وفقاً للروايات التاريخية، فإن محمود عبداللطيف- إخوانى- الذى أطلق الرصاص على عبدالناصر وهو يلقى خطابه على المنصة، قام بتنفيذ العملية لأهداف مختلفة دون علم القيادات الإخوانية بها، وإنه قام بتنفيذها لحساب هنداوى دوير، رئيس الجهاز السرى للإخوان بإمبابة، الذى دفعه لتنفيذ عملية الاغتيال، وتم إعدام عبداللطيف مرتكب الحادث، بعد اعترافه، فيما ساءت العلاقة بعدها بين عبدالناصر والإخوان.

فى الوقت الذى يبحث فيه المؤرخون والسياسيون عن أسباب توتر العلاقة بين عبدالناصر والإخوان، لا يجهل التاريخ دور «أحمد بدر» ذلك الشخص الذى كان يعمل محامياً وخاطر بحياته لإنقاذ زعيم الأمة فى تلك الفترة، وكان أحمد بدر «شاهد عيان» بعد أن ساهم فى إخراج الواقعة- على طريقة الدراما المصرية- ولن يمحو التاريخ من ذاكرته ذلك الرجل حتى لو لم يتذكره الكثيرون.

المتهم أطلق «النار» من مسافة 6 أمتار.. وأبى تلقى 8 رصاصات إحداها توقفت قبل القلب مباشرة

فهو يحتل اللقطة الأولى فى لوحة إخراج «بورتريه» حادث المنشية فى دور البطولة مدافعا عن الرئيس ومخاطراً بحياته، فى واحد من أكبر الأحداث و«الجرائم السياسية» التى خرجت علينا، ولا تزال، بأقاويل وحكايات، ويعتبر بدر أكبر الخاسرين من الحادث بعد أن تلقى رصاصتين الأولى أصابت إصبعه والثانية فى ظهره.

نجحت- «إسكندرية اليوم»- فى الوصول إلى أسرة الرجل- الذى اشتهر بين سكان الحى الذى عاش فيه بـ«صاحب الرصاصة»، والتقت نجله محمد- طبيب- صاحب الـ56 سنة، الذى استمع للقصة وتعايش معها من خلال الوقائع والتفاصيل التى رواها له والده «مُنقذ عبدالناصر»، بعد أن سببت له الرصاصة الأولى عجزاً فى يديه، بينما تركت الثانية علامات «مشوهة» فى جسده بعد أن أصابته فى الجانب الأيسر.

الدكتور محمد نجل مُنقذ عبدالناصر، أكد فى بداية حديثه أن الحادث لم يكن مدبراً، وأن الأعيرة النارية التى أُطلقت على المنصة كانت رصاصاً حقيقياً وليست «فشنك» كما يدعى البعض، واستشهد بتقارير مستشفى «المواساة» فى ذلك الوقت، وأنه ثابت فى سجلاتها علاج أحمد بدر بها لمدة 5 أيام، خضع خلالها لإجراء عملية جراحية عاجلة- أجراها له الدكتور محمد الخرادلى، رئيس قسم الجراحة- وجاء فى تقريره أنه تم استخراج رصاصة من جسده، فيما أصيب بعجز فى اليد اليسرى نتيجة الرصاصة التى أصابته وتركت علامات مكان الإصابة.

ونقلاً عن والده- الذى كان يعمل آنذاك سكرتيرا فى هيئة تحرير الإسكندرية - قال: «الرئيس بدأ خطابه بكلمات مدح، أشاد خلالها بالحشد الجماهيرى السكندرى الذى ملأ ساحة المنشية ومدينة الإسكندرية والمشاركين منها فى الثورة لحضور المؤتمر».

وتابع: «والدى أكد أنه لم تمض سوى 4 دقائق على بداية المؤتمر، حتى استمع الحاضرون لصوت رصاص متجه صوب المنصة.

وكان بدر يقف على يمين عبدالناصر، فيما وقف الميرغنى حمزة الوزير السودانى على يساره، وكل من المشير عبدالحكيم عامر وحسين الشافعى خلفهما، وفجأة ارتطمت الرصاصة الأولى بالسور الأسمنتى، فسارع والدى باحتضان الرئيس عبدالناصر، ليحميه من الرصاص، وأعطى ظهره للرصاص «مخاطراً بحياته» وأصابته الرصاصة الثانية فى خنصر اليد اليسرى، بعدها انهال الرصاص على المنصة ووصل عدده إلى «8» رصاصات، مؤكداً أن والده تلقى الرصاصة الرابعة فى الجانب الأيسر- تجاه الحوض ثم غيرت تجاهها نحو القلب، لكنها توقفت بقدرة الله على مسافة 2 ملليمتر من القلب- وسقط بعدها على الأرض».

وأضاف: «وسط حالة من الهرج والمرج أصابت المنصة واحتشد فيها الحضور حول عبدالناصر لإنقاذه، لم يجد بدر الذى وقع على الأرض غارقاً فى دمائه تحت أقدامهم من يسعفه».

وتابع: «أصيب الوزير الميرغنى، فى يده، بسبب شظايا الرصاص وأُهمل المصابونُ بعد أن انشغل الجميع بالرئيس الذى راح يردد «امسكوه.. امسكوه»، لافتاً إلى أن إصابة الميرغنى كانت عبارة عن جرح بسيط وأنه تلقى العلاج داخل المستشفى وخرج فى اليوم نفسه».

وواصل محمد كلامه: «زار الرئيس عبدالناصر والدى ومعه الميرغنى والشيخ أحمد حسن الباقورى فى اليوم التالى للحادث، بالمستشفى، وخرج والدى بعد 5 أيام، واستكمل علاجه فى المنزل».

وعن قصة القلم الأحمر قال: كان والدى يؤكد صدق الرواية ويقول إن الرئيس الراحل اعتاد حمل قلم من الحبر الأحمر فى جيب جاكيت بدلته، ولما انهالت الرصاصات على المنصة أصابت إحداها «كلوب إضاءة» مما أثار الذعر بين الحاضرين واحتشد الجميع على المنصة ونتج عن هذا التدافع انكسار القلم وسال الحبر على ملابس عبدالناصر وظهرت «بقع حمراء كثيفة»، واعتقد الجميع أنه أصيب بطلق نارى حتى إنه- أى عبدالناصر- ثار بعد مشاهدته اللون الأحمر يسيل على ملابسه، وراح يردد «فليبق كل فى مكانه.. دمى فداء لمصر.. اصمتوا فى أماكنكم.. جمال سيموت ومصر لن تموت» وكانت عبارة عن صيحات وصفها الحاضرون بـ«الهيستيرية» وحملوه وتوجهوا به سريعاً إلى داخل مبنى البورصة القديمة لتهدأ أعصابه، بعدها أصر عبدالناصر على استكمال خطبته فى الجماهير، وكان الجانى قد تم الإمساك به.

أما حكاية «القديسة الصغيرة» التى توقعت عودة والدها بالإسعاف، فيقول عنها الدكتور أحمد: إنها شقيقتى الكبرى وتدعى نائلة- لم يتعد عمرها فى ذلك الحين الـ3 سنوات- استوقفت والدى يوم الحادث أثناء خروجه من المنزل وقالت له بالحرف الواحد «سوف تعود اليوم إلى المنزل بالإسعاف»، وتحققت نبوءتها ولم يعد الأب على قدميه وخرج من الشادر بالإسعاف، لذا وصفها الكتاب والصحفيون وقتها بـ«القديسة الصغيرة»، كما تصادف أن يوم الحادث هو عيد ميلاد أبى 26 أكتوبر.

ويروى بدر الكبير أجواء «توتر العلاقة» بين عبدالناصر والإخوان، قائلاً: «عبدالناصر حاول التقرب من الإخوان فيما رأى بعض أعضاء الجماعة أن من مصلحتهم الابتعاد عنه، وأن سياساتهم ينبغى ألا تعارضها أى سياسة أخرى، مما أشاع تبادل الاتهامات بين الجانبين، فالأول يرى أن الإخوان وراء الحادث، فى الوقت الذى أصرت فيه الجماعة على أن الحادث كان مدبراً، لكن أبى كاد أن يفقد حياته فى سبيل إنقاذ أمل الأمة فى عبدالناصر».

وأضاف أن هناك روايات توحى بأن عبدالناصر قام بتلفيق الحادث للإخوان كـ«ذريعة» للقبض عليهم والتخلص منهم، لكن هذا لم يكن حقيقيا، فالرصاص الذى أطلق كان حقيقياً والإصابات التى لحقت والده كادت تودى بحياته، لافتاً إلى أن المتهم تم الحكم عليه بالإعدام، وأنه صوب من مسافة ليست بعيدة لا تتخطى 6 أمتار.

وروى أن المسدس- الذى تم ارتكاب الحادث به- وجده شخص مجهول أصر على تسليمه إلى عبدالناصر فى مقر الرئاسة، وقطع المسافة من الإسكندرية إلى القاهرة سيراً على الأقدام، لأنه لم يكن يملك ثمن تذكرة السفر.

وأشار إلى أن أكثر ما كان يحزن والده، أن الأمل وقتها كان فى الثورة ورجالها وعبدالناصر وأن موقف أبى كان موقف كل المصريين تجاه الرجل الذى ينتظر منه الشعب الكثير وأن الجميع كان على أتم الاستعداد للتضحية بحياته من أجل حياة الرئيس ولو عبدالناصر قال للناس وقتها «البسوا طرح لفعلوا»- وأكد أن والده لم يشعر بالتقدير نتيجة وفائه وتضحيته، وتلخصت المكافأة فى زيارة من الرئيس عبدالناصر إلى منزلنا انتظر خلالها ساعة كاملة لوصول والدى من عمله، وهو ما جعل أهالى الحى يطلقون على أبى صاحب «الرصاصة المحظوظة» وسماها البعض الآخر الرصاصة «الذهبية» ولذلك أخذ على عاتقه ألا يشترك فى أى عمل سياسى آخر وفور شفائه سافر للخارج.

وقال الدكتور محمد، لولا بسالة أبى فى إنقاذ الرئيس، لعادت الملكية وعاد الملك فاروق ليحكم مصر من جديد.

وأكد أن والده فضل الابتعاد عن العمل السياسى، رغم اختياره من بين رجال الثورة لنشاطه العام فى المحافظة وشهرته فى مهنة المحاماة، وكان للثورة رجالها فى الإسكندرية وبين خريجى كلية الحقوق، موضحاً أن والده ابتعد بعد أن انتابه شعور بالمرارة لأنه لم يجد التقدير المعنوى المناسب خاصة أن الليثى عبدالناصر شقيق الرئيس الراحل حاول إقصاءه عن مكانته التى اكتسبها عند عبدالناصر، فقطع والدى العهد على نفسه بألا يشارك فى أى عمل سياسى.

وأشار إلى أن العلاقة بين أبى وعبدالناصر ظلت فى تواصل حيث استدعى والدى للقائه أكثر من مرة كلما جاء إلى الإسكندرية وكان يجلسان سوياً فى المعمورة.

ويعترف نجل منقذ عبدالناصر بأن موقف أبيه ساعده على «ذيع صيته» فى الإسكندرية وهو ما أفاده فى مهنته وأن والده تفرغ للمحاماة وعمل نقيباً للمحامين فى المحافظة وكانت المحاماة وأسرته التى تضم أمى وشقيقتين أخريين لى هما الشاغل الأول له خلال حياته حتى توفى عام 1979.

من ناحيته أكد محمد أحمد بدر، أنه غير مهتم بالسياسة ولا ينتمى لأى حزب أو جماعة وهو ما جعله يقول: «لا أجد غضاضة فى نفسى أن أقول هذا الكلام لكن حقيقة الأمور تجعلنى أبتعد عن المشاركة أو الانتماء لأى حزب، لكنى مهموم بحال البلد شأن كل أبناء هذا الوطن».

رافضاً الإلحاح على الديمقراطية دون تدرج فى ظل وجود 40% من أبناء هذا الشعب لا يجيدون القراءة والكتابة والباقون أنصاف متعلمين.

ويرى أن ما يحدث على الساحة السياسية يؤكد أننا نعيش فى مرحلة «المراهقة السياسية» وأنه من الأفضل أن تسير الأمور على ما هى عليه، إلى أن يتم التغيير التدريجى وأن التغيير الذى يسير دون خطوات مدروسة عواقبه ستكون «وخيمة».