النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى بورسعيد بمناسبة عيد النصر 23 ديسمبر 1959

  1. #1
    Banned
    الصورة الرمزية يحى الشاعر
    الحالة : يحى الشاعر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 325
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : ألمانيا
    المشاركات : 9,911

    Exclamation كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى بورسعيد بمناسبة عيد النصر 23 ديسمبر 1959

    "............

    كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى بورسعيد بمناسبة عيد النصر 23 ديسمبر 1959


    أيها المواطنون:

    هذه هى الذكرى الثالثة لانتصاركم العظيم الذى كان نقطة التحول الكبرى لا فى تاريخ أمتكم فحسب، بل فى تاريخ المنطقة العربية بأكملها، بل لعل هذا الانتصار يعد من أبرز المعالم فى المجال الدولى وفى طريقة العمل فيه؛ ذلك أن انتصاركم كان معناه أن القومية العربية قد كسرت كل حصار حولها، وخرجت تباشر دورها الإيجابى فى إعادة كتابة تاريخها، وفى المساهمة بقسط بنائى فى كتابة تاريخ البشرية.

    كذلك كان انتصاركم - أيها الإخوة المواطنون - فى المجال الدولى نهاية عهد ثبت فيه بما لا يدع مجالاً للشك أن البقايا المتخلفة من تفكير القرن التاسع عشر - بما فيها من أوهام الغزو والسطو والسيطرة على الشعوب - قد اندحرت.

    وإذا كنتم - أيها الإخوة - بانتصاركم قد بدأتم تاريخ وطنكم فى القرن العشرين وبعثتموه حياً متجدداً متطوراً؛ فإنكم بهذا الانتصار أيضاً فى تاريخ البشرية وفى تاريخ الشعوب الإفريقية - الآسيوية بالذات، قد دفنتم فى بلدكم هذا - فى بورسعيد - بقايا عصر الاستعمار.

    ولسوف يذكر التاريخ لكم دائماً - أنتم شعب بورسعيد - أن تصديكم للقوة الغاشمة التى حاولت غزو بلدكم وانتصاركم عليها، لن يهزمها فى بلادكم فقط، وإنما هزمها فى جميع البلاد؛ وبذلك - أيها الإخوة المواطنون - تم على أيديكم ما كان ينبغى أن يتحقق وهو أن القوة لم تعد وسيلة للعمل الدولى، وأن الذين يملكون السلاح لا يملكون بالتبعية مصائر الشعوب وأقدارها.

    ولقد أثبتم هنا فى بورسعيد أن للمبادئ قوة لا تقل عن أساطيل الدول العظمى وطائراتها وجيوشها، وأثبتم أن أحداً فى هذا العالم - مهما بلغت درجة اعتزازه بما فى مخازنه من أدوات الدمار - لا يملك أن يشعل شرارة الحرب ويعبث بسلام العالم دونما تقدير للمسئولية، يستوى فى ذلك ما يسمونه بالحرب المحدودة أو الحرب الشاملة؛ ذلك أن الذين يبدأون الحروب العدوانية لا يملكون التحكم فى سير الأحداث، ومن ثم فإن الذين يتصورون أنهم قادرون على أن يبدءوا يجدون أنفسهم وقد عجزوا عن إنهاء ما بدءوا، وإذا انتهى ما بدءوه فإنه ينتهى على غير ما أرادوه.

    ولقد كانت تلك - أيها الإخوة - أبرز الدروس التى أسفرت عنها التجربة العظيمة التى خضتم غمارها. وإنى لواثق أنه سوف يبقى لكم دائماً فخر صنع هذا التحول الكبير فى التفكير الدولى والعمل الدولى وفى الأساليب الدولية.

    وإذا كنا - أيها الإخوة - نذكر اليوم ونحن نحتفل بأعياد النصر شهداء معاركنا، فإن العزة تملؤنا وذكراهم تطوف بخواطرنا. إن الدماء التى بذلوها لم تحقق النصر والعزة لوطنهم فحسب، وإنما دعمت إمكانيات السلام لغيرهم من الشعوب؛ لقد كانت تضحيتهم بداية لوطنهم، وكانت حربهم سلاماً على شعوب كثيرة. نؤمن اليوم - وإنا نتطلع إلى ذكراهم - بنفس الإكبار والعرفان الذى تطلع به هذا الشعب نحو هذه الذكرى ونحو هذه التضحية.

    أيها الإخوة المواطنون:

    لعل خير تعبير عن وفائنا لتضحية الشهداء من أبنائنا هو تلك المعركة التى نخوضها اليوم فى أعقاب معركتنا الكبرى التى خضناها بالأمس. والواقع - أيها الإخوة - أن معركتنا الكبرى من أجل الحصول على الحرية كانت التمهيد الحقيقى وكانت المقدمة الطبيعية للمعركة التى نخوضها اليوم لحماية هذه الحرية ولتدعيم هذه الحرية؛ ذلك أن الحصول على الاستقلال ليس نهاية طريق الكفاح، إنما هو بداية طريق الكفاح، وإن الانسان لا يحرر إرادته لكى يعطلها بعد ذلك وإنما يحرر الانسان إرادته ليعيد بها تشكيل مستقبله، وليحقق بها أمان عمره وأحلامه الطويلة فى خلال أجيال الحرمان. ولقد انتزعنا بالنصر العظيم فى معركتكم هنا إرادتنا المستقلة، وكان لزاماً علينا - بل كان وفاءاً لحق شهدائنا - أن نبدأ على الفور فى استعمال الإرادة المتحررة لكى نحقق أمانى العمر ونحقق أحلام الأجيال. ولقد كان العمل الإيجابى على الفور هو الوفاء الحقيقى الذى نقدمه لشهدائنا، وهو باقات الورد على قبور شهدائنا، وهو دليل الوفاء الذى لا دليل بعده لإحساسنا بقيمة التضحية التى بذلها شهداؤنا، ومظهر تكريمنا للدماء الذكية التى أرقناها فى ميدان القتال.

    أيها الإخوة المواطنون:

    لقد قاتلتم هنا فى بورسعيد وحاربتم هنا فى بورسعيد الدول الكبرى والدول العظمى وإسرائيل، وانتصرتم هنا فى بورسعيد، وأعلنتم كلمتكم عالية أن لا موطئ فى بلدنا لأجنبى مهما بلغت قوته ومهما بلغت الأسلحة فى مخازنه.

    وكان هذا - أيها الإخوة المواطنون - هو النصر الكبير لنا.. لنا هنا فى مصر ولأمتنا العربية، وللشعوب الآسيوية - الإفريقية جمعاء، بل كان موقفكم هنا فى بورسعيد هو إكليل الغار فى معاركنا الطويلة التى حاربنا فيها والتى كافحنا فيها من أجل أن نحقق لأنفسنا الحرية الحقيقية والعزة الحقيقية، ومن أجل أن نتخلص من جنود الاحتلال.

    لقد كنتم هنا فى بورسعيد ترون جنود الاحتلال فى بلدكم، وكنتم هنا فى بورسعيد على مر السنين وعلى مر الأيام تكافحون للتخلص من الاحتلال ومن جنود الاحتلال، للتخلص من الاستعمار الأجنبى والاستغلال الداخلى. وكانت المعارك المريرة تقوى قلوبكم ونفوسكم لتبدءوا معارك أخرى، وكانت أخر معركة رفعنا فيها أكاليل الغار هنا فى هذه الأرض الطيبة معركة بورسعيد.. معركة بورسعيد التى تحالفت فيها علينا بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل.

    ولم تكن معركة بورسعيد معركة نتيجة لتأميم القنال، ولكن معركة بورسعيد - أيها الإخوة - كانت خاتمة معارك طويلة من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال. من يوم ما حط الانجليز أقدامهم فى بلدنا كانت المعارك مستمرة وكانت المعارك متتابعة؛ حتى نشعر أن لا علم يرتفع فى بلدنا إلا علمنا وأن لا كلمة فى أرضنا إلا كلمتنا، وأن لا إرادة بين أرجائنا إلا إرادتنا، فصمم على هذا آباؤكم وصمم على هذا أجدادكم، وأخذتم منهم راية الكفاح وسرتم فى طريق الكفاح وتمتعتم - أيها الإخوة المواطنون - بفرصة النصر.

    لقد استطعتم - أيها الإخوة - أن تروا اليوم الذى خرج فيه الانجليز من بلادنا بعد احتلال طويل مرير استمر أكثر من ٧٥ سنة، ثم استطعتم مرة أخرى أن تتمتعوا بنصركم على الإنجليز والفرنسيين، والذين عادوا مرة أخرى ليحتلوا هذه البلاد بعد أن تركوها بأربعة أشهر. إننا ذقنا حلاوة النصر الذى كافح من أجله الآباء وكافح من أجله الأجداد.

    ومنذ قامت الثورة هنا فى مصر فى سنة ٥٢ وتعرضنا لضغط ومؤامرات، تعرضنا - ونحن نعلم جميعاً - لكل وسائل الضغط ولكل وسائل المؤامرات حتى نحيد عن المبادئ التى آمنا بها والتى كافحنا من أجلها. لقد كافحنا لنخرج من مناطق النفوذ، وكافحنا لنتخلص من الاستعمار، وحينما قامت الثورة صممنا على أن نخرج من مناطق النفوذ، وصممنا على أن نخرج جنود الاحتلال، ورفعت هذه الأمة التى اتحدت كلمتها هذه الشعارات؛ لا مكان لدخيل فى أرضنا ولا مكان لمستغل بين أرجائنا.

    وسرنا ونحن نعلم أن المعركة التى نسير فيها ليست بالمعركة السهلة ولكنها معركة صعبة؛ لأننا نعلم أننا دولة صغرى بالنسبة إلى دول الاستعمار وبالنسبة إلى أعوان الاستعمار وأساليب الاستعمار. ولكن كنا دولة صغرى لا نملك هذه الأسلحة التى تملكها الدول الكبرى، لن يمنعنا أبداً على أن نصمم على أن نطبق المبادئ التى آمنا بها، وعلى أن نجعل إرادتنا نافذة، وعلى أن نجعل كلمتنا نافذة. وجابهنا المؤامرات وجابهنا أساليب الاستعمار بكل وسيلة من الوسائل، وكان سبيل الاستعمار فى مجابهتنا هنا فى الداخل أعوان الاستعمار، وفى الخارج فى الأمة العربية من حولنا أعوان الاستعمار.

    وكان سبيل الاستعمار أيضاً - أيها الإخوة المواطنون - ليقف فى وجهنا وليحطم أهدافنا هنا فى الداخل التفرقة، فقد كان الاستعمار يعمل دائماً بكل وسيلة من الوسائل على أن لا تتحد كلمتكم فى داخل بلدكم، بل كان يعمل دائماً على أن يستخدم الأخ ضد أخيه، وعلى أن يفرق الأمة إلى شيع وأحزاب حتى يستطيع بهذا أن يتمكن منا وأن تكون له الكلمة العليا. وقد قاسينا من التفرقة فى الماضى وقاسينا من الحزبية فى الماضى، وصممنا على أن ننبذ التفرقة وعلى أن ننبذ الحزبية، وعلى أن نتحد. وحينما اتحدنا استطعنا أن نحقق كلمتنا؛ لأننا كنا نعمل من أجل الأمة كلها بأغلبية أبنائها.. كنا نعمل من أجل الأمة كلها بفلاحيها وعمالها وجميع أبنائها لا من أجل فئة قليلة من الناس.

    وحاول الاستعمار أيضاً - أيها الإخوة المواطنون - أن يفتت القومية العربية ويفتت الأمة العربية، واعتمد فى هذا على أعوان الاستعمار فى جميع أرجاء الأمة العربية، وكان سلاحه الرئيسى أن يبث الفرقة والفتنة بين أبناء الأمة العربية، ثم يبث العداوة والبغضاء بين أبناء الأمة العربية، ثم يستخدم الوطن العربى ضد الوطن العربى والبلد العربى ضد البلد العربى؛ وبهذا يدب اليأس فى النفوس ويدب اليأس فى القلوب، وبهذا تتفتت الأمة العربية وتتنابذ الأمة العربية وتتفتت القومية العربية التى رفع لواءها دائماً آباؤكم وأجدادكم فى الماضى، والتى كانت دائماً هى سبيل انتصارنا فى الماضى على كل الأعداء الذين وطأوا أرض بلادنا فى كل وطن عربى. وكان الاستعمار - أيها الإخوة المواطنون - يجد أنه ينتصر فى سياسته، وكان الاستعمار - أيها الإخوة المواطنون - يرى أنه ينجح فى تفريق الأمة العربية.

    وكان هذا - أيها الإخوة المواطنون - فى الماضى هو السبيل الذى مكن الصهيونية من أن تنفذ بين أراضينا، وأن تقيم بين أرجاء القومية العربية وفى قطعة عزيزة من القومية العربية قومية غريبة علينا.. قومية صهيونية. وكان الاستعمار والصهيونية فى الماضى يعتقدون أنهم سينجحون فى سياستهم المعتمدة على تفتيت الأمة العربية وتفتيت القومية العربية؛ وبهذا تتساقط القومية العربية ثم تتساقط البلاد العربية بلداً بعد بلد، ووطناً بعد وطن، ثم تتسع الصهيونية لتنتشر من النيل إلى الفرات، وتحل محل القومية العربية فى هذه المنطقة العربية قومية صهيونية ليست إلا عميلة للاستعمار ورأس جسر للاستعمار.

    وكانت معركة فلسطين - أيها الإخوة المواطنون - فى سنة ٤٨ نجاح للاستعمار وأعوان الاستعمار، ثم نجاح للصهيونية ومؤامرات الصهيونية؛ لأن الاستعمار وأعوان الاستعمار استطاعوا أن يفتتوا القومية العربية، واستطاعوا أن يفرقوا القومية العربية وأن يفرقوا الدول العربية، واستطاعوا أن يقضوا على التضامن العربى والوحدة العربية، واستطاعوا بهذا أن يمكنوا لخططهم بين أرجائنا. ولكن القومية العربية انتصرت أيضاً؛ لأن معركة فلسطين سنة ٤٨ كانت الشرارة التى أشعلت النار فى القلوب، وكانت النذير الذى ارتفع فى كل بلد عربى أن لابد من أن نتحد، ولابد من أن نتضامن لندافع عن نفسنا وندافع عن كياننا، بل لنحافظ على بلادنا ونحافظ على قوميتنا.

    وبعد سنة ٤٨ حاول الاستعمار وحاول أعوان الاستعمار أن يستغلوا المأساة التى حلت بنا فى حرب فلسطين ليبثوا فى قلوبنا ونفوسنا روح الضعف وروح الهزيمة، ولكن القومية العربية النابضة الرابضة فى كل قومى عربى كانت شعلة اشتعلت بحرب فلسطين وبمأساة فلسطين. ولو أنهم انتصروا فى سنة ٤٨ على شعب فلسطين وحولوا شعب فلسطين إلى لاجئين، ولكن القومية العربية قد انتصرت أيضاً فى جميع أرجاء الأمة العربية؛ لأن كل عربى فى كل بلد عربى كان يشعر فى قرارة نفسه أن لابد له من أن يتحد مع أخيه العربى، ولابد له من أن يتضامن مع أخيه العربى؛ حتى يحافظ على أمة العرب من الزوال، وحتى يحافظ على القومية العربية من التفتت والضياع، وحتى يحافظ على أبنائه وعلى نفسه وعلى وطنه. وكانت مأساة فلسطين نصراً جزئياً لأعداء القومية العربية من الاستعماريين وأعوانهم ومن الصهيونيين، وكانت فى نفس الوقت نصراً كبيراً للعرب لأنها أشعلت القومية العربية التى كانوا يعملون دائماً على أن تخبو وعلى أن تنتهى، وكانت مأساة فلسطين هى الشعلة التى أثارت الضمير العربى فى كل بلد عربى.

    وحينما قامت الثورة هنا فى مصر فى سنة ٥٢ كنا نعلم ألاعيب الاستعمار وأساليب الاستعمار، ونوايا الاستعمار وخطط الاستعمار من أجل تفتيت الأمة العربية، ومن أجل إثارة الحقد والبغضاء بين أرجاء الأمة العربية، ومن أجل استخدام البلد العربى ضد البلد العربى، وأعلناها عالية صريحة أننا جزء من الأمة العربية، وأننا نؤمن بالقومية العربية.

    وكان هذا - أيها الإخوة المواطنون - بداية لمعركة كبرى.. معركة طويلة مريرة تعرضنا لها هنا فى مصر، وتعرض لها إخوتكم فى سوريا لأنهم رددوا نفس الكلام، رددوه لأنهم كانوا دائماً يرفعوه شعاراً لهم؛ فإخوتكم فى سوريا كانوا دائماً طليعة للقومية العربية، وكانوا دائماً حماة القومية العربية.

    وبهذا - أيها الإخوة المواطنون - بدأت معركة ضد القومية العربية وضدنا فى مصر، وضد إخواننا فى سوريا، بل ضد كل عربى فى أى بلد عربى رفع راية القومية العربية وأعلن أنه يؤمن بالقومية العربية. وبدأت المؤامرات ضد القومية العربية تعاون فيها الاستعمار والصهيونية، وتعاون فيها أعوان الاستعمار، وتعاونت فيها الرجعية المستغلة الدخيلة؛ لأنها كانت تعتقد أن الاستعمار هو الذى يحمى مصالحها ويحمى مكاسبها.

    وحينما قامت معركتكم هنا فى بورسعيد هبت الأمة العربية جمعاء ووقفت فى جانبكم، هبت لتحمل السلاح، بل هب إخوة لكم فى العراق فى أيام نورى السعيد - ورغم اضطهاد نورى السعيد - هبوا ضد نورى السعيد الذى كان عميل الاستعمار الأول فى هذه المنطقة ضد القومية العربية. لقد كان نورى السعيد فى العراق فى هذه الأيام ينظر إلى بلدكم وهو يتمنى لكم الزوال لأنه كان يؤمن أن زوالكم هو زوال للقومية العربية، وإنه نسى - أيها الإخوة المواطنون - أن القومية العربية لا يمكن أن تكون هنا فقط فى بورسعيد أو فى مصر فقط أو فى سوريا فقط، فإن القومية العربية كانت تشتعل فى جميع أرجاء الأمة العربية؛ كانت تشتعل فى بغداد، وكانت تشتعل أيضاً فى جميع أرجاء العراق. كان نورى السعيد - أيها الإخوة المواطنون - الذى كرس نفسه ليكون عميلاً للاستعمار ويكون مساعداً مسانداً للصهيونية، وكان نورى السعيد - عميل الاستعمار - يعمل ضد الجمهورية العربية المتحدة، وضد مصر وضد سوريا، وكان دائماً يوجه الحملات..

    الحملات التى يردد فيها كلام أسياده من المستعمرين والصهيونيين، وكان نورى السعيد يعتقد أنه بهذا يؤدى خدمة كبرى لأسياده المستعمرين ولأسياده الصهيونيين، وكان يحاول دائماً أن يضلل الأمة العربية، فهل ضللت الأمة العربية؟ أو هل انخدعت الأمة العربية؟

    إن ما حدث بعد هذا إنما يثبت أن الأمة العربية التى قاست وتعلمت لا يمكن أن تخدع ولا يمكن أن تضلل مهما كانت الأساليب. لقد حاول نورى السعيد دائماً وهو يذيع فى راديو بغداد فى الماضى أن يهادن الصهيونية ويهادن إسرائيل، ويعلن أنه يريد أن يخلص فلسطين من أيدى الصهيونية، ولكن هل صدق فرد من العرب نورى السعيد؟ إن العرب جميعاً فى جميع أرجاء الأمة العربية كانوا يعلمون وكانوا يعرفون أن هذه تجارة بالشعارات لا لصالح الأمة العربية بل لصالح الاستعمار، وأن هذه تجارة بالشعارات لا للمبادئ ولا من أجل المثل العليا وإنما من أجل الأنانية الفردية، ومن أجل الاستغلال، وإن الأمة العربية تشعر أن هذه الشعارات إنما هى كلمات يراد بها أن تقيد الأمة العربية فى السلاسل، وتقدم هدية للاستعمار وهدية لأعداء الأمة العربية.

    حاول نورى السعيد - أيها الإخوة المواطنون - فى الماضى بإذاعاته وأساليبه وأمواله أن يضلل الأمة العربية، ولكن الأمة العربية لم تضلل. وحاول أعوان الاستعمار فى باقى أنحاء الأمة العربية أن يضللوا الأمة العربية، فهل ضللت الأمة العربية؟ لم تضلل الأمة العربية، بل حاول الاستعمار بكل وسيلة من الوسائل وبكل طريقة من الطرق - بالمال وبالإذاعات وبالحرب النفسية وبالحرب الاقتصادية - أن يضلل هذه الأمة العربية ويخضعها، فهل ضلل الأمة العربية؟ وهل أخضع الأمة العربية؟

    إن الشعب العربى كان على بينة من أمره وكان على يقين من نفسه، وكان يشعر أن لابد من الوعى والتضامن، وأن لابد من الدفاع عن القومية العربية التى اشتعلت حينما حلت مأساة فلسطين. وكان الشعب العربى الذى سلطت عليه الإذاعات العلنية والإذاعات السرية - الإذاعات التسع التى نعلمها جميعاً - ينظر إليها باستهزاء؛ لأنه كان يعلم أن هذه الإذاعات وأن هذه الشعارات ليست إلا العمل الذى يقدم للأمة العربية حتى يقضى على قوميتها ثم يفتت وجودها.

    وكانت الأمة العربية تستمع إلى هذا كله، ولم يكن لهذا من نتيجة إلا زيادة النار اشتعالاً وإلا زيادة الإيمان تصميماً، وإلا زيادة القلوب عزيمة على التحرر.. التحرر من الاستعمار والتحرر من أعوان الاستعمار والتحرر من العملاء. وحينما فطن الاستعمار وفطن أعوان الاستعمار أن هذه الأساليب لن تؤثر فى الأمة العربية بأى حال من الأحوال، وإنما تزيدها تصميماً وتزيدها إيماناً وتزيدها قوة على قوة، بدأ التفكير فى المعركة المسلحة؛ وكانت معركة بورسعيد.. كانت معركتكم - أيها الإخوة - هى المعركة التى أقسم عليها الاستعمار وأعوانه وأعداء القومية العربية حينما يئسوا من إمكانهم أن يقضوا على قوميتكم أو يقضوا على إيمانكم بمبادئكم.. مبادئكم فى الوحدة العربية والتضامن العربى ومبادئكم فى القومية العربية بكل الوسائل الأخرى. لقد استخدم الاستعمار المال، وكلنا نعلم أنه دفع الأموال الطائلة حتى يقضى على الفكرة التى اعتنقها العرب الأحرار فى كل مكان؛ فكرة القومية العربية. ولقد حاولوا بالترغيب أن يثنونا عن المبادئ التى آمنا بها وتمنيناها.. حاولوا بكل وسيلة من الوسائل أن يجعلونا ننزل عن فكره القومية العربية بالوعود، ولكنا رفضنا هذه الوعود؛ لأننا جزء من الأمة العربية، ولأن وجودنا مرتبط بوجود الأمة العربية، ولأن كياننا هو جزء من كيان الأمة العربية، وإذا زالت القومية العربية فى باقى أنحاء الأمة العربية، فلن تبقى للقومية العربية أى أثر فى بلدنا.

    رفضنا هذا الإغراء ثم رفضنا التهديد ثم رفضنا وسائل الدعاية، نظرنا إليها بسخرية وبإيمان وتصميم؛ وكانت نتيجة هذا الصمود ونتيجة هذا الوعى المعركة المسلحة التى وجهت ضدنا. ولم تكن المعركة المسلحة - أيها الإخوة المواطنون - مصممة لكى توجه ضدنا هنا فى مصر فقط، ولكنها كانت مصممة على أن توجه إلى إخوتكم فى سوريا؛ لأن سوريا كانت أشد تصميماً وعزماً على تثبيت القومية العربية وعلى رفع راية القومية العربية.

    وكان هذا - أيها الإخوة - هو السبب الرئيسى الذى دفعنا لأن نطلب من الجيش السورى حينما بدأ العدوان على مصر ألا يتدخل فى المعركة؛ لأنه كان من الواضح أن الاستعمار وأعوان الاستعمار يبيتون أمراً لنا فى مصر، ويبيتون أمراً لنا فى سوريا، ولم يكن هدفهم فرداً أو أفراد، ولم يكن هدفهم إلا القضاء على فكرة القومية العربية. وكانوا يشعرون أن لابد لهم من أن يقضوا على المثل وعلى المبادئ هنا فى مصر، وأن يقضوا على المثل وعلى المبادئ فى سوريا؛ حتى يستطيعوا أن يطمئنوا إلى أن القومية العربية قد تفتت، وأن أعوانهم من العملاء سيعملون معهم على أن يحققوا هذا الهدف.

    بهذا - أيها الإخوة - طالبنا القوات السورية حينما صممت على أن تشترك مع القوات المصرية من أول أيام المعركة ألا تشترك فى المعركة؛ حتى تكون على استعداد لتدافع عن وطنها، بل لتدافع عن القومية العربية فى قلبها.

    إننا - أيها الإخوة المواطنون - كنا نعلم أن الهدف الذى يحاول الاستعمار تحقيقه هو القضاء على القومية العربية، ولم يكن باستطاعتهم أن يحققوا هذا الهدف إلا إذا أخضعوا مصر وأخضعوا سوريا. وكانت النتيجة - أيها الإخوة المواطنون - كانت النتيجة معركتكم فى بورسعيد.. معركتكم التى زادت انتصار القومية العربية انتصاراً؛ لأن انتصاركم فى بورسعيد كان انتصاراً للمبادئ والمثل العليا، وكان أيضاً - أيها الإخوة - انتصاراً للقومية العربية فى مصر وفى سوريا وفى كل بلد فى جميع أرجاء الأمة العربية، بل كان أيضاً - كما قلت لكم - انتصار للمبادئ والمثل العليا، بل كان أيضاً انتصار لجميع الدول الصغرى، بل كان أيضاً تقريراً لحقيقة واقعة ولمبدأ جديد.. أن الدول الكبرى مهما كانت أسلحتها ومهما كانت قوتها لن تستطيع فى حرب عدوانية أن تحقق إرادتها.

    لقد خرجتم هنا فى بورسعيد - الشعب والجيش يداً واحدة - الرجال والشباب والأطفال والنساء والشيوخ يدافعون عن مبادئهم ويدافعون عن إرادتهم ويدافعون عن كرامتهم، وكان سلاحكم - أيها الإخوة المواطنون - فى هذا الإيمان والتضحية، وقدمتم - أيها الإخوة المواطنون - فى سبيل ذلك الآلاف من الضحايا والآلاف من الشهداء؛ قدم إخوتكم فى القوات المسلحة الآلاف من الضحايا والآلاف من الشهداء، وقدمتم هنا فى بورسعيد من المدنيين المئات من الضحايا.. من الأطفال الذين كانوا ضحية العدوان الغاشم. ولكن اخوتكم فى سوريا هبوا أيضاً ليحموا نفس المبادئ ويحموا نفس الأهداف، وأعلنوها أنهم يتضامنوا مع إخوتهم فى مصر، ونسفوا أنابيب البترول، وقالوا: إن الحرب فى مصر هى حرب على سوريا، وإن العدوان فى مصر هو عدوان على سوريا.

    وقام - أيها الإخوة - أيضاً إخوتكم فى العراق ليجابهوا بصدورهم العزلاء رصاص نورى السعيد، واستشهدوا ليثبتوا للعالم أجمع أن للقومية العربية من يؤمن بها فى بغداد، ومن يضحى بروحه ودمائه فى سبيلها وفى سبيل عزتها وفى سبيل رفعة شأنها.

    أيها الإخوة المواطنون:

    لقد هب إخوتكم فى كل بلد عربى؛ فى الأردن وفى السعودية والسودان وفى شمال إفريقيا، وفى لبنان.. فى كل بلد عربى وهم يحملون علم القومية العربية، وهم يشعرون أن معركتهم هى معركتكم، وأن المصير واحد.. المصير واحد لأن الأمة العربية ترتبط بجميع أجزائها. وفى هذا الوقت الذى كانت تتساقط فيه الضحايا، والتى كانت تسفك فيه الدماء، خرج أعوان الاستعمار فى أرجاء الأمة العربية يهللون لأسيادهم.. أسيادهم المستعمرين الذين كانوا يعتدون علينا بأساطيلهم.. يهللون لأسيادهم المستعمرين الذين كانوا يهاجمونا بأساطيلهم وطائراتهم، وكانوا يعتقدون أنها ساعات قليلة وتكفن القومية العربية وتوضع فى التراب، وكانت الشماتة تتجلى على عيونهم وعلى وجوههم، ولم يكونوا بأى حال من الأحوال - بنفوسهم الضعيفة وقلوبهم المريضة - يقدرون أن هذا الشعب العربى الأعزل سيهزم الدول الكبرى ويحولها إلى دول من الدرجة الثانية بعد أن كانت دولاً من الدرجة الأولى.

    كان أعوان الاستعمار فى جميع أرجاء الامة العربية ينتظروا انتصار الاستعمار حتى يأخذوا نصيبهم من الغنيمة، وحتى يحكموا ويتحكموا، وحتى يقدموا الأمة العربية للاستعمار لقمة سائغة، وحتى تحقق الصهيونية بين أرجاء الأمة العربية الآمال التى أعلنتها.

    ولكن إيمان القومية العربية انتصر على الاستعمار وانتصر على أعوان الاستعمار، لم تهزم القومية العربية ولم تقتل القومية العربية ولم تكفن القومية العربية ولم توضع فى التراب، بل خرجت القومية العربية من بورسعيد أشد عزماً وإيماناً وأشد قوة وتصميماً. خرجت - أيها الإخوة - القومية العربية من بورسعيد وهى جريحة، ولكن جرحها كان الدافع لأن تسير فى طريقها. خرجت القومية العربية - أيها الإخوة المواطنون - من بورسعيد فى كل بلد عربى والشعب العربى مصمم على أن يثبت هذه القومية العربية؛ وكانت النتيجة - أيها الإخوة - لهذا الكفاح المشترك.. الجمهورية العربية المتحدة.

    اتحدت إرادتكم، واتحدت إرادة إخوتكم فى سوريا، وكان المصير واحد والوجود واحد والكيان واحد والمستقبل واحد.. وكان المصير - أيها الإخوة - واحد، فكان لابد لنا أن نتحد حتى نقابل هذا المصير يداً واحدة وقلباً واحداً، واتحدنا وقامت الجمهورية العربية المتحدة بين أرجاء هذه الأمة لتمثل قوة عظمى تحمى التضامن العربى، وترفع راية الوحدة العربية، وتصمم على أن تسير فى طريقها لتكمل معركتها من أجل تثبيت الحرية والاستقلال التى حصلنا عليها بالدماء.

    وكان قيام الجمهورية العربية المتحدة ضربة كبرى للاستعمار وأعوان الاستعمار، وكان ضربة كبرى للاستعمار وأعوان الاستعمار وللصهيونية وآمال الصهيونية. وكان الاستعمار وأعوان الاستعمار يعتقدون فى قرارة نفوسهم أن لابد من تفتيت الأمة العربية حتى توضع هذه المنطقة داخل مناطق النفوذ، وكانوا يشعرون أن انتصار القومية العربية إنما يعنى نهاية النفوذ الأجنبى وبداية الاستقلال، بداية دولة كبرى فى هذه المنطقة من العالم تعيد أيام الأمجاد الأولى؛ تعيد أيام صلاح الدين أيام كانت القومية العربية تجمع العرب فى كل مكان، وأيام كانت القومية العربية تتصدى للمعتدين وتتصدى للغزاة وتنتصر على المعتدين، وأيام وقفت القومية العربية لتواجه جيوش أوروبا التى تحالفت لإفنائها، والتى تحالفت لتضعها فى التراب، فانتصرت القومية العربية وانهزمت جيوش أوروبا التى تحالفت من أجل نهايتها.

    وكانت الصهيونية - أيها الإخوة المواطنون - تعتقد أن القومية العربية ستستطيع أن تكرر ما حدث فى الماضى مع الصليبيين؛ لأن الصليبيين حينما تمكنوا فى بلادنا - وهم يستعمروها ويتحكموا فيها - كانوا يعتقدون أنهم سيجدون الفرصة لاحتلالها إلى الأبد، ولكن نار القومية العربية اشتعلت، وبعد ثمانين سنة استطاع العرب أن يحرروا بلادهم وأن يقضوا على الاحتلال الصليبى، وأن يعيدوا أمة العرب للعرب وأن يتخلصوا من الاستعمار الصليبى.

    وبهذا - أيها الإخوة - كانت الصهيونية تأخذ من تاريخنا فى الماضى عظة وعبرة، وإذا كنا فى الماضى استطعنا أن نصبر ثمانين عاماً لنقضى على الاستعمار الدخيل، فإننا اليوم ونحن نتجه إلى التصنيع والقوة ثم نتجه إلى تدعيم قوميتنا، إن هذا سيمكننا من أن نخلص قوميتنا من أى قومية دخيلة عليها، وسيمكننا من أن نعيد حقوق شعب فلسطين المهضومة لشعب فلسطين.

    وبهذا - أيها الإخوة المواطنون - تحالفت الصهيونية والاستعمار والرجعية مرة أخرى ضد القومية العربية، وكانوا يعتقدون أن هذه المعركة معركة فاصلة فى تاريخ الاستعمار وفى تاريخ الصهيونية وفى تاريخ القومية العربية. وبعد أن أعلنت الجمهورية العربية المتحدة، بدأت مناورات الاستعمار وبدأت مناورات إسرائيل لمجابهة هذا الحدث الضخم الذى كان يمثل أول تحقيق لإرادة شعبنا العربى فى هذه المنطقة من العالم؛ لأنهم كانوا فى الماضى يخططون الحدود، وكانوا فى الماضى يخططون السلطات، وكانوا فى الماضى يعينون الأمراء، ولكن الجمهورية العربية المتحدة لم تكن نتيجة لمشيئتهم ولا لإرادتهم، ولكنها كانت نتيجة لمشيئة الشعب العربى ولإرادة الشعب العربى، وانهم يعتقدون أن هذه هى بداية التمرد العربى على النفوذ الاستعمارى، وبداية التمرد العربى على أعوان الاستعمار.

    تكتل أعوان الاستعمار مع الاستعمار لمجابهة الجمهورية العربية المتحدة، وكان أول عمل قاموا به هو اتحاد بين العراق والأردن، وقام الاتحاد العربى، وأعلنوها صريحة عالية: أن الاتحاد العربى إنما قام ليتصدى للجمهورية العربية المتحدة وليتصدى لفكرة القومية العربية التى آمنتم بها والتى أعلنتموها. وكانت - أيها الإخوة المواطنون - هناك فروق كبيرة بين هذا البناء الذى قام على الدماء والتضحية فى وطننا والذى قام على إرادة شعب مؤمن.. مؤمن برسالته ومؤمن بإرادته، وفرق بين هذا الاتحاد المزعوم..

    الاتحاد الذى أقامه الاستعمار ليواجه به قومية عربية أصيلة نبضت من الشعب. ولهذا فإن جمهوريتكم استطاعت أن تدافع عن نفسها لترفع راية القومية العربية، أما الاتحاد العربى الذى أقامه الاستعمار وأعوان الاستعمار تحت زعامة نورى السعيد، فلم يكن إلا قشاً هشاً لا يمكن له أن يعيش؛ لأن الشعب العربى فى الأردن والشعب العربى فى العراق كان يؤمن أن هذا الاتحاد العربى لم يكن إلا تنفيذاً لخطة الاستعمار، ولم يكن إلا عملاً من الأعمال التى تخطط ضد القومية العربية. وكان الشعب العربى فى الأردن والشعب العربى فى العراق يشعر أن لابد من التضامن بين جميع البلاد العربية من أجل حماية القومية العربية، بدلاً من أن يقام اتحاد عربى مفتعل ليواجه الاتحاد الذى قام بإرادة الشعب؛ حتى يضعف من القومية العربية، وحتى تبقى هذه المنطقة من العالم داخل مناطق النفوذ الأجنبى.

    قامت الجمهورية العربية المتحدة وكانت هذه الجمهورية هى تعبير عن القومية العربية التى آمنا بها، وأعلنا أننا فى تبنينا لرفعة شأن القومية العربية نسعى إلى الاتحاد أو الوحدة أو التضامن مع جميع البلاد العربية على أساس من الاستقلال، وعلى أساس من الخلاص من مناطق النفوذ، ولكنا كنا نشعر فى قرارة نفوسنا أن الاستعمار لم ييأس أبداً بأى حال من الأحوال، وأنه سيحاول أن يركز كل قواه على هذه الجمهورية حتى يفتتها، وبهذا يوسد القومية العربية التراب ويقضى عليها.

    وكنا نشعر - أيها الإخوة - أن كل من يريد أن يضع هذه المنطقة داخل مناطق النفوذ سيعمل بكل وسيلة من الوسائل على محاربة فكرة القومية العربية المتحدة، وكل أعداء القومية العربية سيحاربون فكرة الجمهورية العربية المتحدة، وكنا نشعر أن الوحدة وما بعد الوحدة سيجعلنا نتكتل لنجابه المعارك.

    وبدأت المعارك بعد الوحدة.. بدأت معارك مريرة، بدأت معارك طويلة، بدأت معارك مركزة، وهدف المعارك التى بدأت بعد الوحدة هو نفس الهدف للمعارك التى واجهناها قبل الوحدة؛ القضاء على القومية العربية. وكان الاستعمار وأعوانه أساس لهذه المعارك، والصهيونية أساس لهذه المعارك، ثم ظهر عنصر جديد فى هذه المعارك فى داخل وطننا - بجانب أعوان الاستعمار - ظهر الشيوعيون العملاء الذى لم يؤمنوا قط بالقومية العربية، والذين كانوا يعملون دائماً على أن تتحلل فكرة القومية العربية وتحل محلها فكرة الشعوبية. ظهر الشيوعيون وكشفوا عن وجوههم فى بلادنا، وأعلنت لكم - أيها الإخوة المواطنون - من هذا المكان فى العام الماضى كيف تآمر الحزب الشيوعى فى سوريا ضد الوحدة وضد الجمهورية العربية المتحدة، وكيف تآمر الشيوعيون ضد الجمهورية العربية المتحدة، ثم أعلنت بعد هذا كيف تآمر الحزب الشيوعى فى العراق ضد الوحدة وضد الجمهورية العربية المتحدة، ثم كيف أعلنت الأحزاب الشيوعية فى البلاد العربية حرباً مسعورة ضد القومية العربية وضد فكرة القومية العربية؛ فزيفوا الشعارات وزيفوا المبادئ التى كنا نؤمن بها.

    وأعلن الشيوعيون فى جميع أرجاء الأمة العربية بعد الوحدة؛ أعلنوا الحرب على القومية العربية وعلى الوحدة العربية وعلى الجمهورية العربية المتحدة، وكانوا يعتقدون انهم سينجحون فيما فشل فيه الاستعمار وأعوان الاستعمار، وكانوا يشعرون أنهم سيتمكنون من أن يخدعوا الأمة العربية بالشعارات الزائفة وبالتضليل، فخرجوا بشعارات زائفة ليضللوا الأمة العربية ويضللوا الشعب العربى. ولكن الشعب العربى الذى جابه الاستعمار وأعوان الاستعمار، والذى قاتل فى بورسعيد وبذل الشهداء وبذل الدماء، وقاتل فى الجزائر، وقاتل فى لبنان، وقاتل فى كل مكان ليحافظ على استقلاله، لم يخدع بأكاذيب الشيوعيين ولا بأضاليل الشيوعيين، ولكنه كشفهم، ثم عزلهم ورفع راية القومية العربية منتصرة عالية بين أرجاء الوطن العربى.

    أيها الإخوة المواطنون:

    لم نضلل فى الماضى بالاستعمار ولا بأعوان الاستعمار، ولم نضلل طوال العام الماضى بالشيوعيين العملاء ولا بشعارات الشيوعيين العملاء. وإننا حينما ننظر اليوم إلى الدرك الذى هوى فيه الشيوعيون فى وطننا، هؤلاء الشيوعيون الذين تنكروا لوطنهم وقوميتهم، وتنكروا لبلدهم وعروبتهم، هؤلاء العملاء كشفهم الشعب العربى فى كل بلد عربى ونبذهم الشعب العربى فى كل بلد عربى؛ لأننا لا نفرق بين الشيوعى العميل وبين أعوان الاستعمار.

    إننا نريد بلادنا خالصة لنا، وإننا لا يمكن بأى حال من الأحوال أن نسلم قيودنا.. نسلم قيودنا لأعوان الاستعمار ولا للشيوعيين العملاء، إننا نريدها خالصة لنا ولابنائنا، إننا نريدها خالصة حرة، إننا نريدها تخرج من إرادتنا ومن ضميرنا وقلوبنا، ولن نقبل بأى حال من الأحوال - أيها الإخوة المواطنون - أن يضللنا العملاء.. الشيوعيون العملاء أو يخدعنا أعوان الاستعمار.

    إن الشعب العربى الذى حارب فى الماضى وقاسى فى الماضى.. الشعب العربى الذى استشهد فى الماضى والذى قدم أبناءه ودماءه وأرواحه لا يمكن أن يخدع أبداً؛ لأنه من تجاربه الطويلة كشف أعوان الاستعمار وكشف الشيوعيين العملاء، بتجاربه الطويلة يعلم من الذى يعمل من أجله ومن أجل حريته ومن أجل رفعة شأن إرادته ومن أجل مستقبله، ومن الذى يعمل من أجل إخضاعه ومن أجل إذلاله ومن أجل سحله فى الشوارع والطرقات.

    إننا - أيها الإخوة المواطنون - بعد هذه المعارك الطويلة لن نمكن أعوان الاستعمار أو الشيوعيين العملاء منا، ولن نخدع بشعارات الشيوعيين العملاء كما لم نخدع بشعارات أعوان الاستعمار فى الماضى.
    بعد أن قامت الوحدة تكاتف أعوان الاستعمار مع الشيوعيين العملاء ضد القومية العربية، وكان كل منهم يجد له مصلحة فى القضاء على القومية العربية وتفتيتها. ولكن الشعب العربى الذى جابه المعارك فى الماضى ضد السيطرة المستغلة الداخلية وضد السيطرة المستغلة الخارجية آلى على نفسه أن يقضى على أعوان الاستعمار وعلى الشيوعيين العملاء.

    وإننا اليوم - أيها الإخوة المواطنون فى أرجاء الأمة العربية - نجد أن الشعب العربى قد نبذهم لأنه لا يمكن أن ينقاد للعملاء.. الشعب العربى قد نبذهم لأنه كشف شعاراتهم الزائفة. وكان لنا فى العراق - أيها الإخوة المواطنون - المثل.. المثل الواضح؛ لقد ذهب الشيوعيون إلى العراق ورفعوا شعاراتهم الزائفة.. من أول يوم من أيام الثورة كانت هذه الشعارات شعارات زائفة تنادى بالديمقراطية وتنادى بالحرية، ولكنهم لم يتمكنوا من أن يستمروا فى خداع شعب العراق؛ لأن الظروف أجبرتهم على أن يفصحوا عن نواياهم، ويكشفوا عن خبيئة نفوسهم، ويكشفوا عن أنهم عملاء.

    استطاع الشيوعيون فى العراق فى أول أيام الثورة أن يصيحوا ويخدعوا أبناء العراق بالشعارات البراقة، ولكن سرعان ما كشفهم شعب العراق، وعرف فيهم العملاء الذين يريدون أن يخضعوا ويريدون أن يقضوا على أى رأى حر وأى فكر حر فيه.

    الشيوعيون بدءوا يكشفون عن وجوههم فى العراق بعد ثورة العراق بأربعة أشهر، ولم يكن فى إمكانهم إلا أن يكشفوا عن حقدهم ضد القومية العربية، وكان سبيلهم فى هذا مهاجمة الجمهورية العربية المتحدة ومهاجمة كفاح شعب الجمهورية العربية المتحدة هنا فى مصر وهناك فى سوريا، وتزييف الشعارات، ثم العمل على قيادة الشعب العربى الطيب ليخدعوه ويضللوه.

    وقد استطاعوا أن يضللوا الشعب فى العراق بعض الوقت، ولكن الشعب الواعى الذى لم يضلله نورى السعيد وأعوان نورى السعيد لم يستطع الشيوعيون أن يضللوه، ولم يستطع الشيوعيون أن يخدعوه؛ لأنه استطاع أن يكشفهم حينما وجدهم وقد كتلوا قواهم للقضاء على كل وطنى مخلص لبلده وكل وطنى مخلص لوطنه، بل كل وطنى مخلص لقوميته.

    واستطاع الشيوعيون لبعض الوقت أن يكبتوا أحقادهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكبتوها أمداً طويلاً فأعلنوها صريحة واضحة أنهم يعادون القومية العربية، وأنهم يعادون الجمهورية العربية المتحدة، وأنهم يريدونها شيوعية، وأنهم سيحاولون بكل وسيلة من الوسائل - مهما وصلت إلى حد الوضاعة والسفالة - أن يسيروا فى الطريق حتى يجعلوا لأنفسهم قاعدة وطيدة فى العراق يثبوا منها على باقى أرجاء الأمة العربية، فهل خدع شعب العراق؟ إننا - أيها الإخوة المواطنون - إذا نظرنا اليوم إلى الحال فى العراق نجد أن شعب العراق قد كشف الشيوعيين ولم يخدع بالشعارات الزائفة، وأن الشيوعيين بعد أن عزلوا فى جميع أرجاء الأمة العربية كشفوا وعزلوا أيضاً فى العراق، وإنهم اليوم يحاولون بكل وسيلة من الوسائل أن يخدعوا ويضللوا مرة أخرى.

    هذه الوسائل التى اتبعها الاستعمار فى الماضى ضدنا لم تخدع الشعب العربى، إن الذى كان يقال فى الماضى قبل معركة بورسعيد وبعد معركة بورسعيد وبعد الوحدة هو الذى يكرره الشيوعيون العملاء اليوم؛ عسى أن يجدوا فيما فشل الاستعمار فى أن يبثه بين قلوب الأمة العربية ما يمكن أن يبثوه هم بين أبناء الأمة العربية. ولكن الشيوعيين العملاء لم يستطيعوا أن يحققوا أى انتصار، وساروا - أيها الإخوة - وهم يحاولون بكل وسيلة من الوسائل أن يتحالفوا مع قاسم العراق من أجل القضاء على القومية العربية فى العراق، ومن أجل القضاء على القومية العربية فى باقى أرجاء الوطن العربى، وتآلفت الصهيونية مع الشيوعيين العملاء وأعوان الاستعمار مع الاستعمار من أجل القضاء على القومية العربية.

    وكان قاسم يجد أن القومية العربية قد تشكل خطراً على أطماعه؛ لأنها قد تصل إلى حد الوحدة أو الاتحاد. ورغم أننا حاولنا دائماً أن نشعره أننا نقبل التضامن، كما تضامنا معه حينما قامت الثورة، ولكن حقده المرير على القومية العربية تضامن مع حقد أعوان الاستعمار ومع حقد الشيوعيين العملاء ضد القومية العربية، وبدأ فى حملة مريرة ضد القومية العربية؛ استخدم فيها نفس الأساليب التى استخدمت قبل معركة بورسعيد، وقبل الوحدة، ثم بعد الوحدة. ولكن هل تنجح هذه الأساليب حينما فشلت فى الماضى؟ هل تنجح هذه الأساليب لأن الذى تبناها اليوم قاسم فى العراق أو "آثم" فى العراق وتبناها الشيوعيون العملاء؟
    إن قاسم - أيها الإخوة المواطنون - حاول فى الماضى، وأراد فى أول أيامه من حربه على القومية العربية، أن يقسم القومية العربية إلى شيع وأحزاب، وأن يحقق الهدف الذى فشل الاستعمار فى الوصول إليه.

    حاول قاسم أن يقسم العراق وأن يقسم الأمة العربية، وحينما فشل فى ذلك، وحينما وجد أنه لم يتمكن بكل وسائله وبكل قوته - وبعد أن قتل الأحرار فى العراق، وسحل الأحرار فى العراق، وشنق الأحرار فى العراق، ونفث سمومه فى العراق - وجد أنه لم يستطع أن يقسم العراق أو يقسم الأمة العربية، ويبث بينها الفتنة ويبث بينها البغضاء.. انتقل قاسم العراق وقاسم العرب ليكون آثماً فى حق العراق وفى حق العرب.
    إن قاسم العراق يخرج علينا اليوم - أيها الإخوة المواطنون - بأفكار جديدة، بل أفكار قديمة؛ أفكار فشل الاستعمار فى تحقيقها، ويعاونه فى هذا أعوان للاستعمار والشيوعيين العملاء، الذين آلوا على أنفسهم أن يهاجموا القومية العربية ويعملوا على ضربها.

    يخرج علينا كل يوم بفكرة، ويخرج علينا كل يوم باقتراح، ويخرج علينا كل يوم بحديث، وهذا - بصرف النظر عن السباب والشتائم - إنما يحاول أن يخدع القومية العربية أو يخدع الأمة العربية.
    قال قاسم فى أول ثورة العراق: إن العراق سيحرر فلسطين، وقلنا له: على الرحب والسعة، إننا نفتح حدودنا ليأتى جيش العراق لينضم إلى جيش الجمهورية العربية المتحدة ويقف معنا على الحدود. وحينما اعتدت إسرائيل علينا فى سوريا طلبنا من قاسم العراق وقاسم العرب أن يرسل جيوشه، ولكنه تجاهل هذا النداء وتجاهل هذا الطلب. وكان من الواضح أن هذا الكلام إنما هو تكرار لما كان يقوله فى الماضى نورى السعيد لخداع العرب وتضليلهم.

    ثم خرج علينا قاسم العراق مرة أخرى ليقول لنا: لماذا لا نباغت إسرائيل ونخلص فلسطين فى ٢٤ ساعة؟! وقلنا له: أهلاً وسهلاً بجيش العراق فى سوريا؛ ليعمل معنا من أجل تحقيق الأهداف العربية. ولكنه عاد وخرج لنا بفكرة قلاووظية، ليس لها من أول وليس لها من آخر؛ خرج قاسم العراق وقال: إن فلسطين قد احتلتها مصر وقد احتلتها إسرائيل، وإننا فى سنة ٤٨ حينما دخلنا فلسطين وحاربنا فى فلسطين من أجل حقوق شعب فلسطين ومن أجل حرية شعب فلسطين، إنما احتللنا فلسطين كما احتلت إسرائيل فلسطين!
    وكان بهذا - أيها الإخوة المواطنون - يحاول أن يبرر موقفه الذى أعلنه فى الماضى من أنه حينما كانت المعارك محتدمة بين جيشنا وجيش إسرائيل كان عبد الكريم قاسم يتمشى على خط القتال، وهو يقول: إن اليهود لم يجرؤوا أن يطلقوا عليه النار أو أن يجرؤوا على أن يتصدوا له! وإننى أرى إنه كان يريد منا أن نتمشى على الحدود أو نقف على الحدود؛ حتى تحتل إسرائيل كل فلسطين.

    إن هذه الأفكار القلاووظية.. هذه الأفكار يعرفها الشعب العربى فى كل بلد عربى.

    إننا نريد أن نعلم من قاسم العراق - بل الآثم فى العراق وفى حق العرب أجمعين؛ الذى أعلن أنه يريد أن يترك شعب فلسطين ليحرر فلسطين - كيف يستطيع شعب فلسطين - أيها الآثم - أن يحرر شعب فلسطين؟ كيف يستطيع شعب فلسطين الذى شرد من بلده نتيجة أعوان الاستعمار وأوامر أعوان الاستعمار؛ التى أطعتها وأنت فى كفر قاسم. لقد كان قاسم فى كفر قاسم يخضع للأوامر التى أصدرها له عبد الإله - الوصى على عرش العراق - بألا يقاتل، وأن يترك إسرائيل لتحارب جيش مصر، وخرجنا نحن بالخسائر، وكان علينا الجزء الكبير من القتال، وكان قاسم العراق فى هذا الوقت لا يتحرك؛ لأنه استلم أوامر بألا يقاتل.
    وهو اليوم - أيها الإخوة المواطنون - يريد أن يخدع الأمة العربية، بل يريد أن يقول: إن العصابات الصهيونية احتلت فلسطين، وأيضاً العصابات المصرية احتلت جزءاً من فلسطين! وهو بهذا يريد أن يدفعنا لنخرج من قطاع غزة؛ حتى يمكن إسرائيل من أن تحتل القطاع. وكلنا نعلم ما هى الأزمة التى حدثت بعد أن احتلت إسرائيل غزة فى سنة ٥٦؟ وكانت تعمل بكل وسيلة من الوسائل على ألا يعود الجيش المصرى إلى غزة. ودخلنا غزة رغم إرادتهم، وكانت أزمة كبرى فى هذا الوقت؛ لأنهم كانوا يريدون أن تبقى غزة فى هذا الوقت ضعيفة بدون حماية، وتبقى غزة حتى تستطيع إسرائيل أن تتسع وتضمها إلى أرجائها.
    هذه هى الشعارات الزائفة والأفكار "العاقلة" التى أعلنها "آثم العراق" اليوم، بعد أن كان قاسم العراق وقاسم العرب فى الماضى. إنه اليوم قاسم للعراق وقاسم للعرب، وأيضاً آثم فى حق العرب أجمعين بهذه الأفكار التى يريد بها أن يخدع الأمة العربية، ويدافع عن جريمته النكراء.

    خرج علينا قاسم العراق بفكرة الهلال الخصيب.. أيضاً فكرة قلاووظية قديمة جديدة؛ ليست من أفكار قاسم العراق، ولكنها فكرة كانت فى الماضى من وحى الاستعمار، وهى أيضاً من وحى الاستعمار. وإننا - أيها الإخوة المواطنون - حينما ننظر لهذه الحملة المسعورة التى تنبعث من بغداد ضد القومية العربية، يتكاتف فيها قاسم العراق مع الشيوعيين العملاء مع أعوان الاستعمار ضد القومية العربية، إنما نتذكر معاركنا فى الماضى ضد الصهيونية وضد أعوان الاستعمار والاستعمار، ونتذكر معاركنا ضد الغزو وضد الأساطيل، ونتذكر انتصاراتنا فى الماضى ونقول: إننا سننتصر أيضاً - بعون الله - كما انتصرنا فى الماضى؛ لأننا نؤمن بالمبادئ، ونؤمن بالمثل العليا، ونؤمن أن علينا رسالة لابد أن نؤديها.

    أيها الإخوة المواطنون:

    إن معركتكم فى بورسعيد كانت المثل الكبير؛ لقد ضحت بورسعيد من أجل القومية العربية بأبنائها، وضحت بشهدائها، وذاقت الجحيم من الغارات ومن الطائرات ومن الأساطيل. ولكن هذا كله لم يجعل بورسعيد ولا أبناء بورسعيد يتنكرون لقوميتهم ولا لعروبتهم ولا لمبادئهم، ولكنهم خرجوا أشد تصميماً وعزماً وإيماناً.

    واليوم - أيها الإخوة المواطنون - نجد إخوة لنا فى العراق يقابلون التهديد والاضطهاد من الشيوعيين العملاء ومن قاسم العراق، يقابلون السحل والقتل والتعذيب، يقابلون كل ما يمكن أن يتصوره بشر من هذه الأساليب، ولكنا نؤمن أنهم - بعون الله - سيخرجون من هذه المحنة أشد عزماً وإيماناً على انتصار القومية العربية ورفع رايتها كما رفعت هنا فى بورسعيد.

    أيها الإخوة المواطنون:

    إن هذه المعارك من حولنا، وإن هذه المعارك التى تعودنا عليها ضدنا، وضد بلدنا، وضد حريتنا، وضد قوميتنا، لن يمكن بأى حال من الأحوال أن تلهينا عن هدف كبير لنا؛ هذا الهدف هو بناء وطننا. وأنا قلت لكم: إننا نريد أن نرد بعض الوفاء للشهداء الذين فقدوا أرواحهم فى هذا البلد من أجل حرية بلدهم، ومن أجل تثبيت استقلال وطنهم. وإن سبيلنا - أيها الإخوة الموطنون - لرد هذا الجميل منهم ولرد هذه التضحية إليهم، وسبيلنا فى التعبير عن العرفان لهم وعن التقدير لهم هو أن نبنى بلدنا، وأن نضحى بجزء كبير من وقتنا، وأن نضحى بعرقنا كما ضحوا هم بدمائهم فى سبيل بناء بلدنا وفى سبيل بناء وطننا.

    إن هذا - أيها الإخوة - هو سبيلنا. إن المعارك التى من حولنا لن تلهينا بأى حال من الأحوال عن أن نبنى بلدنا بناءاً مستمراً راسخاً متيناً قوياً، وإننا نسير الآن فى هذا الطريق بكل عزم وبكل تصميم وبكل إيمان.
    ولقد قلت لكم - أيها الإخوة المواطنون - من هذا المكان فى العام الماضى: إننى كلفت البغدادى بعمل خطة لتنمية الدخل القومى وعمل مشروع للسنوات الخمس، واليوم - أيها الإخوة المواطنون - إننا نضع هذه الخطة موضع التنفيذ.. نضعها موضع الدراسة لنضاعف الدخل القومى فى وطننا وفى بلدنا فى عشر سنوات.

    هذا هو واجب وكفاح على نفوسنا، وإن هذا - أيها الإخوة المواطنون - هو الواجب الكبير الذى به نستطيع أن ندعم هذا الاستقلال وندعم هذه الحرية، وسنتمكن - بعون الله وبإذن الله - أن نضاعف الدخل القومى فى عشر سنين، ثم بعد هذا نضاعفه مرة أخرى فى ٥ سنوات.

    ولقد كان - أيها الإخوة المواطنون - من الممكن أن يخرج منا من يقول: لماذا فرض علينا - نحن فى هذا الجيل - أن نقوم بهذه الأعباء.. أعباء الاستقلال، وأعباء تثبيت الاستقلال، وأعباء تأميم القنال، وأعباء الدفاع عن القنال، وأعباء رفع راية القومية العربية، والدفاع عن راية القومية العربية وفكرتها؟ ثم أيضاً علينا أن نقوم بأعباء البناء، وأعباء مضاعفة الدخل فى عشر سنوات؟ وممكن أن يخرج منا من يقول: لماذا يتحمل هذا الجيل وحده هذه الأعباء الجسام؟

    لكنى - أيها الإخوة - أقول لكم: إن يقينى - الذى تؤيدونه يوماً بعد يوم - هو أن هذا الشعب.. الشعب الذى آمن بحقه فى الحرية والحياة، يقبل على تجربته الكبرى من أجل البناء برضا المؤمن المصمم..

    برضا المؤمن على أن يعوض الفرص التى أراد آباؤنا وأجدادنا أن يحققوها ولكنهم حرموا منها، برضا المؤمن بمسئولياته وبتبعات هذه المسئوليات، برضا الذى يريد أن يبين عرفانه بجميل من ضحوا فى سبيل الاستقلال وتعزيز الاستقلال.

    وإنه - أيها الإخوة المواطنون - لمن دواعى الفخر أن النصر الذى ينتظرنا فى نهاية هذه المرحلة من كفاحنا لإعادة بناء مجتمعنا لن يقتصر أبداً أثره علينا فى داخل جمهوريتنا؛ بل سيمتد إلى خارج حدود جمهوريتنا؛ سيكون هذا النصر - أيها الإخوة المواطنون - حافزاً لمنطقتنا العربية كلها بأسرها.. هذه المنطقة التى تحيط بنا لتبنى وتعمر ولتطور نفسها، سيكون هذا - أيها الإخوة المواطنون - حافزاً على أن نرى التقدم يسير فى بلدنا ويسير فى المنطقة العربية من حولنا.

    ولقد كان - أيها الإخوة المواطنون - نصرنا فى سنة ٥٦ حافزاً لمنطقة بأسرها، ولشعوب إفريقيا وآسيا كلها؛ كذلك - أيها الإخوة المواطنون - سيكون النصر الجديد الذى سنحققه فى البناء والتعمير.. سيكون حافزاً كبيراً، بل ستكون له قيمة عظمى ستؤثر فينا وستؤثر فى المنطقة التى تحيط بنا.

    إننا - أيها الإخوة المواطنون - بالتجربة.. وإننا حينما آلينا على أنفسنا أن نتحمل المسئولية، إننا نقدم الدليل على أصالة القومية العربية وعلى قدرتها على البناء، على أن القومية العربية التى تمثل اتحاد العرب من أجل حريتهم واستقلالهم، ثم من أجل تصويرهم؛ إننا بهذا نثبت أن هذه القومية العربية، إنما هى فكرة أصيلة بناءة، إنها فكرة تتقدم وتتطور، إنها تمثل الثورة السياسية كما تمثل أيضاً الثورة الاجتماعية.

    إن القومية العربية التى رفعنا شعارها إنما هى اعتراف بوجودنا، وإنما هى إعلان لما نحن فيه. وإذا كانت القومية العربية - أيها الإخوة المواطنون - قد أثبتت فى ثورتها السياسية أنها تستطيع أن تنتصر وتحقق التحرر للبلاد العربية، ثم تحقق الوحدة والاتحاد والتضامن، فإن القومية العربية تستطيع أيضاً أن تنتصر أيضاً فى معارك البناء.

    إن القومية العربية التى استطاعت فى ثورتها السياسية أن تملك القدرة على انتزاع الحرية من غاصبيها، تستطيع اليوم - فى سبيل التحدى الذى تواجهه - أن تثبت للعالم أجمع أنها قادرة على أن تسير فى ثورتها الاجتماعية كما سارت فى ثورتها السياسية.

    إن القومية العربية - التى رأت ثورتها السياسية وقد آتت ثمارها - تسير فى ثورتها الاجتماعية، ونحن طليعة القومية العربية.. نحن الجمهورية العربية المتحدة طليعة القومية العربية، نسير فى ثورتنا الاجتماعية ونحن نرفع شعارنا: أننا نريد أن نحقق المجتمع الاشتراكى، الديمقراطى، التعاونى.
    إننا سنحول هذه الشعارات، وسنحول هذه الأعلام إلى إنتاج يحصى بالأرقام، إننا سنحول هذه الثورة الاجتماعية إلى حقائق مادية، وإلى حقائق عقائدية، وإلى حقائق روحية.

    إننا - أيها الإخوة المواطنون - كما انتصرنا فى معركتنا من أجل الحرية والاستقلال، ومن أجل تثبيت الحرية والاستقلال، بالشهداء والدماء، سننتصر فى معركتنا الاجتماعية من أجل تطوير مجتمعنا، ومن أجل تطوير بناء بلدنا، ومن أجل إقامة المجتمع الاشتراكى الديمقراطى الذى آمنا به بالعرق والعمل.
    إننا حاربنا فى الماضى وقدمنا الشهداء وقدمنا الدماء، وسنعمل فى المستقبل لنبنى هذا البلد، ولنثبت للعالم أجمع أن القومية العربية إنما هى حركة بناءة، إنما هى ثورة سياسية وثورة اجتماعية، إنما هى ثورة من أجل الحرية والاستقلال، وثورة من أجل العمل والبناء، إنما هى ثورة من أجل المبادئ ومن أجل المثل العليا، ومن أجل إقامة مجتمع ترفرف عليه الرفاهية.

    هذه هى قوميتنا التى نعتقد أنها سبيل قوتنا، وهذه هى مبادئنا التى نعتقد أنها سبيل ثورتنا الاجتماعية.
    لقد آن للقومية العربية - أيها الإخوة المواطنون - أن تثبت أنها تملك عقيدة متطورة؛ عقيدة تنبع من قلوبنا ومن تجاربنا، وتنبع من ماضينا ومن حاضرنا، ليست مستوردة من الخارج وليست مفروضة علينا من الخارج، ولكنها خارجة من أرضنا ومن دمنا وروحنا وقلوبنا.

    وقد أعلنا - أيها الإخوة المواطنون - أن هذه العقيدة هى الاشتراكية الديمقراطية التعاونية، وإننا جميعاً سنعمل على أن نطور بلدنا فى ثورته الاجتماعية؛ لنضع أسس الاشتراكية الديمقراطية التعاونية، وإننا جميعاً سنعمل بكل طاقاتنا على أن نطور هذه الاشتراكية الديمقراطية التعاونية لكى تواجه المجتمع، ثم لتواجه المطالب التى يطلبها هذا المجتمع.

    إننا - أيها الإخوة المواطنون - بعد أن كافحنا وقاتلنا ندخل اليوم فى معركة البناء، وإذا كانت الجمهورية العربية المتحدة قد كتب عليها - أيها الإخوة - أن تخوض هى وحدها من أجل القومية العربية معركة الاستقلال وانتزاع الحرية، وأن تضحى فى سبيل هذه المعركة، فلقد كان محتماً علينا - أيها الإخوة - محتماً على هذه الجمهورية أن تكون هى التى يتعين عليها أن تخوض من أجل القومية العربية المعركة الاجتماعية.. معركة التطور الاجتماعى، كما خاضت المعركة السياسية. ثم تضع لنفسها عقيدة.. عقيدة راسخة ثابتة وطيدة، خارجة من نفسنا ومن قلوبنا، ثم تصنع هذه العقيدة التى أعلناها - عقيدتنا الاشتراكية التعاونية الديمقراطية - نصنع منها انتصاراً كبيراً اجتماعياً كما صنعنا الانتصار السياسى، ثم نخلد بالانتصار الاجتماعى هذا الانتصار السياسى الذى حققناه فى بورسعيد.

    أيها الإخوة المواطنون:

    إن المعركة الجديدة التى نواجهها اليوم - معركة الثورة الاجتماعية - هى معركة فاصلة فى تاريخنا، وأقول ذلك لا لأنى أعتقد أنها خاتمة المعارك، بل إن واجبى أن أصارحكم أن معاركنا ستستمر دائماً لنثبت الاستقلال ونحمى الاستقلال، ثم لنثبت الثورة السياسية، ونعمل من أجل وضع الثورة الاجتماعية موضع التنفيذ.

    سوف نجد - أيها الإخوة المواطنون - المعارك على طريقنا دائماً لا تنتهى. إن طريق التطور ليست له نهاية، إن طريق التطور هو امتداد للحياة ويمتد ما امتدت الحياة، وإننا سنسلم هذا الطريق أو سنترك هذا الطريق لأبنائنا من بعدنا؛ حتى يضعوا المبادئ الكبرى والمبادئ التى آمنا بها موضع التنفيذ.

    إن التقدم البشرى - أيها الإخوة - يفتح مجالاته أمامنا بغير ما حدود، وإن تخلفنا فى الماضى لن يكون له أثر كبير على أن يعيق تقدمنا الحاضر. وإننا يجب أن نبدأ، ثم يجب أن ننجح بعزم وتصميم وإيمان، وقد نقابل - أيها الإخوة - بعض الأخطاء وقد نقابل بعض العقبات، ولكن يجب ألا ندع الأخطاء ولا العقبات تقف فى سبيلنا.

    أيها الإخوة:

    إننى أقول لكم: إن معركتنا هى مضاعفة الدخل القومى فى ١٠ سنين، وإننا سنعبئ كل طاقاتنا من أجل هذا، ولكن إننا نسير فى وسط قد يخاف هذه الطفرة. هناك من يقولون: إن مضاعفة الدخل فى ١٠ سنوات قد يؤثر علينا، طبعاً بعض الفنيين يمكن يقولوا هذا الكلام، ولكنا يجب أن نكون على الطريق الثورى فى ثورتنا الاجتماعية، كما سرنا على الطريق الثورى فى ثورتنا السياسية، وإلا لن نستطيع أن نضع الثورة الاجتماعية موضع التنفيذ.

    إننا - أيها الإخوة المواطنون - نستمع إلى كل ما يقال؛ فمثلاً فى اجتماعنا فى مجلس الوزراء فى الجلسات الماضية استعرضنا كل ما قيل وكل ما يقال عن التصنيع وبرنامج التصنيع فى السنين الخمس الماضية، طبعاً استعرضنا كل ما قيل عن حسن نية مش اللى قيل عن سوء نية. كلنا نعلم أن برنامج السنوات الخمس الأول للصناعة - الذى أعلن فى نوفمبر سنة ٥٧ - يتكلف ٣٠٤ مليون جنيه، ثم أعلنا ان احنا سننفذ هذا البرنامج فى ٣ سنوات بدل ٥ سنوات. ومن نوفمبر ٥٧ لغاية دلوقت تعاقدنا على مصانع قيمتها ٢٢٥ مليون جنيه، من مجموع قيمة الخمس سنوات ٣٠٤ مليون جنيه، والباقى - اللى هو ٧٩ مليون جنيه - بصدد التعاقد؛ يعنى استطعنا فى سنتين ان احنا نحقق الجزء الأكبر، ولكن هل ظهر أثر هذا البرنامج الآن؟ أى مصنع بنتعاقد عليه بيحتاج لوقت للتعاقد، ثم يحتاج إلى وقت لتوريد الآلات، ثم يحتاج بعد توريد الآلات إلى الإنشاء؛ ولذلك أثر مشروع الخمس سنوات - اللى تعاقدنا بـ ٢٢٥ مليون جنيه على مصانع من هذا البرنامج - لم يظهر حتى الآن، ولكنه حيظهر فى سنة ٦٠ و٦١ و٦٢ و٦٣.

    طبعاً حصلت بعض الأخطاء ولكن أخطاء صغيرة، أى بلد بتدخل على الصناعة بطفرة تجد هذه الأخطاء؛ مثلاً بدأ المتشككون وبدأ الخوافين وبدأ الناس اللى بيقولوا إن السرعة فى الصناعة قد تضر فى البلد، بياخدوا أى خطأ أو تباطؤ فى أى عملية من العمليات ليبنوا عليها نظريات وليبنوا عليها آثار كبيرة.

    مثلاً مصنع الحديد والصلب.. احنا ماكانش عندنا مصنع حديد وصلب، وفى يوم وليلة بقى عندنا مصنع حديد وصلب من أحدث المصانع فى العالم، ولكنا بعد أن أقمنا هذا المصنع مش ممكن واحد أبداً يطلب ان المصنع اللى عندى بيشتغل فى يوم وليلة زى المصنع اللى موجود فى ألمانيا بقى له ١٠٠ سنة، لازم أحتاج ٣ أشهر.. أو أحتاج ٦ أشهر أو أحتاج إلى سنة لغاية ما أدرب العمال. حيطلع عندى يمكن الإنتاج فيه أخطاء، ثم لغاية بعد كده أطلع الإنتاج السليم. ولكن الحقيقة الموجودة ان عندنا مصانع حديد وصلب، وعندنا عمال وطنيين بيشتغلوا فى الحديد والصلب، فيه بعض الأخطاء، ولكن مافيش مصنع حديد وصلب فى الدنيا فى بداية صناعة الحديد والصلب خرج بدون ما يجد هذه الأخطاء. وحينما درسنا هذا الأمر فى مجلس الوزراء وجدنا ان كل هذه الأخطاء ممكن انها تتصلح فى شهرين أو ٣ أو ٤، واننا نستطيع ان احنا نستعين بخبرة الأجانب؛ علشان نكون على درجة عالية من المهارة الفنية.

    بييجوا طبعاً المتشككين والخوافين بياخدوا هذا المثل، وبيقولوا: إن مصنع الحديد والصلب اتعمل فرنين؛ فرن منهم اشتغل والفرن الثانى لسه ما اشتغلش، ودا يدل على ان العملية غير ناجحة! مطلقاً.. احنا مثلاً مأجلين الفرن التانى، عايزين نبتدى على أساس سليم، نبتدى بعد ما نطور العمال. حصلت بعض الأخطاء، حصل بعض التأخير، ولكن حيبقى عندنا أو عندنا النهارده صناعة حديد وصلب، فى خلال ٤ أشهر حتكون فيه صناعة حديد وصلب كاملة متكاملة، ولا يمكن أبداً أن نستمع إلى الشبهات.

    سمعنا فى الهامسين بيقولوا: إن فيه بعض الناس الرسميين بيتكلموا على موضوع الصناعة، وإن موضوع الصناعة مش ماشى، وإن فيه مواضيع صناعية ومصانع ما مشيتش، والموضوع يعنى فيه بعض أخطاء. ناقشنا هذا - نقلاً عن الروايات - وبحثنا هذا فى مجلس الوزراء فى الجلسات اللى فاتت، وقلنا: إن الناس بيقولوا بره هذا الكلام، وطبعاً اللى بيحاول يقول بيحاول يستند؛ يقول حد قال من المسئولين علشان يدى كلامه معنى. طلع طبعاً فى مجلس الوزراء ان دا كلام فارغ؛ مافيش حد من المسئولين قال كلام أبداً بهذا الشكل.

    طبعاً كلنا أما بنناقش بنحاول نوفر، بنحاول نكون أسرع، بنحاول نتأكد من الأرقام، ولكن وجدنا ان احنا نفذنا من مشروع السنوات الخمس الأول ٢٢٥ مليون جنيه من ٣٠٤ مليون جنيه، وحننفذ الباقى - اللى هو ٧٩ مليون جنيه - قبل يوليو - اللى هو بداية مشروع الخمس سنوات التانية - وإن نتايج مشروع الخمس سنوات لسه ما ظهرتش؛ لأن المصانع بتحتاج إلى وقت للتوريد والبناء، حتظهر فى سنة ٦٠ و٦١ و٦٢. ورغم هذا.. رغم ان مشروع الخمس سنوات دا لم تظهر نتائجه للآن، فإن الإنتاج الصناعى منذ قامت الثورة - يعنى من أول ٥٣ إلى أخر ٥٨ - زاد ٧٠%، الإنتاج الصناعى والإنتاج فى الكهربا ٧٠% بدون ظهور نتيجة العمل فى مشروع الخمس سنوات الأول.

    وبعدين احنا كناس مبتدئين لا يمكن أن نسمع إلى الهامسين؛ لأن الهامسين بيحاولوا أن يؤثروا علينا، والخوافين بيحاولوا أن يؤثروا علينا، ولكنا يجب أن نسير بطريق ثورى. وأما قلنا: حنعمل مشروع الخمس سنوات فى سنتين عملنا مشروع الخمس سنوات فى سنتين، وكان علينا حصار اقتصادى، وكان علينا تهديد. والنهارده بنقول: حنضاعف الدخل القومى فى ١٠ سنوات، بإذن الله حنضاعف الدخل القومى فى ١٠ سنين، وحنحقق هذه الثورة الاجتماعية.

    احنا الآن ندرس خطة الـ ٥ سنوات حتى تنتهى لتنفذ ابتداء من يوليه القادم؛ من أجل مضاعفة الدخل القومى فى ١٠ سنوات، ومن أجل أن يكون عندنا زراعة سليمة وصناعة سليمة. برنامج الخمس سنوات التانى الصناعى حيتكلف ٤٢٣ مليون جنيه تقريباً، برنامج التطور الزراعى فى الخمس سنوات حيتكلف ٤٥٠ مليون جنيه تقريباً؛ حنصلح حوالى ٤٨٠ ألف فدان، بالإضافة إلى ٣٠٠ ألف فدان فى الوادى الجديد، قبل ٦٤.. قبل السد العالى. حنوزع هذه الأرض على الفلاحين، حنعمل لكل فلاح بيت وحنديه ١٠ فدادين، وندى له جاموسة؛ بنغير بلدنا، بنغير مجتمعنا لأن قوة بلدنا حتكون بمجموع أبناء بلدنا.

    هذه هى خطتنا الجديدة التى سنعمل من أجلها، ودا كفاحنا الجديد اللى باقول لكم عليه؛ ان احنا زى ما انتصرنا فى معركة الحرية وفى معركة الاستقلال، إننا نستطيع - بعون الله - أن نسير فى معركة البناء.

    أيها الإخوة:

    بنفس الشىء أيضاً بنسير فيه فى الإقليم الشمالى. وصل عبد الحكيم عامر إلى الإقليم الشمالى - إلى سوريا - وبدأ طبعاً أعداء القومية العربية وأعداؤنا يبثوا الإشاعات والدعايات، ويبتدوا يقوموا بكل الأساليب اللى قاموا بها فى الماضى منتهزين هذه الفرصة. احنا طبعاً بنبص لهذا الكلام باحتقار؛ لأن أمامنا أهداف بنبنيها، ونعرف ليه عبد الحكيم عامر راح إلى الإقليم السورى؛ لأن أمامنا فى الإقليم السورى أيضاً مهمة كبرى نريد أن ننجزها فى وقت قليل.. ننجز هذه المهمة الكبرى فى وقت قليل، ودى مسئولية عبد الحكيم عامر الأولى فى سوريا؛ أن نقابل الثورة الاجتماعية ثم الثورة السياسية فى سوريا، أن نوحد الشعب فى سوريا، وتسير الجمهورية العربية المتحدة باتحاد أبنائها لتبنى ثورتها السياسية وتحققها، ثم لتدعم هذه الثورة السياسية، ثم تسير لتبنى الثورة الاجتماعية اللى هى المرحلة التانية من مراحل الكفاح.

    وإننا اليوم - أيها الإخوة المواطنون - حينما نتجه وننظر من حولنا نجد أن جميع المؤامرات وجميع الدعايات تتجه إلى سوريا. نبص لأعوان الاستعمار فى البلاد العربية - اللى كانوا أيام العدوان على بورسعيد كلهم فرح، وكان عندهم أفراح - بيتكلموا على سوريا، وبيتكلموا على القومية العربية، وبيثيروا الشكوك على سوريا؛ دول أعوان الاستعمار؛ بنبص للصهيونية نجد إنها طبعاً بتتكلم على سوريا، بنبص للشيوعيين العملاء بنجدهم أيضاً بيركزوا على سوريا، بنبص لقاسم العراق بنجد دعايته كل يوم متجهة لسوريا. ودى حاجة مش جديدة على الشعب السورى اللى آمن دائماً بنفسه وبقوميته، الشعب السورى كان دائماً بيقف ضد هذه الأساليب، ثم يقضى عليها ويهزمها.

    وسنرى - أيها الإخوة - أن هذه المؤامرات التى يتكاتف فيها اليوم الاستعمار وأعوان الاستعمار والصهيونية وعبد الكريم قاسم والشيوعيين العملاء، لن تؤثر فى الشعب السورى؛ لأن الشعب السورى مسلح بالوعى. وزى ما قلت لكم فى أخر خطبة قلتها: أما رحت سوريا فى أخر مرة، ماكنتش ناوى اتكلم بالتفصيل، وكنت ناوى اتكلم كلام عمومى، ولكن طلعت فى زيارة لقيت الشعب السورى كاتب فى اليفط الكلام بالتفصيل، وعارف الموقف إيه، وعارف مين اللى بيتآمروا عليه، وعارف إيه موقف الشيوعيين العملاء وموقف عبد الكريم قاسم، وأعوان الاستعمار والاستعمار والصهيونية.

    فأنا أبشر كل أعداء القومية العربية بخيبة أملهم فى حملتهم اللى قايمين بها على الجمهورية العربية، وباقول لهم: إن وعى الشعب فى سوريا وعى قوى، وكانوا زمان عاملين ١١ محطة إذاعة، بيعملوا النهارده ١٦ محطة إذاعة - وعليهم عبد الكريم قاسم - لن يؤثروا بأى حال من الأحوال.

    أيها الإخوة:

    الشعب فى مصر والشعب فى سوريا حاربوا وكافحوا من أجل القومية العربية، وآمنوا بالقومية العربية، وكشفوا الاستعمار وأعوان الاستعمار، وكشفوا نورى السعيد، و٣ أشهر كشفوا عبد الكريم قاسم واللى قايمين مع عبد الكريم قاسم، وبعد شهرين من مؤامرات الشيوعيين العملاء كشفوا الشيوعيين العملاء؛ شعب واعى لا يمكن أن ينطلى عليه الدجل، ولا يمكن أن ينطلى عليه تزييف الشعارات. وإذاعات عبد الكريم قاسم بتتكلم بالليل وبالنهار من بغداد - اللى مسيطر عليها الشيوعيين العملاء - وفاهمين ان الشعب فى سوريا بيخدع بهذا، فأنا باعتبر ان خيبتهم حتكون كبيرة؛ لأن الشعب فى العراق مش حيخدع بهذا، وشعب العراق حيحاسبهم فى المستقبل على إجرامهم، وحيحاسب الآثمين أعداء القومية العربية على إجرامهم ضد القومية العربية.

    أيها الإخوة:

    احنا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة كان أمامنا مسئولية كبيرة، وكان أمامنا عمل كبير، وكنا نعلم ان احنا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة ستتسع معاركنا، واتسعت المعارك، ولكن النتيجة كانت إيه؟ اللى وقفوا قصاد الجمهورية العربية بعد الوحدة راحوا فين؟ يا إما فى زوايا النسيان، أو فى القبور، أو اعتزلوا وبقوا يكفروا النهارده عن سيئاتهم ويحاولوا انهم يبرروا هذه السيئات.

    وأما نسمع مثلاً "إيدن" - مجرم الحرب اللى هاجم بورسعيد - يخرج من عزلته، ويخرج من الوصمة اللى هو فيها علشان يتكلم ويخدع؛ يحاول يقدم أكذوبة كبيرة ويحاول يخدع العالم بالأضاليل، ويقول: إنه تدخل علشان يفصل بين الجيش الإسرائيلى والجيش المصرى، وإن الجيش الإسرائيلى كان وصل عند قنال السويس! العالم العربى كله، بل العالم أجمع، بيكشف ان دى مغالطة وضيعة.. مغالطة صغيرة؛ لأن يوم ما أعلن "إيدن" علينا الحرب كان الجيش اليهودى موحول أمام أبوعجيلة يوم ٣١ من أكتوبر، ولم يستطع أبداً - حسب البلاغات الرسمية الإسرائيلية - إنهم يدخلوا سيناء إلا بعد انسحاب الجيش المصرى من سيناء.
    والبيانات الرسمية الإسرائيلية اللى أعلنت عن الحرب.. ما دخلوش أبوعجيلة إلا بعد ظهر يوم ٢، و"إيدن" كان أعلن الحرب علينا يوم ٣١ أكتوبر. اليهود قعدوا من يوم ٢٩ أكتوبر.. ما قدروش يدخلوا أبوعجيلة ولا رفح ولا العريش ولا غزة، إلا بعد أن قررنا أن ننسحب؛ حتى نحمى جيشنا من الدمار، ونحميه من الوقوع بين اليهود وبين الدول الاستعمارية؛ بريطانيا وفرنسا.

    لكن، والله "إيدن" لما يقف ويقول هذا الكلام، "إيدن" معذور، لكن أما يقف عبد الكريم قاسم ويقول هذا الكلام بنقول عليه إيه؟! بيقف عبد الكريم قاسم وبيكرر هذا الكلام - كلام "إيدن" - وبيقف يعاير الشعب العربى والشعب المصرى والجيش المصرى ويكرر كلام "إيدن" بشىء من الوضاعة وشىء من الخسة والنذالة، ويحاول أن يبث فى نفوس العرب روح الهزيمة.

    إذا كان "إيدن" بيقول هذا الكلام بنقول: والله "إيدن" معذور. أما إذا كان عبد الكريم قاسم بيقول هذا الكلام بنقول: إن هذا الشخص لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تجرى فى دمائه دم عربى أصيل، بأى حال من الأحوال.. ولابد أن يكون هذا الشخص اللى بيتنكر لعروبته ويتنكر لقوميته، ويكرر الكلام اللى بيقوله "إيدن" وبيقوله "بن جوريون"، ويحاول أن يكرر كلام "إيدن" وكلام الصهيونية، ويحاول أن يكرس إذاعته علشان يعاير بها الجيش المصرى اللى قدم آلاف القتلى من الضباط والجنود، نقول: إنه فقد كل فضيلة عربية أو كل مبدأ عربى، ولن يستطيع أن يخدع شعب الجمهورية، ولن يستطيع أن يخدع شعب العراق؛ لأن شعب العراق أما حيسمع هذا الكلام حيشعر باحتقار شديد لأنه حيجد توافق بين كلام "إيدن" وبين كلام عبد الكريم قاسم، ويشعر ان كل واحد منهم إنما هو عدو للجمهورية العربية، يشعر ان عبد الكريم قاسم يردد نفس الكلام اللى رددته إسرائيل على الجيش المصرى.. الجيش المصرى ومعركة بورسعيد - اللى هى فخر للعرب - بيحاول عبد الكريم قاسم اللى كان أيام حرب فلسطين واقف يتمشى قدام اليهود، بيحاول النهارده انه يتكلم عليها، ويحاول انه يعتبرها شىء يعاير به الجمهورية العربية.
    إن معاركنا كانت فخر لنا، وفخر للأمة العربية، وفخر للعراق أيضاً؛ لأننا كنا نحارب من أجل المثل التى آمن بها العراق، والتى آمن بها العرب فى كل مكان.

    النهارده - أيها الإخوة - واحنا بنجابه هذه المعارك بنتسلح بالوعى وبنتسلح بالإيمان، وسيكون مصير هؤلاء الأعوان - أعوان الاستعمار والعملاء - مصير اللى سبقوهم إلى زوايا النسيان.

    واحنا النهارده بنجابه هذه المعارك بنشعر ان من الضرورى لكى ننجح أن نتحد.. نتحد.. البلد تكون كلها متحدة، لا نمكن الحزبية ولا نمكن الفرقة؛ لأن الحزبية والفرقة استخدمت فى الماضى بواسطة المستعمر حتى يضعنا داخل مناطق النفوذ، وحتى يستعمل الأخ منا ضد أخيه. لازم نتحد، وكان انتصارنا ضد العدوان الثلاثى هو اتحاد بلدنا واتحاد هذا الشعب كله فى سبيل مبادئه والمثل العليا.

    علشان ننجح فى ثورتنا السياسية، وعلشان ننجح فى ثورتنا الاجتماعية، وعلشان ننجح فى تدعيم القومية العربية.. لابد أن نتحد وأن ننبذ الفرقة، ولا نمكن من يحاولون بأى وسيلة من الوسائل أن يبثوا بين أبناء الجمهورية العربية الفتنة، أو الفرقة أو الحزبية. أن يجدوا هذا السبيل.. بالاتحاد - أيها الإخوة - سننتصر بعون الله؛ كما انتصرنا فى الماضى.

    وسبيلنا للاتحاد هو الاتحاد القومى؛ الاتحاد القومى هو وسيلتنا ان احنا نعمل اتحاد يجمع أبناء هذا الوطن. وأنا قلت لكم فى الماضى: ان احنا وجدنا ان الحزب الواحد إنما يعبر عن سيطرة فئة قليلة من الناس، واحتكار فئة قليلة من الناس للحكم، وان هذا الحكم بيكون محروم منه أغلبية الشعب، ٥% فى الحزب الواحد بيحكموا أو ١٠%، والباقين ليس لهم إلا الطاعة وليس لهم إلا أداء الواجب. أما الأحزاب المتعددة فوجدنا أنها قد تضعنا فى الحرب الباردة الآن، وقد تفتت الشعب فى هذه المعارك.

    ولهذا أعلنا أننا نؤيد.. أو أننا نقيم الاتحاد القومى على أساس ديمقراطى؛ بينتخب كل أفراد الشعب أبناءه، يجمع كل الممثلين لأبناء الشعب، يعمل على المحافظة على وحدة الشعب، وأى شخص يعمل فى الحزبية خارج هذا الاتحاد إنما هو خارج عن بلده، أو يعمل من أجل دولة أجنبية أو يكون عميل لدولة أجنبية. وإن أى واحد يريد أن يباشر العمل السياسى يستطيع أن يباشر العمل السياسى فى داخل الاتحاد القومى، أما أى محاولة أخرى لتفتيت وحدة الشعب فهى خيانة ضد هذا الشعب؛ هى خيانة لنا ونحن فى طريق كفاحنا، ونحن فى معركة من أكبر معاركنا، وهى خيانة للقومية العربية، بل هى تعبير عن الأنانية الفردية، وتعبير عن المصلحة الذاتية، يجب أن نقضى عليها بكل الوسائل وبكل الطرق.

    كلنا - أيها الإخوة - نعلم أن الاتحاد القومى هو التنظيم الديمقراطى الذى سيجمعنا جميعاً؛ حتى لا نمكن للأحزاب التى تتصل بالدول الأجنبية من أن تعمل بين أراضينا، وتكون صنيعة وعميلة للأجنبى لتدفعنا لنكون داخل مناطق النفوذ.

    وأساسنا فى هذا - أيها الإخوة - هو الديمقراطية.. الديمقراطية - أيها الإخوة - ليست واجهة ولا شعارات تقال، ولكنها ديمقراطية اجتماعية وديمقراطية سياسية تباشر فيها أغلبية الشعب - بل يباشر فيها إجماع الشعب - حقه الكامل وليست بالديمقراطية التى كانت تفرض وتزيف علينا فى الماضى بحيث تباشر الأقلية سلطاتها وتحرم الأغلبية؛ وكانت هناك ديمقراطية وكان هناك إقطاع، وكانت هناك ديمقراطية وكان هناك استغلال، وكانت هناك ديمقراطية وكان هناك احتلال.

    ولا يمكن لنا - أيها الإخوة المواطنون - أن نصدق أن هذه هى الديمقراطية التى نتمناها؛ لأن الديمقراطية التى نتمناها ونعمل من أجلها هى ديمقراطية متخلصة من الاستغلال الاقتصادى والاجتماعى والسياسى، هى ديمقراطية تتساوى فيها الفرص، هى ديمقراطية نتخلص فيها من الإقطاع، ونتخلص فيها من الاحتلال، وقد تخلصنا من الاحتلال ومناطق النفوذ، ثم تخلصنا من آثار الماضى كالإقطاع، ثم تخلصنا من الاحتكار، ثم بدأنا لنبنى هذا المجتمع لنحقق مصالح مجموع هذا الشعب وغالبية هذا الشعب.

    هذه هى الديمقراطية الحقيقية، وليست الديمقراطية هى الشعارات الزائفة التى تعلن فى بغداد؛ ديمقراطية السحل، وديمقراطية القتل، وديمقراطية التعذيب، وديمقراطية سجن الأبرياء. هذه الشعارات الزائفة لن تخدع أى فرد من أبناء الأمة العربية، ولكنا نبنى ديمقراطيتنا على أساس من عقيدتنا، وعلى أساس من ضميرنا، وبهذه الديمقراطية سننتصر - بعون الله - فى معاركنا القادمة.

    أيها الإخوة المواطنون:

    نبدأ النهارده عام جديد، ونبدأ أيضاً عهد جديد - عهد التخطيط - وأمامنا احتمالات التفاؤل واحتمالات الأمل، الاتحاد القومى يجرى تكوينه، والشعب بيتحد وينبذ الفرقة والحزبية، ويكشف الشيوعيين العملاء وأعوان الاستعمار. الشعب النهارده عنده وعى كامل، بيسمع الإذاعات المعادية السرية والقاسمية والصهيونية، إلى آخر هذه الإذاعات، وبيأخذ منها الدروس والعبر.

    السد العالى اللى حاربنا من أجله، واللى قدمتم من أجله الضحايا والدماء سيبدأ العمل فيه بعد أسبوعين.
    برنامج التصنيع بيبدأ يؤتى ثماره فى سنة ٦٠.

    الخطة بيبدأ إتمامها على يوليو القادم، أو قبل يوليو القادم.

    مجلس الأمة فى سبيله إلى التكوين.

    الأرض البور بتتصلح النهارده وتعطى للفلاحين المعدمين.

    القنال بنوسعها لمصلحتنا ولمن حولنا وللعالم.

    القروض بناخدها من كل الدول اللى بتديها لنا بدون شروط؛ خدنا قروض من البنك الدولى - اللى هو منظمة تبع الأمم المتحدة - وخدنا من روسيا، ومن ألمانيا، ومن اليابان، وأى دولة بتدينا قروض بنأخذ شاكرين لأن هذه القروض بتساعدنا فى نهضتنا الاجتماعية.

    ثقتنا بأنفسنا - والحمد لله - كاملة، وثقتنا بالله وثقتنا بالوطن - والحمد لله - كاملة، وعندنا تجارب يعنى تجعل هذه الثقة قوية. ثقتنا بالقومية العربية رغم اللى بيعملوه مش حنزهق.. مش حنكفر بالقومية العربية، هم عايزينا نكفر بالقومية العربية، لن نكفر بالقومية العربية.

    خطة الاستعمار والصهيونية وأعوان الاستعمار انهم بيجيبوا بعض العرب علشان يكفرونا فى القومية العربية، مش حنكفر بالقومية العربية، بنقول لهم: هم لهم دين واحنا لنا دين، وكل يوم بنعتبر ان إيماننا بالقومية العربية بيزداد. كانوا زمان بعد حرب فلسطين أما الاستعماريين بيفشلوا بيطلعوا أعوان الاستعمار علشان يتقدموا المعارك؛ علشان يخلوا الشعب ييأس، النهارده بيطلعوا عبد الكريم قاسم وأمثاله؛ علشان يخلوا الشعب العربى ييأس، واحنا نيأس ونقول القومية العربية قرفتنا أو زهقتنا. ما احناش حنزهق، حنصمم على القومية العربية، وحنكون أكتر تصميم على القومية العربية وعلى الوحدة العربية، واللى بيعملوه بيدفعنا أكثر إلى العمل من أجل القومية العربية.

    القاعدة الوطنية ثابتة وراسخة، واتفقنا مع السودان على المسائل المعلقة، والمشاكل اللى كانت بين الشعبين الشقيقين بفعل الاستعمار انتهت، وحققنا أمل كبير كان يتمناه الشعب فى الجمهورية العربية المتحدة والشعب فى السودان.

    أيها الإخوة المواطنون:

    النهارده فيه عالم جديد بيبدأ، واحنا بنشوف فرص السلام من حولنا ومحاولات من أجل السلام، وبنشوف ان المعسكرات المتنافرة بتحاول تقضى على الحرب الباردة؛ زيارة "خروشوف" لأمريكا ولـ "أيزنهاور" كنا بنرحب بها، وبنجد فى هذه الزيارة إنها محاولة للسلام، وإن محاولة إنهاء الحرب الباردة بين روسيا وأمريكا تفيد العالم وتفيد الإنسانية جمعاء. زيارة "أيزنهاور" للدول أيضاً نرحب بها؛ لأننا نجد فيها محاولة للسلام، ثم محاولة لمعرفة المشاكل.

    واحنا فى هذا بنبص ونجد ان احنا كنا نهدف دائماً إلى السلام؛ لأننا قاسينا من العدوان، ولهذا نشجع أى عمل من أجل السلام ومن أجل إنهاء الحرب الباردة. علاقتنا مع الدول علاقات مبنية على الصداقة، ما احناش عايزين أبداً نعادى أى دولة، ولكنا نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا.

    علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتى نتمنى إنها تكون علاقة طيبة وعلاقة ودية، واحنا من أول يوم فى علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتى كان واضح لنا وواضح لهم ان احنا بنختلف من الناحية العقائدية، هم لهم عقيدة واحنا لنا عقيدة، ولكنا لم نر فى هذا الاختلاف العقائدى عقبة فى سبيل التعاون والصداقة بين الشعبين. واحنا ما غيرناش سياستنا؛ سياستنا هى هى اللى كانت موجودة من الأول، هى اللى ماشين عليها النهارده، لم نغير هذه السياسة ونسير عليها، ومن يريد صداقاتنا بيجد فينا الرغبة للصداقة، واحنا مع الاتحاد السوفيتى نريد هذه الصداقة، مع الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً نرحب بصداقتها.

    واحنا برضه ما غيرناش سياستنا بأى حال من الأحوال، سياستنا ثابتة: استقلال كامل، عدم الدخول فى مناطق النفوذ، حياد إيجابى، وعدم انحياز، لكن إذا كانت الولايات المتحدة عادتنا فى الماضى وعاديناها طبعاً تبعاً لهذا، ووجدت أنها تتبع معنا سياسة سلمية.. سياسة صداقة، بنقول لهم: أهلاً وسهلاً ونرحب بهم.

    إنجلترا اللى جت واعتدت علينا واللى سببت عندنا جروح، النهارده إذا كانت بتتقدم إلينا بصداقة خالصة متخلصة من الأساليب الماضية والأساليب القديمة اللى احنا عارفينها، وهم عارفينها، بنقول لهم برضه: احنا مستعدين، بننسى الماضى، ونبدأ عهد جديد مبنى على أساس من المساواة، وان سياستنا زى ما كانت فى الماضى حتكون فى المستقبل؛ نعادى من يعادينا، ونسالم من يسالمنا، ونصادق من يصادقنا.

    ولكن - أيها الإخوة - يجب أن نشعر أن السلام لا يعنى بأى حال من الأحوال أن يستمر الاستعمار فى السيطرة على الشعوب، أن يستمر الاستعمار فى السيطرة على الجزائر، وأنا مش عايز اتكلم على الجزائر ونقول عملنا إيه للجزائر، ودا شىء طبعاً باعتبر الكلام فيه عيب.

    كل يوم عبد الكريم قاسم بيطلع ويقول: إن هو بيساعد الجزائر، وإن الجمهورية العربية ما بتساعدش. طيب يا سيدى.. أنت بتساعد الجزائر واحنا ما بنساعدش، مبروك عليك هذا الكلام، لكن هل حد فى العالم العربى حيصدق كلام عبد الكريم قاسم؟! هل حد فى العالم العربى حينسى المركب اللى اتمسكت سنة ٥٦ ولا زال طقمها محبوس فى فرنسا؟ ولكن احنا نرى ان من مصلحة شعب الجزائر ان احنا ما نقولش بنعمل إيه، وما نتاجرش بشعب الجزائر أو بالقضايا العربية والقضايا اللى احنا نجد ان السرية لازمة لها.
    وطبعاً هو بيدن فى مالطة، وبيحرث فى الخليج العربى، ولن يستطيع بأى حال من الأحوال انه يجد حد يصدق الأفكار القلاووظية اللى كل يوم بيطلع علينا بها.

    واحنا بنتكلم عن السلام بنبص للعالم العربى، ونقول: إن السلام معناه إن العالم العربى لازم يتحرر، وإن الشعوب الإفريقية اللى قاست لازم تتحرر، وان علينا دور فى هذا، وإنه لن يمكن بأى حال من الأحوال أن يكون هناك سلام، وهناك استعمار وهناك قتل وهناك سيطرة وهناك دماء.

    النهارده والعالم بيبص لمرحلة جديدة بيقضى فيها على الحرب الباردة، بنقول للعالم: ان احنا بنرحب بالحرب الباردة، ولكن يجب القضاء على الاستعمار والسيطرة والتحكم.

    طبعاً فيه محاولات لتصديع التضامن الآسيوى - الإفريقى تشترك فيها إسرائيل، ولكن فى نفس الوقت كانت دائماً هناك محاولات لتدعيم القومية العربية ولتدعيم التضامن الآسيوى - الإفريقى، وهذه المحاولات منا مستمرة، ونحن نعتبر ان احنا لابد نبذل جهود كبيرة من أجل تدعيم قوميتنا العربية، ومن أجل تدعيم التضامن الآسيوى - الإفريقى.

    ونحن فى نفس الوقت يجب أن نكون على استعداد لأن نواجه الصهيونية وخبث الصهيونية، احنا ما احناش قاعدين زى عبد الكريم قاسم على بعد ألف ميل من حدود إسرائيل، احنا قاعدين على حدود إسرائيل؛ لازم نكون مستعدين فى كل وقت نجابه العدوان ونجابه المؤامرات اللى قد توجه ضدنا؛ نجابه ألاعيبهم فى الأمم المتحدة، نجابه ألاعيبهم السياسية، نجابه مطامعهم، نجابه محاولاتهم للاستيلاء على المياه العربية من نهر الأردن واستخدامها، ونجابه محاولاتهم فى عدم الاعتراف بحقوق شعب فلسطين. وامبارح وزيرة خارجيتهم كانت زعلانة جداً علشان البنك الدولى ادانا قرض لتوسيع قنال السويس، وبتقول: إن دا معناه عدم المحافظة على المبادئ الدولية، وتشجيعنا على عدم المحافظة على المبادئ الدولية! وباقول لهم النهارده: إنهم ما بيمروش من قنال السويس، ولا حيمروا من قنال السويس، وان احنا بنعتبر إن هذا جزء من مشكلة فلسطين، وأنه لابد لحقوق شعب فلسطين المغتصبة التى قررتها الأمم المتحدة من أن تعود إليه، شعب فلسطين اللى اغتصبت أرضه واغتصبت أملاكه واغتصبت بلاده. وإن قدرتنا على تحقيق هذا ليست بما نقوله، أو ليست بقدر ما نقوله من كلام، ولكن بقدر ما نحصل عليه من القوة الحقيقية.

    عبد الكريم قاسم قاعد محبوس فى وزارة الدفاع، ماهواش قادر يطلع منها وبيتكلم على فلسطين، طبعاً أهو بيتكلم وبينه وبين فلسطين ألف ميل، وأما اليهود يعتدوا علينا ما بيردش. وهو مش قادر ينزل من وزارة الدفاع، وما طلعش لغاية النهارده بره بغداد، ولا راح زار أى بلد فى العراق، ولكن فاهم انه بدأ حيضحك على العرب وحيضلل الشعوب العربية، بس الشعوب العربية سمعت من الكلام دا كتير، وكان فيه ناس بالشكل دا كتير خلصوا وراحوا.

    بعد عبد الكريم قاسم ما يحرر نفسه من وزارة الدفاع، ثم يقدر ينزل بغداد، وبعدين أما يحرر نفسه من بغداد ويقدر ينزل يلف فى العراق، يبقى يتكلم على تحرير العرب وتحرير فلسطين، أو يبقى يتكلم زى ما بيقول عن تحرير سوريا أو تحرير مصر! وأنا لا أتصور راجل مسجون فى وزارة الدفاع وقاعد ميت من الخوف ازاى بيقعد ويتكلم انه حيحرر!.. حيحرركوا انتم قال من الاضطهاد ومن الظلم ومن الكلام الفارغ اللى بيقوله!

    باقول لكم: أفكار قلاووظية بيطلع علينا بها كل يوم، أهه.. بنسمع منه ونتسلى، وبنسمع منه وبنشوف حيدى أمثلة للتاريخ!

    عبد الكريم قاسم كل اللى نتمناه له ان ربنا يرجع له عقله ويهديه إلى الخط السليم القويم، واللى هو متصور له ان احنا بنتآمر عليه وبتاع؛ دا كلام فارغ لأن يوم ربنا ما يرجع له عقله ويهديه ويمشى فى الخط العربى.. الخط الوطنى، الخط القومى، ويكون للعرب مش لأعداء العرب، مافيش أبداً يعنى أى سبب للخلاف بيننا وبينه. هو متصور انه حيقدر يعنى يحقق ما فشل فى تحقيقه نورى السعيد فى هدم القومية العربية، ولكن بعده طبعاً، ولن يستطيع بأى حال من الأحوال إنه يحقق هذا.

    بيقول: حيحررنا! احنا كل اللى بنتمناه له إنه يتحرر من سجنه فى وزارة الدفاع، ويبقى ينزل يشم شوية هوا فى بغداد أو خارج بغداد.

    ليست - أيها الإخوة - قدرتنا على استرداد حقوقنا تقاس بالكلام اللى نقوله، ولكن تقاس بمصادر القوة الحقيقية، وتقاس بفاعلية هذا الكلام وتأثيرها فى المحيط العالمى. واحنا النهارده بنسيب الكلام الفارغ اللى بيذيعه عبد الكريم قاسم وراديو بغداد والمحطات السرية، وألاعيب الاستعمار، وبنتسلح بالوعى ونتجه فى الأمام لنبنى هذا الوطن، ثم نحقق مصادر القوة؛ لنمكن كلامنا اللى بنقوله من أن يوضع موضع التنفيذ. والله يوفقكم.

    والسلام عليكم ورحمة الله.
    ............"


    يحى الشاعر

  2. #2
    A Desert Fugitive
    الحالة : هيفاء الوادي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 11608
    تاريخ التسجيل : Feb 2010
    المشاركات : 1

    افتراضي

    شكرا ولكن كنت اتمنى لوكانت صوتية

  3. #3
    A Desert Fugitive
    الحالة : عاشق مصر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 579
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    الدولة : مصــــر العـــروبه
    العمل : محــــــــامى
    المشاركات : 22

    افتراضي

    استاذنا الكريم والفاضل مع كامل احترامنا لشخصكم ... القسم اسمه المكتبه الصوتيه

    فاين هى ؟؟؟ نتمنى مراجعة الموضوعات وتنزيل المكتبه الصوتيه لخطب زعيم العروبه

    الراحـــــل جمـــــال عبـد الناصــر

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •