"............
كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى بورسعيد بمناسبة عيد النصر 23 ديسمبر 1958

أيها المواطنون:

هذا هو العيد الثانى للنصر.. ألتقى فيه بكم فى المدينة الباسلة التى كانت طليعة هذا النصر، هنا فى بورسعيد، حيث ضرب المثل فى الفداء والتضحية من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال.. هنا فى بورسعيد، حيث صمم أبناؤها على أن يقفوا سداً منيعاً ضد قوى البغى والعدوان.. هنا فى بورسعيد، حيث وقف الشباب والشيوخ والنساء جنباً إلى جنب مع الأطفال، وتعاهدوا جميعاً على أن يحموا أرض وطنهم الحبيب.. هنا فى بورسعيد، حيث التقى الشباب الأعزل بأساطيل الدول الكبرى والدول العظمى، نحتفل بعيد النصر، ونضرب للعالم أجمع المثل الأعلى فى التضحية والفداء.

وأحمد الله لأنى وأنا ألتقى بكم فى هذه المرة أشعر بطمأنينة لا حد لها، المرة اللى فاتت أما اجتمعنا فى هذا المكان علشان نحتفل بعيد النصر - بعد مرور عام على جلاء المعتدين - كان هناك تحدى كبير يواجهنا؛ هذا التحدى لم يكن فقط فى وقت القتال، ولكنه كان واضحاً بعد الجلاء وبعد انتهاء العدوان، وبعد انتهاء المعارك. السنة اللى فاتت واحنا بنحتفل بعيد النصر، ونحتفل باننا كسبنا معركة العدوان وهزمنا المعتدين، كان فيه سؤال هام جداً كنت أسأله لنفسى وأنا ألتقى بكم فى هذا المكان، وهذا السؤال هو: هل سنستطيع أن نكسب معركة السلام كما كسبنا معركة العدوان ومعركة القتال ومعركة الحرب؟

أيها الإخوة:

كان السؤال الهام اللى يتوقف عليه مصيرنا بعد العدوان وبعد الحرب: هل حنستطيع أن نكسب معركة السلام كما استطعنا أن نكسب معركة الحرب والسلاح؟

أيها الإخوة:

فى معارك العدوان وفى الحرب سلاح واضح وسلاح محدد، وكانت معركة الحرب ومعركة العدوان معركة محددة، كنا نخوضها ونقاتلها لنضحى فيها بأرواحنا وبدمائنا، وكانت معركة السلام معركة مكملة لمعركة العدوان، وكان لابد لنا أن نكسب معركة السلام؛ حتى نستطيع أن نقطف ثمار انتصارنا فى صد العدوان. وكم من أمم حاربت وانتصرت فى الحرب، ولكنها لم تستطع بعد أن انتصرت أن تكسب معركة السلام، وهناك أمثلة كثيرة فى هذا الأمر، وكان علينا بعد أن انتصرنا وحطمنا العدوان أن ننتصر فى معركة السلام، وكانت معركة السلام لنا هى عبارة عن مصير أمتنا ومستقبل شعبنا.

أيها المواطنون:

كان طابع سنة ٥٧، أو الطابع اللى كان غالب فى سنة ٥٧ بعد أن انتهت معارك العدوان، وبعد جلاء المعتدين منهزمين عن أرض الوطن، كان الطابع الغالب هو إزالة آثار هذا العدوان. كنا مشغولين فى سنة ٥٧ بتصفية بقايا العدوان، وكنا مشغولين ببقايا المعارك الدفاعية، كنا فى نفس الوقت نقاوم الحصار الاقتصادى، ونقاوم أيضاً العزل السياسى، ونقاوم مؤامرات الاستعمار وأعوان الاستعمار.

وكانت سنة ٥٧ سنة حاسمة بالنسبة للقومية العربية؛ فإن القومية العربية فى هذا الوقت كانت تحارب أعنف معاركها ضد الاستعمار وضد الصهيونية. فبعد أن انتهى العدوان، وبعد أن لم يتمكن المعتدى من أن يحقق غرضه، وخرج من أرض هذا الوطن، ورفرف على هذا الوطن علمه فقط، وانهزمت الأساطيل وانهزمت الطائرات، وهزمت الدول الكبرى وهزمت المؤامرات، لم تكن المعارك قد انتهت، ولكن كان هناك شكل آخر من المعارك جابهناه؛ كان هناك الحصار الاقتصادى من أجل إخضاعنا، ومن أجل تحقيق الأهداف التى اعتدوا علينا من أجل تحقيقها.

كان هناك الحصار الاقتصادى، وكان هناك أيضاً العزل السياسى؛ وذلك بالتفرقة بيننا وبين إخوتنا العرب فى كل بلد من البلاد العربية، وبدأت المؤامرات فى سنة ٥٧ لتفتيت شمل الأمة العربية، ولتقطيع أوصالها؛ وذلك بإثارة الفتنة بين أبنائها، وأيضاً بنشر الشائعات، واختراع المؤامرات، وقامت فى ٥٧ الحكايات التى يعلمها كل فرد من أبناء الوطن العربى لعزل الأردن الشقيق عن الوطن العربى.

وبهذا دخلت القومية العربية التى لم تكن معركة بورسعيد إلا جزء من معركتها الكبرى.. دخلت معركة القومية العربية فى مرحلة حاسمة فى تاريخها. وكلنا نعلم أن العدوان على بورسعيد لم يكن يهدف أبداً أبناء بورسعيد، ولم يكن يهدف أبداً بورسعيد، ولم يكن يهدف فى الحقيقة قنال السويس، ولكنه كان يهدف إلى إخضاع الأمة العربية كلها لتعود مرة أخرى ضمن مناطق النفوذ. كان هذا العدوان يهدف إلى تحطيم القوة الجديدة التى ظهرت بين أرجاء هذه المنطقة من العالم العربى.. كان هذا العدوان يهدف إلى تحطيم الآمال الكبار التى آمنا بها، والتى عملنا على تحقيقها.. كان هذا العدوان يعمل على أن يفرق بين العرب، ويثبت لهم أن العرب الذين كافحوا طويلاً لن يستطيعوا أن يحققوا ما عزموا عليه.. كان هذا العدوان هو لطمة لكل فرد من أبناء الأمة العربية.

وحينما اندحر العدوان فى بورسعيد كان هذا النصر الكبير للأمة العربية وللقومية العربية، وكان هذا أيضاً بدء معركة مريرة حاسمة ضد القومية العربية؛ فإن الاستعمار الذى أراد أن يضرب القومية العربية فى بورسعيد لم يتراجع ولم يتقهقر، ولم يتخل عن أهدافه، ولكنه أراد أن يضرب القومية العربية فى أماكن أخرى وفى مطاعن أخرى؛ فأقام علينا هنا فى هذه المنطقة من العالم العربى الحصار الاقتصادى، وأقام فى باقى البلاد العربية الفتن والمؤامرات للقضاء على العناصر الوطنية، ولقتل القيادات الوطنية. ولعزل البلاد العربية بعضها عن البعض، ولقتل القيادات الوطنية، ودخل العرب فى كل بلد فى أنحاء الأمة العربية معركة مريرة، معركة صعبة ضد الاستعمار والصهيونية وأعوان الاستعمار؛ من أجل رفع راية القومية العربية وراية الوحدة العربية.

وكان نصركم هنا فى بورسعيد.. كان هذا النصر هو بدء النصر فى جميع أرجاء العالم العربى؛ انتصرت الرسالات الوطنية، وانتصرت الحركات الوطنية. وكنا - أيها الإخوة - ونحن نحارب معركة القومية العربية، ومعركة التخلص من الحصار الاقتصادى، كنا فى هذا الوقت نحارب معركة السلام، وكنا أيضاً نرجو الله ونأمل من كل قلوبنا أن ينصرنا فى معركة السلام كما نصرنا فى معركة الحرب. (تصفيق).
وخرجنا - أيها الإخوة - من معركة الحرب ونحن أشد عزماً وأقوى إيماناً بحقنا فى الحرية وحقنا فى الحياة.. خرجنا بعد العدوان وقد ضحى البعض منا بدمائهم من أجل حرية هذه الأرض، وضحى البعض الآخر بأرواحهم من أجل حرية الوطن العربى كله.. خرجنا وقد ضحينا بالدماء وضحينا بالأرواح، وضحينا بالأموال وضحينا بالأبناء، ولكنا خرجنا رغم هذه التضحيات ونحن أشد قوة وأشد عزماً وأشد إيماناً على أن نرفع راية الحرية التى آمنا بها والتى نادينا بها، وعلى أن نرفع راية الاستقلال، وكانت راية الحرية وراية الاستقلال تتمثل فى شعار واحد حملتموه فى هذا المكان وحمله إخوة لكم فى كل بلد عربى، هذا الشعار هو القومية العربية.

إن القومية العربية هى قوة لكم، وقوة لكل وطن عربى، وقوة لكل بلد عربى.

وخرجنا - أيها الإخوة - لنحارب معركة السلام، ولنبنى القوة التى آمنا بها، والتى كنا نسعى لتحقيقها، والتى حرمنا منها زمناً طويلاً بفعل الاستعمار، وبفعل السيطرة، وبفعل أعوان الاستعمار، وبفعل الصهيونية؛ حتى استطاعت الصهيونية أن تحتل جزءاً غالياً عزيزاً علينا، وتتمكن من أرضنا فى فلسطين.. خرجنا لنرفع راية القومية العربية؛ لأننا نؤمن أن قوتنا فى قوميتنا، واننا حينما تمسكنا بهذه القومية فى الماضى استطعنا أن نحقق للأمة العربية كلها القوة، وحينما تنكرنا لقوميتنا وحينما استطاع الذين يريدون أن يتحكموا فينا فى القرون الماضية أن يلهونا عن قوميتنا فقدنا استقلالنا وفقدنا حريتنا.

وبعد أن انتصرنا - أيها الإخوة - فى بورسعيد خرجنا لنحارب معركة السلام، وفى نفس الوقت خرجنا لنحارب معركة القوة؛ وكنا نؤمن أن القوة هى القومية العربية والتمسك بالقومية العربية، إن الأمة العربية حينما تخلت عن القومية العربية وتفتتت وتقسمت إلى دويلات سيطرت عليها الدول الاستعمارية والدول الطامعة. وخرجنا - أيها الإخوة - فى سنة ٥٣ لنقول ونعلن للعالم أجمع، ونعلن للعرب فى كل مكان، أن قوتنا فى قوميتنا، ولا يجب بأى حال من الأحوال أن تكون القومية العربية مثار ضعف ووهن لنا.

إن القومية العربية خلقت لتكون لنا القوة والمنعة، والتساند والتضامن والإخاء. إن القومية العربية هى الوحدة العربية، والوحدة العربية هى قوة العرب ضد العدوان وضد الأطماع. الوحدة العربية - أيها الإخوة - التى نادينا بها فى سنة ٥٣ ورفعنا شعارها، لم تكن شعاراً يقال، ولكنها كانت تعبيراً عن الحرية، وكانت تعبيراً عن القوة، وكانت تعبيراً عن الاستقلال. وحاربنا وحاربتم أنتم، وقاتلتم واستشهد منكم الكثير من أجل القومية العربية؛ لأننا نؤمن أن القومية العربية هى استقلال لنا، واستقلال لإخوتنا العرب. إن القومية العربية هى حرية لنا، وهى حرية لإخوتنا العرب. إن القومية العربية هى قوة لنا وهى قوة لإخوتنا العرب.
وكانت بورسعيد.. كانت هذه المدينة.. هذه المدينة الباسلة أول اختبار عملى لقوة القومية العربية، وأثبتت القومية العربية التى هبت كلها من المحيط إلى الخليج معكم يد واحدة وقلب واحد أنها قوة حقيقية، وانتصرنا فى بورسعيد، وانتصرت القومية العربية. (تصفيق).

أيها الإخوة:

إننا حينما نادينا بالقومية العربية كنا نعبر عن ضميرنا، وكنا نعبر عن شعورنا، وكنا نعبر عن روحنا، وكنا نعبر أيضاً ونلتقى فى هذا مع ضمائر العرب أجمعين، ومع أرواح العرب أجمعين، ومع قلوب العرب أجمعين. إن نداء القومية العربية ليس نداء جديد علينا ولكنه قديم أبد الدهر.. إن نداء القومية العربية كان على مر الزمن هو نداء النصر، وهو نداء القوة، وهو نداء الحرية، وهو نداء الاستقلال.

وحينما اعتدت علينا القوى الغاشمة وضربت بورسعيد، ظهرت القومية العربية؛ قتل إخوة لكم فى العراق لأنهم خرجوا ينادون بالتضامن معكم.. ينادون بالتضامن معكم، فى سبيلكم وفى سبيل حريتكم. وحينما نادينا بالقومية العربية نادى إخوة لكم بالقومية العربية فى كل بلد عربى، وخرجوا يدافعون عن حريتكم وحريتهم، وعن مبادئكم ومبادئهم، وعن أهدافكم وأهدافهم. إن القومية العربية ليست كلمة تقال وليست شعاراً ينادى به، ولكنه هدف كبير ومثل أعلى. إننا اليوم ونحن نشعر بالحرية ونشعر بالعزة ونشعر بالاستقلال، يشعر بها أيضاً إخوة لكم فى كل بلد عربى وفى كل وطن عربى.

إننا اليوم نشعر أن لنا حقا فى أن نعيش بين أرجاء هذا الوطن، فلا حياة مع الاستعمار، ولا حياة مع الذل، ولا حياة مع السيطرة، ولا حياة مع الاحتلال. إنكم - أيها الإخوة - فى بورسعيد ضربتم المثل الأعلى فى سبيل الدفاع عن الحرية، وفى سبيل الدفاع عن الاستقلال ضد الدول الكبرى وضد الأساطيل، وانتصرتم. إننا خلقنا لكى نعيش أحراراً أو نموت فداء هذه الحرية.. إننا خلقنا لكى نحيا بين أرجاء وطننا ونحن نتمتع بالحرية الحقيقية، أو نموت ولا نعيش، فلا خير فى أن نعيش أذلاء، ولا خير فى أن نعيش عبيد.

هذه - أيها الإخوة - هى المبادئ التى حاربنا بها.. وهذه - أيها الإخوة - هى الأهداف التى حاربنا من أجلها؛ حرية حقيقية واستقلال حقيقى، قوة حقيقية تنبع من ضميرنا، ونتبع من نفسنا.. من روحنا ومن أجل مصلحتنا، وفى نفس الوقت قومية عربية وتضامن عربى، وأخوة عربية ووحدة عربية.

إننا - أيها الإخوة - حينما قاتلنا، كنا نعرف طريقنا، وحينما قاتلنا العدوان كنا نعرف أهدافنا؛ ولذلك فقد خرجتم أنتم وخرج شباب بورسعيد بلا سلاح، أو لأول مرة يحمل السلاح؛ ليدافع عن أرضه الطاهرة، وليدافع عن سمائه الطاهرة، وليدافع عن وطنه وحريته واستقلاله. كانت هذه هى الأهداف التى جمعتكم والتقيتم عليها؛ ولهذا فإن الله نصركم ضد قوى البغى وضد قوى الظلم وضد قوى العدوان. (تصفيق).

وبدأت - أيها الإخوة - معركة السلام، واستمرت معركة السلام فى سنة ٥٨، وكانت القومية العربية ترفع رايات النصر فى كل مكان، وكان الأحرار يرفعون رايات النصر فى كل مكان. وكانت سنة ٥٨ بالنسبة لنا سنة انتصار؛ انتصار لمبادئ الحرية وانتصار لمبادئ الاستقلال، كانت سنة ٥٨ انتصار للمبادئ التى حاربتم من أجلها.. المبادئ التى قاتلتم من أجلها؛ قاتلتم بريطانيا العظمى وفرنسا وحليفتهم إسرائيل، قاتلتم الاستعمار العالمى والصهيونية العالمية، واستطعتم أنتم الفئة القليلة أن تغلبون الفئة الكثيرة.. استطعتم لأن لكم أهداف تؤمنون بها، ولكم مبادئ صممتم عليها. وفى سنة ٥٨ ظهرت بشائر النصر، وظهرت أعلام النصر عالية فى كل مكان، ولم يكن هذا النصر - أيها الإخوة - بين أرجاء وطننا وبين أرجاء بلادنا فقط، ولكن هذا النصر كان بين أرجاء الأمة العربية؛ ارتفعت المبادئ التى ناديتم بها، وانتصرت المبادئ التى حاربتم من أجلها، وكانت معارك الحرب قتالاً مريراً، أما معارك السلام فكانت أيضاً القتال والصبر، والبناء والخلق.

ودخلنا هذه المعارك، وقلت لكم - أيها الإخوة - إننا يجب أن نبنى بيد وندافع عن بلدنا بيد أخرى؛ حتى لا يتحكم فينا مستعمر، وحتى لا يتحكم فينا مستبد. وكنا - أيها الإخوة - فى هذا الوقت ونحن نبنى بلدنا كنا مجبرين على أن نخوض المعارك فى كل ميدان وفى كل مكان؛ من أجل تأمين النصر الذى حققناه، ومن أجل كسب معركة السلام، وإذا لم نكن قد فعلنا ذلك فإننا قد نكون حققنا لأعدائنا ما كانوا يريدون. إن الذين هاجمونا والذين اعتدوا علينا كانوا يريدون أن نبقى داخل مناطق النفوذ، وفى نفس الوقت كانوا يريدون أن يعطلوا برامج تنميتنا، وكانوا يريدون أن يعطلوا برامج البناء، وفى نفس الوقت كانوا يريدون أن يمنعونا من أن نبنى الجيش الوطنى القوى.

لقد أعلنا من أول هذه الثورة إننا نهدف إلى بناء جيش وطنى قوى، ولكنهم منعوا عنا السلاح، وصممنا على أن نبنى الجيش الوطنى القوى الذى يعمل من أجل هذا الشعب، ولا يعمل من أجل الاستعمار، ويحمى مصالح الشعب العربى لا ليحمى مصالح الاستعمار، ويؤمن حقوق هذا الشعب ضد أطماع الاستعمار، وضد أطماع مناطق النفوذ. حينما صممنا على أن نبنى هذا الجيش الوطنى بدءوا فى العدوان، وبدأت الحرب ضدنا وضد أهدافنا. وكنا ندافع عن أهدافنا ونبنى بلادنا، ونبنى فى نفس الوقت الجيش الوطنى الذى كنا نحلم به دائماً والذى كنا نتمناه.. كنا نبنى المصانع وكنا نبنى الجيش، وفى نفس الوقت كنا نواجه المؤامرات ونواجه الدسائس، ونواجه حرباً اقتصادية ونواجه مؤامرات العزل. وأنا أستطيع أن أقول لكم اليوم بعد عام من التقائى بكم: إننا انتصرنا أيضاً فى هذه الميادين، انتصرنا - أيها الإخوة - لأننا نؤمن بأهدافنا ونؤمن بمثلنا العليا.

وكلنا نعلم اليوم بعد أن انكشفت أسرار العدوان عن أى المبادئ كنا ندافع، وعلى أى المبادئ كانوا يعتدون علينا؛ كنا ندافع عن المبادئ وكان المعتدون يدافعون عن المطامع، كنا نريد أن نعمل ونبنى من أجل السلام، ولكنهم كانوا يريدوننا منطقة نفوذ لهم، ويريدون أن نعمل من أجل الحرب والعدوان، يريدون أن نكون ضمن الأحلاف العسكرية، كانوا يريدونا منطقة نفوذ لهم.

ونحن - أيها الإخوة - اليوم ونحن نستعرض الانتصارات التى حققناها نستطيع أن نحصى الأهداف التى قاتلنا من أجلها؛ قاتلنا لأننا كنا نريد أن نحقق الحرية الحقيقية والاستقلال، وأن نخرج من مناطق النفوذ، قاتلنا لأننا صممنا على أن تعود قناتنا إلينا بعد أن اغتصبها منا المستعمرون، قاتلنا لأننا صممنا على أن نبنى السد العالى بسواعدنا من أجل رفاهية شعبنا، قاتلنا - أيها الإخوة - لأننا نادينا بالقومية العربية والوحدة العربية، قاتلنا - أيها الإخوة - لأننا صممنا على أن نبنى الجيش الوطنى القوى.

ولماذا قاتل الأعداء؟ لماذا قاتلت بريطانيا؟ ولماذا قاتلت فرنسا؟ ولماذا قاتلت إسرائيل؟ كلنا نعلم لماذا قاتلت إسرائيل.. قاتلت إسرائيل لكى تحقق الأطماع ولكى تدعم القومية الصهيونية، وقاتلت فرنسا وكانت تشعر أنها تستطيع أن تحل مشكلة الجزائر فى القاهرة، وكانت مشكلة الجزائر لفرنسا المشكلة الكبرى التى تسقط الوزارات، وقاتلت بريطانيا لأنها كانت تعتقد أن انتصار القومية العربية هو نهاية مناطق النفوذ ونهاية الإمبراطورية البريطانية فى هذا الجزء من العالم، وكانت بريطانيا تعتقد أن انتصار القومية العربية هو تهديد لوجود النفوذ البريطانى، كما هو أيضاً تهديد للإمبراطورية البريطانية نفسها.

كانت - أيها الإخوة - هذه هى المبادئ التى قاتلنا من أجلها، وكانت هذه هى الأسباب التى قاتلوا من أجلها. كانت أهدافنا واضحة، وكان هذا الوضوح هو سبب للاحتفاظ بوحدة أمتنا؛ فبوحدة أمتنا استطعنا أن ننتصر، وحينما حققنا الوحدة بين أرجاء هذا الوطن استطعنا أن نهزم الدول العظمى، وأن نهزم الأساطيل وأن نهزم الطائرات. وكنا نحارب معركة شاملة، معركة عنيفة، معركة قوية، ولكنا لأننا كنا نؤمن بالأهداف الواضحة استطعنا أن ننتصر. ولأن أهداف عدونا لم تكن بأى حال من الأحوال أهداف واضحة فقد انقسمت الشعوب.. لقد انقسمت الشعوب عليهم، وحينما هب الرأى العام الحر فى كل بلد حر يؤيدنا، وينادى ضد العدوان، قامت فى شعوبهم أصوات حرة تنادى ضد العدوان؛ لأنها فهمت مبادئنا.. قامت فى بريطانيا أصوات حرة ضد العدوان، وقامت فى فرنسا أصوات حرة ضد العدوان، وهم - أيها الإخوة - لم يواجهوا الحقائق، ولم يواجهوا الشعوب بقضايا وأهداف واضحة، وكان الواضح للجميع أنهم يهدفون إلى السيطرة والتحكم والاستعمار.

فى الأسبوع الماضى فى بريطانيا قامت ضجة كبرى من أجل حرب السويس، تبين العالم كله من هذه الضجة كيف خدع "إيدن" العالم، وكيف خدع "إيدن" الشعب البريطانى حينما قال: إن قواته ستنزل لتحتل بورسعيد والإسماعيلية والسويس؛ لتفصل بين الجيش المصرى وجيش إسرائيل وتحمى قنال السويس. الأسبوع الماضى عرف العالم كله كيف خدع "إيدن" العالم وخدع بريطانيا، بل كيف خدع "إيدن" أيضاً مجلس الوزراء البريطانى الذى لم يكن قد اطلع على هذه التفاصيل ولا على الحقائق الكاملة.
كنا - أيها الإخوة - فى هذه الأيام نثق بأنفسنا، وقد اتضح لنا اليوم أن عدونا لم يكن يملك الثقة التى كنا نملكها؛ لأنه لم يكن واضح الأهداف كما كنا نعرف أهدافنا. حينما قاموا بالعدوان على بورسعيد وقف "جى موليه" - رئيس وزراء فرنسا - ليخدع العالم ويخدع فرنسا، ويقول: إنهم سيقومون بالعدوان ليؤمنوا قنال السويس، وفى الأسبوع الماضى اتضح للعالم كله أن "جى موليه" - رئيس وزراء فرنسا - كان فى هذا الوقت متآمراً مع إسرائيل ومع بريطانيا ضد حرية هذا الشعب، ومن أجل السيطرة علينا واحتلال بلادنا.

وبالأمس - أيها الإخوة - ظهر "جى موليه" الذى وقف يقول: أن جمال عبد الناصر يمثل "هتلر" فى الشرق الأوسط وفى البلاد العربية.. ظهر بالأمس "جى موليه" على حقيقته؛ أعلنت بالأمس وثائق أن "جى موليه" كان فى سنة ٤٢ و٤٣ جاسوساً يعمل لحساب "هتلر"! وإن "جى موليه" - اللى عمل فى سنة ٤٢ جاسوس من أجل النازى، وجاسوس ضد بلاده وضد وطنه، وجاسوس ضد جبهة المقاومة، وكان يعلن فى البرلمان الفرنسى الأكاذيب، وكان يعلن أيضاً التضليل، وكان يعطيهم معلومات كاذبة ويقول لهم: إن بورسعيد سقطت وإن الإسماعيلية سقطت - "جى موليه" هذا الذى كان يعمل جاسوساً للنازى ولـ "هتلر" سنة ٤٢ لم يجد بين أبناء هذا الوطن من يعمل جاسوساً له، ومن يخون الأمانة كما خان هو أمانة فرنسا وأمانة وطنه.

أيها الإخوة المواطنون:

إننا كنا نعرف أهدافنا وكنا نثق فى أهدافنا؛ ولهذا فإننا كنا نصارح الشعب (هتافات).

أيها الإخوة:

كنا فى هذا الوقت نثق فى أهدافنا وكنا فى هذا الوقت بنثق فى أنفسنا؛ ولهذا كنا نصارحكم بكل شىء، كانت أهدافنا واضحة، والمبادئ اللى بنحارب من أجلها واضحة، كنا بنصارحكم بكل شىء، ولم نخبى أى شىء. حينما قررنا الانسحاب من سيناء لنجابه العدوان البريطانى - الفرنسى أعلنت للشعب أننا قررنا انسحاب الجيش المصرى من سيناء؛ ليدافع عن معركة الحرية فى هذه المنطقة، وكنت أعتقد أن كل فرد منكم سيعرف الحكمة فى هذا الانسحاب. ولكنهم - أيها الإخوة - لم يتمكنوا من أن يجابهوا شعوبهم بالحقائق، أعلنوا أن بورسعيد سلمت، وأن الإسماعيلية سلمت.. أعلنوا الأكاذيب وأعلنوا الأباطيل، وقالوا للشعب: إنهم يقومون بعملية بوليسية؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون أهدافهم.

لم نتردد - أيها الإخوة - مطلقاً ولا لثانية واحدة، يوم ٣٠ أكتوبر جا الإنذار البريطانى - الفرنسى من أجل احتلال بورسعيد، ومن أجل احتلال الإسماعيلية، ومن أجل احتلال السويس، وكان هذا الإنذار الذى قدمته بريطانيا وفرنسا يعطينا فرصة لنفكر ١٢ ساعة. وكنا لا يمكن أن نقبل بأى حال من الأحوال أن نسلم أرضنا للاحتلال، وقلت فى هذا اليوم لكم: إننى سأقاتل معكم لآخر طلقة، وسأقاتل معكم لآخر نقطة فى دمى من أجل حرية هذا الوطن، ومن أجل كرامة هذا الوطن، وخرج الشعب كله ينادى بالقتال، خرج الشعب كله ينادى بالقتال.. من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال. (تصفيق).

فى ٣٠ أكتوبر وصل الإنذار البريطانى - الفرنساوى، فى ٣٠ أكتوبر كان الإنذار عندنا فى ١٢ ساعة، وكنا نستطيع أن ننتظر الـ ١٢ ساعة علشان نرد هذا الإنذار، ولكنى حينما رفضت هذا الإنذار فى الحال إنما كنت أعبر عن كل فرد من أبناء هذا الوطن لا يرضى لبلده إلا الحرية، ولا يرضى أن يعيش فى بلد تحتله بريطانيا وتحتله فرنسا، لقد قاتلنا الاحتلال البريطانى، وضحينا بدمائنا حتى حصلنا على الجلاء، وكان لابد لنا أن نقاتل أيضاً هذا الاحتلال.

يوم ٣٠ أكتوبر كان هناك الإنذار البريطانى - الفرنسى، ورفضنا الإنذار البريطانى - الفرنسى فى الحال لسبب واحد؛ كنا نعرف مبادئنا، وكنا نعرف أهدافنا، وكنا نؤمن بمبادئنا، وكنا نؤمن بأهدافنا.

يوم ٦ نوفمبر أعلن الإنذار الروسى لبريطانيا وفرنسا، إيه كانت النتيجة؟ لم تستطع بريطانيا وفرنسا أن ترفض الإنذار الروسى، ونحن الدولة الصغرى رفضنا الإنذار البريطانى - الفرنسى، ليه السبب فى هذا الكلام؟ (تصفيق وهتاف).

ليه احنا قاتلنا؟ ليه احنا رفضنا الإنذار من أول دقيقة؟ لإننا كنا نعرف أهدافنا، وكنا نحارب عن مبادئ نؤمن بها. ليه بريطانيا العظمى وفرنسا ما رفضوش الإنذار الروسى؟ لإنهم ماكانوش بيحاربوا من أجل مبادئ، ولا بيحاربوا من أجل مثل عليا. ليه احنا استطعنا أن نحارب ونحافظ على اقتصادنا رغم محاصرتهم لشواطئنا ورغم الحرب الاقتصادية، وهم بعد ٣ أيام من العدوان كان الجنيه الاسترلينى بينهار، وكان الاقتصاد البريطانى بينهار؟ طبعاً لأننا كنا نؤمن ونعرف طريقنا، وكانوا هم بيحاربوا وبيدوروا على مساعدات دول أخرى ومساعدات بلاد أخرى؛ علشان يستطيعوا أن يسيروا فى هذا الطريق إلى النهاية.
دا الفرق - يا إخوانى - بين المبادئ والإيمان وبين الأطماع والاستغلال.. دا الفرق بين إيمان الدول الصغرى ودا الفرق بين أطماع الدول الكبرى، وقد استطاع إيمان الدول الصغرى أن يهزم أطماع الدول الكبرى، ويهزم أطماع الاستعمار.

أيها المواطنون:

النهارده ونحن نحارب معركة السلام يجب أن ننظر لنرى إيه اللى استطعنا أن نحققه ونحن نحارب هذه المعارك، فى سنة ٥٨ انتصرت القومية العربية والوحدة العربية، وحققت الوحدة بين مصر وسوريا، وقامت الجمهورية العربية المتحدة ترفع علم القومية العربية عالياً، وكان هذا أول ثمرة من ثمرات معركة السلام. فى سنة ٥٨ أيضاً انهار حلف بغداد؛ حلف بغداد اللى حاربناه من سنة ٥٥، واللى كنا بنحارب فيه مناطق النفوذ والسيطرة والتحكم، وحاربنا من أجله أو حاربنا ضده معركة مريرة.. فى سنة ٥٨ انتصرت إرادة الشعب العربى وسقط حلف بغداد؛ حلف بغداد اللى كان يهدف إلى إدخالنا ضمن مناطق النفوذ. فى سنة ٥٥ "إيدن" قال فى مجلس العموم: إن حلف بغداد بيرفع صوت بريطانيا عالياً فى هذه المنطقة من العالم؛ وانهيار حلف بغداد يعنى أن لا صوت فى هذه المنطقة من العالم إلا لأبنائها، وأن لا صوت فى أمة العرب إلا للعرب أنفسهم، وأن لا مكان لأجنبى بين أرجاء أمة العرب. فى سنة ٥٨ قامت قيادات وطنية بعد أن تهاوى العملاء؛ عملاء الاستعمار وصنائع الاستعمار، قامت قيادات جديدة، وقامت قيادات وطنية؛ لتؤكد للعالم أن القومية العربية تتقدم وتتدعم وتنتقل من نصر إلى نصر.

والآن فى سنة ٥٨ أيضاً بدأنا مشروع الخمس سنوات للتصنيع، رغم ان احنا كنا بنحارب معركة السلام وكنا بنحارب المعركة الاقتصادية. فى سنة ٥٨ أيضاً بدأنا مشروع الخمس سنوات للتصنيع فى الإقليم السورى، وفى سنة ٥٨ أيضاً بدأنا مشروع التنمية فى الإقليم السورى. وفى سنة ٥٨ قررنا أن نبنى السد العالى؛ هذا السد الذى حاربنا من أجله، والذى أراد العدو أن يمنعنا من أن نبنيه، وإذا بنينا السد فمعنى هذا الأرض الجديدة وزيادة فى الدخل.

إننا حققنا فى معركة السلام انتصارات سياسية وانتصارات اجتماعية، حققنا الوحدة، ورأينا حلف بغداد ينهار، وحققنا الوحدة بين سوريا ومصر، وقامت فى سوريا إصلاحات اجتماعية وثورة اجتماعية مع الثورة السياسية، وقامت أيضاً فى مصر ثورة سياسية مع الثورة الاجتماعية، حققنا إصلاحات فى السياسة، وتضامن بين أبناء الأمة، وحققنا فى نفس الوقت تقدم فى التنمية الصناعية.

ولم يكن السد العالى - أيها الإخوة - هو آخر ما يمكن أن نعمل؛ ولكننا ما أن حققنا السد العالى الذى منعوا عنا تمويله، والذى اتفقنا مع الاتحاد السوفيتى على أن يمول المرحلة الأولى منه.. إننا بعد أن بدأنا فى السد العالى نتجه لنفتح آفاق جديدة. السد العالى حيدينا ٢ مليون فدان، ولكن احنا بنستخدم ٤% من الإقليم المصرى، ويجب أن نستخدم جميع أنحاء الإقليم المصرى، واليوم - أيها الإخوة - نحن نتجه لنقيم فى الصحراء الغربية وادياً جديد يكون موازياً لوادى النيل.

إننا نعمل على أن نستخدم المياه التى تستخرج من الآبار لنقيم من الحدود الجنوبية غرب أسوان بـ ١٥٠ كيلو إلى الشمال فى الواحات الداخلة والواحات الخارجة وفى واحة الفرافرة، وفى واحة البحرية أرض جديدة. وهناك أرض تصلح للزراعة تقدر بـ ٣ مليون فدان غير مزروعة، وهناك مياه الآن تكفى لزراعة ما يقرب من نص مليون فدان أو أكثر، ونحن فى مشروع الخمس سنوات الذى يبدأ سنة ٥٩ سنقيم وادى جديد موازياً لوادى النيل. احنا عشنا على النيل آلاف السنين وتركنا الصحراء، ولكن المعجزة التى يجب أن نحققها هى أن نقيم بجانب وادى النيل وادياً جديد نستخدم فيه المياه الجوفية. (تصفيق).

إننا سنعمل من أجل الاستفادة بكل قوة وبكل إمكانيات وطننا، وإننا بهذا فعلاً نخلق البلد الذى يشعر بالقوة. إننا فى سوريا الآن نبدأ برامج التنمية فى مشروع العشر سنوات؛ فيه مشاريع للكهرباء.. توليد الكهرباء، ولبناء السدود، ولحفر الآبار، ولبناء الطرق والسكك الحديد، بجانب مشروع التصنيع، وفى نفس الوقت نعمل هنا من أجل مشروع جديد للتصنيع.

واليوم - أيها الإخوة - بعد هذه السنوات من الثورة ظهرت طلائع العمل وظهرت بشائر العمل، وفى القريب - إن شاء الله - ستظهر فى سوريا بشائر الوحدة ونتائج الوحدة؛ ستظهر على شكل صناعات جديدة وإصلاحات اجتماعية جديدة. وإننا حينما قلنا: إن هذه الثورة إنما هى ثورة سياسية وهى ثورة اجتماعية، كنا نعنى أننا نسعى إلى التخلص من الاستبداد السياسى ومن الظلم الاجتماعى، إننا نسعى إلى التخلص من الانتهازية ومن الاستغلال، إننا نريد أن نقيم بين أرجاء هذه الأمة دولة ترفرف عليها الرفاهية، تعمل متحدة من أجل إقامة مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى. وكنا نقول: إننا لا نطلق الشعارات ولكننا نطبق هذه الشعارات لتكون أعمالاً حقيقية، وكنا فى هذا السبيل ندخل المعارك المريرة وندخل المعارك العنيفة، ولكن إيمان هذا الشعب مكننا من أن ننتصر على الانتهازية، ومكننا أيضاً من أن ننتصر على الاستغلال، واستطاع هذا الشعب أن يتحد وحينما اتحد هذا الشعب استطاع أن ينتصر على الاستغلال الداخلى وعلى العدوان الخارجى.

واليوم - أيها الإخوة - بعد أن قامت الجمهورية العربية المتحدة، واتحدت مصر وسوريا، فإننا نعمل من أجل إقامة مجتمع ترفرف عليه الرفاهية بين أرجاء الجمهورية العربية المتحدة، إننا نعمل من أجل إقامة مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى بين أرجاء الجمهورية العربية المتحدة، وكان هذا هو الأمل الذى يسعى إليه أبناء الجمهورية فى إقليمها الشمالى وفى إقليمها الجنوبى. وحينما انتصرتم فى بورسعيد وارتفعت راية القومية العربية، وحينما انتصر إخوتكم فى سوريا ضد المؤامرات وضد معارك العزل وضد التهديد ورفعوا راية القومية العربية، استطاع الشعب فى سوريا واستطاع الشعب فى مصر أن يعلن وحدته. وحينما اتحد الشعب فى مصر واتحد الشعب فى سوريا، وحينما ارتفعت راية القومية العربية عالية منتصرة من جديد، قام لنا أعداء.. أعداء يشعرون أن انتصار القومية العربية، وأن ارتفاع علم النصر للقومية العربية سيقضى على مصالح لهم؛ سواء كانت هذه المصالح مصالح استغلالية أو مصالح انتهازية.

حينما أعلن الشعب العربى فى سوريا إيمانه بالوحدة، ونادى بالوحدة، وقام الاستفتاء من أجل الوحدة، وكان استفتاء الوحدة يمثل الأغلبية الكبرى لشعب سوريا، والأغلبية الكبرى لشعب مصر، وقامت الجمهورية العربية المتحدة، كان هناك أعداء للوحدة، وكان هناك أعداء للقومية العربية يعملون ضد الوحدة، ويعملون ضد القومية العربية، ولكنهم - أيها الإخوة - لم يجرءوا أن يرفعوا صوتهم عالياً؛ لأنهم كانوا يشعرون أن القومية العربية والوعى العربى سيكتسح فى وجهه كل من يقف فى سبيله؛ قامت الرجعية لأنها تعلم أن القومية العربية ستمنع الاستغلال، وقام الحزب الشيوعى فى سوريا ينادى ضد القومية العربية وضد الوحدة العربية؛ لأنه كان يعتقد أن القومية العربية ستمنع الانتهازية، ولكنهم - أيها الإخوة - لم يتمكنوا، ولم يستطيعوا أن يرفعوا رءوسهم فى وجه القومية العربية، ويقفوا فى وجه القومية العربية الجارف.

قامت الرجعية ضد الوحدة، وقام الحزب الشيوعى فى سوريا يعمل ضد الوحدة ويعمل ضد القومية العربية، ولكن قوتكم وقوة الشعب العربى فى سوريا جعلتهم يدخلون فى الجحور، ويهربون من مواجهة الشعب، وقامت الوحدة، وقام الاستفتاء، وكان هناك إجماع من الشعب العربى؛ لأن الشعب العربى كان يؤمن أن قوته فى وحدته، وأن الوحدة العربية هى الاستقلال، وأن القومية العربية هى الحرية. (تصفيق).

أيها الإخوة المواطنون:

لقد تعودنا دائماً.. لقد تعودنا دائماً على أن نتصارح، وأن نستبين الأمور؛ حتى نحارب المعارك ونحن نعرف هدفنا. حينما أعلنا إيماننا بالقومية العربية، وحينما أردنا الوحدة وحققناها، كان هناك أعداء للوحدة. وحينما ارتفعت إرادة الشعب العربى وقامت الجمهورية العربية المتحدة، وكان الحماس الجارف والشعور الفياض، انزوى أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية.. انزوى الاستغلاليون وانزوى الانتهازيون؛ لأنهم كانوا يعلمون أن هذا الشعب سيحطم رءوسهم، ولكنهم خرجوا الآن من جحورهم.

واليوم - أيها الإخوة - بعد عشرة شهور من الوحدة، ونحن فى أول طريقنا لبناء المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية؛ المجتمع التعاونى الديمقراطى الاشتراكى، وقد أعلنا إننا فى هذا نتبع سياسة عدم الانحياز؛ لا انحراف إلى اليمين ولا انحراف إلى اليسار، بدأت الألاعيب ضد الوحدة، وبدأت المظاهر الاستعمارية، ومن أعوان الاستعمار والصهيونية، تعمل ضد الوحدة. كلنا نعرف إن إسرائيل والصهيونية لا يمكن أن تقبل أبداً أن ترتفع راية القومية العربية، أو ترتفع راية الوحدة؛ لإن ارتفاع راية القومية العربية وارتفاع راية الوحدة معناه القوة، ومعناه الحرية، ومعناه الاستقلال، ومعناه أيضاً استعادة حقوق شعب فلسطين، ولكن انهزام القومية العربية، وانهزام فكرة الوحدة معناه انتصار القومية الصهيونية، وانتصار الاستعمار وأعوان الاستعمار، وتحالفت الرجعية مع الصهيونية.. التقوا جميعاً ضد القومية العربية، والتقوا جميعاً ضد الوحدة العربية.

إن إسرائيل تعمل بكل ما فى وسعها ضد وحدتكم وضد قوميتكم، وإن الرجعية المستغلة تعمل بكل قوتها ضد قوميتكم وضد ثورتكم الاجتماعية. وإننى آسف أن أقول: أن هناك تجمعات ظهرت ضد هذه الوحدة، وآسف أن أقول: إن الشعب العربى الذى آمن بالوحدة لا يمكن أبداً أن يرى بينه هذه التجمعات؛ لأن الوحدة هى ضمير هذا الشعب، الوحدة هى قوة هذا الشعب. وآسف أن أقول: أن هذه العناصر التى ظهرت إنما لم تكن قد استطاعت أن تواجه الشعب قبل الآن، ولكنها تريد أن تخدع الشعب وتنشر بينه البلبلة وتنشر بينه الإشاعات؛ حتى يكون مطية للاستعمار، أو لأعوان الاستعمار، أو للصهيونية.

وأنا أقول لكم أيضاً - أيها الإخوة - وقد تعودنا على الصراحة: إننا فى هذه الأيام ومنذ قامت الوحدة أعلنا أن الأمة يجب أن تكون اتحاداً قومياً، يجب أن نوحد جهودنا؛ حتى نقضى على الصهيونية ونقضى على الاستعمار، ولن نستطيع أن نحارب الصهيونية، ولا نحارب الاستعمار إذا كنا نحارب أنفسنا. ولكن الحزب الشيوعى فى سوريا رفض هذا وأعلن أنه لا يقبل أن يتحد مع الأمة فى وحدة قومية وفى اتحاد قومى، ورفض أن تكون الأمة أمة واحدة، تحارب أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية، بل رفض أيضاً القومية العربية والوحدة العربية، وأعلن بعض أفراده فى الأسبوع الماضى أنهم ينادون بالانفصال، وينادون بأن لا تكون هناك وحدة عربية أو قومية عربية. إن هذه هى الدعوة للصهيونية؛ لكى تنفذ بين أرجاء القومية العربية، إن هذه هى دعوة للرجعية لكى تعود وتستغل بلادنا.

إننا - أيها الإخوة - سنكافح الانتهازية وسنحارب الرجعية؛ لنقيم بين أرجاء وطننا المجتمع الحر الاشتراكى الديمقراطى التعاونى.

إننا بوحدتنا - أيها الإخوة - استطعنا أن ننتصر فى بورسعيد، وبوحدتنا أيضاً سننتصر ضد الصهيونية وضد الاستعمار وضد الانتهازية.

إننا - أيها الإخوة - بوحدتنا التى آمنا بها.. بوحدة هذا الشعب سنقاوم كل من يعمل ضد الوحدة، وكل من يعمل ضد القومية العربية. إن القومية العربية هى هدف رئيسى من أهدافنا، وإننا فى سبيل القومية العربية حاربنا فى بورسعيد وقاتلنا فى بورسعيد، وفى سبيل الوحدة العربية حاربنا وحملنا السلاح، وفى سبيل الوحدة العربية وفى سبيل القومية العربية سنحارب أيضاً وسنقاوم كل من يرفع راية الانفصال وراية التجزئة.

إن التجزئة بين أرجاء العالم العربى وإن التفكك بين أرجاء العالم العربى، إنما يعنى أن نعود مرة أخرى إلى مناطق النفوذ. وإن التاريخ يقول: إننا حينما قسمنا إلى دول ودويلات خضعنا لسيطرة الدول الكبرى وخضعنا لسيطرة الدول الطامعة فينا، وحينما انتصرت القومية العربية فى وقت صلاح الدين، وضد التتار حينما اجتاحوا بغداد وحينما وصلوا إلى سوريا، استطاعت القومية العربية المنتصرة المتحدة أن تهزم التتار، حينما لم يستطع أى جيش فى العالم أن يهزمهم.

إن القومية العربية هى قوتكم، هى سلاحكم. إن القومية العربية هى أمن لنا ولكل بلد عربى. إننا فى هذا المكان وفى هذا البلد حاربنا معارك كثيرة من أجل القومية العربية؛ لأننا كنا نؤمن أنها معاركنا. حاربنا معارك شمال إفريقيا؛ حاربنا معارك تونس، وحاربنا معارك مراكش، وحاربنا أيضاً من أجل الجزائر، حينما اعتدت علينا فرنسا كانت تعتقد أنها تنتقم منا.. وتنتقم منا من أجل الجزائر. حاربنا أيضاً من أجل عدم انتشار القومية الصهيونية على حساب القومية العربية.. حاربنا فى الماضى، وحاربنا فى بورسعيد، وحاربنا وتعرضنا للغارات الجوية وللأساطيل، ووقفنا فى وجه الدول العظمى؛ لأننا نؤمن بقوميتنا، ونؤمن أيضاً - أيها الإخوة - أن قوتنا فى قوميتنا، وسنحارب أيضاً فى المستقبل من أجل القومية العربية، ومن أجل الوحدة العربية؛ لأن هذا هو إيمان الشعب العربى فى كل أرجاء الجمهورية العربية. (تصفيق).

أيها الإخوة:

إننى أتكلم اليوم وأقول لكم بصراحة ووضوح: أننا يجب أن نؤمن إيماناً كاملاً ونعرف طريقنا، لسنا - أيها الإخوة - لا نقبل - كما أعلنا - أن تكون بلادنا يتحكم فيها رأس المال، أو يتحكم فيها الإقطاع، وقلنا: أن لنا مذهباً اجتماعياً يتلاءم مع ظروفنا، ويتلاءم مع ديننا، ويتلاءم مع طبيعتنا.

وقلنا: أن هذا المجتمع هو المجتمع الاشتراكى التعاونى الديمقراطى، وقلنا: إننا لا نريد أبداً أن نحولكم جميعاً إلى أجراء، ولكنا نريد أن نمكن أبناء هذه الأمة؛ ليكونوا ملاكاً فى دولة تعاونية يتعاون فيها الجميع، ولذلك.. بهذا نستطيع أن نحقق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية.

إننا - أيها الإخوة - ونحن نتجه للمستقبل لنبنى البناء الشامخ.. نبنى فى هذه الجمهورية.. فى الإقليم المصرى، ونعمل ونصنع، ونبنى أيضاً فى الإقليم السورى. وإننا بعد أن اتحدنا وقامت الجمهورية العربية المتحدة لم يكن من السهل علينا أن نخطط للإقليم السورى - وكنا قد خططنا لمصر فى ست سنوات - وكان التخطيط وجمع المعلومات عملاً يحتاج إلى وقت.

واليوم - أيها الإخوة - خططنا للإقليم السورى مشروع السنوات الخمس، ومشاريع التنمية. ولكنى أشعر - أيها الإخوة - أن هناك تباطؤا فى التنفيذ. لابد أن نبنى هناك؛ نبنى فى الصناعة، ونعمل فى الزراعة، ونقيم الثورة الاجتماعية الحقيقية، لا إقطاع ولا تحكم ولا سيطرة، لا استغلال ولا انتهازية؛ ولهذا فقد كونت لجنة من الحكومة المركزية لمضاعفة السرعة هناك، يقوم بها البغدادى والحورانى وزكريا محيى الدين؛ حتى يستطيع الإقليمان أن يسيرا جنباً إلى جنب.

إننا بهذا - أيها الإخوة - سنعمل حتى تسير الجمهورية كلها يد واحدة، وعلى أساس اجتماعى واحد، وعلى أساس سياسى واحد.

أيها الإخوة المواطنون:

هذه هى أهدافنا، وهذه هى طريقتنا، وهذا هو سبيلنا. لابد أن نكون على بينة من أمورنا، ولابد أن نعرف طريقنا. فى العام الماضى من هذا المكان باسمكم وجهت إلى العالم نداء السلام.. باسم بورسعيد الباسلة التى هزمت الدول الكبرى، والتى هزمت قوى الشر والعدوان.

واليوم - أيها الإخوة - باسمكم وباسم الشعب العربى الباسل المقاتل المكافح فى كل مكان نعلن للعالم أجمع أننا نحارب معركة السلام ونحارب معركة البناء؛ من أجل سلام العالم أجمع، ومن أجل رفاهية العالم أجمع، ومن أجل التقدم الاقتصادى والتقدم الاجتماعى لأبناء هذه الجمهورية.

إننا - أيها الإخوة - نعلن للعالم أجمع أننا نتبع سياسية عدم الانحياز، وأننا لا نؤمن باستخدام الأسلحة الذرية.

إننا - أيها الإخوة - من بورسعيد نعلن للعالم أجمع أننا من أجل السلام لا نؤمن بالأحلاف، ولا بالكتل العسكرية، ولا بالانحياز؛ من أجل السلام نؤمن بنهاية مناطق النفوذ، وتقرير المصير، وأن يكون كل شعب حر فى تقرير مصيره، وحر فى تطوير بلاده؛ حتى يحصل على حقه من ثروات هذه البلاد.
إننا - أيها الإخوة - من بورسعيد نعلن للعالم أجمع نداء السلام.. أن الشعب العربى فى الجمهورية العربية المتحدة لا يقبل أبداً أن تكون الدول الصغرى مطية وألعوبة فى يد الدول الكبرى.

وبهذا نتجه إلى المستقبل.

وأرجو - أيها الإخوة - أن ألتقى بكم فى العام القادم وقد وفقنا الله من أجل بناء هذه الجمهورية، وإقامة المجتمع الاشتراكى التعاونى الديمقراطى.
والسلام عليكم.


............"



يحى الشاعر