دوما يستفزني سؤال بسيط عن الحروب الإسرائيلية العربية: لماذا تختار إسرائيل في أغلب الأحيان توقيتات حروبها معنا وتفرضها علينا، فندخلها مجبرين مضطرين مثل الأعمي الذي ينصب له أصحاب العيون السليمة فخا فينزلق إليه؟!
كيف اشتعلت تقريبا كل الحروب ( 1948، 1956، 1967، حرب لبنان، الحرب علي غزة) وفق "الحسابات" الإسرائيلية، إلا حربا وحيدة هي حرب أكتوبر 1973 فكانت من اختيارنا وحسب "ظروفنا وحساباتنا"؟!
وهذا يقودنا إلي سؤال آخر: ماذا كانت نتائج الحروب التي اختارتها إسرائيل وحددت "عناصرها وتوقيتها"؟!، وماذا كانت نتائج الحرب الوحيدة التي حددنا نحن عناصرها وتوقيتها؟!
بالطبع ليس المقصود هو المقارنة بيننا وبينهم، مع أن المقارنة مطلوبة وضرورية، ولا يمكن أن نسقطها من حسابنا إذا كنا نؤمن أن صراعنا مع إسرائيل طويل وممتد لأسباب كثيرة ليس هذا وقت شرحها، ولن يتوقف حتي لو أخذ أشكالا غير القتال المباشر، مثل اتفاقات سلام أو تطبيع بارد أو هدن طويلة قد تستمر عشرات السنوات!
وليس المقصود هو الدفاع عن طرف أو إدانة طرف، وإنما السؤال هو دعوي للتفكير العلمي المنظم، بعيدا عن "المشاعر المشتعلة" والغضب المستعر من "صور الأطفال البريئة" التي تسفك آلة الحرب الإسرائيلية دماءها وأرواحها، ومن مشاهد الطائرات والدبابات والمدفعية وهي تلقي بحمم الصواريخ الموجهة والقصف المدفعي الوحشي وغارات القتل العمد علي شعب فلسطين الأعزل!
نحن أمام حرب مجرمة وليست حربا عادية، حرب اختارت إسرائيل توقيتها، وهيأت أذهان العالم لها، حتي وصف الإعلام العالمي عمليات قتل الأطفال ومذابح المدنيين بأنها "حرب دفاعية وليس عدوانا علي الفلسطينيين"، والوصف نفسه جريمة حرب، فإخفاء معالم الجرائم هو مشاركة فيها، كما تنص كل القوانين في العالم أجمع!
لكن لا يجوز أن نكتفي بأن ندين الولايات المتحدة لدورها المباشر في الحرب والقتل، أو الاتحاد الأوروبي الذي يتفهم دوافع الجريمة ويدافع عن ارتكابها أو الأمم المتحدة لتقاعسها وفشلها في تطبيق ميثاقها أو حتي منظمة المؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية اللتين لا قيمة حقيقية لهما عند التصادم والصراع والحروب.
علينا أن نفكر أبعد من الإدانة، وأن نفهم أننا لن نستطيع أن "نجبر" الآخرين سواء كانوا معادين أو مساندين لنا علي الانصياع لما نؤمن به من أفكار عن حقوقنا المشروعة الضائعة وأساليب استردادها، لأننا باختصار لا نملك القوة الكافية لفرض هذه الأفكار أو الأساليب لا علي إسرائيل ولا علي غير إسرائيل..
العرب رقم ضعيف في "معادلة" العلاقات الدولية في العالم، والثروات المادية الكبيرة التي يملكونها "ذات قيم رخيصة" في سوق الإنتاج العالمي للحضارة، فالإنسان ذو المعرفة القادر علي اتخاذ قرارات صحيحة في الوقت المناسب هو أهم عناصر إنتاج القيمة في العصر الحديث، والعرب "عدد" كبير من البشر لا أكثر، عدد يملك ثروات مادية لا ثروات عقلية، والعقل هو الطاقة المتجددة بينما الثروات المادية طاقة متهالكة لها عمر افتراضي طال أو قصر!
ومصر جزء من هذا العالم العربي، إن لم يمكن بالجنس والعرق، فبالثقافة والمصالح والجغرافيا والتاريخ الحديث!
ونحن في حالة ضعف عام، ونعيش واحدا من عصور التخلف والانحطاط، ومثالب هذا التخلف متفشية في تصرفاتنا وسلوكياتنا وأساليب حياتنا في كل جوانبها، اقتصادا وسياسة وثقافة وعملا، وبالتالي حربا مع الآخرين أو سلما، ويستحيل أن يكون "حالنا" في حالة الحرب مختلفا عن حالنا في الحياة، أي لا يعقل أن تكون "الأزمة" هي الوصف الدقيق لكل جانب من جوانب حياتنا، وحين نأتي إلي الحرب - التي لا تهدد وجودنا تهديدا مباشرا- تختفي هذه الأزمة ويحل محلها "قدرات" عالية وإمكانات مبدعة، نكسب بها الحرب أو نحسن التصرف فيها بدرجة ملفتة ومثيرة للتقدير!
بالطبع..لا يحدث هذا في الواقع، وقد يحدث في الخيال أو الأحلام أو أفلام السينما أو في عقول المرضي النفسيين المصابين بـ"الهلاوس والانفصام"!
هذه حقائق الواقع التي يجب أن نتصرف علي أساسها، إذا كنا لا نريد أن نظل دوما في خانة "الخاسرين"!
ولا يعني هذا أن نتنازل عن حقوقنا أو نقايض عليها، فالأجيال الحالية لا تملك شرعية هذا التنازل حتي لو أرادات، ولكن علينا أن ندير معاركنا ومصالحنا للحفاظ علي أمننا القومي، حسب إمكاناتنا الحالية وقدرتنا الفعلية لا المتخيلة.. مستخدمين "أوراق الضغط" القليلة التي في حوزتنا.
والحرب علي غزة وضعت العالم العربي كله ومعه مصر أمام المرآة، ليري حجمه وقدراته وقراراته وتأثيره، قد لا يعجبنا هذا الحجم ولا نرضي عن هذه القدرات، لكن لا نملك في هذه اللحظات الآنية غيرها، وإلا حين نعدلها ونغير واقعنا ونستبدل بضعفنا قوة، علينا أن نحسن التصرف في ضوء الواقع، وإذا كانت النظم السياسية واحدة من نقطة الضعف فينا، فالإنسان هو نقط الضعف الأكبر، فهو صانع النظم سواء كانت ديمقراطية أو مستبدة، عظيمة أو كليلة، عمياء أو مبصرة.." ومن أعمالكم سلط عليكم"، و"كل شعب يستحق حكومته ونظامه"!
لكن هذه الحرب تجبرنا علي التساؤل الحتمي: لماذا الآن؟!
بالطبع نعرف جميعا أن إسرائيل لا تريد السلام، فهي فعلا ليست في حاجة إليه إلا بشروطها، فالسلام ليست منحة كما أن الحرب ليست نزهة، ولكي نحسن التفكير، علينا أن نتصور أنفسنا في موضع إسرائيل ونسأل: لماذا تحرص علي السلام؟!
في هذه الظروف الإقليمية والدولية..لا قيمة للسلام، فهي تفعل ما تريد وقتما تريد..
أولا: الفلسطينيون منقسمون علي أنفسهم، يتصارعون علي السلطة، ويتقاتلون فيما بينهم منفذين لسياسة إسرائيلية مكتوبة ومعلنة "صناعة قلاقل داخلية وصراعات بين الفلسطينيين تدوم أطول فترة ممكنة"، وهذه حكاية سوف أنشر تفاصيلها من واقع "تقارير رسمية إسرائيلية عبارة عن تقدير موقف الأجهزة الأمنية داخل إسرائيل لكل دول العالم العربي"!
ثانيا: أغلب الدول العربية المؤثرة خاصة دول الطوق مشغولة بانقسامات داخلية عنيفة، وصلت في قسوتها إلي حد السؤال عن الهوية نفسها، والسؤال مطروح بشدة في السودان: هل هم عرب أم زنوج وأفارقة؟!، وفي مصر، وفي لبنان.. نفس الأمر بمسميات أخري وهذا أدي إلي وجود حركات انفصالية أو مطالب طائفية تهز أسس الدولة أو تهددها!
ثالثا: زراعة انقسامات مذهبية متصارعة متجاوزة القطر الواحد مثل "الشيعة والسنة" من العراق إلي دول الطوق حول إسرائيل!
رابعا: الولايات المتحدة صديق استراتيجي يعضد الموقف الإسرائيلي علي طول الخط ويمدها بكل ما يلزمها من أسلحة حديثة ومعدات تتفوق بها علي جميع الدول العربية مجتمعة، والاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يحلق في المنطقة إلا بأوامر من الولايات المتحدة، وفي المساحات التي يحددها!
هذه هي الظروف التي تعيش فيها إسرائيل ويعيش فيها الفلسطينيون..
والفلسطينيون لا يملكون إلا عنصرا وحيدا شديد الأهمية وهو "حقهم في وطنهم المغتصب"، وعدم التنازل عنه حربا أو سلما في وثائق مكتوبة مضمونة من الدول الكبري والأمم المتحدة والدول العربية هو بمثابة سيف مسلط ابد الدهر علي رقبة إسرائيل، ويظل معلقا علي رقبتها مهما اشتدت قوتها العسكرية، لأن موازين القوي تتغير وتتبدل، لكن "الحقوق" التي يظل أصحابها يطالبون بها دون هوادة ومهما كانت التضحيات لا تتغير ولا تتبدل، وغزة والضفة وعرب 1948 معا هم "تهديد فعلي وقوي" لدولة إسرائيل مهما طال بها الزمان، ولن يتبدد هذا التهديد إلا باتفاق سلام دائم مكتوب يوافق فيها الفلسطينيون علي تأسيس دولة لهم أيا كانت شروطها..
ما أريد أن أقوله إن إسرائيل هي الأقوي حاليا وتحاول أن تفرض شروطها، لتضمن أكبر مكاسب ممكنة، لكن استراتيجيا وعلي المدي الطويل الفلسطينيون لا يقلون قوة وهم دون أسلحة طالما تمسكوا بحقوقهم في دولة فلسطينية بشروط الرئيس الراحل ياسر عرفات التي رفضتها إسرائيل وأفشلت كل مساعي السلام بعد مدريد وأوسلو!
والحرب علي غزة هي جزء من الوصول إلي "وثيقة ملكية" من الفلسطينيين بأرض إسرائيل، لأن "وعد الرب" بأرض الميعاد لبني إسرائيل في التوراة لا يعد في أعراف القانون الدولي "صك ملكية!
وقد رأت إسرائيل في "الحرب الأهلية" الفلسطينية فرصتها المثلي، لكسر إرادة الفلسطينيين، والاقتراب من "السلام الإسرائيلي"، وللأسف جماعة حماس هي التي ساعدت إسرائيل عل ذلك، صنعت لها الحجج والمسوغات بمهارة فائقة عمدا أو قسرا!
هذا هو الواقع..فكيف نتعامل معه؟
تحتاج القضية الفلسطينية إلي إبداع في المقاومة، فخيار المقاومة في رأيي هو الخيار الوحيد الصائب والممكن في مواجهة "أطماع" إسرائيل أولا في الحصول علي صك ملكية من أصحاب الأرض، ثم في مواجهة توحشها وعنفها ثانيا، فالعنف الإسرائيلي مهما كانت غلظته وجرائمه لن يفسر الحلم اليهودي، خاصة أن الحلم نفسه تشوبه وتحيطه شكوك، فالدولة نقية العرق اليهودي لم يعد لها وجود، بسبب عرب 1948، هؤلاء الذين صمدوا في وجه عصابات القتل ولم يتركوا قراهم وتشبثوا بأظفارهم في أرضها، فأفسدوا الفكرة اليهودية من أساسها..وصاروا يشكلون ما يقرب من خُمس عدد سكان دولة إسرائيل..
وخيار المقاومة حق مطلق للفلسطينيين، هم وحدهم الذين يقررون الطرق والأساليب التي يقاومون بها، لكن عليهم فقط استكشاف معالم الخريطة الإقليمية والدولية، وإدراك شروطها وظروفها، وان يعملوا وفق هذه الشروط والظروف دون أن يتنازلوا عن أرضهم وحقوقهم..وخيار المقاومة لا يعني أن يختطفه فصيل ويحتكره ويستخدمه سلاحا إلي السلطة، فمأساة الفلسطينيين منذ تأسيس منظمات الكفاح المسلح هي الانشطار والتمزيق والخلافات التي بنيت كلها علي فكرة "احتكار المقاومة"، كوسيلة للشرعية أمام شعبهم وأمام العالم، والحصول علي مكاسب سياسية سريعة قبل استرداد الحقوق المسلوبة، ومازال هذا الفيروس اللعين يضرب بأطنابه في التربة الفلسطينية وتوحش مع حركة حماس، فالمقاومة المسنودة إلي عمود الدين تحوز قوة إضافية قاهرة، خاصة مع عدو يبدو أن "الدين" كان أهم عناصره في اغتصاب وطن وتأسيس دولة من العدم!
لكن المقاومة غير اللعب بالمقاومة..المقاومة عمل استراتيجي مبني علي قواعد وأساليب واكتساب مساحات علي أرض الواقع، وتجري حسب قدرات رجالها وتقديراتهم ومصالح وطنهم، أما اللعب بالمقاومة فهو عمل عشوائي مبني علي الميكروفونات والتصريحات النارية وتهييج المشاعر، وعلي صور تليفزيونية ملثمة وطلقات رشاشات في الهواء، وتجري حسب رغبات الآخرين وتقديراتهم ومصالح بلادهم هم وتكون بمثابة أداة وورقة سياسية في أيدي لاعبين في الكواليس، وليس في أيدي أصحاب القضية، بينما العدو هو الذي يكسب المساحات..
وهذا ما يحدث في الحرب علي غزة..
اللعب بالمقاومة كانت نتيجته أن إسرائيل سفكت دماء ما يقرب من 700 فلسطيني وأصابت أكثر من ألفين، وانصاع فيها الجميع إلي الصور التليفزيونية البائسة التي تبثها قناة فضائية هدفها الأول هو تخفيف "الغضب" من علي كاهل العدو الإسرائيلي وشريكه الأمريكي، ونقل هذا الغضب إلي الداخل وصناعة حرب أهلية بين الشعوب والنظم.. حرب غزة من الحروب التي اختارت إسرائيل توقيتها وظروفها وحساباتها، والواجب الآن أن نعمل علي إيقافها فورا من أجل حماية أهل غزة من هذه المجازر الوحشية، وبعدها يعيد الفلسطينيون حساباتهم من جديد ويختارون بين المقاومة واللعب بالمقاومة!