[SIZE=×4]إكرام يوسف : لعله صباح ديمقراطي!


elbadil | January 22, 2012 | التصنيف : رسائل ودراسات, هايد بارك

5





ينشر هذا العمود صبيحة الجلسة الإجرائية لأول مجلس شعب بعد الثورة. وعلى الرغم من كل ما يمكن أن يقال من انتهاكات وتحايلات شابت العملية الانتخابية ـ وصلت إلى اكتشاف 12 مليون ورقة انتخابية زائدة، مما يثير علامات استفهام حول صفقات أجريت لصالح تيارات بعينهاـ إلا أن المنطق السليم يقتضي احترام نتيجة أول انتخابات تجرى من دون تدخل سافر لجهاز الداخلية والحزب الحاكم، كما يدعو إلى احترام اختيار الناخبين، والثقة في أن الشعوب تتعلم من تجاربها.

ولا شك أن نتيجة الانتخابات لم تكن مفاجأة لغالبية المهتمين بالشأن العام، الذين توقعوا فوز التيارات ذات الخطاب الديني بالحصة الأكبر من المقاعد. وما من ساذج توقع تغلب الأحزاب الجديدة أو شباب الثورة، على ـ أو حتى تساويها مع ـ تيارات يمتد تاريخها في الشارع وفي أروقة السياسة ودهاليزها ثمانين عاما، مع الاستعداد المسبق لدى بسطاء المصريين لتصديق كل من يتحدث باسم الله.
على أي حال، انتهى مولد الانتخابات، وصار لدينا نواب يدخل معظمهم المجلس للمرة الأولى. وربما لم يحلموا بالجلوس تحت القبة، لولا ثورة تعمدت بدم أطهر أبناء الوطن. ومن ثم، تكاد الشفقة على النواب الجدد تطغى على واجب التهنئة بفوزهم، مع حجم المسئولية الملقاة على عاتقهم. ولعل هذا الصباح يكون بشيرا بقيام دولة القانون الديمقراطية، القائمة على أساس المساواة في المواطنة.
وإذا كانت الديمقراطية تدعونا إلى احترام الصناديق، فهي تدعو أيضا من تشرفوا بلقب نواب الشعب إلى احترام هذا اللقب، واعتباره تكليفا بخدمة جميع المصريين، وليس انتصارًا لانتماء حزبي أو فكري أو ديني. وليكن واجبهم الأول، تجاوز الخلافات الثانوية، والتغلب على نزعة المغالبة والاستئثار بالمشهد. وإدراك أن المكاسب الشخصية أو الحزبية رخيصة وزائلة “وأما ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض”.
ينبغي ألا يظن النواب أن شرعية الصناديق تجُبُّ شرعية ميادين التحرير التي أفرزتها. وعليهم أن يعلموا أن استمرار الثورة حتى إنجاز كافة أهدافها، الضمانة الوحيدة لنجاحهم في فرض شرعية مجلسهم، وحماية مهمته الأساسية في التشريع ومراقبة الأداء الحكومي.. وستظل دماء الشهداء والمصابين التي أوصلتهم إلى مقاعدهم، أمانة في أعناقهم، تستصرخهم محاسبة الجناة. وليكن شاغلهم الأساسي تحقيق مطالب الثورة، حتى لا تضيع هذه الدماء هدرا. وليعلموا أن الشعب لن يسامح ولن يغفر أي تهاون في هذه الحقوق، وأن التاريخ سيسجل اختيارهم: إما الولاء للشعب والثورة ودماء الشهداء، أو الانجرار إلى صفقات مهينة مع الجناة، لن يقبل التاريخ أو الشعب أي تبرير لها.
وعلى من شرفهم الشعب بلقب نوابه، ملاحظة أن من خرجوا يوم 25 يناير 2011، مطالبين بإسقاط نظام المخلوع، بعدما يئسوا من إمكانية إصلاحه، هم أنفسهم من دعوا للخروج يوم 25 يناير 2012، بعدما تأكدوا أن النظام يقاوم السقوط، رغم إزاحة بعض شخوصه. وسيكون رهانًا خائبًا، لو ظن البعض أن باستطاعته الالتفاف على المطلب الشعبي الأساسي، والتحالف مع بقايا أركان النظام رهانًا على أن مرور الوقت، قد يدفع الثوار للإحباط، ويعيد الشعب إلى الصمت.
ويجب أن ينتبه من يفكر في المراهنة على صبر المصريين، إلى أن من خرجوا مصممين على إسقاط النظام، وانضمت إليهم الجماهير ثمانية عشر يوما انتهت بإزاحة الطاغية وكبار رجاله؛ لم يتراجعوا، وهم أنفسهم من دعوا للخروج من أجل استكمال الثورة هذا العام (كما أن من رفضوا الخروج العام الماضي هم أنفسهم من يرفضون الخروج الآن). بل أن من دعوا للخروج لمواصلة الثورة، انضم إليهم أهالي وأصدقاء ومعارف وجيران أكثر من ألف شهيد، وألف مفقود ونحو عشرة آلاف مصاب واثني عشر ألف معتقل. ومن يتذكر السيدة الجليلة ليلى والدة خالد سعيد وشقيقته، ووالدة مينا دانيا وشقيقته، ووالدة بهاء السنوسي وشقيقته، وغيرهن الآلاف من الأمهات والشقيقات اللواتي لم ينشغلن بالهم العام من قبل، سوف يلاحظ كيف يخلق الطغاة أعداءهم، وكيف يخلقون ثأرات تستوجب الانتقام.
وليتذكر الجميع أن مصر قبل يناير من العام الماضي، كانت تنبئ بثورة جياع وشيكة، بعدما نفد صبر الجميع على سياسات الفساد والاستبداد في عصر المخلوع.. وباع فقراء دمهم أو أعضاء من أجسادهم ليطعموا به أولادهم. واضطر بعضهم لبيع بعض أطفاله حتى يطعم بثمنه بقية الأبناء. وتعددت حالات الانحراف الأخلاقي، وانتشرت المخدرات تحت سمع وبصر نظام يهدف لتغييب عقول الشباب. وأصبح التعليم حلما بعيد المنال عن الفقراء، ومات مصريون يأسا من الحصول على فرصة علاج من أمراض تسببت فيها سياسات النظام الفاجر، كما يئس الشباب من الحصول على فرصة عمل، فاضطر الكثيرون إلى المخاطرة بحياتهم سعيا لفرصة حياة أفضل في بلاد بعيدة.. وانتشرت جرائم لم نكن نسمع عنها من قبل.
ثم أشعل شباب الطبقة الوسطى ثورة؛ كان أهم شعاراتها العيش، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية ـ وهي بالتحديد ما كان يحلم به الجياع ـ فأحيت في قلوبهم أملا جديدا، عرقل اندلاع ثورتهم الخاصة، انتظارا لما ستسفر عنه ثورة يناير.. فعلى نواب الشعب توجيه اهتمامهم الأول إلى هؤلاء الذين لن ينتظروا طويلا.. وأي تهاون أو مماطلة في تحقيق آمالهم في حياة انسانية كريمة، سوف يدفعهم إلى ثورة عارمة تطيح بالأخضر واليابس، لا قدر الله، وندفع جميعا الثمن.
ونحن نحتفل هذه الأيام بمرور 35 عاما على انتفاضة يناير 77 الشعبية، التي اندلعت احتجاجا على سياسات تجويع الفقراء لصالح الأغنياء ومحاسيب النظام. وعلى الرغم من نجاح نظام السادات في إجهاضها مبكرا، إلا أن عددا كبيرا من النشطاء المشاركين فيها واصلوا حلمهم بيوم استئنافها وتحقيق أهدافها. وحرصوا على نقل الحلم إلى جيل الأبناء، فقاد ثورة أعادت اسم مصر إلى مكانته العالية، وصار معها ميدان التحرير أيقونة للتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في أنحاء العالم. وإذا كان من رفضوا الاستسلام للإحباط ممن بقوا على قيد الحياة من جيل السبعينيات، تشبثوا بالحلم أكثر من ثلاثة عقود موقنين بقرب تحققه، فإن جيل ثورة 25 يناير لن يقبل أن تسلب منه ثورته، لينتظر عقودًا أخرى! وسوف يقضي على محاولات إجهاضها والالتفاف عليها، مهما كان الثمن.
وإلى نوابنا الجدد..لا شك أن كل ما تفعلون سوف يقاس على مقياس الثورة ويوزن بميزانها.. ولا توجد معايير أخرى لدينا للحكم عليكم بها.. إما أن تكونوا على مستوى الثورة، أو لن نغفر لكم.. نحن أصحاب الدم والهم.
[/SIZE]
[SIZE=×4]
[/SIZE]