المانشيت الرئيسى لصحيفة معاريف الإسرائيلية فى عددها الصادر يوم 13-12-2009 جاء مثيرا لأقصى حد ، برامج الصاروخ حيتس أصبح كتاب مفتوح أمام المصريين ( فضيحة منظومة الصواريخ حيتس )
بالطبع الصاروخ حيتس ( السهم ) ليس مجرد صاروخ أرض - جو يستخدم فى الدفاع الجوي الإسرائيلي ،ولكنه فى واقع الأمر أهم منظومة دفاع جوى فى إسرائيل، استثمرت فيها إسرائيل مئات المليارات من الدولارات وعدة سنوات بمساعدة ودعم أمريكى ،بعد أن توصلت الاستراتيجية الإسرائيلية بعد حرب الخليج الثانية إلى أن التهديد الحقيقى الذى إسرائيل فى أى حرب شاملة مع دول المواجهة العربية يتمثل فى الصواريخ الباليستية التى تعتمد عليها الجيوش العربية بشكل رئيسى.


وتحمست الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة إسرائيل بجدية، فى تنفيذ مشروعها للدفاع الصاروخى بعد فشل منظومة بطاريات الصاروخ باتريوت الأمريكية التى نشرت فى إسرائيل عن صد صواريخ سكود العراقية التى سقطت فى العمق الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن هذه الصواريخ لم تحدث فى حينها أضرارا بالغة إلا أن السرعة التى تطور بها قدرة الصواريخ الباليستية، ودقتها فى تحديد وإصابة أهدافها، جعلت من الصاروخ حيتس مشروع له الأولوية فى إسرائيل، وعكف العلماء الإسرائيليين على تطوير تلك المنظومة الصاروخية الموجهة إليكترونيا مع مشروع أخر مواز لبناء منظومة تحكم عالية التقنية تقوم بمهمة تشغيل بطاريات الصواريخ وربطها بأجهزة الرادارات والتحكم الأخرى إليكترونيا، وعرفت المنظومة الأخيرة باسم (حوما) التى تعنى السور باللغة العبرية

اللغة العبرية كانت بمثابة كعب أخيل الذى نفذت منه عيون المصريين للتعرف على منظومة الصواريخ الدفاعية حيتس ، ولقد
كانت المفاجأة التى هزت إسرائيل يوم السبت (14-2-2004) وكشفتها صحيفة معاريف بالصدفة البحتة ولم تكتشفها أجهزة إسرائيل الأمنية من الموساد والشاباك، واستخبارات حربية (أمان) وإستخبارت (وحدة التكنولوجيا 8200) هى أن المهندس وعالم الإليكترونيات الذى أشرف على تطوير برنامج تشغيل منظومة حيتس الإسرائيلية هو مهندس مصرى يدعى خالد شريف يعمل مصمم برمجيات فى فرع شركة IBM العالمية بالقاهرة .

بدأ السبق الصحفى الذى انفردت به معاريف عن سائر الصحف الإسرائيلية بالحقيقة المجردة التالية - لعب المبرمج المصرى خالد شريف دورا هاما ومحوريا فى حماية السماء الإسرائيلية من مخاطر الصواريخ الباليستية، وخالد شريف هو مهندس كمبيوتر موهوب يعمل بشركة IBM عملاق التكنولوجيا فرع القاهرة، وفى الشهور الأخيرة تبادل شريف هو وطاقم عمل من الخبراء المصريين الرسائل الإليكترونية مع نظرائهم الإسرائيليين العاملين بفرع IBM إسرائيل، ودارت المناقشات والرسائل المتبادلة حول تحديد وإصلاح عدد من العيوب التى ظهرت فى برنامج الكمبيوتر المعروف باسم Motif وهو البرنامج الرئيسى الذى تعمل من خلاله منظومة الصواريخ الدفاعية الإسرائيلية المشهورة باسم (الصاروخ حيتس ).

وتقول الصحيفة الإسرائيلية إن المعلومات السابقة ليست قصة من وحى الخيال العلمي ولا هى قصة من قصص الإثارة الشيقة إنها الحقيقة التى اكتشفتها صحيفة معاريف وغفلت عنها جميع الأجهزة الأمنية بإسرائيل، ولم تعرف عنها شيئا إلا عندما أسرعت هيئة تحرير الصحيفة بتقديم بلاغ رسمى يحتوى على جميع المعلومات التى توصلوا إليها، وهى أن علماء ومبرمجين مصريين يقيمون فى القاهرة، يعملون منذ شهور طويلة مع علماء ومبرمجين إسرائيليين يقيمون فى تل أبيب، ويتعاونون فى إصلاح عدد من العيوب الفنية والإليكترونية ظهرت فى المنظومة الدفاعية للصاروخ حيتس، وبالتحديد فى برمجيات المنظومة السرية المعروفة بالاسم الكودى (حوما ) ومهمتها تشغيل بطاريات الصواريخ من طراز حيتس .
وتوضح معاريف أن جميع المعلومات الآن بحوزة المخابرات المصرية، بعد التأكد من توجيهات معينة من المخابرات المصرية إلى المنهدس خالد شريف ، أما أكثر السيناريوهات سوداوية هو أن جميع المعلومات الآن بحوزة جهات معادية قد تكون نجحت فى تخريب منظومة الصاروخ.

وتؤكد الصحيفة كذلك أنها تنشر هذه المعلومات وهى فى منتهى الحزن، فلا يعقل أن نتصور أن العلماء الأمريكان الذين عكفوا فى أربعينيات القرن الماضى على تطوير أول قنبلة نووية، يجلسون ويناقشون تفاصيل بناء هذه القنبلة مع نظرائهم فى موسكو، عبر أسلاك الهاتف مثلا .

معاريف تعتبر ما حدث فضيحة استخباراتية بكل المقاييس، والذى يضاعف حجم الفضيحة وأبعادها أن الأجهزة المعنية فى إسرائيل ظلت غارقة فى سبات عميق، حتى توجه إليهم عدد من صحفيى معاريف بالمعلومات التى توصلوا إليها بمحض الصدفة من خلال ترددهم على فرع شركة IBM فى إسرائيل، ومع ذلك لم يسمح للصحيفة بالنشر سوى أمس ، بعد أن بدأت طواقم من وزارة الدفاع ومن جهاز الاستخبارات الإسرائيلية التحقيق فى القضية منذ عدة أسابيع، وبعد ان تم تكوين طواقم فنية لكى تقوم بعملية تمشيط دقيقة لجميع المنظومات الإليكترونية داخل منظومة الصاروخ حيتس وتنظيفها حسب تعبير الصحيفة، وتحديد مواقع البرامج التجسسية التى زرعها المصريون وتحييدها، والبحث عن أية برامج تجسسية من تلك المعروفة باسم (حصان طروادة) قد تكون مثبتة داخل منظومة الصاروخ حيتس لتخدم الجهات المعادية لإسرائيل فى الوقت المناسب.


جهات التحقيق لم تحسم أمرها بعد، ولا تعرف بالتأكيد هل جرت محاولات مصرية للسيطرة على المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، أو غرس برامج تجسس بداخلها، ويؤكد بن كسبيت الصحفى الأشهر بمعاريف أن التقصير الأمنى الإسرائيلى حدث بحسن نية، ولم تكن هناك دوافع إجرامية أو تجسسية، ولكن الخطأ الكبير هو المخالفة الحمقاء لأبسط قواعد المنطق ، بالفعل هناك علاقات سلام بين مصر وإسرائيل، وتسعى الأخيرة لتشجيع العلاقات التجارية والزراعية، وكافة سبل التعاون معها، لكن يجب وضع خط أحمر واضح، وبارز ومطلق عندما يتعلق الأمر بمنظومة صواريخ دفاعية حساسة إلى هذا الحد، فالمخابرات المصرية مشهورة بنجاحاتها وعملياتها الابداعية، ولا شك أن لديهم وسائلهم التى تمكنهم من الإطلاع على كل ما يحدث داخل شركة إليكترونيات عالمية تعمل فى قلب القاهرة، وهى فى ذلك لا تشذ عن الموساد أو وكالة الاستخبارات الأمريكية أو أى جهاز يتبع أبجديات العمل الاستخباري
ويضيف بن كسبيت، لذلك فإن الافتراض المنطقى الآن هو أن كل ما تم تبادله من معلومات هذا الشأن بين العلماء المصريين والعلماء الإسرائيليين حسنى النية، معروف ومتاح برمته لأجهزة الاستخبارات المصرية، إن لم يكن الأمر أخطر من ذلك، ويوضح خبير عسكرى إسرائيلى مدى الخطورة التى يستشعرها الإسرائيليون من هذه العملية الغامضة، قائلا إن الجيش الإسرائيلى يعتمد فى أكثر من 80% من أدائه وعملياته على أنظمة قتالية متطورة، من ضمنها منظومة الصواريخ حيتس التى تعتمد كليا على أساليب التشغيل الإليكترونى،
شأنها فى ذلك شأن سلاح الجو الإسرائيلى الذى يعتمد على النظام الإليكترونى فى تنفيذ عملياته، وبقية الأسلحة التى تستعين بعشرات بل مئات البرامج الإليكترونية الأخرى، ويضيف الخبير الإسرائيلي، فى الماضى كنا نضغط على الزناد بقوة لكى نطلق رصاصة، أما الآن فلكى نطلق صاروخ حيتس أرض - جو أو قنبلة موجهة بالليزر ولتشغيل أو إيقاف أجهزة الرادار المتطورة نضغط برقة على مفتاح Send بجهاز الكمبيوتر.

ومن أبرز الأمثلة العملية على ذلك عندما حَلقت الطائرات الإسرائيلية من طراز إف 16 فوق مخيم عين الصاحب فى سورية، كان قائد سلاح الجو الإسرائيلى دان حالوتس يجلس على مقعد فى مكتبه بتل أبيب ويرسل للطيارين صورا للمنطقة التى يحلقون فوقها، وعلى الصور سهم أحمر يحدد الهدف المراد تدميره، وفى هذه اللحظة فقط يقوم الطيار بمطابقة الصور الإليكترونية مع صور المنطقة التى بحوزته من قبل ويحدد الهدف ويضغط مفتاح Send.


وبالتالى وبناء على هذا الشرح، يكفى برنامج اختراق صغير يتم تثبيته وسط هذه المنظومة الإليكترونية لكى يدمر العملية التى تقوم بها الإف 16 بالكامل، أما إذا كنا نتحدث عن الصاروخ حيتس فإن الأمر أعقد من ذلك بكثير فأى خبير كمبيوتر متمكن يستطيع أن يزرع داخل منظومة التشغيل برنامجا صغيرا من (حصان طروادة) وهو برنامج فعال ومدمر مصمم بحيث يعمل فور تشغيل المنظومة ويتسبب فى تدميرها وانهيارها فورا، وبناء على هذه المعلومات البديهية ترسم معاريف السيناريو التالى - عندما يأتى يوم الحساب وتبدأ الصواريخ الباليستية فى قطع طريقها بسرعة نحو السماء الإسرائيلية لتسقط على رؤوس الإسرائيليين، وتصدر الأوامر بسرعة أيضا بتشغيل منظومة (حوما) الإليكترونية، قد نفاجأ بأنها غير قادرة على العمل، وأنها تتهاوى أمام أعيننا، ولا تنطلق الصواريخ الدفاعية التى أنفق عليها المليارات، أو تنطلق الصواريخ لكن تنحرف عن مسارها وتخطئ أهدافها، وفى أسوأ الأحوال تنفجر فى الهواء على رؤوسنا فور انطلاقها. وعلى الرغم من أن البعض قد يعتقد أن هذا السيناريو خيالى بعض الشيء، إلا أنه للأسف نفس السيناريو الذى تجرى دراسته الآن فى أهم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فى إسرائيل.

محررو معاريف الذين اكتشفوا تفاصيل الفضيحة، أعلنوا أن لديهم وثائق تدل على الصلة الوثيقة والاتصالات شبه اليومية التى دارت بين مهندسى شركة IBM فرع إسرائيل ونظرائهم المصريين فى فرع الشركة بالقاهرة، والمجهودات المشتركة التى بذلوها لإصلاح عيوب برنامج تشغيل الصاروخ حيتس، لكن الأخطر من ذلك فعلا هو أن المعلومات التى حصلت عليها معاريف ونشرتها تؤكد أن الجيل التالى من هذا البرنامج المعروف باسم (Motif) سيتم تصميمه وتطويره فى فرع الشركة بالقاهرة تحت إشراف مهندسين مصريين بالطبع، ثم يتم إرساله إلى تل أبيب ليتدربوا عليه، ثم يتم إحلاله محل الجيل الحالى من البرنامج.

والسؤال البديهى الذى بدأ يطرح نفسه الآن بالنسبة للقارئ، هو كيف تم التعاون بين المهندسين المصريين والإسرائيليين فى تطوير برنامج بهذه الخطورة العالية والحساسية البالغة بالنسبة للإسرائيليين، الحقيقة أن الأمر بسيط للغاية، ربما كان المفتاح الرئيسى فيه هو اللغة العبرية، نعم اللغة العبرية، فأساس المشكلة التى واجهت مهندسى وزارة الدفاع الإسرائيلية أن جميع البرامج الإليكترونية متوائمة مع اللغة الانجليزية بالأساس، وإذا أراد الإسرائيليون عبرنة البرنامج فالحل هو التوجه لفرع شركة IBM فى القاهرة، وهو بالمناسبة أكبر فرع للشركة فى الشرق الأوسط وهو الفرع الوحيد المرخص له تحويل مواءمة البرامج من اللغة الانجليزية إلى اللغات السامية (العربية والعبرية) ، وبالتالى فقد جاء الإسرائيليون بأقدامهم ومعلوماتهم إلى الخبراء المصريين، ليحلوا لهم مشاكلهم التقنية التى عجزوا عن معالجته،. وعلى الرغم من أن صحيفة معاريف أوردت جميع هذه المعلومات، وأشارت إلى أن إسرائيل لا يمكن أن تتهم مصر بأى مسئولية، ولا تحملها إهمال العلماء الإسرائيليين، إلا أنها استنكرت بالطبع أن تطبق هذه القواعد على برنامج تشغيل منظومة الصواريخ الدفاعية الإسرائيلية، وخاصة أنه أمر فى غاية الحساسية وغير مبرر، من وجهة نظرهم، أن يجرى تطوير هذا البرنامج الخطير الذى سيحمى السماء الإسرائيلية فى معامل بقلب القاهرة.

وتدعى الصحيفة نقلا عن مسئول كبير بسلاح الجو الإسرائيلى ، أن العلماء الإسرائيليين المسئولين عن العملية قد وفقوا أوضاعهم، وأوقفوا الإتصالات بالمصريين، ولو أن هذه الخطوة تأخرت كثيرا، لكن كل شيء الأن تحت السيطرة، أوالفحص، بقيادة طاقم خاص أقيم لهذا الغرض .

لكن صحيفة معاريف نسبت لمصادر فى وزارة الدفاع الإسرائيلية قولها ،إن شفرات وحزم معلومات، وبيانات عن البرنامج جرى تبادلها لفترة طويلة بين فرعى الشركة، بل وأثناء المناقشات تسرب الاسم الكودى للمشروع وهو يعتبر بمثابة سر حربى إسرائيلي، هذا بالطبع بخلاف الجيل الجديد من البرنامج الذى يتم تطويره فى القاهرة، والذى قررت السلطات الإسرائيلية وقفه، ووقف التعامل مع العلماء المصريين بهذا الخصوص لأجل غير مسمى بالطبع.

هذه التصريحات المتناقضة للمسئولين الإسرائيليين تؤكد كبر حجم الكارثة، وتضاعف أبعاد الفضيحة، وتدشن لبداية مرحلة جديدة من مراحل الصراع الاستخباراتي، إنه عصر الجاسوس الإليكتروني، وأحصنة طروادة، وأن الإستخبارات المصرية قامت بعملية البداية في هذه الحرب وللأسف حسبما تقول الجريدة فإن الإستخبارات المصريه قد أحرزت هدفا مبكرا جدا في بداية المباراة.