"............

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى بورسعيد بمناسبة عيد النصر 23 ديسمبر 1960


أيها المواطنون:

الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله العلى القدير؛ الذى أعاننا ومكننا من أن نجتمع اليوم فى هذا المكان؛ لنحتفل بعيد النصر. ونحن حينما نحمد الله من كل قلوبنا ونفوسنا وأرواحنا على النصر الذى أعطانا إياه؛ نذكر الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فى سبيل وطنهم، وفى سبيل الشعب، وفى سبيل أن نعيش الحياة الحرة العزيزة الكريمة.. الشهداء اللى طلعوا يقابلوا الدول الكبرى، ولم ترهبهم أساطيل بريطانيا وفرنسا، ولم ترهبهم قوة الدول الكبرى، وخرجوا وكل واحد فيهم عقد عزمه على أن يفدى بلده بدمه، وعلى أن يفدى شرف الوطن بروحه، وعلى أن يفدى الجميع بأن يضحى بنفسه.. الشهداء اللى خرجوا فى وقت العدوان وحملوا السلاح واستشهدوا، ما خافوش، ولكنهم كانوا يؤمنون بربهم، ويؤمنون بوطنهم، ويؤمنون بحقهم فى الحياة الحرة الكريمة.

دا المثل اللى ضربته بورسعيد للعالم أجمع، دا المثل اللى يعتبر نقطة تحول فى التاريخ الحديث، ازاى الشعب الأعزل يؤمن بنفسه وبوطنه، ويتصدى لجيوش الدول الكبرى، وازاى هذا الشعب ينتصر.
المثل اللى ضربته بورسعيد فى سنة ٥٦ كان نقطه تحول فى تاريخ العالم؛ لأنه أثبت ان القوة الغاشمة لا تستطيع أن تنتصر على إرادة الشعب المؤمن، والقوة الغاشمة لا تستطيع أن ترهب الشعب الأعزل، والشعب المؤمن يستطيع أن ينتصر على أقوى الجيوش وعلى الدول الكبرى. دا المثل اللى اديتوه فى سنة ٥٦، وأنا كنت مؤمن - أيها الإخوة - فى هذا الوقت وحينما جابهنا المعركة أننا سننتصر، وأن الانتصار لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يعود إلى القائد؛ لأن القائد بدون جنود لا يستطيع أن يحقق أى شىء، ولكن الانتصار يعود إلى الجنود.

وأنتم - الشعب - مثلتم فى هذه المعركة الجندى المؤمن بربه، والمؤمن بوطنه، والمؤمن بنفسه، الشعب مثل فى هذه المعركة القوة الكبرى التى تستطيع أن تعقد عزمها وتنتصر، والشعب مثل فى هذه المعركة القوة العظمى التى تستطيع أن تصمم فتضع إرادتها موضع التنفيذ. لا يمكن لقائد - أيها الإخوة - أن يحقق النصر مهما بلغ هذا القائد من العلم، ومهما بلغ هذا القائد من الحكمة إذا لم يكن هناك الجنود، وقد ضربت هذه الجمهورية دائماً أروع الأمثلة فى أنها جنود لله وللوطن.

على هذا الأساس - أيها الإخوة - انتصرنا، وعلى هذا الأساس نحمد الله اليوم الذى أعاننا على أن نجتمع فى هذا المكان. فى كل سنة بنحتفل بعيد انتصارنا، واحنا أما نحتفل بعيد انتصارنا، وأنا أما باجى معاكم هنا فى بورسعيد فى كل سنة، وأشوفكم؛ أذكر دائماً المسئوليات الملقاة علينا.. الملقاة على جمهوريتنا.
إن المسئوليات الملقاة على هذه الجمهورية الفتية ليست بالمسئوليات الهينة، أو المسئوليات البسيطة؛ لأن الأمة إذا أرادت أن تستقل، وإذا أرادت أن تكون سياستها سياسة حرة تنبع من نفسها، وتنبع من إرادتها؛ فعليها أن تتحمل المسئوليات الكبرى التى تتناسب مع هذه الرسالة وهذه الأمانة.

ونحن - أيها الإخوة المواطنون - آلينا على أنفسنا أن نستقل ونحافظ على استقلالنا، وآلينا على أنفسنا أن تكون لنا إرادة حرة نضعها موضع التنفيذ. احنا فى سنة ٥٦ أممنا قنال السويس، ولكن علشان نؤمم قنال السويس كان لازم نعمل قبل كده أعمال أخرى.. كان لازم نؤمم جمهوريتنا، ونقضى على الاستعمار وأعوان الاستعمار، ونتخلص من جنود الاحتلال، كان فيه هنا ٨٠ ألف جندى بريطانى يحتلون بلدنا لمدة ٧٠ سنة، وكنا كلنا تواقين إلى الحرية، وكنا كلنا تواقين إلى أن نكون أسياداً فى بلدنا، وإلى أن يرفرف فى سمائنا علمنا فقط، وكنا نكافح دائماً.. كنا نشعر أننا إذا أردنا أن نعمل من هذا البلد البلد المستقل؛ فلابد أن نؤممه بالقضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار، ولم يكن هذا - أيها الإخوة المواطنون - بالعمل السهل، ولم يكن هذا بالعمل الهين.

بعد ثورة ٥٢ كان علينا أن نجابه الاستعمار، وكان علينا أن نجابه أعوان الاستعمار، وكان فيه ٨٠ ألف عسكرى إنجليزى فى مصر.. هل أرهبنا هذا الاحتلال؟ هل أرهبنا وجود الأجنبى فى بلدنا؟ أبداً.. الشعب عقد إرادته على أن يتخلص من جنود الاحتلال، والشعب عقد إرادته على أن يتخلص من زمن الاحتلال، وأن يعيش فى وطن حر مستقل. ولم يكن أيها الإخوة المواطنون.. لم يكن لبريطانيا أن تجلو عن بلدنا إلا بعد أن تأكدت أن الشعب عقد إرادته على أن تجلو عن بلادنا. والمفاوضات.. كان باستمرار فيه مفاوضات.. من سنة ١٨٨٢ كان فيه مفاوضات للجلاء.. من سنة ١٨٨٢ كنا بناخد وعود للجلاء.. من سنة ١٨٨٢ كانت بريطانيا بتقول إنها حتجلو ولكن لماذا لم تجل بريطانيا؟ لأنها كانت تعتمد على أعوان الاستعمار فى بلدنا لتضرب بهم الروح الوطنية.

وحينما تخلصنا من أعوان الاستعمار، وحينما عقد الشعب إرادته على أن يتخلص من الاحتلال، وبدأت حرب العصابات فى بورسعيد وفى الإسماعيلية وفى كل منطقه القنال، واللى بدأها الشعب اللى ما خافش من الـ ٨٠ ألف عسكرى إنجليزى، واللى بدأها الشعب اللى صمم على أن يضحى بروحه، واللى صمم على أن يضحى بدمه فى سبيل الجلاء؛ لما بدأت هذه الروح، ولما عقدت الوحدة الوطنية فى بلدنا كان لابد للاستعمار من أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل. أنا قلت هذا الكلام فى أول الثورة، وأنا كنت مؤمن ان الاستعمار لابد له من أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل، أو يقاتل، وحينما قلت إن الاستعمار حيقاتل كنت أعرف ان فيه الجنود.. فيه الشعب المؤمن.. الشعب اللى ضحى دائماً.. الشعب اللى صمم على أن يكافح فكافح، ولكنه لم ييأس حينما انتكس هذا الكفاح.

النهارده - أيها الإخوة المواطنون - واحنا فى بورسعيد بنحتفل بعيد النصر بنشعر بالمسئولية الكبرى الملقاة على عاتقنا، إذا أردنا أن نكون دولة مستقلة، وإذا أردنا أن تكون إرادتنا مستقلة، فلابد لنا من أن نتحمل تبعات الاستقلال، ولابد لنا من أن نتحمل تبعات الدولة الحرة المستقلة. احنا صممنا على أن نكون دولة مستقلة، وعلى أن نحمى الاستقلال، واستطعنا أن نضع هذا التصميم موضع التنفيذ.

حينما أزور بورسعيد. بورسعيد البلد اللى كافح، والبلد اللى كان طليعة الكفاح من أجل الحرية، والبلد اللى فدى العالم العربى كله بأبنائه وبدمائه، حينما أزور بورسعيد أتذكر هذه التبعات، وأسأل نفسى - أيها الإخوة - السؤال اللى يجب ان كل واحد فينا يسأله لنفسه: هل لازلنا أوفياء لمبادئنا؟ هذه المبادئ التى بذل من أجلها الشهداء الدماء والأرواح، هذه المبادئ التى خرجتم هنا فى بورسعيد فى سنة ٥٦ تحملون السلاح علشان تدافعوا عنها، وعلشان تبقوها.

لابد لكل فرد منا أن يسأل نفسه هذا السؤال: هل لازلنا أوفياء لمبادئنا؟ هل التبعات التى آلينا على أنفسنا أن نتحملها.. هل نحن نعمل على أن نتحملها؟ ثم نعمل أيضاً على أن نوفر لها سبل الأمن والحماية؟ دا السؤال الأساسى، بعد النهارده.. بعد ٤ سنوات من حوادث بورسعيد، ومن العدوان الثلاثى البريطانى - الفرنسى - الإسرائيلى.. احنا فين؟ إيه اللى حققناه من أهدافنا؟ إيه طريقنا فى سبيل بناء بلدنا؟ لابد أن نسأل أنفسنا كل سنة ونحن نحيى ذكرى شهداء بورسعيد هذا السؤال. ثم ننظر إلى الماضى، وننظر إلى الحاضر، وننظر إلى المستقبل.

حينما قامت هذه الثورة، وحينما أجمع هذا الشعب على تأييد هذه الثورة؛ لم يجمع هذا الشعب على أن يؤيد هذه الثورة لأشخاص أو لأفراد، ولكنه أجمع على أن يؤيد هذه الثورة لمبادئ كان يؤمن بها، وكان يكافح من أجل تحقيقها، مبادئ ومثل، هذه المبادئ وهذه المثل كانت تمثل دائماً آمال هذا الشعب وأمانى هذا الشعب، كانت هذه المبادئ تنبثق من وجودنا، وتنبثق من تكويننا، وتنبثق من طبيعتنا.

وحينما أعلنا أننا نؤمن بالقومية العربية والوحدة العربية إنما كنا نعبر بهذا عما يفتعل فى قلب كل فرد من أبناء هذه الجمهورية؛ ولهذا فإن الشعب أيد فكرة القومية العربية ودعوة الوحدة العربية، ورفع الشعب علم القومية العربية وعلم الوحدة العربية؛ لأنه كان دائماً يؤمن فى الماضى وفى الحاضر، منذ سنين طويلة بل منذ قرون طويلة أن القومية العربية والوحدة العربية هى سبيل القوة، وهى سبيل الحياة. وحينما أعلنا أننا نتجه إلى بناء مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى، كان هذا الشعب يشعر أننا بهذا نعبر عن آماله وأمانيه. ماذا يعنى المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى؟ إن هذا يعنى - أيها الإخوة - المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية، العدالة الاجتماعية، رفع مستوى المعيشة، القضاء على الاستغلال، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على سيطرة رأس المال، وإيجاد فرصة متكافئة لكل فرد من أبناء هذا البلد، لا سادة ولا عبيد، ولكنا جميعاً تحت علم هذه الجمهورية نشعر بالعزة ونشعر بالمساواة.

كان هذا - أيها الإخوة - هو المبدأ الذى أعلناه منذ قامت الثورة، وحينما أيد الشعب هذه الثورة لم يكن يؤيد الأفراد ولكنه كان يؤيد المبادئ، وحينما أيد المبادئ كان يعنى بهذا أنه آلى على نفسه أن يحمى هذه المبادئ ويضعها موضع التنفيذ. ولكن - أيها الإخوة المواطنون - لم يكن هذا بالأمر السهل، ولم يكن هذا بالأمر الهين؛ لأننا كنا فى هذه المنطقة من العالم فى داخل مناطق النفوذ. فبعد الحرب العالمية الأولى قسمت البلاد العربية بين الحلفاء الذين انتصروا فى الحرب العالمية الأولى، ووضعنا فى داخل مناطق النفوذ، وكان معنى الاستقلال، وكان معنى القضاء على الاستعمار وعلى أعوان الاستعمار أننا سنجعل بلادنا ملكاً خالصاً لنا، كان معنى القضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار ان احنا حنكون مستقلين، وان احنا حنكون أسياد بلدنا، وان احنا حنبنى بلدنا زى ما احنا عايزين، مش زى ما يعوز المستعمر فى لندن زى ما كان بيحصل فى الماضى.. دى كانت المعانى الكبرى لهذا الإيمان بهذه المبادئ.

وحينما أعلنا أننا نؤمن بالقومية العربية والوحدة العربية، وأننا نتبنى القومية العربية والوحدة العربية كدعوة نعمل فى سبيلها، ونضحى فى سبيلها؛ كان معنى هذا - أيها الإخوة المواطنون - أننا سنعمل على أن نقضى على النفوذ الأجنبى لا فى مصر فقط ولكن فى جميع أنحاء الأمة العربية.

وحينما أعلن الشعب العربى فى سوريا إيمانه بالقومية العربية والوحدة العربية، والتقت الإرادة الحرة فى القاهرة وفى دمشق؛ كان هذا - أيها الإخوة المواطنون - لا يعنى فقط أننا نعمل فى شئون دمشق وفى شئون القاهرة، ولكن كان هذا يعنى أيضاً أننا سنقاوم السيطرة الأجنبية ومناطق النفوذ؛ ولهذا فإننا جابهنا منذ أول يوم مقاومة عنيفة ضد دعوة القومية العربية، وضد دعوة الوحدة العربية، قاومناها هنا فى مصر، وقاومناها فى سوريا؛ لأن دعوة القومية العربية التى كانت أملاً يراود الشعب العربى أصبحت حقيقة واقعة ملموسة؛ حينما تحررت سوريا من الاستعمار الفرنسى، وحينما تحررت مصر من الاستعمار الإنجليزى، وحينما سنحت الفرصة للشعب العربى فى سوريا وفى مصر أن يعبر عن إرادته بحرية، بعيداً عن مناطق النفوذ، وبعيداً عن السيطرة الأجنبية. كان لابد للأجنبى، وكان لابد للاستعمار الذى عمل دائماً على أن نكون داخل مناطق نفوذه، والذى عمل دائماً على أن نكون داخل مناطق أحلافه العسكرية؛ أن يعمل على مقاومة هذه الروح النامية، وأن يعمل على أن يدب اليأس فى نفوس الشعب الذى كافح وانتصر؛ فآمن بنفسه واستطاع أن يعتقد أنه يستطيع أن ينتصر فى كل المعارك.

حينما رفعنا راية القومية العربية كان هذا يعنى للاستعمار أننا سنعمل على تحطيم النفوذ الأجنبى فى جميع أنحاء الأمة العربية، وأننا سنساعد حركات التحرر فى كل وطن عربى، وكان الاستعمار الذى قسم الأمة العربية، والذى حاول دائماً أن يبث بينها الفرقة والبغضاء؛ يرى فى هذا القضاء على سيطرته التى مكنها بعد الحرب العالمية الأولى.

وحينما أعلنا - أيها الإخوة المواطنون - أننا نتجه إلى بناء المجتمع الديمقراطى الاشتراكى التعاونى؛ كان فى هذا التهديد لاستغلال الاستعمار. الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى استولى على هذه البلاد العربية، وماذا عمل الاستعمار؟ عمل على أن يستغل هذه البلاد لمنفعته، عمل على أن يستغل بترول البلاد العربية لمنفعته، وثروات البلاد العربية لمنفعته، وكان الاستعمار يرى فى الدعوة إلى إقامة المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى فى جمهوريتنا الخطر الذى يهدد استقلاله، الخطر الذى يهدد عمله فى امتصاص دماء الأمة العربية؛ لأن بناء المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى إذا نجح فى هذه الجمهورية، فلابد أن يجذب العرب فى كل مكان، ولابد أن يدفع العرب فى كل بلد عربى إلى أن يطالبوا بأن يستردوا الحقوق التى سلبت منهم، وإلى أن يستردوا الأموال التى استولت عليها دول الاستعمار بالقوة الغاشمة، وإلى أن يقضوا على الاستغلال.

ولهذا كان الاستعمار يرى فى دعوتنا من أجل إقامة عدالة اجتماعية، ومن أجل تحقيق المساواة، ومن أجل القضاء على الإقطاع، ومن أجل القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم والقضاء على الاحتكار؛ كان يرى فى هذه الدعوة خطراً يهدد مصالحه، ليه بيهدد مصالحه؟ لأنه بيستغل الأمة العربية، وبيسلب الأمة العربية حقها، وبيسلب الأمة العربية أموالها، كان يرى فى نجاح هذه الدعوة نهاية لاستغلاله لدماء الأمة العربية، وكان يرى فى نجاح القضاء على أعوان الاستعمار نهاية للقضاء على أعوانه فى سائر الأمة العربية.

ولهذا - أيها الإخوة - واجهنا مقاومة الاستعمار منذ أول يوم من أيام ثورتنا؛ لأن الاستعمار كان يرى فى دعوة القومية العربية والوحدة العربية القضاء على سيطرته وعلى مناطق النفوذ التى أقامها والتى بناها فى هذه المنطقة، ولأن الاستعمار كان يرى فى نجاح بناء المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى القضاء على استغلاله للأمة العربية؛ لأن نجاح بناء هذا المجتمع إنما يعنى نجاح العدالة الاجتماعية، وإنما يعنى بناء المثل الذى يجذب الملايين من أبناء الأمة العربية، والمثل دائماً يحتذى، فإذا نجحنا فى العدالة الاجتماعية، وإذا نجحنا فى القضاء على الاستغلال، وإذا نجحنا فى المساواة، وإذا نجحنا فى بناء وطن حر عزيز كريم، لا سادة فيه ولا عبيد، ولا أعوان للاستعمار؛ فكيف يمكن للاستعمار أن يسيطر فى سائر أنحاء الأمة العربية؟! كيف يمكن للاستعمار أن يسيطر على مشاعر الشعوب العربية التى كافحت دائماً والتى كانت دائماً تتلهف إلى العدالة الاجتماعية، وإلى المساواة، وإلى تكافؤ الفرص، والتى كانت دائماً تكافح من أجل القضاء على مناطق النفوذ، والتى كانت دائماً تكافح قى سبيل القضاء على الاستغلال الأجنبى، وتكافح فى سبيل استرداد حقها فى أرضها وحقها فى ثرواتها؟!

ولهذا - أيها الإخوة المواطنون - بدأ الاستعمار من أول يوم من أيام الثورة يكافحنا ويحاربنا؛ لأنه كان يرى فى نجاح هذه التجربة خطراً على كل سيطرته، خطراً على كل استغلاله، ولكنا استطعنا أن نصمد فى هذه المعارك. كانت المعارك التى تعرضنا لها.. طبعاً كلنا نعلم أنها لم تكن بأى حال المعارك الهينة، ولكنها كانت المعارك القاسية، المعارك الصعبة، المعارك المريرة. فهنا فى مصر تعرضنا للحصار الاقتصادى، وتعرضنا للحرب النفسية، وتعرضنا لحرب الإذاعات وتعرضنا للدس وللفتنة، تعرضنا لكل هذا، وتعرضنا أيضاً للتهديد العسكرى، ثم تعرضنا لتسليح إسرائيل، ثم تعرضنا للعدوان الثلاثى، ولكن الله نصرنا فى هذه المعارك كلها؛ لأننا فى هذا كله كنا نعمل - أيها الإخوة - من أجل المبادئ، ومن أجل المثل العليا، وكان كل فرد يعمل لأنه يرى فى هذه المبادئ أمله فى أن يحيا حياة حرة عزيزة كريمة، كنا نعمل للمبادئ ولم نكن نعمل بأى حال للأشخاص، أو لفئة قليلة من الناس؛ صفينا الإقطاع وقضينا على الاحتكار، ثم قضينا على سيطرة رأس المال على الحكم واستغلالها، وآلينا على أنفسنا أن يكون هذا البلد ملكاً لأبنائه جميعاً.
كانت هذه هى المبادئ التى كافحنا من أجلها؛ ولهذا انتصرنا لأننا كنا نحارب فى سبيل المبادئ وفى سبيل المثل، ولم نكن نحارب بأى حال فى سبيل الأشخاص، أو فى سبيل فئة قليلة مستغله من الناس.

هذا - أيها الإخوة - هو ماضينا القريب، وهذا هو تاريخ كفاحنا، وكان هذا الانتصار نقطة تحول فى العالم أجمع، ومش فى العالم العربى بس، كل العالم، وكل بلد صغير من الدرس اللى اديناه فى بورسعيد، واللى اديناه فى كفاحنا.. خرج بأن كل دولة صغيرة إذا آمنت بالمبادئ، وإذا آمنت بالمثل العليا؛ تستطيع أن تجابه أعتى القوى وأعتى الجيوش، وتستطيع أن تجابه الدول العظمى.

هل الاستعمار اللى تآمر علينا فى الماضى علشان يقضى على دعوتنا؛ لأن دعوتنا إلى القومية العربية هى دعوة، ودعوتنا إلى الوحدة العربية هى دعوة، ودعوتنا إلى الاشتراكية التعاونية والعدالة الاجتماعية هى دعوة تتنافى مع كل ما كان يدبره الاستعمار لنا، هل هزيمة الاستعمار فى معاركه المباشرة تجاهنا.. هل هذه الهزيمة مكنت اليأس فى نفسه أو مكنت اليأس فى قلبه من أنه سيهزم فى معارك أخرى؟ الاستعمار اللى عمل ضدنا ١١ محطة إذاعة سرية تذيع كل يوم؛ لتبث الفتنة بين أبناء الأمة العربية، وبين أبناء جمهوريتنا، وفشل. وأنا كنت باقول لهم إنكم بتذيعوا على ١١ محطة ومتصورين ان الشعب فى الجمهورية العربية المتحدة بيسمع لهذه الإذاعات، يمكن أقول لكم إن فيه واحد بس اللى بيقرا هذه الإذاعات اللى هو أنا؛ لأن هذه الإذاعات بتيجى لى كل يوم، ولكن شعبنا شعب واعى.. شعبنا شعب واعى.. شعب متودك، وعارف فى الأيام اللى فاتت ازاى كان الاستعمار بيتعامل معاه.. شعبنا مش أبداً الشعب اللاهى أو الشعب البسيط.. شعبنا مش أبداً الشعب اللى بتفتكروه عبيط، يمكن نكون فقرا.. حقيقى.. لكن مش عبطا، يمكن نكون بنسعى من أجل رزقنا وبنشقى، ولكن لا يمكن بأى حال من الأحوال فى أى هذه الحالات ينتابنا العبط، وننسى احنا إيه والاستعمار إيه. إذا كان فيه ١١ محطة إذاعة سرية بتذيع فهم بيذيعوا فى الهوا، مش بيذيعوا لشعب الجمهورية العربية المتحدة.

وأنا أما كنت باقرا هذا الكلام، وطبعاً كان لابد أقرا هذا الكلام؛ لأن من هذا الكلام كنت أستطيع أن أعلم ماذا فى صدور أعدائنا، وما هى نوايا أعدائنا.. بيدبروا لنا إيه؟ حقدهم وصل لنا لأى مدى؟ كنت باقرا هذه الإذاعات، وكنت أؤمن أن شعب الجمهورية العربية المتحدة لا يمكن بأى حال أن يخدع من هذه الأساليب؛ أساليب التفرقة وأساليب الدس.

الاستعمار فى الماضى اتبع سياسة فرق تسد، ولكنه لم يخدع الشعب.. خدع بعض أصحاب المصالح، خدع بعض الناس اللى رضوا أن يجعلوا من أنفسهم أعواناً للاستعمار لقاء دراهم معدودة، ولقاء ثمن بخس، ولكن هل خدع الشعب العربى فى الجمهورية العربية المتحدة أو فى أى بلد عربى؟ طبعاً كلنا نعلم هذا من أيام ما كنا صغيرين فى المدارس، حتى الصغيرين لم يخدعوا بهذه الأساليب التى اتبعت من أجل التفرقة، والتى اتبعت من أجل السيطرة، فالشعب حينما قضى على أعوان الاستعمار هوى الاستعمار وتساقط، الشعب حينما قضى على أعوان الاستعمار كان يؤمن وكان يعلم، وكان على يقين من انه غلب على أمره لزمن، ولكنه لن يغلب على أمره إلى الأبد.

لابد للشعب أن ينتصر، لأن إرادة الشعب من إرادة الله؛ ولهذا كان دائماً فيه كفاح؛ كان فيه كفاح سنة ١٩ فى مصر، وكان فيه كفاح فى سنة ٣٠ وفى سنة ٣٦، وكانت الناس بتموت وبتعرض صدورها للرصاص، وكان فيه كفاح فى سوريا فى ثورات متوالية، حتى كان الكفاح الأكبر فى نهاية الحرب العالمية الثانية من أجل الاستقلال، واستطاع الشعب السورى المؤمن؛ المؤمن بحقه فى الاستقلال والحرية، فى الحياة، أن ينتصر، ينتصر على مين؟ ينتصر على اللى خرجوا من الحرب منتصرين على "هتلر"، الشعب السورى استطاع أن ينتصر على الحلفاء والحلفاء كانوا فى ذروة انتصارهم؛ لإنه آمن بحقه فى بلده، وفى حريته، وحقه فى أن يكون سيد نفسه.

إذن احنا لم نخدع أبداً.

فى فلسطين.. كان الشعب فى فلسطين دائماً يعلم أن لابد له من أن يكافح.. يناضل فى سبيل البقاء على بلده، وفى سبيل البقاء على وطنه، وكان الكفاح وكانت الثورات مستمرة ضد سيطرة الاستعمار، حاول الاستعمار بكل الوسائل أن يخدع الشعب، ولكن الشعب لم يخدع، طبعاً استطاع الاستعمار - كما تمكن فى كل بلد من بلاد العالم - أن يسيطر على فئة قليلة تريد لنفسها الثروة والجاه والنفوذ، ولكنه لم يستطع أبداً أن يسيطر على الشعب.

وأنا شفت بنفسى الشعب.. الشعب اللى ما بيملكش حاجة، أو بيملك الأرض اللى تدى له قوت يومه، ازاى كان بيبذل دمه ويبذل روحه فى فلسطين، وأنا فى سنة ٤٨ فى فلسطين شفت واحد وكان معاى فى المعركة، وأولاده الاتنين ماتوا فى المعركة.. لم يذرف دمعة واحدة، ولكنه كان بيقول انه مستعد يفدى أولاده الـ ٦ فى سبيل تحرير بلده. دى روح الشعب العربى فى كل بلد عربى؛ لأن الشعب العربى يشترك فى هذه الخواص.. الخواص اللى نعلمها كلنا على مر السنين وعلى مر الأيام، الشعب العربى ضحى دايماً فى سبيل حريته، والشعب العربى لم يخدع أبداً، يمكن فى بعض السنين أو فى بعض الأوقات خدع لوقت قليل، ولكن ما انضحكش عليه أبداً على طول.

الاستعمار حينما هزم فى معركته لنا مواجهة، بيحاول مرة أخرى أن يحارب نفس المعركة بنفس الغرض، الهدف أيضاً هو الجمهورية العربية المتحدة، وطبعاً الجمهورية العربية المتحدة ليه؟ لأنكم تبنيتم مبادئ، ونجحت هذه المبادئ ووضعت موضع التنفيذ؛ مبادئ القومية العربية، ومبادئ الوحدة العربية، ومبادئ الاشتراكية، وإقامة عدالة إجتماعية، وزى ما قلت الاستعمار بيجد فى نجاح هذه المبادئ تهديداً خطيراً لوجوده، وتهديداً خطيراً لاستغلاله، وتهديداً خطيراً لامتصاصه لثروات الأمة العربية، ولاستغلاله لثروات الأمة العربية.

بعد ٥٦ حصل إيه؟ بعد ٥٦ رجعت الدول الكبرى تجر أذيال الخيبة والفشل، ولكن هل تراجعت عن غرضها وتراجعت عن أهدافها؟ لم تتراجع.. ويمكن كان استمرار انتصاركم دافعا أكبر لهم انهم لا يتراجعوا، ولكن يحاولوا أن يحققوا أهدافهم بوسائل أخرى. كان الانتصار الكبير اللى تحقق بعد نصر بورسعيد هو قيام الجمهورية العربية المتحدة.. الوحدة.. الأمل اللى كانت الأمة العربية بتنادى به، فى كل بلد عربى كانت الهتافات تنادى بالقومية العربية والوحدة العربية، من امتى؟ من أيام صلاح الدين.. من القرن الثانى عشر.. وكانت الأمة العربية تنادى بالوحدة العربية.

فى هذا الجيل.. فى هذه السنين وفى هذه الأيام حصل حدث كبير.. إيه؟ كان زمان أيام الحرب العالمية الأولى بيقعد "تشرشل" بيجيب قلم رصاص ويخطط خريطة، ويقول دى شرق الأردن أديها للأمير عبد الله، ودى نديها لفلان، ودى نديها لعلان، والناس اللى خدمونا بنكافئهم، النهارده إيه اللى حصل.. مش "تشرشل" اللى جا خطط بالقلم الرصاص ولا "إيدن".. "إيدن" راح فى داهية. وبعدين ما راحش لوحده، أنتم اللى وديتوه فى داهية، يعنى المصيبة مصيبتين.

وبعدين ما رضيتوش تسكتوا أبداً بهذا النصر، كان زمان "إيدن" بيقدر يطير أى رئيس وزارة فى مصر، فى ٢٤ ساعة يبعت له السكرتير التالت! كلنا كنا بنعرف الحكايات دى! وبعدين أراد الله وتتحول الأيام، وهذا الشعب.. مش شعب البشوات ولا البهوات، ولا أصحاب الأموال؛ الشعب اللى بيعمل وبيكدح فى سبيل عمله، وفى سبيل بناء بلده، ببييجى عليه الزمن ويستطيع انه يقول لرئيس وزراء بريطانيا اتفضل.. انت فشلت.

دا التغيير الكبير، المعنى الكبير، المعنى دا يمكن احنا بننظر له على أساس انه شىء طبيعى لأن احنا أخدنا عليه، ولكن أما نرجع للسنين اللى فاتت، وازاى كان السفير البريطانى بيتصرف، وازاى كانوا بيروحوا يدوا له فروض الطاعة والولاء؛ بنعرف فعلاً الشعب دا قدر يحقق المعجزات. وبعدين مش بس فشلت حملة "إيدن" وخابوا خيبة كبيرة، مش بس كده، لأ، بنخطط خريطة الأمة العربية زى ما احنا عايزين؛ بيعلن الشعب السورى إرادته، وبيعلن الشعب المصرى إرادته، وبتقرر الوحدة، وبعدين بيتقرر فى دمشق والقاهرة قيام الجمهورية العربية المتحدة، مش بيتقرر فى مكاتب السفارات، ولا فى مكاتب الدول الكبرى، ولا فى مكاتب عملاء الاستعمار، لأ، بيتقرر فى الشارع بواسطة الشعب.. الشعب اللى بيعمل، والشعب اللى بيكافح، والشعب اللى شال البندقية علشان يقاتل، وعلشان يحمى استقلاله، وعلشان يفدى هذا الاستقلال بدمه.

دا التحويل الكبير، دا التطور، احنا يمكن على أساس المعارك الكبيرة اللى دخلناها بننظر لهذه الأمور على أنها أمور هينة، وعلى أنها أمور سهلة، ولكن إخوانا اللى قاعدين فى لندن واللى قاعدين فى واشنطن واللى قاعدين فى باريس ما بيبصوش للأمور بهذا الشكل، ما أصبحوش الأسياد هنا؛ فيه أسياد تانيين.. اللى هم أنتم.. اللى هم الشعب.. بيعملوا إيه علشان يجابهوا هذا؟ جابهونا مواجهة ففشلوا، جابهونا بالأساطيل ففشلوا، تآمروا مع إسرائيل ففشلوا، قدموا لنا إنذارات ففشلوا، جمدوا أموالنا ففشلوا، عملوا علينا حصار اقتصادى مافيش فايدة، عملوا إذاعات سرية مافيش فايدة، دفعوا فلوس لضباط علشان يعملوا انقلابات ماحدش سمع كلامهم.

هل حيرضوا بهذا الذل وهذا الهوان؟! كل انتصار لكم هنا معناه هزيمة لهؤلاء الناس اللى كانوا بيعتبرونا ملك لهم، واللى كانوا بيعتبرونا فى داخل مناطق نفوذهم، واللى كانوا بيعتبروا أنفسهم أسياد واحنا العبيد اللى علينا نطيع، واللى كانوا بيرشوا باشوات البلد.. ياخدوهم يعملوهم باشوات ويدوهم شوية فلوس علشان يتحكموا فينا، وبعدين الباشوات طبعاً يروحوا يبوسوا أيديهم.

تطور كبير، تطور خطير، تجربة إذا نجحت ستعم آثارها العالم أجمع؛ لأن شعوب العالم التواق إلى الحرية لن ترضى لأعوان الاستعمار أن يحكموها، ولن يرضوا أن يشتروا بالمال، ولن يرضوا لثرواتهم أن تمتص بواسطة الاستعمار، ولن يرضوا بالاستغلال؛ لأنهم باستمرار حيشاوروا عليكم.. على الجمهورية العربية المتحدة.. ويقولوا: فى هذه الجمهورية شعب آمن بنفسه، وشعب آمن بوطنه، وشعب آمن بربه، وشعب صمم على أن يشترى الحياة بالموت، فاشترى الحياة ولم يكن الثمن الذى دفعه بالثمن الكبير، دفع دمه ودفع روحه، ولكنه فى سبيل هذا استطاع أن يستخلص بلده وعزته وكرامته، استطاع أن يتحول إلى شعب من السادة، استطاع أن يكون البلد الحر المستقل، المستقل الإرادة، والحر الضمير، اللى ما حدش يقدر يشتريه أبداً، وما حدش يقدر يؤثر عليه أبداً، بيعمل بوازع من نفسه ووازع من ضميره.

هذا - أيها الإخوة - هو المثل اللى أنتم ضربتوه. هل الاستعمار يرضى لهذا المثل أن ينجح؟ وهل الاستعمار يرضى لهذا المثل أن يرتفع علما خفاقاً للعالم أجمع حتى تحذو دول العالم التى تئن من وجودها داخل مناطق النفوذ هذا المثل؟ مش ممكن أبداً، ولكن بيعملوا إيه؟ العمليات التى يعملوها مواجهة فشلت، محطات الإذاعة السرية ما جابتش فايدة قفلوها، العمليات العسكرية فشلت، خلاص أصبح لا حول لهم ولا قوة.

فإذن ليس للاستعمار من سبيل إلا أن يحاول تحقيق هذا الغرض بوسائل أخرى، ملتوية خبيثة، بيستخدم مين؟ بيستخدم إسرائيل.. إسرائيل التى أقامها فى هذه المنطقة لتكون رأس رمح للاستعمار، وتكون رأس كوبرى للاستعمار.. ومين كمان؟ وأعوان الاستعمار.. أعوان الاستعمار اللى موجودين فى هذه المنطقة يستطيع أن يستخدمهم، ولأعوان الاستعمار فى هذا مصلحة؛ لأنهم يعلمون ألا وجود لهم إلا بالاعتماد على الاستعمار، ومصلحة الاستعمار ومصلحة أعوان الاستعمار بتلتقى، مصلحة الاستعمار ومصلحة الإقطاع بتلتقى، مصلحة الاستعمار ومصلحة الاستغلال بتلتقى؛ لأنهم بيقسموا الأسلاب بينهم وبين بعض، مصلحة الاستعمار ومصلحة الرجعية بتلتقى.

ولهذا كانت الخطة الجديدة التى واجهنا بها الاستعمار؛ قفل المحطات السرية وشغل محطة عَمان، شغل الملك حسين، قفل المحطات السرية وحب يدينا واجهة جديدة قد تكون ذات شكل عربى، كانوا بيقولوا فيه صوت الحق؛ لأنهم طبعاً أما قالوا صوت بريطانيا ماحدش أبداً... أيام العدوان كلكم كنتم بتسمعوا صوت بريطانيا، ولكن كل واحد كان بيعلم أن هذا صوت الأعداء. قالوا صوت الحق.. قلنا حق وراءه باطل.. ماحدش طبعاً سمع هذا الحق.. ماحدش سمع هذا الكلام.

نبقى نعمل إيه؟! قالوا بنعتمد على أعوان الاستعمار وعلى الصهيونية، إيه هدفهم؟ نفس الهدف؛ التفرقة، الفتنة، وبعدين احنا بننادى بدعوة كبيرة.. دعوة القومية العربية والوحدة العربية، بننادى بمبادئ هامة.. الاشتراكية الديمقراطية التعاونية، بننادى بإقامة العدالة الاجتماعية، بيقولوا: احنا بنلهيهم بمعارك فرعية علشان ينسوا هذه الدعوة، وينشغلوا بهذه المعارك الفرعية. طيب حتيجى منين المعارك الفرعية؟ من أعوان الاستعمار، ومن إسرائيل. دا طبعاً سر المحاولات اللى بنسمعها واللى بنشوفها، وسر التكتيكات التى يدبرها الاستعمار وأعوان الصهيونية والاستعمار.

بنبص نلاقى حكام عمان.. الملك حسين مثلاً ببييجى فى يوم واحد كل ٣ ساعات بيقول الحقوا فيه مؤامرة من الجمهورية العربية المتحدة.. جم يسمموا الآبار، فيه واحد نسفوه، لأ، دا حينسفوا الملك حسين، ضبطنا رجل رايح بيت الملك حسين، الحقوا فيه مؤامرة من الجمهورية العربية المتحدة.. الحقونا يا مجلس الأمن، والحقونا يا هيئة الأمم، والحقونا يا بريطانيا ويا أمريكا، تروح أمريكا كاتبة شيك بـ ٤ مليون دولار على طول تانى يوم.

إيه الهدف من هذا الكلام؟ بقى معقول يا استعمار ويا أعوان الاستعمار ان احنا... كنت حاقول حاجة تانية وبعدين رجعت طبعاً فى كلامى فى هذا الموضوع.

معقول يا استعمار ويا أعوان الاستعمار.. معقول ان احنا بنسمم بلد فيها عرب، واحنا نعرف إن العرب دول هم الجنود اللى حيقضوا على الاستعمار، وعلى أعوان الاستعمار؟ بيطلع الملك الأجير فى إذاعته ويقول بلاغ عاجل.. بلاغ خطير: الجمهورية العربية المتحدة جم يسمموا الآبار ويسمموا الشعب العربى، احنا مش عايزين نسمم الآبار، دا هو الشعب العربى عايز يسممك أنت، مش عايز يسمم الآبار.

وبعدين بيلحق تانى.. بيرجع تانى.. ما هو نبيه (ضحك) بيقول: إن الشعب العربى حيوصل لهذا الاستنتاج ويقول: الله! الجمهورية العربية المتحدة مالهاش هدف أبداً ضد الشعب العربى، وبيلحق تانى ويقول: لأ، فيه ملحق للبلاغ الخطير بتاع امبارح، دا احنا ضبطنا واحد متسلل من سوريا وجاى ينسف الملك حسين، واحد رايح ينسف الملك حسين!

دى الخطة الجديدة، وبعدين يقول لك تانى يوم فيه مؤامرة من الجمهورية العربية المتحدة، وكالات أنباء إنجلترا وأمريكا إلحق! بيانات طويلة! مؤامرة من الجمهورية العربية المتحدة! وطبعاً دور النشر الاستعمارية واللى بيصرف عليها الاستعمار بتروح مطلعة لك مانشتات على الجرايد، وتقول لك مؤامرة جديدة من الجمهورية العربية المتحدة!

إيه الغرض من هذا؟ الغرض من هذا انهم يفتتوا الدعوة التى آمنا بها وآمن بها الشعب العربى فى كل بلد عربى؛ دعوة القومية العربية، ودعوة الوحدة العربية، ودعوة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وبيعتقدوا انهم بهذا بيلخمونا فى معارك فرعية؛ نتلخم فى الملك الأجير وأمثاله، ونتلخم فى إسرائيل، وننسى هدفنا الأصلى، مش حننسى أبداً هدفنا الأصلى؛ قومية عربية، ووحدة عربية، وعدالة اجتماعية فى جميع أنحاء الأمة العربية، وفى جميع أنحاء العالم العربى.

دى الدعوة اللى احنا بنتمناها، ودى الدعوة اللى احنا بنعملها، ولن نتنكر بأى حال من الأحوال لمبادئنا ولأهدافنا. أموال العرب للعرب.. بترول العرب للعرب.. فلوس العرب للعرب.. أرض العرب للعرب، أما هذه الفقاقيع وهذه المؤامرات التى يكونها الاستعمار.. بيلمهم على بعض.. بيلم الملك حسين على "البهلوى"؛ علشان يقدروا يقفوا بالنسبة لنا، مافيش فايدة.. لن يستطيع الاستعمار ولا الرجعية بأى حال ولا أعوان الاستعمار انهم ينتصروا. إذاعة طهران كل يوم بتقول إن الجمهورية العربية المتحدة عايزة تعمل إمبراطورية، والجمهورية العربية المتحدة بتتآمر، والجمهورية العربية...

آه بنتآمر على أعوان الاستعمار، حنخلص على أعوان الاستعمار فى كل أنحاء العالم العربى؛ لأن دى مبادئنا، وإننا لن نتنكر لمبادئنا، وإننا سننادى دائماً بسقوط أعوان الاستعمار، وسننادى بسقوط الاستعمار.. يمكن نقعد ننادى فتره من الزمن، وننادى عموماً، وما نقولش أسامى، ولكن لازم نقول أسامى لأن دى واجباتنا، ودى دعوتنا، ودى مبادئنا، واحنا مسئولين عن حرية الأمة العربية فى كل وطن عربى وفى كل بلد عربى، واحنا مسئولين عن تحقيق العدالة الاجتماعية، مش بس هنا بس، ولكن مسئولين عن تحقيق العدالة الاجتماعية فى جميع أنحاء الأمة العربية؛ لسبب: لأن احنا استطعنا.. ونحمد الله اللى مكننا من ان احنا نكون أحرار.. ونكون أسياد لإرادتنا ولمشيئتنا، ونقضى على السيطرة، ونقضى على الاستغلال والاستبداد، ونقضى على مجتمع السادة والعبيد، ونعلن أننا كلنا سادة فى هذا البلد، وكلنا نشعر بالحرية والمساواة، احنا حققت لنا هذه النعمة، ونحمد الله عليها؛ ولهذا نحن نتعاون مع كل شعب عربى فى سبيل تحقيق القومية العربية، والوحدة العربية وفى سبيل إقامة عدالة اجتماعية، وفى سبيل القضاء على الرجعية والإقطاع والاستغلال والسيطرة، احنا الطليعة، وبلدنا هى القاعدة، واحنا اللى أردنا لنفسنا ان احنا نكون الطليعة، واحنا اللى أردنا لبلدنا أن تكون هى القاعدة؛ ولهذا نقبل مسئوليات الطليعة، ونقبل مسئوليات القاعدة.

احنا لا نتنكر لدورنا بأى حال من الأحوال، إننا نحارب الرجعية والاستغلال، وإننا نحارب الاستعمار وأعوان الاستعمار، وسنعمل على القضاء على الاستعمار والقضاء على أعوان الاستعمار فى جميع أنحاء الأمة العربية، بنقولها علناً، وبنقولها بالمفتوح؛ لأن دى مبادئنا اللى أعلناها، واللى آمنا بها، سنقضى على الاستعمار، وسنقضى على أعوان الاستعمار، وسنقضى على الرجعية، وسنقضى على الاستغلال، والترتيب اللى بيرتبوه الاستعماريين، والناس اللى بيلموهم، واللى احنا عارفينهم وبيقولوا لهم تعالوا معانا علشان تحموا مصالحكم، وتحموا المكاسب اللى أنتم خدتوها، وتحموا الفلوس اللى أنتم شفطوها، كل دول عارفينهم، ونستطيع أن نواجههم كلهم.. لسبب؛ لأن جمهوريتنا تقوم على أساس، والإقطاع والاستعمار وأعوان الاستعمار يقومون على مص الدم، يقومون على استعباد الشعوب.

فإذن أما بييجى الاستعمار النهارده ويقول لنا إن هو.. أو يجابهنا وهو من ورا الملك حسين؛ يتكلم الملك حسين واقف وراه "جون بول" أو واقف وراه الأمريكان، أو واقفين وراه الصهيونيين.. هل فيه واحد فى العالم العربى بيخدع؟ بيقولوا الولد طالع لجده، طبعاً، وبيقولوا شفنا فى سنة ٤٨ ازاى باعونا بالفلوس وبتراب الفلوس، ولا يمكن إنهم حيبيعونا بعد كده أبداً، لا بفلوس ولا بتراب فلوس؛ لأن احنا أخذنا الدرس.
لكى نتخلص من الاستعمار لابد من القضاء على أعوان الاستعمار، وبعدين الشعب العربى فى كل بلد بيؤمن بهذا، الشعب العربى فى الأردن بيؤمن بهذا، وكل واحد ما يعمل فى سبيل حرية بلده يلحقوا وينطوا على الميكروفون؛ ويقولوا الحقوا مؤامرة من الجمهورية العربية المتحدة ضد الملك حسين.. الملك حسين نسفوا له قصره، الملك حسين حيسموه.. الملك حسين.. شعب الأردن يعلم، يعلم إيه؟ يعلم انه يخضع للنفوذ الأجنبى، شعب الأردن يعلم ان ملكه باعه؛ ملك الأردن اللى فى يوم من الأيام ادعى الوطنية، وأنور السادات كتب له مقالة وقال له: سلمت يداك يا حسين؛ علشان يدفعه لأن يسير فى الخط الوطنى، وقلنا ان احنا بنرحب؛ نرحب بالخوارج فى أن يعودوا إلى الإيمان، ولكن العرق غلاب.. والرجل ما قدرش يقعد أكتر من ٤ أشهر على هذا الادعاء، ورجع تانى لأسياده، ورجع تانى للطريق الذى سار عليه أجداده.

أعوان الاستعمار النهارده فى النزع الأخير، بعد قيام الجمهورية المتحدة جرى الاستعمار البريطانى وجرت أمريكا ولحقوا لموا المتعوس على خايب الرجا وعملوا الاتحاد العربى، وطلعت وكالات الأنباء تقول إيه؟ تقول إنهم عملوا الاتحاد العربى علشان يجابهوا به الجمهورية العربية المتحدة.

ازاى المتعوس وخايب الرجا يجابهوا الشعب المؤمن؟! الشعب اللى بيعمل للمبادئ، الشعب اللى واضع هدفه قدام عينه علشان يحققه؟

طبعاً كانت أحلام وكانت أوهام، وفين النهارده الاتحاد العربى؟ بيروحوا للملك حسين ويقولوا له دا الشعب السورى مستنيك.. بس اركب حصان وعدى الحدود، يا ريته يسمع الكلام ويركب جحش حتى ويعدى الحدود، أنا مش حاعمل له حاجة، ولا الجيش الأول حيعمل له حاجة، وباقول له عليك الأمان.. بس اتفضل تعال ورينا.

الشعب العربى هو الشعب العربى، بكل ما ورثناه من قيم ومبادئ ومثل، الشعب العربى مش حينضحك عليه فى أى بلد عربى، الشعب العربى شعب غويط، بيستنى اليوم الموعود علشان يصفى حسابه مع اللى خانوه، ومع الناس اللى تنكروا له وتنكروا لمبادئه.

الشعب العربى لا يمكن أن يفرط فى حقه فى إقامة عدالة اجتماعيه ومساواة، الشعب العربى لا يمكن أن يقبل اغتصاب حقوقه وأمواله وثرواته، الشعب العربى لا يمكن أن يبقى فى داخل مناطق النفوذ، الشعب العربى لا يمكن إلا أن يكون الشعب الحر الأبى المستقل، ونحن أبناء الجمهورية العربية المتحدة طليعة هذا الشعب فى الزحف المقدس وفى الكفاح المقدس.

احنا شعب الجمهورية العربية المتحدة آلينا على أنفسنا أن نتصدى للاستعمار ولأعوان الاستعمار، وآلينا على أنفسنا أن نقيم بين ربوع الأمة العربية الوحدة العربية الخالصة. والوحدة العربية هى أعلى مراحل الوطنية؛ لأن الشروط التى تتوافر لقيام الوحدة العربية شروط صعبة؛ لابد من الاستقلال، ولابد من الحرية، ولابد من التخلص من النفوذ الأجنبى حتى تكون هناك وحدة عربية؛ لأن الوحدة العربية ليست بأى حال من الأحوال هى الأساليب الدستورية التى تكتب بالحبر والميه أبداً.. الوحدة العربية هى الوحدة التى تجمع الشعب الحر مع الشعب الحر، والبلد المستقل مع البلد المستقل، أما كيف يجمع البلد مع البلد الآخر.. فدا له أساليب كثير، ولكن ماذا قابلنا فى الماضى حتى لا توضع الوحدة العربية موضع التنفيذ؟ بيقولوا العيب عيبنا.. وإن العيب فينا.. والعيب فى العرب.. العيب أبداً مش فينا، ولا العيب فى العرب، ولا فى الشعب العربى، العيب فى التدخل الأجنبى.. حينما ينتهى النفوذ الأجنبى، وحينما ينتهى الناس اللى بياخدوا أوامر من الدول الأجنبية؛ تبقى الوحدة العربية سهلة جداً، ما تبقاش عملية دستورية؛ لأن مصالح أى بلد عربى هى مصالح البلد الآخر، ولكن أعوان الاستعمار مش بيعملوا لمصالح البلد العربى، ولكن بيعملوا لمصالح الاستعمار نظير طبعاً الثمن اللى بيقبضوه.

حينما ينتهى الاستعمار وأعوان الاستعمار من أرجاء العالم العربى الوحدة العربية بتبقى عملية سهلة وعملية بسيطة.

القومية العربية بتتحقق ببساطة؛ لأن الأهداف بتكون واحدة.. ليه النهارده العرب أما بيجتمعوا بيختلفوا فى الأهداف؟ ليه مثلاً بنروح الأمم المتحدة ويتشطر الملك حسين ويتنه رايح ويقبل انهم يأجروه علشان يروح يشتم الجمهورية العربية المتحدة؟ لأنهم أجروه، لو ما كانوش أجروه ماكانش بأى حال من الأحوال يقوم بهذا الدور. لما نقضى على الأجراء، ولما نقضى على أعوان الاستعمار، ولما نقضى على الطبقة المستغلة اللى بتتقاسم مع الاستعمار هذا الاستغلال، بيصبح العرب فى حال إذا اجتمعوا لا يمكن أن يختلفوا؛ لأن الأهداف واحدة، والأمانى واحدة، والمبادئ واحدة، ولكن الخلاف هو ما يدفعه الاستعمار بواسطة أعوان الاستعمار.
دى الأساليب اللى بيتبعوها النهارده، ولكن هل هذه الأساليب ستشغلنا أو ستلهينا عن تحقيق هدفنا؛ وهو القومية العربية، والوحدة العربية، والاشتراكية، والعدالة الاجتماعية؟ بنحارب فى المعارك الفرعية، وبنحارب أعوان الاستعمار، وبنسير فى طريقنا؛ لأن أعوان الاستعمار عمرهم قصير قوى، والاستعمار عمره قصير وهو بيحاول محاولة اليائس ضد التاريخ، ضد التطور، ضد سير الزمن كل اللى بيعملوه؛ ولهذا كل هذا مقضى عليه بالفشل.

نيجى للجزء الآخر من محاولات الاستعمار ضدنا، بنجد التركيز على سوريا ليه؟ ليه التركيز على سوريا مثلاً مش على مصر؟ يطلعوا أعوان الاستعمار ويقول لك إيه؟ الحالة الاقتصادية فى سوريا.. علماً بأن الحالة الاقتصادية... لأن الجفاف والزرع مش بس فى سوريا، سوريا كان فيها جفاف ولبنان كان فيها جفاف والأردن والعراق، وإسرائيل، كل هذه المنطقة كان فيها جفاف. تبص لوكالات الأنباء الأجنبية يقول لك بس سوريا تأثرت بالجفاف والباقيين ما تأثروش، طبعاً الباقين تأثروا، فيه بلاد منهم تأثرت أكثر مما تأثرنا فى سوريا، واحنا استطعنا أن نجابه هذه الأزمة فى سوريا، ولكن بيريدوا انهم يقضوا على المثل اللى خلقناه، اللى خلقه شعب سوريا وشعب مصر؛ اللى هو الجمهورية العربية المتحدة، بيقولوا إن الهدف الأساسى هو القومية العربية والوحدة العربية، وبعدين الممارسة والتطبيق فيه إيه؟ فى الوحدة بين مصر وسوريا؛ إذن نشوش على الوحدة بين مصر وسوريا بكل ما نستطيع.. بإيه؟ بالتركيز على سوريا.. بعدين بتبدأ الإذاعات.

هل تأثر شعب سوريا؟ لم يتأثر شعب سوريا، بيبدأ أعوان الاستعمار ودور النشر اللى بتصرف عليها، والأحزاب اللى بيصرفوا عليها فلوس، القوميين السوريين.. إلى أخر هؤلاء الناس اللى بياخدوا الفلوس من الأمريكان، واللى عندنا وثائق انهم كانوا بياخدوا فلوس من الأمريكان فى سنة ٥٨.. بيبدءوا يطلعوا جرايد ويصرفوا عليها، ويبدءوا ينشروا هذه الأخبار. هل أثر هذا على الشعب فى سوريا؟ لم يؤثر هذا على الشعب فى سوريا، وأنا كنت فى سوريا فى شهر أكتوبر، وشفت الشعب السورى أصلب عوداً وأشد إيماناً على تحقيق القومية العربية والوحدة العربية، وعلى تحقيق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

إذن حتى الوسائل الجديدة ما نجحتش، بيجى الملك حسين ويقول: إن هو كون حكومة سورية حرة، بيقولوا: إنه كون جيش علشان يتقدم ويحرر سوريا، صفقوا له طبعاً الدول الاستعمارية والدوائر الصهيونية، ولكن يتقدم بيشد حيله ويورينا جدعنته وشطارته، ويتقدم، واحنا قلنا احنا مش حنخلى الجيش يقابله حنسيبه للشعب يستقبله الاستقبال اللائق به. بعدين بيصرفوا فلوس وبيشوشوا فى الإذاعات، هل أثر دا ؟ ما أثرش.. هل خافوا العرب منهم؟ ما خافوش. يروحوا طالعين ويقولوا إيه.. إن إسرائيل بتعمل قنبلة ذرية.. خفنا؟ ما خفناش طبعاً.. ليه؟ سبب بسيط جداً؛ إنجلترا فى سنه ٥٦ يوم ٣٠ أكتوبر قدمت إنذار لى ان احنا نسلمها بورسعيد والإسماعيلية والسويس فى ظرف ١٢ ساعة وإلا نتعرض للغزو، طبعاً أنا حتى ما فكرتش فى هذا الإنذار، وما بحثتش حتى إيه الردود، رديت على طول برفض الإنذار؛ لأنى كنت أعتبر أننى بهذا أعبر عن إرادة كل واحد فيكم.

طيب وإنجلترا ماكانش عندها قنبلة ذرية؟ طيب ما كان عندها ١٠٠ قنبلة ذرية، وعندها صواريخ.. هل خفنا؟ ما خفناش.. حاربنا وضحينا، وبذلنا عرق ودم، وشهدا، ولكن ما خفناش. لما رفضنا إنذار بريطانيا فى سنه ٥٦، وفرنسا؛ كنا بنرفض هذا الإنذار ونحن نعلم أن بريطانيا تملك القنبلة الذرية، وتملك الصواريخ والأساطيل وحاملات الطائرات، وكنا نعلم أن بريطانيا دولة من الدول الكبرى، ولكن ما خفناش.. صممنا على أن نفدى بلدنا، وخرجت فى هذا اليوم وكان الشعب فى الشارع بينادى.. سنقاتل.. سنقاتل، كان كل واحد بيقول: حنحارب.. حنحارب.. ما خافش الشعب من بريطانيا وفرنسا والدول الكبرى، ما خافوش ليه؟ لأنه شعب بيؤمن ببلده، وبيؤمن بربه، وبيؤمن بنفسه، وبيؤمن بحقه فى الحرية والحياة، ادونا الإنذار، رفضنا الإنذار، هل خاف الشعب من رفض الإنذار؟ هل خرج واحد من هذا الشعب وقال أحسن نسلمهم بورسعيد والإسماعيلية والسويس أحسن ييجوا يضربونا بالقنابل الذرية؟ ما خرجش واحد.. خرج الأطفال هنا فى بورسعيد، خرجوا وشالوا السلاح علشان يحاربوا، خرج كل واحد وهو بايع نفسه.. كلنا كنا بايعين نفسنا من رئيس الجمهورية إلى أصغر واحد.

وفى هذا اليوم أنا برضه مع هذا الشعب بنقاتل، وندى درس للعالم، وندى درس لكل الأجيال.. وكنا نعتقد إن فيه قوة أكبر من القنبلة الذرية؛ قوة الإيمان، تأييد الله لنا فى معاركنا حتى نتحد، تعرفوا اتحدنا فى هذه المعركة.. الوحدة الوطنية اللى جمعت الشعب فى هذه المعركة كانت أقوى من ٢٠ قنبلة ذرية، دى اللى مكنتنا من ان احنا ننتصر على دول العدوان؛ اللى كانوا بيقولوا عليهم الدول الكبرى، قنبلتنا الذرية وحدتنا وإيماننا ببلدنا. بيقولوا النهارده إن إسرائيل بتعمل قنبله ذرية.. ردنا على هذا ان هذا الكلام بيزيد العرب إصراراً على التمسك بالقومية العربية والوحدة العربية، وإذا كانت إسرائيل تقدر تعمل قنبلة ذرية احنا كمان نقدر نعمل قنبلة ذرية. إسرائيل إذا كانت إسرائيل بتقول.. بتنشر هذه الدعايات على أساس انها تخوفنا احنا بنطلع من كل ما نشر باستنتاجات كتيرة، والاستنتاجات دى مبنية على شواهد كثيرة، سنة ٥٥ طلبنا من الغرب إنه يسلحنا، رفضوا وفرضوا شروطهم علينا، إسرائيل كانت بتاخد السلاح وبتاخد الفلوس، وبعدين أما جم سنة ٥٦ واعتدوا علينا.. مش بس حتى اعتمدوا على السلاح اللى خدوه، لا، استلفوا طيارين وطيارات من فرنسا؛ علشان يحاربوا لهم.. ولكن هل عجزنا ان احنا نحصل على السلاح؟ لن نعجز ولن نمكن إسرائيل بأى حال من الأحوال أن يكون لها التفوق علينا، سيكون لنا دائماً - مهما ضحينا ومهما صرفنا - التفوق على إسرائيل.

حيكون لنا التفوق الأرضى دائماً والتفوق الجوى، إذا تأكدنا من أن إسرائيل بتعمل القنبلة الذرية يبقى دا معناه بداية الحرب بيننا وبين إسرائيل؛ لأننا لا نمكن إسرائيل من أن تعمل على إنتاج قنبلة ذرية، لابد من أن نهاجم قاعدة العدوان؛ ولو نجند ٤ مليون حتى نقضى على قاعدة العدوان. ولكن هل إسرائيل فعلاً بتقدر تنتج قنبلة ذرية؟ بيقولوا فرنسا بتساعدها.. طبعاً بنبص للمصالح، واللى بيقولوا هيفرضوا الصلح على العرب، وبنقول لهم بعدكم، لا حتقدروا تفرضوا الصلح، تتصرفوا فى واشنطن على كيفكم، تتصرفوا فى لندن على كيفكم، لكن القاهرة لأ؛ بعيد عنكم كلكم انكم تفرضوا حاجة فى القاهرة، اللى خطب واللى تكلم واللى قال الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى نقول لهم والله متأسفين، ماحدش بيقدر يفرض علينا ،اللى عايز يفرض إرادته يتفضل يفرض إرادته فى بلده، احنا هنا انتهى زمن فرض الإرادة.

بنيجى نفكر فى الحل الآخر، هذه الدعاية إن دلت على شىء فإنما تدل على أن دول الاستعمار تمهد الجو لتسلح إسرائيل بأسلحة ذرية، وتقول إن إسرائيل أنتجت الأسلحة الذرية، أنا لا أستبعد بأى حال من الأحوال على الدول اللى لم يكن لها أو عندها أى ذرة من الشرف فى سنة ٥٦، وتروح تتواطأ مع إسرائيل، ويتفقوا معاهم اتفاق سرى علشان يهجموا علينا، ونبعت جيشنا إلى سيناء حتى يهاجمونا بعد كده، لا نستبعد على هذه الدول أن تتواطأ مع إسرائيل وتديها أسلحة ذرية.

طبعاً معركة مع الاستعمار ومعركة مع الصهيونية، وهناك تحالف بين الاستعمار وبين الصهيونية، ولكنا فى هذا الوقت سنحصل على القنبلة الذرية والأسلحة الذرية بأى ثمن لأن الثمن.. لأن الموضوع بقى هنا ما بقاش موضوع حياد ولا موضوع سلام، ولكن بقى موضوع مصير، سنحصل على القنبلة بأى ثمن، احنا بننادى بالحياد الإيجابى وعدم الانحياز من أجل السلام العالمى، ولأننا نؤمن أن انقسام العالم إلى كتلتين يساعد على نشوب الحرب ونحن نريد للعالم السلام.

ولهذا أعلنا سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز، أعلنا هذه السياسة وطبقناها؛ طبقناها لأننا نؤمن بها، وكنا بندى قراراتنا ونحن لسنا على ارتباط بأى كتلة من الكتل، ونعتقد أننا بهذا إنما نساعد العالم على أن يعيش فى سلام.

أعلنا سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز، وبذلنا دمنا وشهداءنا فى سبيل المحافظة على حريتنا وعلى استقلالنا، أعلنا الحياد الإيجابى وعدم الانحياز، وعملنا فى هذا السبيل، وكانت دول الاستعمار توجه ضدنا كل الأسلحة، ولكنا كنا دائماً نصمم على أن نسير فى هذا الطريق. أعلنا سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز ونحن نحرم من السلاح، وإسرائيل تأخذ السلاح من الغرب، ولم نفرط بأى حال من الأحوال فى مبادئنا، ولكن إذا كانت إسرائيل تتحالف مع الاستعمار ضد حياتنا وضد مصيرنا؛ مش ممكن نقبل ان احنا نتقلب إلى شعب من اللاجئين، لازم نتبع كل وسيلة لنحافظ على بلدنا، ثم لنقضى على عدونا.

دا الكلام والرد اللى بنقوله، كلام واضح.. كلام ما فيش فيه تورية، ولكنه كله وضوح.. لن نجابه تهديد إسرائيل، ولن نجابه حملات إسرائيل، ولن نخاف من تهديد إسرائيل، ولن نخاف من حملات إسرائيل، ولن يرهبنا تهديد الاستعمار وتهويش الاستعمار؛ بل إننا نشعر بأننا أشد تصميماً على استعادة حقوق شعب فلسطين، شعب فلسطين العربى اللى حاربنا الاستعمار وحاربتنا الصهيونية لتغتصب منه بلده.

بتطلع جرايد إنجلترا وتقول إن فرنسا بتساعد إسرائيل لإنتاج قنبلة ذرية؛ بس علشان يتعبوا الجمهورية العربية المتحدة، ويخلقوا المتاعب لجمال عبد الناصر لأنه بيساعد الجزائر. نحن نساعد الجزائر لأننا نؤمن بحق الجزائر فى الحرية والاستقلال، ونحن نتضامن مع شعب الجزائر ضد جميع قوى الاستعمار، ونحن نستنكر محاولات فرنسا وحلفاء فرنسا لتنكرهم لكل المبادئ اللى أعلنوها ورجعوا عنها؛ حلف الأطلنطى اللى بيقولوا إنهم بيمثلوا العالم الحر، ولا يمثلوا إلا حب الاستعباد والسيطرة؛ لأن حلف الأطلنطى هو اللى بيساعد فرنسا، وهم بقى اللى بيقولوا حيدوا إسرائيل القنبلة الذرية؛ إذن بيبقى حلف الأطلنطى فى هذه الحالة هو عدونا الأول؛ لأن حلف الأطلنطى اللى بيدى فرنسا فى الجزائر الأسلحة، واللى بيدى إسرائيل الأسلحة واللى بيقول: إنهم حيدوها القنبلة الذرية، فى هذا الحال أصبح العداء بيننا واضحا، ويجب أن نأخذ كل الاحتياطات حتى نقابل هذا العداء بمثله.

إننا نعادى من يعادينا ونصادق من يصادقنا، دى فكرتنا للحياد؛ يعنى إيه حياد؟ يعنى إيه حياد إيجابى؟ مش يعنى واحد ييجى يضربنى قلم أقول له خلاص، دا أنا محايد ماليش دعوة بك.. أبداً، بنعادى من يعادينا، واللى بيضربنى قلم بامسك فى زمارة رقبته، ما باسيبوش.

دا الحياد.. دا الحياد الإيجابى، أما احنا بنقول ان احنا بنتبع سياسة الحياد الإيجابى؛ يعنى بنصادق من يصادقنا ونعادى من يعادينا.

إذا كانوا فاكرين ان احنا بنقول ان احنا بنتبع سياسة الحياد الإيجابى علشان كده يعتدوا علينا، أو يعتدوا على الأمة العربية، أو يدوا إسرائيل أسلحة ويعاونوها، ونعتبرهم أصدقاءنا، ونقول والله احنا محايدين مالناش دعوة بكم، اعملوا اللى أنتم عايزين تعملوه لغاية ما تخلصوا علينا، بيبقوا طبعاً مغفلين ما يفهموش أى حاجة أبداً.

الحياد الإيجابى هو أن نعادى من يعادينا، ونصادق من يصادقنا، حلف الأطلنطى بيعادينا فى الجزائر، حلف الأطلنطى بيعادينا فى معاونته لإسرائيل، وفى تسليحه لإسرائيل، حلف الأطلنطى والدول الغربية والاستعمار الغربى بيعادونا، وبيعادوا المبادئ، ونحن فى هذا نصمم على مبادئنا بييجوا الأمريكان بيقولوا إيه؟ بيقولوا الله دا أنتم ما أنتوش محايدين لأنكم فى الأمم المتحدة صوتوا مع الروس ١٤ مرة وما صوتوش معانا أبداً..

بنقول لهم يا جماعة، افهموا.. احنا ما بنبيعش أصواتنا.. أصواتنا مش للبيع، لا لكم ولا للروس ولا لغيركم، ولكن احنا نصوت وفق مبادئنا. تعالوا نشوف القرار اللى قدمته الدول الآسيوية - الإفريقية ضد الاستعمار.. طيب نصوت معاكم ازاى، أما أنتم ما وقفتوش مع القرار الذى يستنكر الاستعمار، ويوصى بتصفية الاستعمار، هل عايزنا نراضيكم ونقول والله علشان خاطر عيون الأمريكان بنصوت مع بقاء الاستعمار ومع استعباد الشعوب؟! احنا بنصوت مع المبادئ.. إذا كانوا الأمريكان شايفين ان احنا ما بنصوتش معاهم يبقى هم بيصوتوا ضد مبادئ الحرية، وضد المبادئ اللى أعلنوها بعد الحرب العالمية الثانية، وضد مبادئ الأطلنطى اللى أعلنها "روزفلت"، هم تنكروا لهذه المبادئ.. العملية مش تصويت ولا بيع أصوات، احنا ما بنبعيش صوتنا لأى بلد بأى مبلغ، إذا كانوا لسه بيشتروا شوية أصوات من بعض الدول شبه المستقلة فدا كلام انتهى بالنسبة لنا، أصواتنا ليست للبيع.

بييجوا بيدوا إسرائيل معونة، ٣ آلاف مليون دولار أخدتها إسرائيل فى السنوات العشر الماضية؛ إذن أما إسرائيل النهارده تجيب مفاعل ذرى علشان تعمل منه قنبلة ذرية، نسأل نفسنا: مين اللى دفع ثمن المفاعل الذرى اللى بيجيبوا منه القنبلة الذرية؟ مين اللى دفع الفلوس اللى بيستخدموها فى السلاح؟ هل إسرائيل هى اللى دفعت الفلوس واللا اللى بيدوها الفلوس واللى بيدوها المعونة؟ كل رصاصة بتوجه لتقتل عربى دافع تمنها أمريكا والاستعمار الغربى كله، ليه؟ لأنهم اللى بيدوا إسرائيل الفلوس؟ هم اللى بيدوا إسرائيل السلاح، هم اللى بيدوا إسرائيل القوة والتدعيم، وهم اللى بيفتكروا دائماً مطالب إسرائيل وينسوا مطالب العرب أو حقوق العرب، وحييجى لهم يوم - إن شاء الله - يتأسفوا على هذا الوضع اللى هم خدوه؛ لأن العالم العربى سيقوى.. ويقوى.. ويبنى.. ويبنى.. حتى يفرض مشيئته، وحتى يعيد لشعب فلسطين حقوقه كاملة.
تبص النهارده فى الجزائر، نجد هناك مجزرة فى الجزائر ونجد التحالف الغربى، ونجد حلف الأطلنطى والدول الغربية تقف ضد حق الجزائر فى الحرية وفى تقرير المصير، نجد السلاح اللى بتحارب به فرنسا بييجى من أمريكا، والمساعدات اللى بتحارب بها فرنسا بتيجى من أمريكا. ويقولوا لنا دا أنتم واخدين فى صحافتكم.. ويشتكوا.. بتنشر جرايد أمريكا، ويقولوا فى هذه الأيام.. فيه اتجاه مضاد لأمريكا ومضاد للغرب فى الجمهورية العربية المتحدة، وفى القاهرة.

هو الاتجاه مع الحق.. إذا كان حال أمريكا فى كل هذه القضايا حال مايل، حال مش ماشى مع الحق، حال يتنافى مع الأسس والمبادئ، فاحنا نؤيد قضية الجزائر ونضع كل ما يمكن لنا، وكل إمكانياتنا فى سبيل استقلال شعب الجزائر، ونتيجة كفاح وتضحية شعب الجزائر اللى ضحى بمليون... مليون جزائرى ماتوا لغاية النهارده فى سبيل حريتهم، ٧ سنين بيحاربوا، ما سلموش، فرنسا قعدت ٧ أيام وبعدين سلمت "لهتلر"، أما الجزائر ٧ سنين ما سلموش؛ لأنهم شعب مصمم على أن يستقل، ومن الواضح ان الوهم اللى كانت فرنسا بتعتقده إن الجزائر فرنسية انتهى.. وأنا شفت من التليفزيون فى القاهرة شعب الجزائر فى الجزائر وفى وهران بيحارب وبيقاتل، شفت أطفال ١٠ سنين ماسكينهم جنود فرنسا، ماشين وراهم بالمدافع الرشاشة، مخليينهم حاطين إيدهم على رأسهم.

إذا كانوا الولاد اللى عندهم ١٠ سنين بيرهبوا جيش فرنسا، يبقى الأمل فى الاستقلال والحرية أمل كبير، شفت المرأة الجزائرية خرجت وقدامها المدافع الرشاشة الفرنسية، شفت المرأة الجزائرية بتقاتل، وشفت الشعب الجزائرى بيستشهد وهو راضى، وشفت هذا فكنت أحمد الله على هذا الإيمان وعلى هذه القوة، قوة فرنسا من عند أمريكا، وقوة شعب الجزائر من عند ربنا؛ ولابد أن تنتصر قوة الله.

دا موقفنا بالنسبة للجزائر وبالنسبة لمؤامرات الاستعمار، ومبادئنا ليست للبيع أبداً؛ لأننا نشعر أن لابد أن نكون أوفياء لهذه المبادئ. بتطلع جرايد الغرب وتقول: إن الجمهورية العربية المتحدة ما أيدتش هيئة الأمم فى الكونغو، وإن جمال عبد الناصر بيعض الإيد اللى ساندته فى سنة ٥٦.. محاولات يراد بها الباطل.. نحن نؤيد المبادئ؛ أما رحنا إلى الأمم المتحدة فى سبتمبر من هذا العام، وقلنا: ان احنا بنجد ان هناك خطر، هذا الخطر يهدد الكونغو ويهدد أيضاً الأمم المتحدة.

فى سنة ٥٦ كلنا حمدنا للأمم المتحدة الموقف اللى وقفته ضد العدوان، وكنا بنعتبر أن هذا يمثل نقطة تحول بالنسبة للأمم المتحدة التى تنظر إليها الدول الصغرى بأمل كبير، ولكن خاب هذا الأمل حينما تولت الأمم المتحدة المسئوليات فى الكونغو، أصبحت الأمم المتحدة فى هذا العمل مطية للدول الاستعمارية؛ تنفذ سياسة الاستعمار؛ الاستعمار الذى يريد أن يقضى على الحكم الوطنى، ويجعل من "باتريس لومومبا" أمثولة لإفريقيا كلها؛ علشان كل واحد فى إفريقيا يخاف من ان مصيره إذا وقف فى وجه الاستعمار بيبقى هو مصير "باتريس لومومبا".

الوطنيين ما بيخافوش؛ لأن كل واحد وطنى بيكون مستبيع، بيطلع فى سبيل مبادئه، يا ينجح فى تحقيق هذه المبادئ أو يلاقى أى شىء، دى سنة الوطنيين على مر الزمن، وعلى مر التاريخ، النكسة اللى حصلت فى الكونغو، والقضاء على العناصر الوطنية ووضعها فى السجون وتقييدها بالحبال لن تؤثر على إفريقيا، ولن تنتكس قضية الحرية فى إفريقيا؛ بل بالعكس ستجعل الشعوب الإفريقية أشد حذراً.. النهارده كل واحد حيستعين بالأمم المتحدة حيفكر مرتين أو تلاتة؛ لأن حيتعرف ان الأمم المتحدة ستنفذ سياسة الاستعمار أو ستنفذ سياسة أمريكا. أما رحت إلى نيويورك فى سبتمبر وقابلت "أيزنهاور" فى نيويورك؛ قال لى: إن هم مالهمش أبداً أى أهداف فى إفريقيا.. كل أهدافهم انهم يساعدوا الأمم المتحدة فى تحقيق أهدافها، هل ساعدوا بأعمالهم الأمم المتحدة أو هدموا الأمم المتحدة؟

أنا باعتبر انهم هدموا الأمم المتحدة؛ لأن الأمم المتحدة التى اكتسبت فى سنة ٥٦ هيبة كبرى وتقديراً كبيراً.. فقدت هذا كله، وأصبحت مثار شك ومثار خوف، الأمم المتحدة إذا أصبحت مطية للاستعمار، وإذا أصبحت أداة فى يد الدول الاستعمارية، وإذا أصبحت وسيلة تنفذ بها السياسة الاستعمارية، فستنظر إليها الشعوب كما تنظر إلى الدول الاستعمارية وبكل أسف الأمم المتحدة فى الكونغو خانت مبادئ الأمم المتحدة، الأمم المتحدة فى الكونغو خانت مبادءها من أجل حقوق الإنسان، الأمم المتحدة فى الكونغو خانت الأمم المتحدة وتنكرت لها، وأنا أعتبر أن دول الاستعمار مسئولة عن هذا، وأنا أعتبر أيضاً أن سكرتارية الأمم المتحدة مسئولة عن هذا؛ حينما كنت فى نيويورك فى شهر سبتمبر قلنا إن الأمم نجحت، وقلنا ان احنا عايزين نحافظ على الأمم المتحدة، ونحافظ على هيبتها؛ ولكن أحداث الكونغو تعطى الدليل على أن التنظيم الإدارى فى الأمم المتحدة يحتاج إلى تغيير؛ لأن سكرتارية الأمم المتحدة إذا خضعت للاستعمار أصبح الاستعمار بيمثل القوة التى تدفع الأمم المتحدة؛ وبهذا تسير الأمم المتحدة فى طريق الانهيار، دا الكلام اللى احنا بنشعر به؛ ولهذا نحن حينما نقاتل وحينما نكافح فى سبيل رفع المبادئ والمثل فى الكونغو، وفى سبيل الحفاظ على العناصر الوطنية فى الكونغو؛ إنما نعمل أيضاً من أجل الحفاظ على الأمم المتحدة كمنظمة عالمية لها احترامها، ومنظمة مستقلة تحترمها الشعوب.. دا موقفنا بالنسبه للقضايا العامة وقضايا التحرير.
بيقف الاستعمار وتقف الصهيونية وأعوان الاستعمار لتعوق تقدمنا، علينا مسئولية بالنسبة للأمة العربية وعلينا مسئولية أولاً بالنسبة لنفسنا، وعلينا مسئولية بالنسبة للوطن العربى، وعلينا مسئولية بالنسبة للحرية فى كل مكان.

نحن طليعة الحرية ونحن قاعدة للحرية، ولهذا فليس لنا إلا أن نسير مع مبادئنا، ونكون أوفياء لهذه المبادئ، وحتى نستطيع أن نحمل المسئوليات الكبرى الملقاة على عاتقنا لابد أن نعمل من أجل بناء وطننا.
ما نخليش المعارك الخارجية تشغلنا أبداً عن بنائنا الداخلى، لابد أن نحمى الحرية فى كل مكان ونؤيدها، ولابد أن نعمل للقضاء على الاستعمار وعلى أعوان الاستعمار، ولابد أن نكافح ونؤيد الكفاح؛ كفاح الأحرار الشرفاء فى كل مكان، ولكن فى نفس الوقت قوتنا فى قاعدتنا، فى بلدنا، فى جمهوريتنا العربية المتحدة اللى على كل واحد فينا مسئولية أن يبنيها، وأن يحميها.. دا الأساس بتاعنا، ودا العامل الكبير اللى بيخلينا نتكلم وما بنخافش، واللى بيخلينا نقول احنا أحرار وما احناش للبيع، ونضع هذا موضع التنفيذ.. ليه؟ القاعدة بتاعتنا قاعدة سليمة، قاعدة وطيدة، قاعدة قوية.

الجمهورية العربية المتحدة بتسير للأمام نحو أهدافها، احنا حققنا أهدافا كبرى فى الماضى، وعلينا أن نحقق أهدافاً أكبر فى المستقبل.

احنا ضاعفنا الدخل القومى فى ٧ سنوات، قضينا على الاستعمار وأعوان الاستعمار، قضينا على الإقطاع، قضينا على الاحتكار، نعمل على إقامة عدالة اجتماعية، استطعنا أن نضاعف الدخل القومى فى سبع سنوات، نضع أمامنا هدفاً فى أن نضاعف الدخل القومى فى ١٠ سنوات، ونهدف إلى أن تكون المدة أقل من ١٠ سنوات، نعمل على إيجاد المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية؛ زى ما كنتم جنود فى سنه ٥٦، واتحدتم من أجل حماية هذا الوطن، ومن أجل حريته، وزى ما كنتم جنود فى سنه ٥٨ وحققتم الجمهورية العربية المتحدة؛ نحن أيضاً الجنود من أجل بناء هذه الجمهورية العربية المتحدة لتكون جمهورية قوية، وطيدة، عزيزة، منيعة.

نحن نرى أن السلاح الأساسى هو الوحدة الوطنية، الاستعمار كان دائماً يفرق بيننا؛ حتى يقضى على كل أمل لنا فى أن نبنى بلدنا.

من وقت ما قضينا على الحزبية، ومن وقت ما قضينا على التفرقة، ومن وقت ما قضينا على الطائفية، ومن وقت ما وحدنا جهودنا واتفقنا على أهدافنا، وسرنا كلنا يجمعنا علم واحد هو العمل من أجل هذه الجمهورية لا العمل من أجل فرد أو فئة من الناس، من هذا الوقت استطعنا فعلاً ان احنا نسير فى الطريق الصح.. هذا هو طريقنا، كل عمل فى هذه الدولة لا يستهدف إلا مصلحة الشعب، على الحكومة أن تقوم بمسئوليتها من أجل التطوير، ومن أجل التصنيع، ومن أجل البناء.

النهارده محافظ بورسعيد كان فى كلامه يمثل الروح الجديدة اللى احنا بننطلق بها، بيمثل الروح اللى بتبص للبناء، والروح اللى بنبص للإنشاء.. بيقول: عملنا كذا وحنعمل كذا، احنا حرمنا من هذه الفرصة فى الماضى، ولن نحرم من هذه الفرصة أبداً؛ لأن احنا سندافع عنها بنواجذنا، وبدمنا وبأرواحنا؛ فرصة ان احنا نكون أحرار، وفرصة ان احنا نبنى بلدنا، لن يمنعنا الاستعمار، ولن يمنعنا الاستغلال، ولن تمنعنا الرجعية، ولن يمنعنا الإقطاع فى الجمهورية بإقيليمها، سنعمل من أجل بناء المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية، المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى، المتحرر من الاستغلال الاقتصادى والسياسى والاجتماعى، وكلنا جنود فى هذا؛ لأن هذا المجتمع هو المجتمع اللى بيمكن لك الأمان فى هذا البلد، واللى يمكن لابنك انه يجد الفرصة، ما يكونش الواحد حسب الإرث اللى بيورثه.. إرث النفوذ.. لن نورث النفوذ، ولن نورث السلطة؛ بالقضاء على الملكية والإقطاع، والاستبداد السياسى، والاستغلال.. نعمل على أن تكون هناك فرصة اشتراكية، ونعمل على أن تكون هناك عدالة اجتماعية ومساواة؛ بحيث إن كل واحد من أبناء هذا البلد بيطلع بيحس ان جهده وعمله هو اللى بيدى له النتيجة؛ بحيث إن كل فرد من أبناء هذه الجمهورية بيشعر ان البلد بتاعته، مش بتاعة فلان علشان بتاع ابن فلان باشا، أو فلان علشان ورث الجاه والنفوذ.

علينا أن نقاوم هذا، قد تحاول الرجعية أن تعرقلنا؛ كما حاولت فى مصر بعد قيام الثورة، ولكنا لن نمكن الرجعية، ولن نمكن الاستعمار، ولن نمكن أعوان الاستعمار، بنعرف طريقنا؛ طريقنا اشتراكية تعاونية؛ إذن لابد أن نسير فى الخط الاشتراكى التعاونى، بنعرف طريقنا، نعمل من أجل الشعب؛ لا من أجل فئة من الناس انتهازية أو استغلالية؛ إذن لازم نكون واضحين مع أنفسنا ونعمل من أجل مصلحة الشعب، وليس من أجل استرضاء أى فئة نفعية أو أى فئة انتهازية.

حنعرف طريقنا، وسنسير فى طريقنا، الاقتصاد موجه، سنعمل على مضاعفة الدخل القومى بجهدنا احنا الشعب، إذا كانوا أصحاب الفلوس مش عايزين يشتركوا عنهم ما اشتركوا.. احنا الشعب نلم بيننا وبين بعض الأموال.. العشر قروش بتكون أموال كبيرة، وأيام ما قامت الوحدات الاجتماعية جا الشعب وتبرع، ودفع مليون جنيه من ٢٠ قرش و ٢٥ قرش.

ملايين الشعب تقدر تعمل اللى بيعمله الرأسمالى ١٠ مرات.. فى التلات سنين اللى فاتت هنا فى مصر استثمرنا ٣٠٣ مليون جنيه.. قبل الثورة بـ ٣ سنين لم نستثمر فى الصناعة أكثر من ١٢ مليون جنيه.. ليه؟ لأن الحكومة دخلت، الحكومة أخدت قروض؟ الشعب ساعد هذه القروض، ولم نسترض الانتهازيين، ولم نسترض النفعيين، وقلنا: ان احنا حنقضى على الإقطاع والاحتكار، سنقضى على سيطرة رأس المال على الحكم، وسنقضى على الانتهازية، وسرنا فى هذا الطريق.

هذا هو طريقنا من أجل بناء بلدنا؛ لا تناقض ولكن مجتمع اشتراكى، ولابد أن يتحقق هذا المجتمع الاشتراكى؛ لأن دى إرادة الشعب، ودى مبادئ الشعب، ولا يمكن لنا بأى حال من الأحوال أن نتنكر لمبادئنا، أو ننساها، وإذا كانت هناك بعض فئات تعمل على أن تستغل لازم نصفى الاستغلال؛ لأن الشعب ثار على الاستغلال، الشعب فى مصر ثار على الاستغلال والشعب فى سوريا ثار على الاستغلال. الوحدة اللى قامت بين مصر وسوريا ليست إلا ثورة فى طريق الاشتراكية الديمقراطية التعاونية تجمع الإقليم السورى مع الإقليم المصرى؛ ولهذا طبقنا قانون الإصلاح الزراعى فى سوريا لنقضى على الإقطاع، وسنقضى على الاحتكار، وسنعمل على مضاعفة الدخل القومى فى جميع أنحاء الجمهورية فى عشر سنوات مهما استنفذ هذا منا من جهود؛ لأن دا السبيل الوحيد علشان أضمن لأولادكم العمل والحياة الحرة السعيدة.. الحياة الكريمة.

دا السبيل الوحيد علشان نضمن لأبنائنا حياة كل واحد فيها يجد العمل الكريم.. العمل العزيز، والعمل النهارده هو رأس مالنا.. كان زمان بيعتبر العمل عيب.. النهارده المهندس بيلبس الأفرول وبينزل بيشتغل بإيده.. مافيش حاجة عيب النهارده كل واحد بيحفر؛ لأن احنا بنبنى بلدنا، ما نشتغلش للإنجليز، ما نشتغلش للمستعمرين.. بنبنى لوطننا، وبنبنى لإخوتنا، وبنبنى لأولادنا؛ وبهذا ندعم هذه القاعدة، ونحفظ هذه القاعدة، وندعم هذه الطليعة، ونسير فى زحفنا المقدس نحو بناء جمهوريتنا، ونحو بناء القومية العربية والوحدة العربية، ونحو بناء المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى. والله يوفقكم.

والسلام عليكم ورحمة الله.

............"

يحى الشاعر