إكرام يوسف تكتب: تجربة رائعة.. ورائدة
الأحد 22 يوليه 2012 - 3:21 م إكرام يوسف رأي ورؤى

إكرام يوسف في يوليو 2010، كتبت تحت عنوان "البرادعي والثقافة المنسية" عن غياب ثقافة التحالفات المرحلية بين التيارات السياسية المختلفة، وقلت إن ثقافتنا انحصرت بين مفهومي "أحبك إلى الأبد" أو "قلبي غضبان عليك ليوم الدين"! وهي دلالة عدم نضج سياسي. فلم يشهد التاريخ المصري المعاصر تجارب اتفاق قوى سياسية مختلفة من أجل إنجازهدف متفق عليه بينها؛ باستثناء اللجنة الوطنية العليا للعمال والطلبة عام 1946 ـ وشملت معظم التيارات الوطنية، ماعدا الإخوان لرفضهم الانضمام إلى لجنة قياداتها من الوفديين واليساريين ـ التي توافقت على الضغط من أجل الاستقلال؛ كما مثلت إضافة مهمة للحركة الوطنية توِّجت بإلغاء معاهدة 1936.



ولم تشهد مصر بعدها، تجربة عمل جبهوي تذكر، حتى 2004، عندما حركت "كفاية" مياها ركدت لعقود. وتوافق الجميع ـ رغم اختلافاتهم الفكرية ـ حول شعار الحد الأدنى "لا للتمديد، لا للتوريث". ورفعت الحركة سقف هامش حرية التعبير. غير أن إطلاق شعار رافض للواقع من دون تقديم بديل، كان من أسباب تراجع وهجها بعدما أجهزت الانتخابات الرئاسية الأخيرة على النصف الأول من شعار الحركة. ثم ظهرت أمراض التحزب وصراعات الزعامة.



ورأيت أن ظهور البرادعي لم يحرك مياها راكدة ـ كما فعلت كفاية ـ ولكن كان خطوة جديدة على طريق بدأ قبل مجيئه بسنوات. وكانت حملة "دعم البرادعي ومطالب التغيير" إحياء لثقافة غابت طويلا، مع التفاف شباب تيارات سياسية مختلفة، حول سبعة مطالب للتغيير ـ أبرزها تعديل دستوري لإجراء انتخابات رئاسة حقيقية ـ طرحها الرجل الذي أوضح منذ اليوم الأول أنه لا يحمل عصا سحرية، وإنما هو مشارك يتبنى حلم التغيير مع الساعين لتحقيقه، فجذب العديدين ممن سئموا فكرة القائد المعلم والزعيم الملهم.



ثم جاءت الدعوة ليوم الغضب 25 يناير 2011 ، تتويجا لجهود حركات سياسية شبابية في تنسيق عدد مؤثر من التحركات الشعبية، كان آخرها وقفات في مختلف محافظات البلاد احتجاجا على مقتل خالد سعيد. وعندما دعوت ـ عقب نصف ساعة من مذبحة كنيسة القديسين ـ إلى تشكيل دروع بشرية شعبية لحماية الكنائس، ردا على تقاعس وزارة الداخلية المتكرر، تلقفت الدعوة حملة دعم البرادعي (معا سنغير) وسرعان ما تداولها الشباب عبر رسائل التليفونات وعلى الإنترنت. وأثناء وقوفنا عند كنيسة كليوباترا بالشموع يوم عيد الميلاد، علمت أن الشباب نظموا وقفات مشابهة في نحو ثمانية عشر محافظة ـ هي نفس المحافظات التي خرجت منها المظاهرات يوم 25 يناير ـ فأدركت أن الثورة التي انتظرها جيلنا منذ ثلاثة عقود بعد قمع انتفاضة يناير 1977 صارت على الأبواب! وكانت البوادر تشير إلى نضج الظرف الموضوعي المواتي للثورة؛ مع تعفن نظام الفساد والاستبداد على نحو لم يعد يجدي معه إصلاح. كما تشير إلى نضج الظرف الذاتي للثوار؛ مع نجاحهم في تنظيم عدة فعليات ناجحة تغطي معظم محافظات البلاد، رغم اختلاف انتماءاتهم السياسية!



وكان الإعداد ليوم الغضب وتحديد أماكن تجمع المتظاهرين ومواعيد انطلاق المظاهرات، ثم تنظيم الحركة في الميادين بعد ذلك، نتاج التنسيق بين عدة تيارات سياسية بلورت اتفاق الحد الأدنى بينها حول شعار "ارحل!". وعندما اكتملت الصورة، صار لا بد من تشكيل كيان تنظيمي جبهوي يجمع الحركات الأبرز في الدعوة إلى يوم الغضب وتنظيمه وقيادة فعالياته حتى تحول إلى انتفاضة ثورية؛ توجت بتحقيق شعار"الشعب يريد اسقاط الرئيس". فكان تشكيل "أئتلاف شباب الثورة" من خمس تيارات أساسية: حملة دعم البرادعي ومطالب التغيير(معا سنغير) و6 أبريل، وشباب من أجل العدالة والحرية، وشباب حزب الجبهة الديمقراطية، وشباب الإخوان (الذين طردتهم الجماعة بعد ذلك لإصرارهم على مواصلة الثورة مع زملائهم فكونوا حزب التيار المصري).



وشهدت مصر، والعالم العربي، للمرة الأولى في التاريخ الحديث، تجربة ناجحة في العمل الجبهوي الناضج الذي يضم تيارات مختلفة سياسية، اتفقت فيما بينها على حد أدنى من الأهداف، وأزاحت جانبا اختلافاتها الفكرية والسياسية، حتى أنجزت الهدف المتفق عليه برحيل المخلوع.



وكان طبيعيا، بعد إنجاز الهدف، أن يعود كل منهم إلى تياره وانتمائه الأصلي، لحين ظهور حد أدنى جديد من الأهداف المرحلية يتفقون على إنجازه، وهكذا. ولكن الهدف الذي صار مطلبا: "الشعب يريد اسقاط النظام"، لم يحدث ـ بعد ـ اتفاق على كيفية تحقيقه. فالبعض يرى أن إسقاط النظام لن يتحقق إلا بمواصلة الثورة، وإعداد دستور حقيقي يؤسس لنظام جديد مغاير تماما لما كان. وهو ما يتطلب عودة المجلس العسكري إلى ثكناته، وتولي مجلس رئاسي مدني مؤقت يشرف على إعداد الدستور ومن ثم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. بينما يرى آخرون أن الهدف يمكن تحقيقه عبر عمل سياسي وانتخابات لا تستلزم دستور جديد بالكامل. وغطت رغبة الشباب في استمرار الكيان الذي أسسوه، على اعترافهم بالحقيقة المنطقية التي تحتم حل التحالف بمجرد انجاز الهدف المتفق عليه. وتحايلا منهم على هذه الحقيقة، اتفقوا على أن يعمل كل منهم وفقا لرؤيته: فقاطع بعضهم الانتخابات إيمانًا بعدم جدواها تحت حكم العسكر، وشارك فيها البعض الآخر منقسمًا بين معسكري الكتلة المصرية والثورة مستمرة! وتكرر الأمر في انتخابات الرئاسة؛ عندما قاطع أغلب أعضاء الائتلاف الانتخابات، وأيد بعضهم حمين صباحي، بينما أيد آخرون عبد المنعم أبو الفتوح.



ولكن، كان لزاما ـ من باب الصدق مع النفس ومع الآخرين ـ حل الائتلاف، وعودة عناصره إلى قواعدها، لدراسة ما تتطلبه المرحلة القادمة من عمل لاستكمال أهداف الثورة، وبحث عناصر الاتفاق المقبلة، من أجل تحديد الهدف التالي الذي يمكن الاتفاق حوله في تحالف مرحلي جديد. وجاء إعلان حل الائتلاف خطوة رائدة أخرى، ودرسا في الصدق مع النفس ومع الآخرين، مع تقديم الشباب كشف حساب عن مجمل نشاط الائتلاف، يشمل إنجازاته والإقرار بما شابه من أخطاء.



والخلاصة، أن "إئتلاف شباب الثورة" كان تجربة رائدة، ورائعة، في تاريخنا عند تشكيله ـ كأول تجربة ناجحة للتحالف المرحلي بين المختلفين سياسيا ـ فشلت عشرات المحاولات لاستنساخه بعد الثورة إرضاء لشهوة الزعامة عند البعض، ولمقتضيات عقد الصفقات المشبوهة باسم الثوار. كما كان تجربة رائدة ورائعة أيضا عند حله، اعترافا صادقا ومخلصا باختلاف التوجهات السياسية ـ الذي هو من طبيعة الأمور ـ مع استمرار الصداقة بين الشباب؛ الذين ما أن انتهى مؤتمر إعلان حل الائتلاف، حتى بدأ حوارهم للبحث عن سبل التعاون القادمة.