إكرام يوسف تكتب: قبل الحساب
Thu, 7-07-2011 - 3:52Thu, 2011-07-07 15:52 | إكرام يوسف





إكرام يوسف



جاء أوان المصارحة ، والتوقف عن اللف والدوران.. علينا أن نكون واقعيين ونواجه الموقف بوضوح: عندما يسقط شهداء في ساحة تحرير الأرض من عدو غاصب، تظل دماؤهم تصرخ طالبة الثأر، ولا تهدأ إلا بعد تحرير التراب كاملا. وما أن تسيل دماء الشهداء والمصابين في شوارع وميادين الوطن، حتى يعلو هدير الشوارع والميادين وقلوب أهالي الشهداء ورفاقهم ـ شركاء الثورة على الظلم ـ مناديا بالثأر.. ولا يهدأ إلا بعد تحقيق النصر واسترداد الحرية والكرامة كاملتين.
علينا جميعا ـ حكاما ومحكومين، ثوارا وقاعدين، بل وحتى الفلول ـ أن نفهم أن المطالبة بالحقوق والاحتجاجات على الظلم قبل سقوط الشهداء والمصابين شيء، وأن نفس هذه المطالبة والاحتجاجات بعد نزف الدماء شيء آخر. يجب أن ينتبه من يراهنون على وهم أن الشعوب تنسى بعد حين، إلى دروس التاريخ وحقيقة الأشياء، التي تؤكد أن الحق المروي بالدم لابد أن يعود مهما طال الزمن.. وأن إطالة الوقت لا تؤدي إلا إلى حساب عسير.
لنكن واقعيين ونعترف أن هناك من يستشعر حرجًا في محاسبة أفراد كانوا يوما رؤساءه، أو كان بينه وبينهم "ود" من أي نوع ذات يوم.. وهناك أيضا من تورط في أمور لم تنكشف بعد، وربما تفتح محاكمة رموز نظام الفساد السابق أبوابًا لكشفها. وعلى أولئك وهؤلاء، إدراك أن كل شيء ينكشف بعد حين، وأن التباطؤ والمماطلة لن يطمسا أخطاء أو جرائم، وإنما قد يدفعان أصحابهما للتورط أكثر في المزيد من الأخطاء ـ وربما الدم ـ فيتراكم الحساب، ويزيد عسرًا.
وكما أثبت تاريخ البشرية؛ الطريق المستقيم هو أقصر الطرق فعلاً، و المواجهة هي الطريق الأسلم. وربما يتمثل الحل في أن يتصرف من يستشعرون الحرج، مثلما يفعل القضاة الشرفاء حين تكون بينهم وبين أحد الخصوم سابق علاقة.. ولايخفى على عاقل وجود خصومة مريرة بين شعب قام بثورة، وبين رموز نظام أذاقه الويل عقودا..فعلى من يستشعر حرجا لعلا قة سابقة بينه وبين هذه الرموز أن يعتذر ويتنحى مشكورا محاطا بكل آيات التبجيل والاحترام لشجاعته في اتخاذ الموقف. وعلى من تورط أو ورطته ظروف ـ صارت من الماضي ـ ولم توجه له اتهامات حتى الآن، أن يسارع بالاعتذار إلى الشعب وطلب المغفرة وكشف الحقائق كاملة، وليبحث أساطين القانون وجهابذته في مخرج قانوني ، ولن يعدموا وسيلة لا تعتبره شاهد ملك فحسب، وإنما تمنحه فضل إنقاذ الثورة! وربما تعتبره من أبطالها فعلا، ولا تطالبه بما كسبت يداه من قبل، وعفا الله عما سلف.
وأرجو ألا يعتبر أحد كلامي هذا نزقا أو تخريفا.. وإنما هي محاولة لتجنب كارثة يدفع ثمنها الجميع، إذا استمر مسلسل التباطؤ في محاسبة المجرمين، فالواقع يقول إنه ما ضاع حق وراءه مطالب.. وأن الشعب الذي كسر حاجز الخوف وسطر أبناؤه آيات الجسارة والبسالة، وقاموا بمعجزات بطولية خارقة فعلا يومي جمعة الغضب الأولى 28 يناير، وموقعة الجمل في الثاني من فبراير، لن يتوقف مهما كان الثمن، عن المطالبة بحقه في الحرية والكرامة والحكم المدني الديمقراطي العادل الحقيقي الذي يضمن كرامة كل المصريين. ولن تتوقف دماء الشهداء والشوارع التي عمدتها هذه الدماء عن المطالبة بالثأر.. وحتما سوف يجيء! حتى لو تأخر قليلا.
وواهم كل من يتخيل أن البلطجية وأسلحتهم، وقنابل الغاز والمسيلة للدموع، والرصاص المطاطي والخرطوش أو الحي، والدهس بالسيارات، والتعذيب في السجون حتى الموت، وكشوفات العذرية، ومحاولات تشويه سمعة الشرفاء، يمكن أن تفت في عضد من خرجوا يوم الخامس والعشرين من يناير، ناذرين أنفسهم شهداء محتملين. فهؤلاء الذين حملوا جثث زملائهم على أيديهم، يعتقدون أنهم مشاريع شهداء، أبقى الله عليهم حينا لاستكمال ما بدأه رفاقهم. وهم حطموا بالفعل حاجز الخوف، ويؤمن كل منهم أن عليه دورا محددا كتبه له القدر، وما أن ينجزه سوف ينتهي دوره ليحل الدور على رفاق آخرين يستكملون ما بدأ..وهكذا!
فعلى الجميع مواجهة الحقيقة، وألا يكرروا أخطاء من راهنوا على المماطلة والقبضة الحديدية والإرهاب، وأصروا على تجاهل أن الشعوب إذا هبت ستنتصر؛ فجاءت نهايتهم مخزية! وها قد خطا المصريون الخطوة الأولى على طريق النصر.. وسوف يليها خطوات، ربما لا تكون جبارة بنفس قوة الخطوة الأولى، وربما تتعثر منهم خطوة، وقد ييأس البعض، وربما تضعف قلة فتخون أو تبيع، وربما يتوه نفر عن الطريق حينا.. لكن الأمر المؤكد لكل من قرأ التاريخ، وتعلم؛ أن هناك دائما من سيواصلون للنهاية، وأن يومًا أجمل سوف يجيء.. فالشعوب هي الباقية.. وهي التي تنتصر حتمًا.. ولها وحدها الكلمة الأخيرة..
على الجميع مراجعة حساباتهم، فيوم الحساب لم يعد بعيدًا.