"حماس" والتحديات الصعبة



بقلم: الأسير رأفت ناصيف*

قد يتساءل الكثيرون حول مصير حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وعن تلك المقومات التي تقف خلف ذلك الإصرار والصمود الذي تظهره وهي تواجه كل تلك الهجمة بل الهجمات التي تصوب سهامها إلى مقتلها من جهات عديدة في ذات الوقت.

وقد تظهر علامات الاستغراب والحيرة من على الوجوه عندما ترى حركة حماس وهي وسط أمواج هائجة تتهددها بالغرق، ما زالت تتحرك بموقفها ليس نظريا فحسب، بل وممارسة عندما تؤكد على نهج المقاومة وأولوية ملف الأسرى وتترجم اليوم هذا الأمر عملياً بمقاومتها للعدوان وأسرها الجندي الإسرائيلي ليكون من وسائلها لتحقيق حرية الأسرى.

ويكون الاندهاش في ذروته عندما تواجه "حماس" التهديدات وحدها وكوادرها وقيادتها ليس بالخضوع والانكسار تحت شعار الانحناء للعاصفة كما هو عرف الأنظمة الرسمية، ومن يسيرون في فلكهم، وليس كذلك بالإصرار على المواقف، والاستعداد للتضحية وعدم الجبن.

دائماً تواجه "حماس" ما تتعرض له بتصعيد نوعي في المقاومة كما شاهدنا في الأيام الأخيرة عندما تركت العنان لقذائف القسام كي تخترق عمق كيان الاحتلال، موصلة بذلك رسالتها التي تتبناها أن العين بالعين والسن بالسن.

ولعل كل هذه التساؤلات مشروعة يشترك فيها جمهور عريض. ورغم إدراكي بوجود فئات تقصد المنحى السلبي من هذه التساؤلات، إلا أنني أعتقد بأن السواد الأعظم إنما يطرحها ببراءة مطلقة وكثير من هذا السواد، لا يطرحها إلا من باب الحرص وإرادة الخير لحركة حماس ومشروعها، بل أقول إن مثل هذه التساؤلات قد تصدر عن أبناء الحركة أحياناً.

ولجلاء الصورة ومحاولة إيضاح ما يثير الحيرة والدهشة فلا بد من وقفة أمام حركة حماس منهجاً وتجربة ورجالا، حيث أعتقد أن ها هنا يكمن السر.

أما منهج "حماس" الذي تتبناه وأعلنته فهو مصدر قوتها الأول الذي يوضح مواقفها. فهو منهج يقوم على البذل والعطاء والعزيمة القوية، كأداة أساسية لتحقيق الأهداف والتضحية والفداء أمران متوقفان إن لم يكن بد منهما لتحقيق الأهداف التي هي في المحصلة وسيلة لبلوغ الغاية.

إنه منهج إيماني عقدي ذلك الذي ترتكز إليه "حماس" خلال سيرها نحو أهدافها، أهداف شعبها وهمها أن تجتهد بأقصى طاقتها للأخذ بكل أسباب النصر لترفدها بالبعد الإيماني على قاعدة أعقل وتوكل.

ثم تأتي التجربة كمقوم آخر تعتمد عليه حماس كمصدر لقوتها في مسيرتها، فالتاريخ بكل التجارب التي حملها يثبت أنه ما من حركة تغيير إلا وكانت تدفع لقاء وصولها لأهدافها من أعز ما تمتلك لسمو هذه الأهداف التي تستحق فعلاً بذل النفوس والأموال ولم تكن الثوابت لتنتصر لولا تضحياتها وانتصاراتها على الواقع الأليم الذي تعمد لتغييره أو إصلاحه، فهذه الجزائر وجنوب إفريقيا ورومانيا وأوكرانيا مجرد مثال على ذلك.

وليس التاريخ العام وما فيه من تجارب هو الذي يشكل مقوم من مقومات صمود حماس وإصرارها فحسب بل إن التاريخ وتجربة حركة حماس ذاتها منذ نشأتها هو بذاته يشكل مقوماً أساساً لمسيرتها، فما من نقلة نوعية لها إلا وكانت بعد تحدٍ كبير تواجهه وتضحيات جسام تقدمها.

فهذه حماس تتحدى منذ انطلاقتها كل محاولات الاستئصال والتهميش والاحتواء متحملة كل الممارسات والاعتداءات بحقها، وكوادرها وقيادتها من القريب قبل البعيد، وتثبت أنها لا تنكسر، ولا تتراجع وتواصل مشوارها بإرادة وعزيمة أصلب من الفولاذ.

وما الواقع الذي تعيشه حماس اليوم إلا صورة مشابهة لما واجهته منذ أن أخذت على عاتقها الدفاع عن فلسطين الأرض والإنسان ولكن بألوان جديدة.

في المقابل فإن حماس كما كانت دائماً تواجه التحديات بنقلات نوعية فهي حماس التي حملت هم الأسرى من قبل، وتحملت تبعات ذلك يوم قدمت التضحيات جراء أسرها للجنود الصهاينة حتى قبل إعلان انطلاقتها هي اليوم تصر على حمل هم الأسرى وتؤكد أن ذلك يستحق التضحية في سبيل تحقيقه فتكرر الأمر اليوم مؤكدة عزمها وإصرارها لتحقيق هذا الهدف، حرية الأسرى وهي حماس التي أكدت على قداسة وطهارة الدم الفلسطيني وأنه ليس بأرخص من دماء اليهود وأن أمن فلسطين وشعبها ليس بأقل أهمية من الأمن الصهيوني.

وبنقلة نوعية في المقاومة تذيق حماس الاحتلال من ذات الكأس الذي أرادوه لشعب فلسطين من خلال العمليات الاستشهادية. وحماس رغم كل العدوان الذي وجه لها رغم صعوبته وحجمه لم يَحُلْ دون مواصلتها لدربها بل لعله أسهم في تطوير قوة حماس من كل الجوانب، فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن من أقوى الضربات التي تعرضت لها حماس حملة الإبعاد عام 1992م إلى مرج الزهور وما صاحبها من اعتقالات وملاحظات، ولكن كان ذلك بوابة فتحت لحماس أفاق العالم بأسره، ليشكل مرج الزهور منبراً لنشر فكرتها وتوضيح حقوق شعب فلسطين التي تسعى لاستردادها، فهذه الصورة من تجربة حماس والتي تخطها بتفوق حري لها أن تعتمد عليها كسند لمواجهة واقعها اليوم وتخطيه، وهو فعل نراها تسلكه اليوم برفضها التنازل والابتزاز وبرفضها إلّا أن تبقى الحقوق قائمة والأولويات كما هي.

أما المقوم الآخر الذي ترتكز إلية حماس فهم رجالها أولئك الذين زهدوا بكل ما بأيدي الناس لقاء ما يأملون عند الله تعالى فكانوا رجال همهم جله موجه نحو تحقيق حلم شعبهم وحقوقه والحفاظ على كرامته غير مبالين بكرسي أو سيارة أو ثروة ولا آسفين على رفاهية وهمية ذليلة، رجال لا تميز بين القائد والجندي منهم فالكل متقدم مستعد للتضحية والكل مشاريع شهادة، فالقائد مع الجندي في ساحات المعركة وهو معه في محنة الأسر ومنهم في قوافل الشهداء.

أمام هذه المقومات التي تستند عليها حماس فإننا لا نجد إمكانية إلا أن يكون التحدي والإصرار والعزيمة القوية هو مسلك حماس الدائم، وهو ما يفسر عدم انكسار حماس اليوم وهي تواجه ما تواجهه محلياً وإقليمياً ودولياً لتثبت حماس اليوم صدقيتها يوم رفعت شعارها يد تبني ويد تقاوم، ورغم كتامة المشهد من ناظره، فأن زاوية أخرى لهذا المشهد ليشهد بصوابية مشهد حماس القائم على أن الهزائم لا تجر هزائم أخرى ومهانة، وذلك بينما الصمود والتحدي يجعل التوازن هو سيد الموقف، وما بصدده حماس اليوم هو أن تنتقل نقله نوعيه جديدة وهي أن روح الصمود والمواجهة ليست حكراً على العمل المقاوم وإنما يستطيع أن يتقنه من يوائم بين توأمه السياسة والمقاومة في آن واحد.

فها هي حماس تدير ببراعة معركة سياسية مع إبداعات في المقاومة على الأرض.

*عضو القيادة السياسية لحركة حماس سجن النقب