صفحة 1 من 6 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 54

الموضوع: في ذكري جمال عبد الناصر

  1. #1
    An Oasis Resident
    الصورة الرمزية بهاء طايل
    الحالة : بهاء طايل غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 7826
    تاريخ التسجيل : Mar 2009
    الدولة : القاهرة
    العمل : ضابط بحري
    المشاركات : 287

    افتراضي في ذكري جمال عبد الناصر

    في هذا التوبيك سأدرج بإذن الله بعض ما قاله بعض الشعراء في رثاء الزعيم جمال عبد الناصر
    فضلاً ورجاءاً ألا يتحول الموضوع إلي تقييم للرجل أو لعصره
    فأنا هنا أنقل شعراً فقط
    أما إذا أردنا تقييم الرجل فمن الممكن أن نفتح توبيك في مكان آخر غير همس القوافي
    أشكركم ويتبـــــــــــــــــع
    يا سيدنا القادم من بعدي .. أرجو أن تأتي وبأقصي سرعة
    فالصبر تبدد واليأس تمدد .. إما أن تدركنا الآن أو لن تدركنا بعد
    حاشية: لا تنسي أن تحمل سيفك

  2. #2
    An Oasis Resident
    الصورة الرمزية بهاء طايل
    الحالة : بهاء طايل غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 7826
    تاريخ التسجيل : Mar 2009
    الدولة : القاهرة
    العمل : ضابط بحري
    المشاركات : 287

    افتراضي

    جمال عبد الناصر
    الشاعر نزار قباني

    (1)
    قتلناك .. يا آخر الأنبياء
    قتلناك ..
    ليس جديداً علينا إغتيال الصحابة والأولياء
    فكم من رسول قتلنا..
    وكم من إمام ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء
    فتاريخنا كله محنة
    وأيامنا كلها كربلاء

    (2)
    نزلت علينا كتاباً جميلاً
    ولكننا لا نجيد القراءة
    وسافرت فينا لأرض البراءة
    ولكننا ما قبلنا الرحيلا ..
    تركناك في شمس سيناء وحدك
    تكلم ربك في الطور وحدك
    وتعري .. وتشقي .. وتعطش وحدك
    ونحن هنا نجلس القرفصاء
    نبيع الشعارات للأغبياء
    ونحشو الجماهير تبناً وقشاً
    ونتركهم يعلكون الهواء

    (3)
    قتلناك يا جبل الكبرياء
    وآخر قنديل زيت
    يضئ لنا في ليالي الشتاء
    وآخر سيف من القادسية
    قتلناك نحن بكلتا يدينا ..
    وقتلنا المنية ..
    لماذا قبلت المجئ إلينا
    فمثلك كان كثيراً علينا
    سقيناك سم العروبة حتي شبعت
    رميناك في نار عمان حتي احترقت
    أريناك غدر العروبة حتي كفرت
    لماذا ظهرت بأرض النفاق .. لماذاظهرت ؟
    فنحن شعوب من الجاهلية ..
    ونحن التقلب نحن التذبذب والباطنية
    نبايع أربابنا في الصباح
    ونأكلهم حين تأتي العشية ..

    (4)
    قتلناك .. يا حبنا وهوانا ..
    وكنت الصديق ,
    وكنت الصديق وكنت أبانا
    وحين غسلنا يدينا .. اكتشفنا
    بأننا قتلنا منانا ..
    وأن دمائك فوق الوسادة كانت دمانا
    نفضت غبار الدراويش عنا
    أعدت إلينا صبانا ..
    وسافرت فينا إلي المستحيل
    وعلمتنا الزهو والعنفوانا ..
    ولكننا ..
    حين طال المسير علينا
    وطالت أظافرنا ولحانا ..
    قتلنا الحصانا ..
    فتبت يدانا
    فتبت يدانا
    أتينا إليك بعاهاتنا .. وأحقادنا .. وإنحرافاتنا
    أتينا نريد لديك الأمانَ
    إلي أن ذبحناك ذبحا بسيف أسانا
    فليتك في أرضنا ما ظهرت
    وليتك كنت نبي سوانا ..

    (5)
    أبا خالد يا قصيدة شعر تقال
    فيخضر منها المداد
    إلي أين ؟ يا فارس الحلم تمضي
    وما الشوط حين يموت الجواد ؟
    إلي أين ؟
    كل الأساطير ماتت بموتك
    وانتحرت شهر زاد
    وراء الجنازة سارت قريش
    فهذا هشام .. وهذا زياد ..
    وهذا يريق الدموع عليك
    وخنجره تحت ثوب الحداد
    وهذا يجاهد في نومه
    وفي الصحو يبكي عليه الجهاد
    وهذا يحاول بعدك ملكاً
    وبعدك .. كل الملوك رماد
    وبعدك .. كل الملوك رماد
    وفود الخوارج جاءت جميعا
    لتنظم فيك ملاحم عشق
    فمن كفروك
    ومن خونوك
    ومن صلبوك بباب دمشق
    أنادي عليك .. أبا خالد
    وأعرف أني أنادي بوادِ
    وأعرف أنك لن تستجيب
    وأن الخوارق ليست تعاد

    الشاعر نزار قباني
    جريدة الأهرم 10/10/1970

  3. #3
    An Oasis Citizen
    الحالة : فريد الموسى غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5143
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    المشاركات : 1,879

    افتراضي

    العزيز بهاء : أسعد الله أيامك
    (( وأعرف أنّ الخوارق ليست تعاد ))
    رحم الله جمال ونزار وكل من رحل من عمالقة هذه الأمة تاركين فراغا لا يمكن تعبئته .
    شكرا لحهودك الرائعة بنقل هذه الأبيات .
    محبتي وتقديري لك
    عاشت سوريا حرّة أبيّة

  4. #4
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية zamakany
    الحالة : zamakany غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 9897
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    الدولة : Sudan
    العمل : Lecturer
    المشاركات : 3,567

    افتراضي

    ميثاق العمل الوطني جمال عبد الناصر
    البــاب الأول
    نظـرة عـامـة

    إن يوم الثالث والعشرين من يوليو ١٩٥٢ كان بداية مرحلة جديدة، ومجيدة فى تاريخ النضال المتواصل للشعب العربى فى مصر.
    إن هذا الشعب فى ذلك اليوم المجيد بدأ تجربة ثورية رائدة فى جميع المجالات؛ وسط ظروف متناهية فى صعوبتها، وظلامها، وأخطارها، وتمكن هذا الشعب بصدقه الثورى، وبإرادة الثورة العنيدة فيه؛ أن يغير حياته تغييراً أساسياً وعميقاً باتجاه آماله الإنسانية الواسعة.
    إن إخلاص الشعب المصرى لقضية الثورة، ووضوح الرؤية أمامه، واستمراره الدائب فى مصارعة جميع أنواع التحديات، قد مكنه - دون أدنى شك - من تحقيق نموذج رائع للثورة الوطنية وهى الاستمرار المعاصر لنضال الإنسان الحر عبر التاريخ؛ من أجل حياة أفضل، طليقة من قيود الاستغلال والتخلف فى جميع صورها المادية والمعنوية.
    إن الشعب المصرى فى يوم بدء ثورته المجيدة فى٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ أدار ظهره نهائياً لكل الاعتبارات البالية التى كانت تبدد قواه الإيجابية، وداس بأقدامه على كل الرواسب المتخلفة من بقايا قرون الاستبداد والظلم، وأسقط إلى غير ما رجعة جميع السلبيات التى كانت تحد من إرادته فى إعادة تشكيل حياته من جديد.
    إن طاقة التغيير الثورى التى فجرها الشعب المصرى يوم ٢٣ يوليو تتجلى بكل القوى العظيمة الكامنة فيها؛ إذا ما عادت إلى الذاكرة كل جحافل الشر والظلام؛ التى كانت تتربص بكل عود أخضر للأمل ينبت على وادى النيل العظيم. لقد كان الغزاة الأجانب يحتلون على أرضه، وبالقرب منها القواعد المدججة بالسلاح؛ ترهب الوطن المصرى وتحطم مقاومته، وكانت الأسرة المالكة الدخيلة تحكم بالمصلحة والهوى، وتفرض المذلة والخنوع.
    وكان الإقطاع يملك حقوله، ويحتكر لنفسه خيراتها، ولا يترك لملايين الفلاحين العاملين عليها غير الهشيم الجاف المتخلف بعد الحصاد.
    وكان رأس المال يمارس ألواناً من الاستغلال للثروة المصرية؛ بعدما استطاع السيطرة على الحكم وترويضه لخدمته، ولقد ضاعف من خطورة المواجهة الثورية لهذه القوى المتحالفة مع بعضها وضد الشعب؛ أن القيادات السياسية المنظمة لنضال الجماهير قد استسلمت واحدة بعد واحدة، واجتذبتها الامتيازات الطبقية، وامتصت منها كل قدرة على الصمود، بل واستعملتها بعد ذلك فى خداع جماهير الشعب؛ تحت وهم الديمقراطية المزيفة، وحدث نفس الشىء مع الجيش الذى حاولت القوى المسيطرة المعادية لمصالح الشعب أن تضعفه من ناحية، وأن تصرفه - من ناحية أخرى - عن تأييد النضال الوطنى، بل وكادت أن تصل إلى استخدامه فى تهديد هذا النضال وقمعه.
    وفى مواجهة هذه الاحتمالات صباح يوم الثالث والعشرين من يوليو سنة ١٩٥٢ رفع الشعب المصرى رأسه بالإيمان والعزة، ومضى فى طريق الثورة مصمماً على مجابهة الصعاب والأخطار والظلام، عاقداً العزم فى غير تردد على إحراز النصر؛ توكيداً لحقه فى الحياة مهما كانت الأعباء والتضحيات.
    إن قوة الإرادة الثورية لدى الشعب المصرى تظهر فى أبعادها الحقيقية الهائلة، إذا ما ذكرنا أن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثورى من غير تنظيم سياسى يواجه مشاكل المعركة؛ كذلك فإن هذا الزحف الثورى بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثورى.
    إن إرادة الثورة فى تلك الظروف الحافلة لم تكن تملك من دليل العمل غير المبادئ الستة المشهورة؛ التى نحتتها إرادة الثورة من مطالب النضال الشعبى واحتياجاته، ولقد كان مجرد إعلانها فى حد ذاته فى جو المصاعب والخطر والظلام؛ دليلاً على صلابة إرادة التغيير الثورى، وعنادها الذى لا يلين فى مواجهة جيوش الاحتلال البريطانى الرابضة فى منطقة قناة السويس، كان المبدأ الأول هو القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين؛ فى مواجهة تحكم الإقطاع الذى كان يستبد بالأرض ومن عليها.
    كان المبدأ الثانى هو القضاء على الإقطاع؛ فى مواجهة تسخير موارد الثروة لخدمة مصالح مجموعة من الرأسماليين.
    كان المبدأ الثالث هو القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم؛ فى مواجهة الاستغلال والاستبداد الذى كان نتيجة محتمة لهذا كله. كان المبدأ الرابع هو إقامة عدالة اجتماعية؛ فى مواجهة المؤامرات لإضعاف الجيش، واستخدام ما تبقى من قوته لتهديد الجبهة الداخلية المتحفزة للثورة.
    كان الهدف الخامس هو إقامة جيش وطنى قوى؛ وفى مواجهة التزييف السياسى الذى حاول أن يطمس معالم الحقيقة الوطنية؛ كان الهدف السادس هو إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

    إن هذه المبادئ الستة التى أسلمها النضال الشعبى المتواصل إلى الطلائع الثورية؛ التى جندها لخدمته من داخل الجيش، والطلائع الثورية التى تجاوبت معها تلقائياً، وطبيعياً من خارجه؛ لم تكن نظرية عمل ثورى كاملة، ولكنها كانت - فى تلك الظروف - دليلاً للعمل، يمثل عمق هذه الإرادة الثورية، ويلبى احتياجاتها، ويبرز تصميمها على بلوغ الشوط إلى مداه.. إن الشعب العظيم الذى كتب المبادئ الستة بدم شهدائه، وبنور الأمل الذى أعطوا حياتهم من أجله، والذى دفع بالطلائع الثورية من أبنائه داخل الجيش وخارجه إلى التصدى لمسئولية العمل الثورى؛ على هدى من هذه المبادئ الستة التى تسلمتها أمانة من كفاح الأجيال.. هذا الشعب العظيم مضى بعد ذلك فى تعميق نضاله، وفى توسيع مضمونه.. لقد كان هذا الشعب العظيم هو المعلم الأكبر الذى تحمل على عاتقه - فى أعقاب بدء العمل الثورى فى ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ - عمليتين تاريخيتين لهما آثارهما الضخمة. إن هذا الشعب المعلم راح أولاً يطور المبادئ الستة، ويحركها بالتجربة والممارسة، وبالتفاعل الحى مع التاريخ القومى؛ تأثراً به وتأثيراً فيه، نحو برنامج تفصيلى يفتح طريق الثورة إلى أهدافها اللامتناهية، ثم إن هذا الشعب المعلم راح ثانياً يلقن طلائعه الثورية أسرار آماله الكبرى، ويربطها دائماً بهذه الآمال، ويوسع دائرتها بأن يمنحها مع كل يوم عناصر جديدة قادرة على المشاركة فى صنع مستقبله.
    إن هذا الشعب العظيم لم يكتف بأن يقوم بدور المعلم لطلائعه الثورية؛ وإنما هو فوق ذلك أقام من وعيه حفاظاً عليها، يحميها من شرور الغير، ومن شرور النفس كذلك.
    إن الشعب لم يكتف بأن يهزم كل محاولة من أعدائه للنيل من طلائعه الثورية، وإنما قاوم كل الانحرافات التى قد تأتى من النسيان أو الغرور، وظل دائماً يرشد طلائعه الثورية إلى طريق واجبها. إن إرادة الثورة لدى الشعب العربى المصرى، والصدق الذى سلحت نفسها به، حققت مقاييس جديدة للعمل الوطنى، لقد أكدت هذه الإرادة وصدقها أنه لا يمكن أن تقوم عوائق أو قيود على إمكانية التغيير؛ إلا احتياجات الجماهير ومطالبها العادلة. إن المنطق التقليدى فى مثل الظروف التى واجهها نضال الشعب المصرى كان يغرى بطريق المساومات والحلول الوسط، والتفكير الإصلاحى الصادر عن العطاء، والتبرع. لقد كان ذلك بالمنطق التقليدى هو الممكن الوحيد فى مواجهة السيطرة الخارجية المعتدية، والسيطرة الداخلية المستغلة، وفى غيبة تنظيم سياسى مستعد، وبدون نظرية كاملة للعمل؛ لكن إرادة الثورة فى الشعب المصرى وصدقها تحدت هذا المنطق التقليدى، وجابهته بتفجير طاقات مليئة بإمكانيات العمل المبدع الرائد.
    إن يوم ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ كان موعد هذا التفجير الثورى، وفيه استطاع الشعب المصرى أن يعيد اكتشاف نفسه، وأن يفتح بصره على إمكانيات هائلة كامنة فيه. إن هذه الإمكانيات الهائلة حققت تجربة جديدة فى تاريخ الثورات، وإن السنوات التى مضت حتى الآن منذ يوم ٢٣ يوليو سنة ٥٢ سوف تثبت أنها ذخيرة قيمة بالنسبة لنضال شعوب كثيرة. إن هذه التجربة أثبتت أن الشعوب المغلوبة على أمرها قادرة على الثورة، وأكثر من ذلك أنها قادرة على الثورة الشاملة.
    إن الشعب المصرى خاض خلال هذه التجربة غمار ثورات كثيرة، تشابكت معاركها وتداخلت مراحلها؛ ثم استطاع فى حقبة قصيرة من الزمان أن يقهر جميع أعداء ثوراته المتعددة، وأن يخرج بقوة اندفاع متزايدة إلى مرحلة الانطلاق نحو التقدم. إن الشعب المصرى فى نضاله ضد الاستعمار استطاع أن يشل فاعليات طبقات من المجتمع القديم؛ كانت قادرة على خداعه بالتظاهر باشتراكها معه فى ضرب الاستعمار، بينما هى فى الواقع متصلة فى مصالحها به.
    إن حرب التحرير التى كان يمكن بالمفهوم التقليدى أن تحتاج إلى وحدة جميع الطبقات فى الوطن؛ حققت انتصارها فى الواقع حين حمت نفسها من أى ضربة خائنة فى الظهر.
    إن الشعب المصرى خاض معركة التحرير ضد الاستعمار، ولم تخدعه المظاهر، وحرص طول المعركة على أن يعزل عن صفوفه كل الذين ترتبط مع الاستعمار مصالحهم فى مواصلة الاستغلال، وفى نفس الوقت فإن الشعب المصرى وهو يجابه الثورة من أجل التطوير، ويحاول تجميع المدخرات وتشجيعها، وتحريكها فى اتجاه التنمية؛ لم يغب عن باله أن الرأسمالية المحلية الكبيرة، استطاعت فى ظروف ثورات وطنية عديدة أن تحول نتائج الثورة إلى أرباح لها؛ لأنها بامتلاكها للمدخرات القادرة على العمل فى التنمية تستطيع أن تحتل لنفسها مواقع الاحتكار التى تحصل منها على كل فوائد هذه التنمية.
    إن الشعب المصرى فى ثوريته الأصيلة ضرب جميع الاحتكارات المحلية، فى نفس الوقت التى تتصور أن حاجته إليها بسبب ضرورات التطوير ماسة وشديدة. إن هذه الثورية الأصيلة هى التى مكنت الشعب المصرى وهو يتجه بكل جهوده إلى الإنتاج أن يتأكد أولاً من سيطرته الكاملة على كل أدوات الإنتاج، وفى نفس الوقت أيضاً فإن الشعب المصرى إبان نضاله ضد الاستعمار.. كذلك إبان نضاله ضد محاولات الرأسمالية أن تستغل الاستقلال الوطنى لخدمة مصالحها؛ تحت ضغط احتياجات التنمية.. فى نفس هذا الوقت فإن الشعب المصرى رفض ديكتاتورية أى طبقة من الطبقات، وصمم على أن يكون تذويب الفوارق بين الطبقات هو طريقه إلى الديمقراطية الكاملة لجميع قوى الشعب العاملة، وفى نفس الوقت أيضاً فإن الشعب المصرى تحت ظروف هذه المعارك الثورية المتشابكة المتداخلة كان مصراً على أن يستخلص للمجتمع الجديد الذى يتطلع إليه علاقات اجتماعية جديدة؛ تقوم عليها قيم أخلاقية جديدة، وتعبر عنها ثقافة وطنية جديدة.
    لقد عبر الشعب المصرى مراحل التطور بحيوية وشباب؛ مجتازاً المسافة الشاسعة من رواسب مجتمع إقطاعى بدأ فيه عصر الرأسمالية إلى المرحلة التى بدأ فيها التحول الاشتراكى بدون إراقة دماء.
    إن هذه الصور من الثورة الشاملة تكاد فى الواقع أن تكون سلسلة من الثورات، وفى المنطق التقليدى حتى لحركات ذات طابع ثورى سبقت فى التاريخ؛ فإن هذه الثورات كان لابد لها أن تتم فى مراحل مستقلة، يستجمع الجهد الوطنى قواه بعد كل واحدة منها؛ ليواجه المرحلة التالية.. لكن العمل العظيم الذى تمكن الشعب المصرى من إنجازه بالثورة الشاملة، ذات الاتجاهات المتعددة؛ يصنع حتى بمقاييس الثورات العالمية تجربة ثورية جديدة.
    إن هذا العمل العظيم تحقق بفضل عدة ضمانات تمكن النضال الشعبى من توفيرها:
    أولاً: إرادة تغيير ثورى ترفض أى قيد أو حد إلا حقوق الجماهير ومطالبها.
    ثانياً: طليعة ثورية مكنتها إرادة التغيير الثورى من سلطة الدولة؛ لتحويلها من خدمة المصالح القائمة إلى خدمة المصالح صاحبة الحق الطبيعى والشرعى؛ وهى مصالح الجماهير.
    ثالثاً: وعى عميق بالتاريخ، وأثره على الإنسان المعاصر من ناحية، ومن ناحية أخرى لقدرة هذا الإنسان بدوره على التأثير فى التاريخ.
    رابعاً: فكر مفتوح لكل التجارب الإنسانية؛ يأخذ منها ويعطيها، لا يصدها عنه بالتعصب، ولا يصد نفسه عنها بالعقد.
    خامساً: إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله، ورسالاته القدسية التى بعثها بالحق والهدى إلى الإنسان فى كل زمان ومكان. وإن أعظم تقدير لنضال الشعب العربى فى مصر، ولتجربته الرائدة؛ هو الدور الذى استطاع أن يؤثر به فى حياة أمته العربية، وخارج حدود وطنه الصغير إلى آفاق وطنه الأكبر، إن تجربة الشعب المصرى أحدثت أصداءاً بعيدة المدى فى نضال أمته العربية. إن ثورة الشعب المصرى حركت احتمالات الثورة فى الأرض العربية كلها، وليس من شك أن هذه الحركة كانت أحد الدوافع القوية التى مكنت من النجاح الثورى فى مصر. إن الأصداء القوية التى أحدثتها ثورة الشعب المصرى فى الأفق العربى كله.. عادت إليه مرة أخرى على شكل قوة محركة تدفع نشاطه، وتمنحه شباباً متجدداً. إن ذلك التفاعل المتبادل يؤكد فى حد ذاته وحدة شعوب الأمة العربية؛ وإذا كانت التجربة الثورية الشاملة قد ألقيت مسئوليتها الأولى على الشعب العربى فى مصر؛ فإن تجاوب بقية شعوب الأمة العربية مع التجربة كان من الأسباب القوية التى مكنت الشعب المصرى أن ينتصر، وليس من شك أن الشعب المصرى مطالب اليوم بأن يجعل انتصاره فى خدمة قضية الثورة الشاملة فى بقية شعوب أمته العربية.
    إن أصداء النصر الذى حققه الشعب العربى فى مصر لم تقتصر على آفاق المنطقة العربية؛ وإنما كانت للتجربة الجديدة الرائدة آثارها البعيدة على حركة التحرير فى إفريقيا، وفى آسيا، وفى أمريكا اللاتينية.
    إن معركة السويس التى كانت إحدى الذرى البارزة فى التجربة الثورية المصرية لم تكن لحظة اكتشف فيها الشعب المصرى نفسه، أو اكتشفت فيها الأمة العربية إمكانياتها فقط، وإنما كانت هذه اللحظة عالمية الأثر، رأت فيها كل الشعوب المغلوبة على أمرها أن فى نفسها طاقات كامنة لا حدود لها، وأنها تقدر على الثورة، بل إن الثورة هى طريقها الوحيد.

  5. #5
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية zamakany
    الحالة : zamakany غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 9897
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    الدولة : Sudan
    العمل : Lecturer
    المشاركات : 3,567

    افتراضي

    البــاب الثـانى
    فى ضرورة الثورة

    لقد أثبتت التجربة، وهى مازالت تؤكد كل يوم، أن الثورة هى الطريق الوحيد الذى يستطيع النضال العربى أن يعبر عليه من الماضى إلى المستقبل، فالثورة هى الوسيلة الوحيدة التى تستطيع بها الأمة العربية أن تخلص نفسها من الأغلال التى كبلتها، ومن الرواسب التى أثقلت كاهلها؛ فإن عوامل القهر والاستغلال التى تحكمت فيها طويلاً، ونهبت ثرواتها، لن تستسلم بالرضا، وإنما لابد على القوى الوطنية أن تصرعها، وأن تحقق عليها انتصاراً حاسماً ونهائياً، والثورة هى الوسيلة الوحيدة لمغالبة التخلف الذى أرغمت عليه الأمة العربية؛ كنتيجة طبيعية للقهر والاستغلال؛ فإن وسائل العمل التقليدية لم تعد قادرة على أن تطوى مسافة التخلف الذى طال مداه بين الأمة العربية وبين غيرها من الأمم السابقة فى التقدم، ولابد والأمر كذلك من مواجهة جذرية للأمور؛ تكفل تعبئة جميع الطاقات المعنوية والمادية للأمة لتحمل هذه المسئولية.
    والثورة بعد ذلك هى الوسيلة الوحيدة لمقابلة التحدى الكبير الذى ينتظر الأمة العربية، وغيرها من الأمم التى لم تستكمل نموها، ذلك التحدى الذى تسببه الاكتشافات العلمية الهائلة، التى تساعد على مضاعفة الفوارق ما بين التقدم والتخلف؛ فإنها بما توصلت إليه من المعارف تيسر للمتقدمين أن يكونوا أكثر تقدماً، وتفرض على الذين تخلفوا أن يكونوا بالنسبة إليهم أكثر تخلفاً؛ برغم كل ما قد يبذلونه من جهود طيبة لتعويض ما فاتهم.
    إن الطريق الثورى هو الجسر الوحيد الذى تتمكن به الأمة العربية من الانتقال بين ما كانت فيه وبين ما تتطلع إليه.
    والثورة العربية أداة النضال العربى الآن، وصورته المعاصرة تحتاج إلى أن تسلح نفسها بقدرات ثلاث تستطيع بواسطتها أن تصمد لمعركة المصير التى تخوض غمارها اليوم، وأن تنتزع النصر محققة أهدافها من جانب، ومحطمة جميع الأعداء الذين يعترضون طريقها من جانب آخر، وهذه القدرات الثلاث هى:
    أولاً: الوعى القائم على الاقتناع العلمى؛ النابع من الفكر المستنير، والناتج من المناقشة الحرة التى تتمرد على سياط التعصب أو الإرهاب.
    ثانياً: الحركة السريعة الطليقة التى تستجيب للظروف المتغيرة التى يجابهها النضال العربى؛ على أن تلتزم هذه الحركة بأهداف النضال وبمثله الأخلاقية.
    ثالثاً: الوضوح فى رؤية الأهداف، ومتابعتها باستمرار، وتجنب الانسياق الانفعالى إلى الدروب الفرعية التى تبتعد بالنضال الوطنى عن طريقه، وتهدر جزءاً كبيراً من طاقته.
    وإن الحاجة إلى هذه الأسلحة الثلاثة تستمد قيمها الحيوية من الظروف التى تعيشها التجربة الثورية العربية، وتباشر تحت تأثيراتها دورها فى توجيه التاريخ العربى.
    إن الثورة العربية مطالبة اليوم بأن تشق طريقاً جديداً أمام أهداف النضال العربى. إن عهوداً طويلة من العذاب والأمل بلورت - فى نهاية المطاف - أهداف النضال العربى ظاهرة واضحة، صادقة فى تعبيرها عن الضمير الوطنى للأمة؛ وهى الحرية والاشتراكية والوحدة، بل إن طول المعاناة من أجل هذه الأهداف كاد أن يفصل مضمونها ويرسم حدودها.
    لقد أصبحت الحرية الآن حرية الوطن وحرية المواطن، وأصبحت الاشتراكية وسيلة وغاية.. هى الكفاية، والعدل، وأصبح طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية لعودة الأمر الطبيعى لأمة واحدة مزقها أعداؤها ضد إرادتها وضد مصالحها، والعمل السلمى من أجل تقريب يوم هذه الوحدة، ثم الإجماع على قبولها تتويجاً للدعوة والعمل معاً.
    لقد كانت هذه الأهداف نداءات مستمرة للنضال العربى، ولكن الثورة العربية الآن تواجه مسئولية شق طريق جديداً أمام هذه الأهداف، والحاجة إلى طريق جديد لا تصدر عن رغبة فى التجديد لذاته، ولا تصدر بدافع الكرامة الوطنية، وإنما لأن الثورة العربية تواجه ظروفاً جديدة، ولابد لها فى مواجهة هذه الظروف الجديدة أن تجد الحلول الملائمة لها؛ ومن ثم فإن التجربة الثورية العربية لا تستطيع أن تنقل ما توصل إليه غيرها، ومع أن خصائص الشعوب، ومقومات الشخصية الوطنية؛ تفرض خلافاً فى منهاج كل منها لحل مشاكله، إلا أن الخلاف الأكبر هو ما تفرضه الظروف المتغيرة التى تسود العالم كله وتحكمه؛ خصوصاً هذه التغييرات البعيدة المدى التى طرأت على العالم بعد الحرب العالمية الثانية من سنة ١٩٣٩ إلى ١٩٤٥، إن هذه الظروف تأتى بتغييرات شاملة وعميقة على الجو الذى يجرى فيه النضال الوطنى لكل الأمم، وليس معنى ذلك أن النضال الوطنى للشعوب، وللأمم مطالب اليوم بأن يخترع مفاهيم جديدة لأهدافه الكبرى؛ ولكن معناه أنه مطالب اليوم بأن يجد الأساليب المسايرة لاتجاه التطور العام، والمتفقة مع طبيعة العالم المتغير.
    إن أبرز التغييرات التى طرأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يمكن تلخيصها فيما يلى:
    أولاً: تعاظم قوة الحركات الوطنية فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ حتى استطاعت هذه الحركات أن تخوض معارك عديدة ومنتصرة ضد القوى الاستعمارية، ومن ثم أصبح لهذه الحركات الوطنية تأثير عالمى فعال.
    ثانياً: ظهور المعسكر الشيوعى كقوة كبيرة يتزايد وزنها المادى والمعنوى يوماً بعد يوم فى مواجهة المعسكر الرأسمالى.
    ثالثاً: التقدم العلمى الهائل الذى حقق طفرة فى وسائل الإنتاج؛ فتحت آفاقاً غير محدودة أمام محاولات التطوير، كما أنه حقق طفرة فى أسلحة الحرب؛ بلغت خطورتها إلى حد أنها أصبحت رادعاً يحول دون نشوبها؛ بسبب ما تقدر على إلحاقه من الأهوال بجميع الأطراف فى أى معركة، هذا فضلاً عن التغيير الأساسى المذهل الذى حققه هذا التقدم العلمى فى وسائل المواصلات؛ لدرجة أن تلاشت المسافات وسقطت الحواجز، التى كانت تفصل ما بين الأمم فعلياً وفكرياً.
    رابعاً: نتائج هذا كله فى محيط العلاقات الدولية، وأهمها زيادة تأثير القوى المعنوية فى العالم؛ كالأمم المتحدة والدول غير المنحازة، وقوة الرأى العام العالمى، وفى نفس الوقت اضطرار الاستعمار تحت هذه الظروف إلى الاتجاه نحو وسائل العمل غير المباشر؛ عن طريق غزو الشعوب، والسيطرة عليها من الداخل، وعن طريق التكتلات الاقتصادية الاحتكارية، وعن طريق الحرب الباردة التى تدخل فى نطاقها محاولة تشكيك الأمم الصغيرة فى قدرتها على تطوير نفسها، وعلى الإسهام الإيجابى المتكافئ فى خدمة المجتمع الإنسانى.
    إن هذه التغييرات الضخمة فى العالم تأتى معها بظروف جديدة تؤثر تأثيراً لا جدال فيه على العمل من أجل أهداف النضال الوطنى لكل الأمم؛ بما فى ذلك أهداف الأمة العربية، وإذا كانت أهداف النضال العربى هى الحرية والاشتراكية والوحدة؛ فإن التغييرات العالمية حملت تأثيرها إلى وسائل العمل من أجلها، بتفاعل هذه التغييرات العالمية مع إرادة الثورة الوطنية.. لم يعد أسلوب المصالحة مع الاستعمار ومساومته هو طريق الحرية؛ فإن الشعب العربى فى مصر تمكن من أن يحمل السلاح بنجاح فى بورسعيد؛ دفاعاً عن الحرية، واستطاع أن يحقق سنة ١٩٥٦ انتصاراً حاسماً مازالت تتردد أصداؤه.
    كما تمكن الشعب العربى فى الجزائر من مواصلة الحرب المسلحة أكثر من سبع سنوات؛ إصراراً على الحرية؛ كذلك فإن العمل الاشتراكى لم يعد حتماً عليه أن يلتزم التزاماً حرفياً بقوانين جرت صياغتها فى القرن التاسع عشر.
    إن تقدم وسائل الإنتاج، ونمو الحركات الوطنية والعمالية فى مواجهة سيطرة الاستعمار، والاحتكارات، وازدياد فرص السلام فى العالم بتأثير القوى المعنوية، وبتأثير ميزان الرعب الذرى فى نفس الوقت؛ يخلق ظروفاً جديدة أمام التجارب الاشتراكية تختلف تماماً عن الظروف السابقة، بل إنها تستوجب هذا الاختلاف وتحتمه كضرورة؛ والأمر كذلك فى تجربة الوحدة، فإن النماذج السابقة لها فى القرن التاسع عشر، وأبرزها تجربة الوحدة الألمانية، وتجربة الوحدة الإيطالية، لم تعد تقبل التكرار.
    وإن اشتراط الدعوة السلمية واشتراط الإجماع الشعبى ليسا مجرد تمسك بأسلوب مثالى فى العمل الوطنى، وإنما هو فوق كل ذلك ومعه ضرورة لازمة للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعوب العربية فى ظروف العمل من أجل الوحدة القومية للأمة العربية كلها، وضد أعدائها الذين مازالت قواعدهم على الأرض العربية ذاتها؛ سواء أكانت هذه القواعد فى قصور الرجعية المتعاونة مع الاستعمار لضمان مصالحها، أو كانت فى مستعمرات الحركة العنصرية الصهيونية التى يستخدمها الاستعمار مراكز للتهديد العسكرى.
    والثورة العربية وهى تواجه هذا العالم لابد لها أن تواجهه بفكر جديد لا يحبس نفسه فى نظريات مغلقة؛ يقيد بها طاقته، وإن كان فى نفس الوقت لا ينعزل عن التجارب الغنية التى حصلت عليها الشعوب المناضلة بكفاحها. إن التجارب الاجتماعية لا تعيش فى عزلة عن بعضها، وإنما التجارب الاجتماعية كجزء من الحضارة الإنسانية تعيش بالانتقال الخصب وبالتفاعل الخلاق. إن مشعل الحضارة انتقل من بلد إلى بلد، لكنه فى كل بلد جديد كان يحصل على زيت جديد يقوى به ضوءه على امتداد الزمان، وكذلك التجارب الاجتماعية.. إنها قابلة للانتقال، لكنها ليست قابلة لمجرد النقل، قابلة للدراسة المفيدة، لكنها ليست قابلة لمجرد الحفظ عن طريق التكرار، وهذه أولى مسئوليات القيادات الشعبية الثورية للأمة العربية، ومعنى ذلك أن هذا العمل الثورى الطليعى لابد أن تتحمل القسط الأكبر منه القيادات الشعبية الثورية فى الجمهورية العربية المتحدة؛ التى فرضت عليها الظروف الطبيعية والتاريخية مسئولية أن تكون الدولة النواة فى طلب الحرية والاشتراكية والوحدة للأمة العربية.
    إن هذه القيادات الشعبية مطالبة الآن أن تتأمل تاريخها، وأن تنظر إلى واقع عالمها، ثم تقدم على صنع مستقبلها واقفة فى ثبات على أرضها.

  6. #6
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية zamakany
    الحالة : zamakany غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 9897
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    الدولة : Sudan
    العمل : Lecturer
    المشاركات : 3,567

    افتراضي

    البــاب الـرابـع
    درس النكسة

    لقد كانت فترة الخطر الحقيقى على نضال الشعب المصرى الطويل؛ هى هذه الفترة الحافلة بالخديعة، ما بين انتكاسة سنة ١٩١٩ إلى حين تنبهت القوى الشعبية للخطر الذى يتهددها من منطق المساومة والاستسلام؛ ومن ثم بدأ التأهب النفسى لثورة يوليو سنة ١٩٥٢.
    إن هذه الفترة كانت قادرة؛ لولا صلابة الشعب، ومعدنه الأصيل، أن تحمل البلاد إلى حالة من اليأس، تخنق كل حوافز الرغبة فى التغيير، أو تلحق بها الشلل الذى يمنعها من الحركة.
    إن هذه الفترة التى يمكن أن ننظر إليها الآن باعتبارها فترة الأزمة الكبرى كانت حافلة بالواجهات المضللة التى تخفى وراءها الأطلال المتهاوية من بقايا ثورة سنة ١٩١٩.
    لقد كانت القيادات الباقية من ذكريات الثورة مازالت واقفة فى المقدمة، ولكن هذه القيادات فقدت كل طاقاتها الثورية، وأسلمت كل الشعارات التى رفعها الشعب سنة ١٩١٩ إلى كبار ملاك الأرض الذين كانوا دعامة التنظيمات الحزبية القائمة، وأشركوا فيها بعض الانتهازيين الذين اجتذبتهم عملية تقسيم الغنائم بعد انتكاسة الثورة، ولقد ظهرت فى هذا الجو فئات طفيلية.. لقد استطاع هذا الانحراف أن يجذب إلى الجو الحزبى الفاسد جماعات من المثقفين كان فى قدرتهم أن يكونوا حراساً على أمانى الثورة الحقيقية، لكن الإغراء كان أقوى من مقاومتهم.
    كذلك استطاع هذا الانحراف أن يمهد لفئة من الرأسماليين ورثوا - فى حقيقة الأمر - نفس دور المغامرين الأجانب فى القرن التاسع عشر، بكل سطحيته التى لا تهتم بتطوير الوطن ذاته قدر اهتمامها باستغلال أكبر جزء من ثروته، ونزحها فى أقل وقت ممكن.
    ثم انتهى المطاف بهذه الأحزاب جميعاً إلى الحد الذى دفعها للارتماء فى أحضان القصر تارة، وفى أحضان الاستعمار تارة أخرى. وفى الواقع كان القصر والاستعمار بحكم مصالحهما فى صف واحد؛ وإن بدت الخلافات السطحية بينهما فى بعض الظروف، لكن الحقيقة الكبرى أن كليهما كان يقف فى الصف المعادى لمصالح الشعب، والمضاد لاتجاه التقدم.
    إن سلطة الشعب كانت خطراً على أوضاعهما الدخيلة، واتجاه التقدم كان محققاً أن يجرفهما معاً إلى نفس المصير، وفى ذلك الوقت أيضاً كانت هناك واجهة ديمقراطية مضللة؛ استعانت بها الفلول المنهزمة من ثورة ١٩١٩ لتخدع بها الشعب عن حقيقة مطالبه.
    إن الديمقراطية بالطريقة التى جرت بها ممارستها فى مصر تلك الفترة كانت ملهاة مهينة. إن الشعب لم يعد صاحب السلطة؛ وإنما أصبح الشعب أداة فى يد السلطة، أو بمعنى أصح ضحية لها. ولم تعد أصوات الجماهير هى التى تقرر خط السير الوطنى؛ وإنما أصبحت أصوات الجماهير تساق وفقاً لإرادة السلطات الحاكمة وأصدقائها. ولقد كان ذلك نتيجة طبيعية لإغفال الجانب الاجتماعى من أسباب ثورة الشعب سنة ١٩. إن الذى يحتكر رزق الفلاحين والعمال، ويسيطر عليه؛ يقدر بالتبعية أن يحتكر أصواتهم، وأن يسيطر عليهم، ويملى فوقهم إرادته.
    إن حرية رغيف الخبز ضمان لابد منه لحرية تذكرة الانتخابات. إن هذه الأزمة العنيفة فتحت أمام سلطات الأسرة المالكة أبواباً جاهد النضال الشعبى طويلاً لكى يسدها، لكن انتكاسة الثورة شجعت الأسرة المالكة على تجاوز كل الحدود، وفى جو الأزمة لم يعد الدستور، الذى رضيت به القيادات الثورية منحة من الدخيل ومنة؛ إلا مجرد قصاصة ورق بهتت عليها الحقوق الشكلية التى كانت قد ألقيت للشعب لينشغل بها ويتلهى.
    ولقد استسلمت القيادات التى تصدت للنضال الشعبى أمام سلطة القصر المتزايدة؛ بسبب ضعفها المتزايد، وركعت جميعاً تلتمس الرضا الذى يصل بها إلى مقاعد الحكم، وتخلت بذلك عن الشعب، وأهدرت كل قيمة له؛ ناسية بذلك أنها تتخلى طواعية عن مصدر قوتها الوحيد، ومنبعها الأصلى، وانتهى الأمر إلى حد أنهم هانوا على الشيطان الذين باعوه أرواحهم، فوصل بهم الهوان إلى حد أن تغيير الوزارات أصبح له ثمن معلوم يدفع للقصر ولوسطائه. إن القيادات الوطنية حين تخلع جذورها من التربة الشعبية تحكم على نفسها بالذبول وبالموت.
    ولسوف يبقى الوطن زماناً طويلاً يشعر فى حلقه بمرارة الذل الذى أحسه فى هذه الفترة المتأزمة؛ من جراء استهانة الاستعمار بنضاله استهانة فاقت كل حدود الاحتمال البشرى.
    إن الثورة على الاستعمار حق طبيعى لكل الشعوب المستعمرة، لكن الكراهية المرة التى يشعر بها شعبنا تجاه المستعمرين، والتى مازال يشعر بها حتى الآن رغم بعد أسبابها؛ تستمد مبرراتها من هذه الفترة.
    إن الاستعمار فى هذه الفترة لم يكتف بإرهاب شعوب الأمة العربية كلها؛ وإنما استهان بنضالها وبحقها فى الحياة.
    إن الاستعمار تنكر لكل عهوده التى قطعها على نفسه خلال الحرب العالمية الأولى، وكانت الأمة العربية تتصور أنها قريبة من يوم الاستقلال ويوم الوحدة.
    إن الأمل فى الاستقلال تلقى ضربات قاسية؛ فإن البلاد العربية قسمت بين الدول الاستعمارية وفق مطامعها، بل وفق نزواتها، واخترع ساسة الاستعمار كلمات مهينة لتغطية الجريمة التى أقدموا عليها ككلمات الانتداب، والوصاية.
    إن قطعة من الأرض العربية فى فلسطين قد أعطيت من غير سند من الطبيعة أو التاريخ لحركة عنصرية عدوانية؛ أرادها المستعمر لتكون سوطاً فى يده؛ يلهب به ظهر النضال العربى إذا استطاع يوماً أن يتخلص من المهانة، وأن يخرج من الأزمة الطاحنة كما أرادها المستعمر فاصلاً يعوق امتداد الأرض العربية، ويحجز المشرق عن المغرب، ثم أرادها عملية امتصاص مستمرة للجهد الذاتى للأمة العربية؛ تشغلها عن حركة البناء الإيجابى.
    إن ذلك كله تم بطريقة تحمل طابعاً استفزازياً؛ لا تقيم وزناً لوجود الأمة العربية أو لكرامتها. إن سخرية القدر من الأمة العربية وصلت إلى حد أن جيوشها التى دخلت فلسطين لتحافظ على الحق العربى فيها؛ كانت تحت القيادة العليا لأحد العملاء الذين اشتراهم الاستعمار بالثمن البخس، بل إن العمليات العسكرية تحت هذه القيادة العليا كانت فى يد ضابط إنجليزى؛ يتلقى أوامره من نفس الساسة الذين أعطوا للحركة الصهيونية وعد "بلفور"؛ الذى قامت على أساسه الدولة اليهودية فى فلسطين.
    إن سنوات طويلة سوف تمضى قبل أن تنسى الأمة العربية مرارة التجربة التى عاشتها فى هذه الفترة، محصورة بين الإرهاب والإهانة. إن الأمة العربية خرجت من هذه التجربة بإصرار عميق على كراهية الاستعمار وعلى هزيمته.. إنها خرجت بدرس عظيم الفائدة عن حقيقة أن الاستعمار ليس مجرد نهب لموارد الشعوب؛ وإنما هو عدوان على كرامتها وعلى كبريائها.
    إن الشعب المصرى بدأ يتأهب لاستئناف دوره التاريخى؛ حتى قبل أن تنتهى الحرب العالمية الثانية، وقبل أن تنزاح الأشباح الكئيبة لدبابات الاحتلال عن مدنه الكبرى.
    ولقد عبر الشعب المصرى عن نفسه؛ برفضه العنيد أن يشترك فى الحرب التى لم تكن فى نظره إلا صراعاً على المستعمرات والأسواق، بين العنصرية النازية وبين الاستعمار البريطانى - الفرنسى؛ جرت على البشرية كلها ويلات لا حدود لها من القتل بالجملة والدمار الشامل.
    لقد رفض الشعب المصرى كل الشعارات التى رفعها المتحاربون أعلاماً فوق رءوسهم ليخدعوا بها الشعوب، وسحب الشعب المصرى كله البقايا الباقية من تأييده للذين تعاونوا مع سلطة الاحتلال؛ طمعاً فى مكاسب السوق السوداء التى فرضتها الحرب وظلالها القاتمة، وعمت الشباب المصرى موجة من السخط والغضب على كل الذين مدوا أيديهم للاحتلال وقبلوا وجوده. ولقد ترددت فى مصر ذلك الوقت أصداء طلقات الرصاص، وتجاوبت أصداء انفجارات القنابل، وكثرت التنظيمات السرية بمختلف اتجاهاتها وأساليبها، ولم تكن تلك هى الثورة؛ وإنما كان ذلك هو التمهيد لها.. كانت تلك هى مرحلة الغضب التى تمهد لاحتمالات الثورة.
    إن الغضب مرحلة سلبية. إن الثورة عمل إيجابى يستهدف إقامة أوضاع جديدة. إن غضب الشعب المصرى الممهد للتغيير بدأ يجاوز النطاق الفردى إلى النطاق الجماعى. إن ثورات الفلاحين ضد استبداد الإقطاع وصلت إلى حد الاشتباك المسلح بين الذين ثاروا على عبودية الأرض وبين سادة الأرض المتحكمين فيها، وفى أقدار الذين ارتبطت حياتهم بها منذ أقدم العصور؛ وإن كانوا منذ أقدم العصور قد حرموا منها. وحريق القاهرة مهما يكن وراءه من تدبير المدبرين كان يمكن إطفاؤه لكن ثورة السخط الشعبى زادته اشتعالاً. إن الفئة المتحكمة فى العاصمة لم تكن تشعر باحتياجات الشعب، وكانت غارقة فى حياتها المترفة؛ لا تشعر بعذاب الجوع أو آلامه.
    إن شرار الغضب أشعل من الحرائق فى القاهرة أكثر مما أشعلت يد التدبير الخفية التى بدأت عملية الحريق.
    إن الجماهير فى القرية وفى المدينة كانت قد عبرت بما فيه الكفاية عن إرادتها الحقيقية مع مطلع السنة الحاسمة فى تاريخ مصر؛ سنة ١٩٥٢.
    إن أعظم ما فى ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ أن القوات التى خرجت من الجيش لتنفيذها لم تكن هى صانعة الثورة؛ وإنما كانت أداة شعبية لها.
    لقد كانت المهمة الكبرى للطلائع الثورية التى تحركت فى الجيش تلك الليلة الخالدة؛ هى أنها استولت على الأمور فيه، واختارت له المكان الذى لا مكان له غيره، وهو جانب النضال الشعبى. إنها قامت بعملية تصحيح للأوضاع بالغة الأهمية والخطر فى تلك الظروف؛ متحدية بذلك إرادة كل القوى الحاكمة التى أرادت عزل الجيش عن النضال الشعبى.
    إن الثورة تفجرت تلك الليلة العظيمة من انضمام الجيش إلى مكانه الطبيعى تحت قيادة الشعب وفى خدمة أمانيه.
    إن الجيش فى تلك الليلة أعلن ولاءه للنضال الشعبى، ومن ثم فتح الطريق أمام إرادة التغيير. إن انضمام الجيش إلى النضال الشعبى صنع أثرين هائلين فى نفس الليلة؛ لقد سلب قوى الاستغلال الداخلى أداتها التى كانت تهدد بها ثورة الشعب؛ كذلك فإنه سلح النضال الشعبى فى مواجهة قوى السيطرة الأجنبية المحتلة بدرع من الصلب قادر أن يصد عنه ضربات الخيانة والغدر.
    إن الثورة لم تحدث ليلة ٢٣ يوليو؛ ولكن الطريق إليها قد فتح على مصراعيه تلك الليلة العظيمة، ولقد أثبت الوعى الثورى فى مصر قدرته على تحمل المسئولية الكبرى التى ألقتها تطورات الظروف عليه.
    إن الوعى الثورى استمد من حسه الوطنى الصافى قدرته على الرؤية الواضحة البعيدة المدى؛ وبذلك أمكن اجتياز العقبات التى كان يمكن أن تعترض طريق التغيير الثورى فى مثل ظروف التجربة التى عاشتها مصر تلك الأيام.
    لقد كان يمكن أن يتحول الحدث الكبير الذى جرى ليلة ٢٣ يوليو إلى مجرد تغيير للوزارة القائمة أو لنظام الحكم، وكان يمكن أن يتحول من ناحية أخرى إلى ديكتاتورية عسكرية تضيف إلى التجارب الفاشية تجربة أخرى فاشلة؛ لكن أصالة الوعى الثورى وقوته سيطرت على اتجاهات الأمور، ومنحت جميع العناصر الوطنية إدراكاً لدورها فى توجيه النضال الوطنى.
    إن أصالة هذا الوعى وقوته هى التى فرضت أن يكون الحدث الكبير ليلة ٢٣ يوليو خطوة على طريق تغيير جذرى شامل؛ يعيد الأمانى الوطنية إلى مجراها الثورى السليم الذى ضاع منها بسبب انتكاسة ثورة سنة ١٩١٩؛ كما أن أصالة هذا الوعى وقوته هى التى رفضت تماماً كل احتمالات قيام ديكتاتورية عسكرية، ووضعت القوى الشعبية - وفى طليعتها قوى الفلاحين والعمال - موضع القيادة الفعلية.

    كذلك ففى هذه الفترة الدقيقة تمرد الوعى الثورى الأصيل على منطق دعاة الإصلاح، واختار طريق الثورة الشاملة. إن احتياجات الوطن لم تكن تكتفى بترميم البناء القديم المتداعى وصلبه بالقوائم تسنده وإعادة طلائه؛ وإنما كانت احتياجات الوطن تتطلب بناءاً جديداً ثابت الأساس، صلباً، شامخاً. ولقد كانت أكبر حجة ضد منطق دعاة الإصلاح أن البناء القديم انهار أنقاضاً وركاماً فى مواجهة التجربة الجديدة. إن سقوط النظام الذى كان سائداً قبل الثورة هذا السقوط الكامل السريع كان يقطع بعدم جدوى محاولات الترميم، لكن سقوط النظام القديم لم يكن هدف التطلع الثورى. إن التطلع الثورى بكل آماله ومثله العليا يهتم بالبناء الجديد أكثر من اهتمامه بالأنقاض التى تداعت.
    إن الباب الذى انفتح على مصراعيه ليلة ٢٣ يوليو ظل مفتوحاً لفترة طويلة؛ قبل أن يدخل منه التغيير الحتمى الذى طال انتظاره.
    لقد كانت هناك أنقاض النظام القديم وحطامه تسد الطريق، كما كانت هناك رواسب متعفنة من مطامعه البالية المهزومة، وفى نفس الوقت فإن القيادات السياسية التى كانت تتصدر الحياة العامة سقطت كلها تحت أنقاض النظام القديم؛ الذى شاركت فيه جميعها فى انحرافاتها عن الأهداف الأصلية التى كان يجب التزامها فى ثورة سنة ١٩.
    لقد كانت جميعها شريكة فى سياسة ساوم واستسلم التى صاحبت فترة الأزمة؛ فطبعتها بهذا الطابع المهين، وكانت الأوضاع الطبقية قد أبعدت عناصر كثيرة صالحة للقيادة الفكرية عن صفوف القوى الشعبية المتطلعة للثورة والمطالبة بها. وفى نفس الوقت فإن الطلائع الثورية التى صنعت أحداث ليلة ٢٣ يوليو لم تكن قد أعدت نفسها لتتحمل مسئولية التغيير الثورى الذى تصدت لمقدماته.
    لقد فتحت الباب للثورة تحت راية المبادئ الستة المشهورة؛ ولكن هذه المبادئ كانت أعلاماً للثورة وليست أسلوب عمل ثورى ومنهاج تغيير جذرى، ولقد كان الأمر من الصعوبة بمكان؛ خصوصاً فى جو التغيير العالمى البعيد المدى والعظيم الأثر، لكن الشعب المعلم صانع الحضارة راح يلقن طلائعه أسرار آماله الكبرى، ومضى يحرك المبادئ الستة بالتجربة والخطأ؛ نحو وضوح فكرى يصنع التصميم الهندسى لبناء المجتمع الجديد الذى يريده، وراح الشعب الكادح يكدس مواد البناء، ويكتل جميع القوى الثورية القادرة على الإسهام فيه من صفوف الجماهير الواسعة.
    إن الشعب المعلم أراد لطلائعه الثورية أن تنضم إلى صفوف العمل الجماهيرى، وأوكل إلى جيشه الوطنى مهمة حماية عملية البناء، ثم راح يشرف بوعى وجدارة على التحول الرائد الخلاق نحو الاشتراكية الديمقراطية التعاونية.

  7. #7
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية zamakany
    الحالة : zamakany غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 9897
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    الدولة : Sudan
    العمل : Lecturer
    المشاركات : 3,567

    افتراضي

    (الجزء الثانى من الجلسة)
    البــاب السـادس

    فى حتمية الحل الاشتراكى

    إن الحرية الاجتماعية طريقها الاشتراكية. إن الحرية الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا بفرصة مكافئة أمام كل مواطن فى نصيب عادل من الثروة الوطنية.
    إن ذلك لا يقتصر على مجرد إعادة توزيع الثروة الوطنية بين المواطنين، وإنما هو يتطلب أولاً وقبل كل شىء توسيع قاعدة هذه الثروة الوطنية؛ بحيث تستطيع الوفاء بالحقوق المشروعة لجماهير الشعب العاملة.
    إن ذلك معناه أن الاشتراكية بدعامتيها من الكفاية والعدل هى طريق الحرية الاجتماعية.
    إن الحل الاشتراكى لمشكلة التخلف الاقتصادى والاجتماعى فى مصر، وصولاً ثورياً إلى التقدم؛ لم يكن افتراضاً قائماً على الانتقاء الاختيارى؛ وإنما كان الحل الاشتراكى حتمية تاريخية فرضها الواقع، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير؛ كما فرضتها الطبيعة المتغيرة للعالم فى النصف الثانى من القرن العشرين.
    إن التجارب الرأسمالية فى التقدم تلازمت تلازماً كاملاً مع الاستعمار؛ فلقد وصلت بلدان العالم الرأسمالى إلى مرحلة الانطلاق الاقتصادى على أساس الاستثمارات التى حصلت عليها من مستعمراتها.
    وكانت ثروة الهند التى نزح الاستعمار البريطانى النصيب الأكبر منها؛ هى بداية تكوين المدخرات البريطانية التى استعملت فى تطوير الزراعة والصناعة فى بريطانيا.
    وإذا كانت بريطانيا قد وصلت إلى مرحلة الانطلاق اعتماداً على صناعة النسيج فى لانكشير؛ فإن تحويل مصر إلى حقل كبير لزراعة القطن كان شرياناً ينقل الدم إلى قلب الاقتصاد البريطانى؛ على حساب جوع الفلاح المصرى.
    إن عصور القرصنة الاستعمارية التى جرى فيها نهب ثروات الشعوب لصالح غيرها - بلا وازع من القانون أو الأخلاق - قد مضى عهدها، وينبغى القضاء على ما تبقى من ذكريات لها مازالت فيها بقية من الحياة خصوصاً فى إفريقيا.
    كذلك فإن هناك تجارب أخرى للتقدم حققت أهدافها على حساب زيادة شقاء الشعب العامل واستغلاله؛ إما لصالح رأس المال، أو تحت ضغط تطبيقات مذهبية مضت إلى حد التضحية الكاملة بأجيال حية؛ فى سبيل أجيال لم تطرق بعد أبواب الحياة.
    إن طبيعة العصر لم تعد تسمح بشىء من ذلك. إن التقدم عن طريق النهب أو التقدم عن طريق السخرة لم يعد أمراً محتملاً فى ظل القيم الإنسانية الجديدة.
    إن هذه القيم الإنسانية أسقطت الاستعمار، كما أن هذه القيم أسقطت السخرة.. ولم تكتف هذه القيم الإنسانية بإسقاط هذين المنهجين؛ وإنما كانت إيجابية فى تعبيرها عن روح العصر ومثله العليا حين فتحت بالعلم مناهج أخرى للعمل من أجل التقدم.
    إن الاشتراكية العلمية هى الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم. إن أى منهاج آخر لا يستطيع بالقطع أن يحقق التقدم المنشود، والذين ينادون بترك الحرية لرأس المال، ويتصورن أن ذلك طريق إلى التقدم؛ يقعون فى خطأ فادح.
    إن رأس المال فى تطوره الطبيعى، فى البلاد التى أرغمت على التخلف؛ لم يعد قادراً على أن يقود الانطلاق الاقتصادى، فى زمن نمت فيه الاحتكارات الرأسمالية الكبرى فى البلدان المتقدمة؛ اعتماداً على استغلال موارد الثروة فى المستعمرات.
    إن نمو الاحتكارات العالمية الضخم لم يترك إلا سبيلين للرأسمالية المحلية فى البلاد المتطلعة إلى التقدم:
    أولهما: أنها لم تعد تقدر على المنافسة إلا من وراء أسوار الحمايات الجمركية العالمية، التى تدفعها الجماهير.
    والثانى: أن الأمل الوحيد لها فى النمو هو أن تربط نفسها بحركة الاحتكارات العالمية، وتقتفى أثرها، وتتحول إلى ذيل لها، وتجر أوطانها وراءها إلى هذه الهاوية الخطيرة.
    ومن ناحية أخرى فإن اتساع مسافة التخلف فى العالم بين السابقين وبين الذين يحاولون اللحاق بهم لم تعد تسمح بأن يترك منهاج التقدم للجهود الفردية العفوية التى لا يحركها غير دافع الربح الأنانى.
    إن هذه الجهود بالتأكيد لم تعد قادرة على مواجهة التحدى. إن مواجهة التحدى لا يمكن أن تتم إلا بثلاثة شروط:
    ١- تجميع المدخرات الوطنية.
    ٢- وضع كل خبرات العلم الحديث فى خدمة استثمار هذه المدخرات.
    ٣- وضع تخطيط شامل لعملية الإنتاج.
    ومن الناحية الأخرى المقابلة لجانب زيادة الإنتاج؛ وهى ناحية عدالة التوزيع، فإن الأمر يقتضى وضع برامج شاملة للعمل الاجتماعى، تعود بخيرات العمل الاقتصادى ونتائجه على الجموع الشعبية العاملة، وتصنع لها مجتمع الرفاهية الذى تتطلع إليه وتكافح لكى يقترب يومه.
    إن العمل من أجل زيادة قاعدة الثورة الوطنية؛ لا يمكن أن يترك لعفوية رأس المال الخاص المستغل ونزعاته الجامحة.
    كذلك فإن إعادة توزيع فائض العمل الوطنى على أساس من العدل، لا يمكن أن يتم بالتطوع القائم على حسن النية مهما صدقت.
    إن ذلك يضع نتيجة محققة أمام إرادة الثورة الوطنية؛ لا يمكن بغير الوصول إليها أن تحقق أهدافها؛ وهذه النتيجة هى ضرورة سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج، وعلى توجيه فائضها طبقاً لخطة محددة.
    إن هذا الحل الاشتراكى هو المخرج الوحيد إلى التقدم الاقتصادى والاجتماعى، وهو طريق الديمقراطية فى كل أشكالها السياسية والاجتماعية. إن سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج لا تستلزم تأميم كل وسائل الإنتاج، ولا تلغى الملكية الخاصة، ولا تمس حق الإرث الشرعى المترتب عليها، وإنما يمكن الوصول إليها بطريقين:
    أولهما: خلق قطاع عام وقادر؛ يقود التقدم فى جميع المجالات، ويتحمل المسئولية الرئيسية فى خطة التنمية.
    ثانيهما: وجود قطاع خاص يشارك فى التنمية فى إطار الخطة الشاملة، لها من غير استغلال؛ على أن تكون رقابة الشعب شاملة للقطاعين، مسيطرة عليهما معاً.
    إن ذلك الحل الاشتراكى هو الطريق الوحيد الذى يمكن أن تتلاقى عليه جميع العناصر فى عملية الإنتاج؛ على قواعد علمية وإنسانية تقدر على مد المجتمع بجميع الطاقات التى تمكنه من أن يصنع حياته من جديد وفق خطة مرسومة مدروسة وشاملة.
    إن التخطيط الاشتراكى الكفء هو الطريقة الوحيدة التى تضمن استخدام جميع الموارد الوطنية المادية والطبيعية والبشرية؛ بطريقة عملية وعلمية وإنسانية؛ لكى تحقق الخير لجموع الشعب، وتوفر لهم حياة الرفاهية.
    إنه الضمان لحسن استغلال الثروات الموجودة والكامنة والمحتملة؛ ثم هو فى الوقت ذاته ضمان توزيع الخدمات الأساسية باستمرار، ورفع مستوى ما يقدم منها بالفعل، ومد هذه الخدمات إلى المناطق التى افترسها الإهمال والعجز؛ نتيجة لطول الحرمان الذى فرضته أنانية الطبقات المتحكمة المستعلية على الشعب المناضل.
    والتخطيط من هذا كله ينبغى أن يكون عملية خلق علمى منظم؛ يجيب على جميع التحديات التى تواجه مجتمعنا؛ فهو ليس مجرد عملية حساب الممكن، ولكنه عملية تحقيق الأمل؛ ومن ثم فإن التخطيط فى مجتمعنا مطالب بأن يجد حلاً للمعادلة الصعبة؛ التى يكمن فى حلها نجاح العمل الوطنى مادياً وإنسانياً.. هذه المعادلة هى: كيف يمكن أن نزيد الإنتاج وفى نفس الوقت نزيد الاستهلاك فى السلع والخدمات؟ هذا مع استمرار التزايد فى المدخرات من أجل الاستثمارات الجديدة. هذه المعادلة الصعبة ذات الشعب الثلاث الحيوية تتطلب إيجاد تنظيم ذى كفاية عالية وقدرة؛ يستطيع تعبئة القوى المنتجة، ورفع كفايتها مادياً وفكرياً، وربطها بعملية الإنتاج.
    إن هذا التنظيم مطالب بأن يدرك أن غاية الإنتاج هى توسيع نطاق الخدمات، وأن الخدمات بدورها قوة دافعة لعجلات الإنتاج، وأن الصلة بين الإنتاج والخدمات وسرعتها، وسهولة جريانها، تصنع دورة دموية صحيحة لحياة الشعب، ولحياة كل إنسان فرد فيه.
    إن هذا التنظيم لابد له أن يعتمد على مركزية فى التخطيط، وعلى لا مركزية فى التنفيذ تكفل وضع برامج الخطة فى يد كل جموع الشعب وأفراده.
    إن الجزء الأكبر من الخطة نتيجة لذلك كله يجب أن يقع على القطاع العام الذى يملكه الشعب بمجموعه. إن ذلك ليس ضماناً لحسن سير عملية الإنتاج فى طريقها المحدد من أجل الكفاية؛ وإنما هو فى ذات الوقت تحقيق للعدل باعتبار أن هذا القطاع العام ملك للشعب بمجموعه.
    إن النضال الوطنى لجماهير الشعب هو الذى صنع نواة القطاع العام؛ بتصميمه على استرداد المصالح الاحتكارية الأجنبية، وتأميمها، وإعادتها إلى مكانها الطبيعى والشرعى؛ وهو الملكية العامة للشعب كله. كذلك فإن هذا النضال الوطنى - حتى فى إبان معركته العسكرية المسلحة ضد الاستعمار - أضاف لهذا القطاع العام كل الأموال البريطانية والفرنسية فى مصر، وهى الأموال التى سلبت من الشعب تحت ظروف الامتيازات الأجنبية، وفى العهود التى استبيحت فيها حرمة الثروة الوطنية لتكون نهباً للمغامرين الأجانب.
    كذلك فإن هذا النضال الوطنى فى سعيه إلى الحرية الاجتماعية، وفى اقتحامه لكل مراكز الاستغلال الطبقى؛ هو الذى ضم إلى هذا القطاع العام الجزء الأكبر من أدوات الإنتاج؛ وذلك بقوانين يوليو سنة ١٩٦١، وثوريتها العميقة المعبرة عن إرادة التغيير الشامل فى مصر.
    إن هذه الخطوات الجبارة التى مكنت للقطاع العام من أداء دوره الطليعى فى قيادة التقدم، ورسمت خطوطاً واضحة المعالم؛ كما أرست حدوداً أملاها الواقع الوطنى، وفرضتها الدراسة الدقيقة لظروفه وإمكانياته وأهدافه، إن هذه الخطوط والحدود يمكن إجمالها فيما يلى:
    أولاً: فى مجال الإنتاج عموماً:
    يجب أن تكون الهياكل الرئيسية لعملية الإنتاج؛ كالسكك الحديدية والطرق والموانى والمطارات، وطاقات القوى المحركة، والسدود، ووسائل النقل البحرى والبرى والجوى، وغيرها من المرافق العامة؛ فى نطاق الملكية العامة للشعب.
    ثانياً: فى مجال الصناعة:
    يجب أن تكون الصناعات الثقيلة والمتوسطة والصناعات التعدينية فى غالبيتها داخلة فى إطار الملكية العامة للشعب، وإذا كان من الممكن أن يسمح بالملكية الخاصة فى هذا المجال فإن هذه الملكية الخاصة يجب أن تكون تحت سيطرة القطاع العام المملوك للشعب وفى ظله، يجب أن تظل الصناعات الخفيفة بمنأى دائماً عن الاحتكار، وإذا كانت الملكية الخاصة مفتوحة فى مجالها فإن القطاع العام يجب أن يحتفظ بدور فيها يمكنه من التوجيه لصالح الشعب.
    ثالثاً: فى مجال التجارة:
    يجب أن تكون التجارة الخارجية تحت الإشراف الكامل للشعب، وفى هذا المجال فإن تجارة الاستيراد يجب أن تكون كلها فى إطار القطاع العام، وإن كان من واجب رأس المال الخاص أن يشارك فى تجارة الصادرات، وفى هذا المجال فإن القطاع العام لابد أن تكون له الغالبية فى تجارة هذه الصادرات؛ منعاً لاحتمالات التلاعب. وإذا جاز تحديد نسب فى هذا النطاق فإن القطاع العام لابد له أن يتحمل عبء ثلاثة أرباع الصادرات؛ مشجعاً للقطاع الخاص على تحمل مسئولية الجزء الباقى منها.
    يجب أن يكون للقطاع العام دور فى التجارة الداخلية، ولابد للقطاع العام على مدى السنوات الثمانية القادمة - وهى المدة المتبقية من الخطة الأولى للتنمية الشاملة من أجل مضاعفة الدخل فى عشر سنوات - أن يتحمل مسئولية ربع التجارة الداخلية على الأقل؛ منعاً للاحتكار، ليفسح مجالاً واسعاً فى ميدان التجارة الداخلية للنشاط الخاص والتعاونى؛ على أن يكون مفهوماً بالطبع أن التجارة الداخلية خدمة وتوزيع مقابل ربح معقول لا يصل إلى حد الاستغلال تحت أى ظرف من الظروف.
    رابعاً: فى مجال المال:
    يجب أن تكون المصارف فى إطار الملكية العامة؛ فإن المال وظيفته وطنية لا تترك للمضاربة أو المغامرة، كذلك فإن شركات التأمين لابد أن تكون فى نفس إطار الملكية العامة صيانة لجزء كبير من المدخرات الوطنية، وضماناً لحسن توجيهها والحفاظ عليها.
    خامساً: فى المجال العقارى:
    يجب أن تكون هناك تفرقة واضحة بين نوعين من الملكية الخاصة؛ ملكية مستغلة، أو تفتح الباب للاستغلال وملكية غير مستغلة تؤدى دورها فى خدمة الاقتصاد الوطنى، كما تؤديه فى خدمة أصحابها، وفى مجال ملكية الأرض الزراعية فإن قوانين الإصلاح الزراعى قد انتهت بوضع حد أعلى لملكية الفرد لا يتجاوز مائة فدان؛ على أن روح القانون تفرض أن يكون هذا الحد شاملاً للأسرة كلها؛ أى للأب والأم وأولادهما القصر؛ حتى لا تتجمع ملكيات فى نطاق الحد الأعلى تسمح بنوع من الإقطاع.
    على أن ذلك يمكن أن يتم الوصول إليه خلال مرحلة السنوات الثمانية القادمة، وعلى أن تقوم الأسر التى تنطبق عليها حكمة القانون وروحه ببيع الأراضى الزائدة عن هذا الحد بثمن نقدى إلى الجمعيات التعاونية للإصلاح الزراعى أو للغير؛ كذلك ففى مجال ملكية المبانى تكفلت قوانين الضرائب التصاعدية على المبانى، وقوانين تخفيض الإيجارات، والقوانين المحددة لقواعد ربطها؛ بوضع الملكية العقارية فى مكان يبتعد بها عن أوضاع الاستغلال.. على أن متابعة الرقابة أمر ضرورى، وإن كانت الزيادة فى الإسكان العام والتعاونى سوف تساهم بطريقة عملية فى مكافحة أى محاولة للاستغلال فى هذا المجال.
    إن قوانين يوليو سنة ١٩٦١ بالعمل الاشتراكى العظيم الذى حققته؛ تعد بمثابة أكبر انتصار توصلت إليه قوة الدفع الثورى فى المجال الاقتصادى. إن هذه القوانين تعد امتداداً لمقدمات سبقتها، كانت جسراً عبرته عملية التحول نحو الاشتراكية بنجاح منقطع النظير.
    إن هذه المرحلة الثورية الحاسمة ما كان يمكن إتمامها بالكفاية التى تمت بها وبالجو السلمى الذى تحققت فيه؛ لولا قوة إيمان الشعب، ولولا وعيه، ولولا استجماعه لكل قواه فى مواجهة حاسمة مع الرجعية، استطاع فيها أن يقتحم عليها جميع مواقعها المنيعة، ويؤكد سيادته على مقدرات الثروة فى بلاده.
    إن قوانين يوليو المجيدة، والطريقة الحاسمة التى تمت بها، والجهود الموفقة الشجاعة التى بذلها مئات الألوف من أبناء الشعب - العاملين فى المؤسسات التى انتقلت ملكيتها إلى الشعب بهذه القوانين - فى الفترة الحرجة التى أعقبت عملية التحويل الواسعة المدى، قد مكنت من حفظ الكفاية الإنتاجية لهذه المؤسسات ودعمها.
    إن ذلك كله إذ يؤكد تصميم الشعب على امتلاك مقدراته؛ يثبت فى الوقت نفسه مقدرة الشعب على توجيهها، واستعداده بالعناصر المخلصة من أبنائه لتحمل أصعب المسئوليات وأكثرها دقة. ومن المؤكد أن الإجراءات التى أعقبت قوانين يوليو الاشتراكية قد حققت بنجاح عملية تصفية كانت محتمة وضرورية، لقد تمت بعد أن بدت محاولة الانقضاض الرجعى على الثورة الاجتماعية عملية حاسمة لإزالة رواسب عهود الإقطاع والرجعية والتحكم. إن هذه العملية قطعت الطريق على كل محاولات التسلل والدوران من حول أهداف الشعب، ولحساب المصالح الخاصة للفئات التى حكمت وتحكمت من المراكز الطبقية الممتازة، ولقد أكدت هذه الإجراءات - الإجراءات يعنى الحراسة - أن الشعب قد عقد عزمه من غير تردد على رفض كل وضع استغلالى؛ سواء كان طبقية موروثة، أو كان طفيلية انتهازية.. على أنه من الواجب ألا يستقر فى أذهاننا أن الرجعية قد تم الخلاص منها إلى الأبد؛ إن الرجعية مازالت تملك من المؤثرات المادية والفكرية ما قد يغريها بالتصدى للتيار الثورى الجارف؛ خصوصاً فى اعتمادها على الفلول الرجعية فى العالم العربى، المسنودة من جانب قوى الاستعمار. إن اليقظة الثورية كفيلة - تحت كل الظروف - بسحق كل تسلل رجعى مهما كانت أساليبه، ومهما كانت القوى المساعدة له، وإنه لمن الأمور البالغة الأهمية أن تتخلص نظرتنا إلى التأميم من كل الشوائب التى حاولت المصالح الخاصة أن تلصقها به.
    إن التأميم ليس إلا انتقال أداة من أدوات الإنتاج من مجال الملكية الخاصة إلى مجال الملكية العامة للشعب، وليس ذلك ضربة للمبادرة الفردية كما ينادى أعداء الاشتراكية؛ وإنما هو توسيع لإطار المنفعة، وضمان لها فى الحالات التى تقتضيها مصلحة التحول الاشتراكى الذى يتم لصالح الشعب؛ كذلك فإن التأميم لا يؤدى إلى خفض الإنتاج، بل إن التجربة أثبتت قدرة القطاع العام على الوفاء بأكبر المسئوليات، وبأعظم قدر من الكفاية؛ سواء فى تحقيق أهداف الإنتاج أو فى رفع مستواه النوعى، وحتى إذا وقعت خلال عملية التحول الكبيرة بعض الأخطاء فلابد لنا أن ندرك أن الأيدى الجديدة التى انتقلت إليها المسئولية فى حاجة إلى المران على تحمل مسئولياتها، ولقد كان محتماً على أى حال أن تنتقل المصالح الكبرى الوطنية إلى الأيدى الوطنية، حتى وإن اضطررنا إلى مواجهة صعوبات مؤقتة، وليس التأميم - كما تنادى بعض العناصر الانتهازية - عقوبة تحل برأس المال الخاص حين ينحرف، ولا ينبغى بالتالى ممارسته فى غير أحوال العقوبة. إن نقل أداة من أدوات الإنتاج من مجال الملكية الفردية إلى مجال الملكية العامة أكبر من معنى العقوبة وأهم؛ على أن الأهمية الكبرى المعلقة على دور القطاع العام لا يمكن أن تلغى وجود القطاع الخاص.
    إن القطاع الخاص له دوره الفعال فى خطة التنمية من أجل التقدم، ولابد له من الحماية التى تكفل له أداء دوره، والقطاع الخاص الآن مطالب بأن يجدد نفسه، وبأن يشق لعمله طريقاً من الجهد الخلاق، لا يعتمد - كما كان فى الماضى- على الاستغلال الطفيلى. إن الأزمة التى وقع فيها رأس المال الخاص قبل الثورة تنبع من واقع الأمر من كونه كان وارثاً لعهد المغامرين الأجانب؛ الذين ساعدوا على نزح ثروة مصر إلى خارجها فى القرن التاسع عشر. لقد تعود رأس المال الخاص أن يعيش وراء أسوار الحماية العالية التى كانت توفر له من قوت الشعب؛ كذلك تعود السيطرة على الحكم بغية التمكين له من مواصلة الاستغلال، ولقد كان عبئاً لا فائدة منه أن يدفع الشعب تكاليف الحماية؛ ليزيد أرباح حفنة من الرأسماليين، ليسوا - فى معظم الأحوال - غير واجهات محلية لمصالح أجنبية، تريد مواصلة الاستغلال من وراء الستار؛ كذلك فإن الشعب لم يكن بوسعه أن يقف مكتوف اليدين إلى الأبد أمام مناورات توجيه الحكم لصالح القلة المتحكمة فى الثروة، ولضمان احتفاظها بمراكزها الممتازة على حساب مصالح الجماهير.

    إن التقدم بالطريق الاشتراكى هو تعميق للقوائم التى تستند إليها الديمقراطية السليمة، وهى ديمقراطية كل الشعب. إن صنع التقدم بالطريق الرأسمالى حتى وإن تصورنا إمكان حدوثه فى مثل الظروف العالمية القائمة الآن، لا يمكن من الناحية السياسية إلا أن يؤكد الحكم للطبقة المالكة للمصالح والمحتكرة لها. إن عائد العمل فى مثل هذا التصور يعود كله إلى قلة من الناس، يفيض المال لديها لدرجة أن تبدده فى ألوان من الترف الاستهلاكى يتحدى حرمان المجموع. إن ذلك معناه زيادة حدة الصراع الطبقى، والقضاء على كل أمل فى التطور الديمقراطى، لكن الطريق الاشتراكى بما يتيحه من فرص لحل الصراع الطبقى سلمياً، وبما يتيحه من إمكانية تذويب الفوارق بين الطبقات؛ يوزع عائد العمل على كل الشعب طبقاً لمبدأ تكافؤ الفرص.
    إن الطريق الاشتراكى بذلك يفتح الباب للتطور الحتمى سياسياً؛ من حكم ديكتاتورية الإقطاع المتحالف مع رأس المال إلى حكم الديمقراطية الممثلة لحقوق الشعب العامل وآماله. إن تحرير الإنسان سياسياً لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء كل قيد للاستغلال يحد حريته. إن الاشتراكية مع الديمقراطية هما جناحا الحرية، وبهما معاً تستطيع أن تحلق إلى الآفاق العالية التى تتطلع إليها جماهير الشعب.

  8. #8
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية zamakany
    الحالة : zamakany غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 9897
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    الدولة : Sudan
    العمل : Lecturer
    المشاركات : 3,567

    افتراضي

    هذا الفصل الأخير من الميثاق الذي تقدم به الرئيس والمفكر جمال عبد الناصر حسين إلي مجلس الأمة 1962 والدعوة هي إلي قراءته أكثر من مرة ومقارنة لغة الاحترام والإكبار التي كان يتحلي بها المثقف جمال عبد الناصر مع شعبه وأمته ونظرته إلي نضالها وتقديره العميق لعبقرية أدائها طول مراحل التاريخ وموضوعيته وعمق تحليله لفشل التجارب الثورية للشعب ثم لتقارت ذلك بحجم الإهانة والاستخفاف الذين يتوجه بهما المثقف العربي اليوم إلي شعبه وأمته ربما لنفهم لماذا ساتطاع جمال عبد الناصر أن يحرك البشر والحجر في منطقته وإقليمه بل في جماع العالم الثالث بينما يعجز المثقف عن مواكبه مجرد مواكبة أمال شعبه وأمته تحت تأثير الثقيف السلفي والليبرالي اللذي يرتكن علي تحقير المسلك الشعبي وتأثيمه بوصمه بالضلال والزيغ لدي السلفية (بكل أشكالها وروافدها) وبين التحقير الزائد لقدرات الشعب العقلية ومدارج سلوكه علي سلم المقارنة مع الشعوب التي سبقته في الغرب (لدي الليبرالية العلمانية أو المحافظة) إن سر قوة جمال عبد الناصر وفرادة تجربته هي قدرته علي الالتحام بأمال شعبه والتصاقه بأماله واحترامه العميق لتجربة الشعب وسيرة نضاله كليا وانحيازه للشعب انحيازا مطلقا بغير شروط نت تدين أو عقلنة كما تفعل الروافد المعادية لتجربة جمال عبد الناصر وربما لا يدرك هؤلاء جميعا كيف أنهم بذلك يقطعون الجذور الواصلة بينهم وبين الشعوب صانعة التاريخ وموضوعه وإليكم الفصل الأخير
    البــاب العـاشـر
    السياسةالخارجية

    إن السياسة الخارجية لشعب الجمهورية العربية المتحدة هى انعكاس أمين وصادق لعمله الوطنى، إن أى سياسة خارجية لأى وطن من الأوطان لا تكون انعكاساً أميناً وصادقاً لعمله الوطنى تصبح ادعاءً يكشف نفسه بنفسه، ويصبح نفاقاً واتجاراً بالشعارات، إن تلك هى المهزلة التى تقع فيها الحكومات الرجعية حين تحاول للتضليل أن تستعير سياسة خارجية براقة لا تكون صدى للواقع الوطنى وتعبيراً عنه.
    إن الشعوب الواعية تفضح هذه الحكومات وتقتص منها حساب الضلال الذى حاولت أن تزيفه عليها، والسياسة الخارجية لشعب الجمهورية العربية المتحدة انعكاس أمين وصادق لعمله الوطنى تمتد فى ثلاثة خطوط حفرت مجراها عميقاً ومستقيماً فى نضال شعب باسل صمد لكل أنواع الضغط وانتصر عليها.
    إن الخطوط الثلاثة العميقة فى السياسة الخارجية للجمهورية العربية تعبيراً عن كل مبادئها الوطنية هى:
    - الحرب ضد الاستعمار والسيطرة بكل الطاقات والوسائل، وكشفه فى جميع أقنعته، ومحاربته فى كل أوكاره.
    - والعمل من أجل السلام؛ لأن جو السلام واحتمالاته هى الفرصة الوحيدة الصالحة لرعاية التقدم الوطنى.
    - ثم التعاون الدولى من أجل الرخاء؛ فإن الرخاء المشترك لجميع الشعوب لم يعد قابلاً للتجزئة، كما أنه أصبح فى حاجة إلى التعاون الجماعى لتوفيره.
    إن شعب الجمهورية العربية المتحدة فى حربه ضد الاستعمار ضرب مثلاً حياً مازال أسطورة فى تاريخ نضال الشعوب، إن شعبنا كشف الاستعمار العثمانى وقاومه برغم التحايل عليه بأستار الخلافة الإسلامية، ثم قاوم شعبنا الغزو الفرنسى حتى أرغم المغامر الذى دوخ أوروبا كلها على أن يرحل بالليل عبر البحر الأبيض إلى فرنسا، ثم صمد لمؤامرات الاستعمار العالمى واحتكاراته الدولية التى استعملت أسرة محمد على، وتدافعت موجاته الثورية واحدة إثر أخرى، حتى جرفت أمامها بعد سنوات طويلة من التضحيات النبيلة كل الحواجز التى أقامها الاستعمار على أرضه لحماية وجوده، لقد واجه شعبنا ثلاث إمبراطوريات هى الإمبراطورية العثمانية والفرنسية والبريطانية، وقاوم غزوها لبلاده وانتصر عليها، إن شعبنا دفع خلال عشرات السنين بل مئاتها ثمناً غالياً لانتصاره على الاستعمار، لكنه فى النهاية حصل على النصر، الذى برر أمام التاريخ كل التضحيات وشرف مقدارها.
    وبعد النصر الثورى العظيم صباح ٢٣ يوليو، وفى طريق الشعب إلى التقدم الثورى، داست الجموع المنتصرة بأقدامها بقايا العهد الملكى الدخيل، ودكت حصون الإقطاع، واجتثت جذور الرجعية، لقد كانت تلك كلها هى الركائز التى ثبت الاستعمار عليها وجوده فوق أرضنا، وبانقضاض شعبنا عليها وتدميرها، فإن الوجود الاستعمارى فقد حلقات اتصاله بأرض الوطن الطاهرة، ومن ثم كانت الخطوة الباقية هى إرغام قواته على الرحيل وراء البحر، بعد أن طوت أعلامها، وابتلعت كبرياءها.
    إن شعبنا بعد عشرات السنين من الاستعمار فاز بإرغام القوى العدوانية على الجلاء مرتين فى عام واحد، هو ١٩٥٦ الفاصل فى نضالنا الوطنى، إن الاستعمار الذى جلا عن أرضنا طبقاً لاتفاق تم تنفيذه فى يونيه سنة ١٩٥٦، ما لبث أن عاد فى أكتوبر من نفس العام، متصوراً أنه قادر على إخضاع إرادة شعبنا وإذلاله وإجباره على الركوع خضوعاً لإرادة المستعمرين. إن شعبنا الذى عقد العزم على حماية استقلاله، ورفض كل الحيل الاستعمارية التى حاولت أن تجره إلى مناطق النفوذ، وقاد مقاومة هائلة فى الشرق الأوسط كله ضد حلف بغداد حتى أسقط، لم يتردد فى مواجهة العدوان المسلح الثلاثى، الذى أقدمت عليه اثنتان من دول العالم الكبرى، زحفت عليه من القاعدة الاستعمارية التى خلقتها المؤامرات الرامية إلى إرهاب الأمة العربية وتمزيقها وهى إسرائيل، إن الاستعمار فى معركة السويس كشف نفسه، وكشف قواعده، وكشف أعوانه.
    إن الاستعمار انقض على شعب مصر بالسلاح؛ لأن الشعب المصرى حاول أن يحقق استقلاله ويبنى تقدمه من أحد موارده الوطنية، التى طال استغلال الاستعمار له، واحتكاره لكل عائده وقيمته.
    إن الشعب المصرى باسترداد قناة السويس، ضرب الاستعمار واحتكاراته فى الصميم، وأثبت صلابته بتحمله العنيد لتبعات إصراره، إلى حد قبول المعركة المسلحة فى وجه قوى زاحفة جرارة. إن الشعب المصرى بثباته الرائع وبقتاله المرير ضد الغزو، استطاع أن يهز الضمير العالمى ويحركه بصورة لم يسبق لها مثيل فى التطور الدولى، ولقد كان التحول الرائع فى المعركة نقطة فاصلة فى حركات التحرير.
    إن الشعب المناضل الذى كان يواجه الطغاة الكبار وحده لم يعد وحيداً، وإنما انقلب الموقف رأساً على عقب، نتيجة للمقاومة الوطنية الباسلة. إن الذين تجمعوا ضد شعبنا ليعزلوه، وجدوا أنفسهم فى عزلة عن الدنيا كلها، بينما وقفت شعوب العالم كلها مع شعبنا تشد أزره وتلوح له بأيديها، تحية له وتضامناً معه.
    إن الهزيمة المريرة التى منى بها الاستعمار فى حرب السويس، أنهت عصر المغامرات الاستعمارية المسلحة. إن نهاية هذا العهد البغيض بالنسبة لكل شعوب العالم تحققت بفضل نضال شعبنا. إن الاستعمار الذى مازال متمسكاً بأهدافه غير أسلوبه، إن شعبنا كان بالمرصاد لكل محاولات التنكر والتخفى، وواصل مطاردته لها وتجميع قوى الشعوب ضدها.
    إن إصرار شعبنا على محاربة الأحلاف العسكرية التى تريد أن تجر الشعوب رغم إرادتها إلى فلك الاستعمار، كان صوتاً عالياً بالحق، ارتفع فى جميع المجالات منبهاً ومحذراً.
    إن إصرار شعبنا على تصفية العدوان الإسرائيلى على جزء من الوطن الفلسطينى، هو تصميم على تصفية جيب من أخطر جيوب المقاومة الاستعمارية ضد نضال الشعوب، وليس تعقب سياستنا للتسلل الإسرائيلى فى إفريقيا غير محاولة لحصر انتشار سرطان استعمارى مدمر.
    إن إصرار شعبنا على مقاومة التمييز العنصرى، هو إدراك سليم للمغزى الحقيقى لسياسة التمييز العنصرى، إن الاستعمار فى واقع أمره هو سيطرة تتعرض لها الشعوب من الأجنبى بقصد تمكينه من استغلال ثرواتها وجهدها، وليس التمييز العنصرى إلا لوناً من ألوان استغلال ثروات الشعوب وجهدها، فإن التمييز بين الناس على أساس اللون هو تمهيد للتفرقة بين قيمة جهودهم.
    إن الرق كان الصورة الأولى من صور الاستعمار، والذين مازالوا يباشرون أساليبه يرتكبون جريمة لا يقتصر أثرها على ضحاياهم، وإنما يلحقون الأذى بالضمير الإنسانى كله، وبما أحرزه من انتصارات.
    إن شعبنا لم يدخر جهداً فى سعيه نحو السلام، إن السعى نحو السلام قاد خطى شعبنا إلى مراكز دولية، أصبحت لها الآن من قوة الإشعاع ما يضئ الطريق نحو السلام، إن شعبنا الذى ساهم بكل إخلاص فى أعمال مؤتمر باندونج وإنجاحه، والذى شارك فى أعمال الأمم المتحدة، وحاول عن طريق هذه الأداة الدولية العظيمة دفع الخطر عن السلام، أثبت شجاعة فى الإيمان بالسلام، لقد تكلم من باندونج مع غيره من دول آسيا وإفريقيا، نفس اللغة التى تكلم بها أمام الكبار الأقوياء فى الأمم المتحدة.
    إن شعبنا فى دعوته إلى السلام وفى عمله لتوطيد احتمالاته، اشترك مع الجميع وواجه الجميع بقوة التعبير الحر، إن شعبنا الذى شارك فى الجهود الإنسانية العظيمة المكرسة لتحريم التجارب الذرية، وشارك إيجابياً فى العمل من أجل نزع السلاح، إنما كان يصدر عن إيمان مطلق بالسلام؛ لأنه يؤمن إيماناً مطلقاً بالحياة.
    إن شعبنا يعرف قيمة الحياة لأنه يحاول بناءها على أرضه، إن صدق دعوته للسلام ينبع من حاجته الماسة إليه. إن السلام هو الضمان الأكيد لقدرته على الاستمرار فى معركته المقدسة من أجل التطوير، إن العمل من أجل السلام هو الذى سلح شعبنا بشعار عدم الانحياز والحياد الإيجابى، إن ارتفاع هذا الشعار اليوم على قارات كثيرة من العالم، هو تحية عظيمة لإخلاص شعبنا فى خدمة السلام.
    إن الدعوة الأولى لأول مؤتمر لدول عدم الانحياز.. هذه الدعوة التى صدرت من القاهرة ولقيت استجابة رائعة لدى الكثير من الشعوب، كانت فى نفس الوقت تقديراً إنسانياً للمنهج الذى سلكناه فى خدمة السلام، بعد إيماننا به وإخلاصنا له، بل إن الذين يحاولون اليوم استغلال شعار عدم الانحياز والحياد الإيجابى، ليستروا أمام شعوبهم انحيازهم إلى معسكرات الحرب والاستعمار، إنما يقدمون إطراءاً غير مباشر لشعبنا، الذى كان رائداً فى رفع هذا الشعار عن إيمان وفى النضال من أجله.. عن حاجة حقيقية إليه نابعة من صميم كفاحه لإحراز التقدم.
    إن التعاون الدولى من أجل الرخاء المشترك لشعوب العالم هو امتداد طبيعى للحرب ضد الاستعمار.. ضد الاستغلال، وهو استطراد منطقى للعمل من أجل السلام لتوفير الجو الأمثل للتطوير.
    إن التعاون الدولى من أجل الرخاء يصل بالسياسة الخارجية للجمهورية العربية إلى الهدف النهائى، الذى تسعى إليه سياستها الخارجية انعكاساً لنضالها الوطنى، إن شعبنا يمد يده لجميع الشعوب والأمم العاملة من أجل السلام العالمى والرخاء الإنسانى، إن المعارك الدولية التى خاضها شعبنا، إنما كانت معارك دفاعية خاضها قتالاً عن حقوقه المشروعة، وحقوق الأمة العربية التى يشعر بانتمائه الحيوى إليها، انتماء الجزء إلى الكل، ولقد رفع شعبنا حتى فى أحلك ظروف المعارك القاسية - التى أرغم على خوضها - شعاره الخالد: السلام لا الاستسلام، إيماءة واضحة إلى أنه يقبل التعاون الدولى، ولكنه يقاوم السيطرة، إن شعبنا يؤمن أن الرخاء لا يتجزأ وأن التعاون الدولى من أجل الرخاء هو أقوى ضمانات السلام العالمى.
    إن السلام لا يمكن أن يستقر فى عالم تتفاوت فيه مستويات الشعوب تفاوتاً مخيفاً، إن السلام لا يمكن أن يستقر على حافة الهوة السحيقة، التى تفصل بين الأمم المتقدمة والأمم التى فرض عليها التخلف، إن الصدام المحقق بين التخلف والتقدم هو الخطر الثانى الذى يهدد السلام العالمى، بعد الخطر الأول الذى يكمن فى نشوب حرب ذرية مفاجئة. إن التعاون الدولى من أجل الرخاء هو الأصل الوحيد فى تطور سلمى يقارب ما بين مستويات الأمم، ويزرع المحبة بينها بديلاً عن سموم الكراهية.. إن التعاون الدولى من أجل الرخاء من جانب الدول المتقدمة، هو التكفير الإنسانى الذى يشترك فيه المسئولون وغير المسئولين عن العصر الاستعمارى.
    إن التعاون الدولى يمتد على جبهة عريضة، تحاول الجمهورية العربية أن تتحرك عليها، إنه يشمل فتح الأسرار العلمية للجميع، فإن احتكار العلم يهدد البشرية بنوع جديد من السيطرة الاستعمارية، كذلك هو يشمل الدعوة إلى توجيه الذرة للسلام؛ حتى تستطيع أن تخدم قضية التطوير، وتضئ جوانب التخلف العظيم، كذلك هو يشمل التبشير بفكرة توجيه المبالغ الطائلة التى توجه إلى صنع الأسلحة النووية، لتخدم الحياة بدل أن تترصد لها وتتربص بها، كذلك هو يشمل الدعوة إلى مواجهة التكتلات الاقتصادية الدولية؛ بحيث لا تستخدم بواسطة الأقوياء لتحطيم محاولات غيرهم من أجل التقدم.
    إن شعبنا يمد نواياه المعززة بالأعمال لتحقيق التعاون الدولى عبر كل المحيطات وإلى كل الأقطار، وإذا كان شعبنا يؤمن بوحدة عربية، فهو يؤمن بجامعة إفريقية ويؤمن بتضامن آسيوى - إفريقى، ويؤمن بتجمع من أجل السلام يضم جهود الذين ترتبط مصالحهم به، ويؤمن برباط روحى وثيق يشده إلى العالم الإسلامى، ويؤمن بانتمائه إلى الأمم المتحدة وبولائه لميثاقها، الذى استخلصته آلام الشعوب فى محنة حربين عالميتين، تخللتهما فترة من الهدنة المسلحة.
    إن الإيمان بهذا كله لا يتعارض مع بعضه ولا يتصادم، وإنما حلقات سلسلة واحدة. إن شعبنا شعب عربى ومصيره يرتبط بوحدة مصير الأمة العربية. إن شعبنا يعيش على الباب الشمالى الشرقى لإفريقيا المناضلة، وهو لا يستطيع أن يعيش فى عزلة عن تطورها السياسى والاجتماعى والاقتصادى. إن شعبنا ينتمى إلى القارتين اللتين تدور فيهما الآن أعظم معارك التحرير الوطنى، وهو أبرز سمات القرن العشرين.
    إن شعبنا يعتقد فى السلام كمبدأ، ويعتقد فيه كضرورة حيوية؛ ومن ثم لا يتوانى للعمل من أجله، مع جميع الذين يشاركونه نفس الاعتقاد.
    إن شعبنا يعتقد فى رسالة الأديان وهو يعيش فى المنطقة التى هبطت عليها رسالات السماء. إن شعبنا يعيش ويناضل من أجل المبادئ الإنسانية السامية التى كتبتها الشعوب بدمائها فى ميثاق الأمم المتحدة، إن فقرات كثيرة فى هذا الميثاق قد كتبت بدماء شعبنا، ودماء غيره من الشعوب.
    إن شعبنا قد عقد العزم على أن يعيد صنع الحياة على أرضه بالحرية والحق.. بالكفاية والعدل.. بالمحبة والسلام. وإن شعبنا يملك من إيمانه بالله، وإيمانه بنفسه ما يمكنه من فرض إرادته على الحياة ليصوغها من جديد وفق أمانيه.
    أيها الإخوة:
    هذا هو الميثاق.. هذا هو مشروع الميثاق أقدمه إليكم. والله يوفقكم.
    والسلام عليكم ورحمة الله.

  9. #9
    An Oasis Resident
    الصورة الرمزية بهاء طايل
    الحالة : بهاء طايل غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 7826
    تاريخ التسجيل : Mar 2009
    الدولة : القاهرة
    العمل : ضابط بحري
    المشاركات : 287

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فريد الموسى مشاهدة المشاركة
    العزيز بهاء : أسعد الله أيامك
    (( وأعرف أنّ الخوارق ليست تعاد ))
    رحم الله جمال ونزار وكل من رحل من عمالقة هذه الأمة تاركين فراغا لا يمكن تعبئته .
    شكرا لحهودك الرائعة بنقل هذه الأبيات .
    محبتي وتقديري لك
    أشكر مرورك الكريم
    ورحم الله عمالقة الزمن الجميل

  10. #10
    An Oasis Resident
    الصورة الرمزية بهاء طايل
    الحالة : بهاء طايل غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 7826
    تاريخ التسجيل : Mar 2009
    الدولة : القاهرة
    العمل : ضابط بحري
    المشاركات : 287

    افتراضي

    العزيز زماكاني
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كان من المفترض أن أقوم بالترحيب بكم ولكنني كنت بعيدا عن الواحة خلال شهر رمضان
    أعكف الآن علي قراءة مشاركات سيادتكم للإستفادة
    أشكر مرورك الكريم
    وتحياتي لك

صفحة 1 من 6 123 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •