعضاء وزعماء حركة المعارضة التي أسست أواخر 2004 تحت اسم "حركة كفاية" من الناشطين في اللجنة أيضاً. وللاطلاع على النقاشات بشأن حركة كفاية، انظر تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم 46 الصادر عن كرايسز جروب بعنوان "إصلاح مصر: بحثاً عن الاستراتيجية"، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2005.


    [5]- في 10 كانون الأول/ديسمبر 2004 مثلاً، مُنعت من اجتياز الحدود قافلةٌ تحمل عدة أطنان من المواد (تبرعات من منظمات وأفراد) بعثت بها لجنةٌ إقليمية مصرية مكونة من النقابات المهنية. وكان زهاء 300 شخصاً يرافقون القافلة من بينهم ممثلون عن تيارات المعارضة السياسية (اليسار والإخوان المسلمون)، وكذلك مثقفون وفنانون ووفدٌ دولي تتزعمه عضو مجلس الشيوخ الفرنسي عليمة بومدين ـ تييري. وقد أوقفت الشرطة المصرية القافلة وسط الصحراء وصادرت آلة التصوير من مراسل الجزيرة، وأساءت جسدياً إلى عددٍ من الأشخاص، واعتقلت ستةً من أعضاء لجنة العريش المحلية كان من بينهم رئيسها أشرف أيوب، مقابلة كرايسز جروب مع أعضاء في اللجنة الشعبية المصرية للتضامن مع الانتفاضة، القاهرة والعريش، حزيران/يونيو 2006.


    [6]- أقرت السلطات الدينية الرسمية هذه الاتفاقيات. فقد أعلن مفتي مصر علي جمعة إن اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة مماثلةٌ لغيرها من اتفاقات التجارة الدولية؛ فهي في مصلحة مصر، كما أن التجارة مع اليهود كانت تجري في ظل الإسلام منذ زمن النبي، المصري اليوم، 24 كانون الأول/ديسمبر 2004.


    [7]- السلفية هي أكثر التيارات ديناميكيةً في النشاط الدعاوي الأصولي لدى الإسلام السني؛ ولمزيدٍ من التفاصيل انظر تقرير الشرق الأوسط/شمال أفريقيا رقم 37 الصادر عن كرايسز جروب، 2 آذار/مارس 2005.


    [8]- مقابلة كرايسز جروب مع شريف الغمراوي رئيس منظمة "حماية" غير الحكومية ومالك "مخيم بساطة"، نويبع، حزيران/يونيو 2006.


    [9]- مقابلة كرايسز جروب مع خريج جامعي شاب يعمل في الإسكندرية وأصله من شيخ زويّد، حزيران/يونيو 2006.


    [10]- هذه التدابير معاكسةٌ تماماً لما كانت تعتمده إسرائيل أثناء احتلالها. فمن أجل ضمان ولاء قبائل سيناء عمد الإسرائيليون إلى إقامة نظامٍ يتضمن دفع راتبٍ لشيخ القبيلة. وترافق هذا مع عقد لقاءاتٍ تشاوريةٍ شهرية. مارتن غلاسنر، "بدو جنوب سيناء في ظل الاحتلال الإسرائيلي"، جيوغرافيكال ريفيو، المجلد 64، العدد 1، كانون الثاني/يناير 1974.


    [11]- مقابلة كرايسز جروب مع برونو فرانسوا، المستشار السابق لبرنامج التنمية الإقليمية بجنوب سيناء، شرم الشيخ، حزيران/يونيو 2006. والقاعدة العامة في تمويل المشروع التنموي هي أن الجهات القانونية فقط (الجهات الحكومية المحلية والمنظمات غير الحكومية والشركات أو المؤسسات)، وليس الأفراد، هي من يحق لها التقدم بطلب التمويل. وعلى وجه العموم لا يحقق هذا الشرط الأساسي إلا عددٌ قليلٌ جداً من بدو سيناء. وشروط الأهلية لتلقي التمويل موجودةٌ على الرابط: http://www.eu-ssrdp.org/.

  10. #10
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    افتراضي




    7. خاتمة

    أدت الهجمات الإرهابية الخمس في سيناء بين تشرين الأول/أكتوبر 2004 ونيسان/أبريل 2006، والتي نسبت إلى جماعة التوحيد والجهاد المصرية غير المعروفة سابقاً، إلى إثارة أسئلةٍ هامة في مصر والمنطقة. لكن السؤال الرئيسي الذي طُرح هو: "هل هذا من فعل القاعدة؟"؛ وعلى نحوٍ أكثر عمومية: "هل تملك القاعدة شبكةً مهمةً في مصر؟".[1] وقد مالت هذه الأسئلة إلى التعتيم على الأسباب العميقة الكامنة خلف ما حدث وتحويل الأنظار عنها مركزةً بدلاً من ذلك على المجال الأمني حيث تكون المعلومات مبعثرةً وجزئيةً ومتناقضةً في أغلب الأحوال.
    وفي ضوء المعلومات المتوفرة حالياً، يكون من باب المخاطرة أن يقدم المرء تفسيراً محدداً قاطعاً لتلك الهجمات. لكن المعلومات الخاصة بالأعضاء القياديين في المنظمة الإرهابية توفر نقطة البداية من أجل إعادة تركيز التحليل على كلٍّ من الإطارين المصري والإقليمي للأحداث. وهي تقدم مفاتيح هامة تشير إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية ـ الاقتصادية الكامنة خلف ظاهرة الإرهاب في سيناء.
    وبدورها، توحي هذه الجوانب بإمكانية وجود سياسات بديلة غير قسرية (خارج الإطار الضيق للأمن والسيطرة) يتعين على الحكومة أن تعتمدها بادئةً بالاعتراف أن تلك الهجمات تطرح أربع مشكلاتٍ ترتبط ببعضها بعضاً: الوقاية، والنزاع الإقليمي، والهوية، والتنمية الاقتصادية.
    q تعتمد الوقاية الفعالة على جودة الخدمات الاستخباراتية في المقام الأول. وتلك تعتمد بدورها على موقفٍ متعاونٍ لدى السكان المحليين قبل كل شيء. ولا يجوز أن يقتصر تركيز الحديث عن السيادة المصرية في شبه الجزيرة والمناطق الحدودية على حرية العمل المتاحة لقوات الأمن ونشر المزيد منها، بل يتعين أن يأخذ بحسبانه الحاجة إلى أن ينظر أهلسيناء إلى الحكم المصري فيها بصفته حكماً شرعياً من حيث كونه ذا طبيعةٍ قوميةٍ حقاً. وهذا ما يقتضي أن تعمل الدولة على تغيير المواقف المحلية من خلال اعتماد سياسة جديدة كل الجدّة تهدف إلى الدمج الكامل لسكان المنطقة ضمن النسيج القومي للمجتمع المصري بشروطٍ يستطيعون قبولها؛
    q ولا يمكن التوصل إلى حلٍّ شاملٍ دائم لمسألة سيناء إلا ضمن سياق حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. فالعنف في غزة لم يكد يتوقف منذ انسحاب إسرائيل منها في آب/أغسطس 2005؛ كما أن السيطرة على المعابر الحدودية مازالت مشكلةً كعهدها دائماً، ومازالت المعابر خاضعةً لقرارات الجيش الإسرائيلي، جزئياً على الأقل. وليس من الممكن واقعياً أن تنسب مشكلة الحدود المستمرة ببساطةٍ إلى إخفاقات القوات المصرية والفلسطينية، بل يجب أن تنسب إلى استمرار حالة الفشل في حل النزاع إجمالاً، وهو نزاعٌ يشهد ميلاً مستمراً إلى التصاعد والتسرب إلى مصر؛
    q كما كشفت الهجمات الإرهابية أيضاً عن مشكلاتٍ تتعلق بطبيعة السكان (الجماعات المحلية الفلسطينية والبدوية شديدة التنوع)، وهي طبيعةٌ خاصةٌ تماماً بسيناء من جهة، ومرتبطةٌ بتاريخ المنطقة ونزاعاتها من جهةٍ أخرى. كان زعماء الجماعة الإرهابية من البدو و/أو الفلسطينيين من حيث أصولهم. أي أنهم ينتمون إلى الجماعتين اللتين تتعرضان يومياً إلى التمييز والقيود الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بفعل التدابير الأمنية: في الشمال بسبب مشكلات الحدود مع غزة؛ وفي الجنوب أيضاً من أجل حماية السياح

    q الأجانب. وباختصارٍ نقول إن دمج سيناء في مصر يناقض الخصائص المتأصلة في تلك المنطقة التي تتميز بتعدد جنسيات عميق، والتي تميل تاريخياً وسكانياً باتجاه الشرق، لا باتجاه القاهرة. ومن شأن السياسات السلطوية المركزية التي تعتمدها الحكومةأن تعزز دعاوى الهوية المحلية، لا محالة؛
    q يجب أن تشكل الهجمات الإرهابية دعوةً إلى إعادة النظر في ما هي عليه سيناء اليوم؛ وتحديداً بصفتها تقاطع طرق جغرافي خاضع لنظام عسكري حيث تلاشت سريعاً الفرحة العامة التي أعقبت العودة إلى مصر عام 1982 عندما راحت الحكومة تهمل سكان المنطقة. وقد صارت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الشمال والجنوب أكثر وضوحاً من ذي قبل رغم وجوب التكامل بين المنطقتين. فإذا اعتمدت سياساتٌ أفضل، يمكن أن يعمل الإنتاج الزراعي واليد العاملة في الشمال على خدمة صناعة السياحة التي تشهد نمواً سريعاً في الجنوب.
    وفي حين لا يمكن التوصل إلى إشاعة استقرارٍ دائم من غير حلٍّ سياسي للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن من غير الجائز أن يحول ذلك دون اتخاذ تدابير على المدى القصير. ويجب أن تشمل عملية تخفيف التوتر بين الحكومة وأهل المنطقة تحسيناً لصورة الحكومة واعترافاً منها بهؤلاء الناس، وذلك من خلال إعادة صياغة الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المنطقة. وعلى وجه الخصوص، يتعين على الحكومة أن تلتزم استراتيجية تنمية اقتصادية اجتماعية جديدة تهدف بوضوح إلى تحقيق منفعة السكان عامةً من غير تمييزٍ بينهم. إن الاعتراف الحقيقي بسيناء وأهلها كجزءٍ لا يجزأ من الأمة المصرية موضوعٌ على المحك الآن.
    القاهرة/بروكسل، 30 كانون الثاني/يناير 2007








    [1]- في أوائل آب/أغسطس 2006، أعلن الشخص الثاني في القاعدة أيمن الظواهري عبر قناة الجزيرة أن عدداً من أعضاء الجماعة الإسلامية انضموا إلى القاعدة، لوموند، 6 آب/أغسطس 2006. لكن المتحدثين باسم هذه المنظمة المصرية نفوا ذلك. وفي 1 أيلول/سبتمبر، اعتقل في الإسكندرية 15 شخصاً لانتمائهم إلى شبكة القاعدة؛ كما أدلت السلطات المصرية والإسرائيلية بتصريحٍ علني عن وجود خمسة أعضاء مزعومين في تنظيم القاعدة بمنطقة سيناء، المصري اليوم، 2 أيلول/سبتمبر 2006؛ الأهالي، 5 أيلول/سبتمبر 2006.


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •