إكرام يوسف تكتب: تباريح غربة قصيرة

الإثنين 26 مارس 2012 - 11:05 ص إكرام يوسف رأي ورؤى

إكرام يوسف
لا يدرك وجع البعد عن الوطن إلا من يكابده ..ولا أخالني أبالغ عندما أجزم أن إحساس المصريين بالغربة أكثر إيلاما من غيرهم.. وأزعم أن السبب كامن في الذاكرة الجمعية، منذ كان المصري القديم يخشى أن يموت خارج البلاد ولا يجد من يتولى تحنيط جسده، فتعجز روحه عن الاهتداء إليه وتتوه في الأبدية! .. عن نفسي، اكتشفت بالتجربة العملية عبر سنوات طويلة أن أقصى قدرة لي على البقاء خارج الحدود لا تتجاوز خمسة أشهر، بعدها تنتابني أعراض نفسجسمية مما اتفق الأطباء على تسميته "هوم سيكنس" أو مرض الحنين إلى الوطن. لذلك أشفق على من تضطرهم ظروفهم إلى البقاء سنوات في الغربة، أو الهجرة الدائمة. وأعتقد أن من عاشوا حتى سنوات الشباب في الوطن قبل الهجرة، يظل شرخ داخلهم يشعرهم أن جذورهم نزعت من تربتها الأصلية ولم يستطيعوا تثبيتها في تربة جديدة، مهما حققوا من نجاح أومن ثروة. وتتمثل أقسى آلامهم عندما يقع حدث مهم في الوطن الأم، فيلهثون لمتابعته عبر شاشات التليفزيون ومواقع الإنترنت والاتصال بالأهل. لذلك أدعو الله دائما ألا يسامح كل من تسببوا في تغريب ملايين الكفاءات والعقول والسواعد المصرية. ويراودني حلم يقظة دائم، أن أمد ذراعي خارج خريطة مصر لألملم لحم أبنائنا المبعثر في بلاد الناس، وأعيده إلى حضن المحروسة!

وقبل أيام، كنت في سفرة قصيرة خارج البلاد، عندما توفي إلى رحمة الله قداسة البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. وبقيت أتابع عبر شاشات التليفزيون، الملايين من اخوتي وهم حزانى يبكون أباهم الروحي، وأنا عاجزة عن أن أكون بجانب أصدقائي القريبين لأواسيهم. وحتى أرقام تليفوناتهم تركتها في مصرـ باعتبار أن غيابي لن يطول سوى أيام ـ فلم أستطع أداء واجب العزاء ولو هاتفيا! وساءني كثيرا رفض بعض نواب الشعب الوقوف دقيقة حدادا على الراحل الكبير، متناسين ما نعلمه جميعا عن وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم احتراما لمرور جنازة يهودي. كما حزنت لتحريم البعض طلب الرحمة لمخالفيهم في الدين، متجاهلين أن الله سبحانه وتعالى وصف رحمته بأنها "وسعت كل شيء". وقرروا، من تلقاء أنفسهم، تقييد حدود رحمة الله لتقتصر على المتفقين معهم في الرأي ـ قرروا أيضا حجب رحمة الله حتى عن المسلمين المخالفين لهم في المذهب أوحتى الرأي ـ وتجاهلوا أن الدعاء لله بأن يرحم أحد عباده، أمنية إنسانية طيبة؛ وأن بيده وحده ـ سبحانه ـ أن يستجيب أولايستجيب لهذه الدعوة، وفق حكمته ومشيئته.
لكن هناك من قرر أن يتأله على الله ويسارع إلى حجب رحمته عن بعض عباده! وكنت حضرت منذ سنوات بعيدة للبابا الراحل ندوة في معرض الكتاب، سخر فيها من فرية سعي المسيحيين إلى تقسيم البلاد قائلا "احنا دلوقت ماحدش يقدر يفرقنا من ملامحنا، ومتداريين وسط اخواتنا المسلمين، نقوم ننفصل ونعيش لوحدنا عشان المتطرفين يقدروا يعرفوا مكاننا ويقتلونا؟".
واحترمت، مع الكثيرين، موقفه من التطبيع ورفضه سفر المسيحيين المصريين إلى القدس للحج إلا وأيديهم في أيدي اخوتهم المسلمين بعد تحريرها، وهو من الأسباب التي أوغرت صدر السادات ضده وأدت إلى إصدار قرار إبعاده وعزله في دير الأنبا بيشوي. كما أسرني ترديده الدائم لعبارة الزعيم مكرم عبيد الخالدة "مصر وطن يعيش فينا وليست وطن نعيش فيه". ومع تفهمي الكامل لحسابات البابا الراحل، التي أدت إلى تبنيه سياسة التقارب مع المخلوع، وموقفه غير المؤيد للثورة في بدايتها، اعتمادا على ما روج له نظام المخلوع من أنه يحمي المسيحيين من خطر المتطرفين الإسلاميين.

إلا أنني اختلفت تماما مع موقفه السياسي المؤيد للمخلوع، الذي حرم الثورة من مشاركة عدد من المصريين، كما حرم عدد من الأخوة الأرثوذكس من ممارسة حق المواطنة كما ينبغي. والتزامهم شعار "شعب الكنيسة" بدلا من أن يمارسوا المواطنة باعتبارهم ضمن نسيج "شعب مصر". وكانت صديقة مسيحية في عهد المخلوع تقول لي "نحن نحبه ونحب ابنه جمال"، فأقول لها "ولكنه لا يحبكم! لو كان يحبكم حقا، لما ترك الفرصة للمتطرفين كي ينالوا منكم، ولما وقعت عشرات من الفتن الطائفية، استشهد فيها مئات المسيحيين من دون توجيه اتهام إلى الجناة، ناهيك عن معاقبتهم". نعم، اختلفت مع الموقف السياسي للبابا الراحل، واعتبرته خطأ تاريخيا. لكن هذا الخطأ لا يمحو موقفه الوطني من التطبيع مع العدو الصهيوني، كما لا يمحو موقفه الوطني المصاغ في عبارته "إذا كانت أمريكا ستحمي الأقباط، فليمت الأقباط وتحيا مصر"! ولا شك أن الاختلاف مع موقف سياسي للبابا لا يتعارض مع التعاطف مع أحزان ملايين الأخوة ومواساتهم. رحم الله البابا شنوده، وأسبغ الصبر على قلوب محبيه، وعوضهم عنه خلفا يحمي وحدة الوطن، ويحفظ للكنيسة المصرية دورها الروحي، ويدعم ممارسة الأرثوذكس حق المواطنة باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من "شعب مصر".

وخلال الأيام التي غبتها أيضا، حل عيد الأم. فحمدت الله أن وجودي بالخارج أعفاني كما أعفى ولدي الذين أنجبتهما، وأبنائي الكثيرين الذين لم أنجبهم، من تهنئتي بالعيد وفي حلوقهم غصة، وقلوبهم يعتصرها الألم، حيث لن يستطيع العديد من أصدقائهم تهنئة أمهاتهم هذا العام ولا أي عام قادم، لأنهم ـ ببساطة ـ استشهدوا؛ إما خلال الأيام الأولى من الثورة في عهد المخلوع، أو خلال عام كامل تحت حكم مجلس عسكري قال أنه حمى الثورة! وأنا أعلم كم يشعر الثوار بالذنب لتقصيرهم في استرداد حقوق اخوتهم الشهداء، ويخجلون من مواجهة عيون أمهاتهم المطالبة بالقصاص. ولكنني لا أعلم ما هو شعور الضابط أوالجندي الذي يقدم لأمه هدية عيدها بيديه الملوثتين بدم اخوته؟ وماهو شعور القائد العسكري الذي يهنئ أمه بعيدها، أو يشهد أبناءه وهم يحتفلون بأمهم، وهو يعرف أن في عنقه دماء أبناء في مثل أعمار أبنائه، وحق أمهاتهم في القصاص لتبرد قلوبهن؟

أعفاني وجودي خارج البلاد من حرج مواجهة عيون تختلط فيها مشاعر الألم، بالذنب، بالحرج، بالعجز، بالغضب، بالإصرار على الثأر! لكنه لم يعفني من اضطرام هذه الأحاسيس جميعا في صدري، تدعوني لإنهاء غربة قصيرة بسرعة، والعودة حتى لا تفوتني أحداث الثورة المستمرة. فعدت، وكلي ثقة من أنه لا رجوع.. وأن دقائق كثيرة مرت من عمر دولة الظلم الذي لا يزيد عن ساعة، ولم تتبق سوى بضع دقائق.. وأن من أجرموا في حق هذا الشعب لن يفلتوا مهما كان الثمن الذي سندفعه.. وأن غضبا آخر سوف يجيء.. فاحذروا غضبة المصريين القادمة!