إكرام يوسف : لا عدالة ولا كرامة.. ولا خير











في الآونة الأخيرة، تداول عدد من محبي الخير ـ بحسن نية ـ دعوة تبدو في ظاهرها طيبة، لكنها تحمل في طياتها خطرا كبيرا، يثير علامات استفهام حول نية من ابتدعها أول مرة. حيث انتشرت على صفحات الفيس بوك، دعوة تحث من يريد أن يفعل الخير على الذهاب إلى أقرب مدرسة حكومية لسداد مصروفات عدد من الطلاب الفقراء، المهددين بالفصل لعدم سدادهم الرسوم المدرسية! والمساهمة في انتشال التلاميذ من مستقبل مظلم ينتظرهم في حال عدم دفع المصروفات والحرمان من التعليم!
ولم ينتبه من سارعوا بنشر الدعوة إلى عدد من الفرضيات المهمة؛ أولها أن التعليم مجاني بقوة القانون طوال سنوات التعليم الإلزامي، وأن إعفاء غير القادرين من الرسوم الإدارية التي تتراوح بين أبعين جنيها ومائة جنيه للتلميذ الواحد، لن "يضلع" الدولة. فإجمالي هذه المصروفات لا يقارن ببذخ نشهده في الإنفاق على مواكب المسئولين، ووجبات الطعام في اجتماعات مجلس الشعب المنحل وغيره من اللجان، التي لم تنحل بعد. كما لا يقارن بمبالغ هائلة تستنزف من موازنة الدولة، في رواتب خيالية يتقاضاها آلاف المحاسيب الذي عينوا مستشارين، بعد مد سنوات خدمتهم لما بعد سن المعاش (زوجة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان ليستا استثناء). بل أن تحديد حد أقصى للأجور، وهو أمر يحتاج إلى قرار حكيم وجريء، لن يكلف موازنة الدولة شيئا، وسيضيف إليها أموالا ؛ هؤلاء التلاميذ أولى بها، وقد تحل مشكلات فئوية تهدد باضطراب حاد.
وتدفعني نفسي الأمارة بالسوء دائما إلى اعتبار أن من أطلق هذه الدعوة، وأغرى الطيبين بترديدها ونشرها، ليس سليم النية، وكل ما يهمه تملص الدولة من مسئولياتها الأساسية تجاه الشعب، وترك أمواله نهبًا لمحاسيب جدد!
وإذا نظرنا إلى الجانب الخيِّر الذي تدعيه هذه الدعوة؛ فمعظم من رددوها على صفحات الفيس بوك ليسوا من كبار الأثرياء الذين بوسع أحدهم مثلا أن يتحمل الرسوم المدرسية لعدد كبير من التلاميذ القادرين. ولو ذهب أحدهم إلى المدرسة القريبة من بيته فربما يستطيع سداد مصروفات تلاميذ ربما لا يتجاوزعددهم أصابع اليد الواحدة، فعلى أي اساس سيختارهم؟ وماذا سيكون موقف بقية التلاميذ؟ فضلا عن أنه في الحقيقة ـ وعلى غير ما يظن الطيبون ـ موقف يناقض العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية! فالعدالة الاجتماعية تقضي أن يكون حق التعليم المجاني مكفولا لكل من هم في سن الإلزام، والمفترض أن يعاقب أي مسئول يقضي بفصل تلميذ بسبب عدم سداده المصروفات. والمعروف، ان الرسوم الإدارية يعفى منها غير القادرين بناء على بحث اجتماعي، وهو تقليد كان متبعًا خلال عهد نظام المخلوع!
كما أنه موقف يعادي الكرامة الإنسانية، ويصر على تكريس مفهوم السادة وعبيد إحساناتهم! فهل المطلوب أن نعلم أبناءنا التلاميذ ثقافة التسول ـ التي يبدو أن هناك من هو حريص على تكريسها في المجتمع لتكون بديلا عن مسئولية الدولة ـ بحيث يتعلم التلميذ التخاذل عن المطالبة بحقه، والركون إلى قبول إحسانات السادة؟ وماذا تنتظرون من جيل يبدأ حياته بالشحاذة بدلا عن المطالبة بحقه؟ وللأسف، انزلق إلى نشر هذه الدعوة بعض النشطاء، وكان الأولى بهم الوقوف ضدها بقوة، وفضحها، وكشف نية الدولة في التملص من واجباتها وإلقائها على عاتق المواطنين؛ ليتفرغ المسئولون إلى استثماراتهم، واستكمال مخطط نهب موارد الدولة المستمر منذ عهود.
فحتى الآن، لم يظهر الحكم الجديد أي نية لتولي الدولة واجبات الرعاية الاجتماعية، التي تقدم للمواطنين، حتى في أعتى الدول الرأسمالية، حيث التأمين الصحي الشامل، وإعانات البطالة وحق التعليم المجاني على أرقى مستوى، ناهيك عن الدول التي تعلن انحيازها للفكر الاشتراكي. وقد ذكرت من قبل ما حكته لي صديقة العمر الدكتورة شهرت العالم، عندما كانت تدرس لنيل الدكتوراه في الاتحاد السوفيتي ـ الذي كان ـ عندما كانت تزورها شهريا طبيبة في السكن الطلابي الذي تقيم به مع طفلتها التي لم تتعد العام ونصف العام من عمرها، لتكشف على الطفلة دوريا، وتقدم لها ما تحتاجه من علب ألبان أو أدوية، مجانا، تكفيها حتى موعد الزيارة القادمة! وهي المقيمة الأجنبية التي جاءت لتدرس في البلد، وليست من مواطنيه! وحكت لي أيضا عن حوار جرى بينها وبين احدى العاملات الروسيات سألتها بذهول عن حقيقة ما سمعته أن العلاج والتعليم في مصر بأجر. فأحست شهرت بالحرج وقالت لها: "لدينا مستشفيات حكومية بالمجان ولكن من يرغب في علاج متميز يلجأ للعيادات والمستشفيات الخاصة.. ولدينا أيضا مدارس حكومية مجانية، ولكن من يريد لابنه تعليما متميزا، يذهب به إلى المدارس الخاضة"! فذعرت العاملة الروسية وتساءلت "ماذا يعني العلاج المتميز؟ المفروض أن أي مريض يحصل على علاج متميز! وبالمجان، فما معنى أن يكون الإنسان مريضا ثم يدفع نقودًا أيضا؟.. وما معنى أن يكون هناك تعليما متميزًا وآخر غير متميز؟ المفروض أن كل طفل يحصل على تعليم متميز مجانًا". فإذا تركنا جانبا أصحاب الفكر الاشتراكي ـ الذين يعتبرون التعليم المتميز والعلاج المتميز، حقا للجميع، يعود بالفائدة على الوطن ـ وذهبنا إلى بلدان العالم الرأسمالي، سأتذكر صديقتي "سامية" التي كانت تعمل في لندن، ثم تعطلت عن العمل وهي حامل، فكانت تحصل من الدولة على إعانة بطالة. وعندما زرتها، طلبت مني أن أرافقها إلى المستشفى حيث موعد متابعة الحمل. وحين شاهدت المستشفى ـ لا أعتقد أن كلمة فاخر تطاول مستواه، بعدما شاهدت من مستشفيات فاخرة لدينا تتقاضى عشرات الآلاف من المريض الواحد ـ قلت لها، لاشك أن زوجك يدفع ثروة ضخمة في كل زيارة لهذا المستشفى، ففاجأتني قائلة "ولا مليم، فنحن هنا تحت مظلة تأمين صحي، تدفع الدولة جميع تكاليف الحمل ومتابعته والولادة!"
الدولة ـ حتى في أعتى الدول الرأسمالية ـ لا تتنصل من مسئولياتها الاجتماعية لتشيع ثقافة التسول في المجتمع؛ وإنما تصرف على دورها الاجتماعي من تحصيل الضرائب التصاعدية على الأغنياء المستثمرين ـ لا تدليلهم على حساب الفقراء بحجة جذب الاستثمارات التي تذهب أرباحها إلى جيوب المستثمرين، والمسئولين الحكوميين الذين يسروا لهم استثماراتهم! كما تطبق ضرائب على التركات الهائلة بما يصل في الولايات المتحدة إلى 40 في المائة عند حد معين للتركة، وليس على التركات الصغيرة كما كانوا يريدون عندنا. فلتقم الدولة بدورها أولا، لتحقيق حد الكفاف على الأقل، بتطبيق قوانين ملزمة من دون استثناءات. ثم يكون الدور بعد ذلك على المواطنين في التكافل، وتلك قضية يلزمها مقال آخر.