النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: علاج القرآن لنفس الإنسان للدكتور مبروك عطية

  1. #1
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي علاج القرآن لنفس الإنسان للدكتور مبروك عطية

    هذا كتاب جديد للأستاذ الدكتور مبروك عطية ..أقوم بنقل مايتم نشره أولا بأول من :

    الصفحة الرسمية للدكتور مبروك عطية

  2. #2
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي علاج القرآن لنفس الإنسان

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة



    الحمد لله الذى خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على خير إنسان ، سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الفوز والخسران
    وبعد
    فهذا عمل جديد ، ألحت علي فكرته من زمان غير قريب، وقد ألقيت محاضرة فيه في أحد الأندية الكبرى بالقاهرة العاصمة ، وقد رغبت فى أن يعم النفع ، بالكتابة فيه ، وشغلتنى عنه أمور كلها من واديه،وتمت بصلة قريبة إليه ، فما من مو
    ضوع أكتب فيه إلا وهذا الموضوع بداخلي، ويتعلق به أمور فيها لبس لا شك أن إزالته من العمل الواجب ، ويتعلق به أمور مهمة يحتاج إليها الناس ،وكما سميته علاج القرآن لنفس الإنسان، والعلاج مطلوب ، ومنشود،
    وغني عن البيان أن مرض النفس أشد خطورة من مرض البدن ،فمرض البدن بالنسبة إلى مرض النفس هين ، وليس عسيرا ، لأنه من السهل علاجه، أما علاج النفس فمشكلة المشكلات
    وسبب ذلك أن علاج النفس قريب بعيد
    وكل ماكان كذلك كان أصعب ما يكون،وذلك لأن البعيد مع شيء من الصبر والتضحية يهون ؛إذ ينال ولو بعد حين ،
    أما القريب الذى لا تراه ،أو تراه ولكنك لا تهواه فمشكلة من كبرى المشكلات
    ومثله مثل الدواء المادي المعروف الذى هو فى متناول المريض ، ولكنه لا يريد أن يتناوله ،فيبقى بلا شك مريضا ، ومحيرا
    ولذلك أرى هذا الموضوع من الأهمية بمكان
    وسوف أعرضه إن شاء الله تعالى فى ثلاثة فصول أراها تحقق فكرته
    الاول: النفس البشرية بين الخير والشر
    والثانى :علاج القرآن للنفس البشرية بالواجب
    والثالث :علاج النفس البشرية بالمندوب
    والله أسأل أن ينفع به ، وان يجعله عملا صالحا يرضاه إنه ولى ذلك والقادر عليه
    أد
    مبروك عطية
    الأستاذ فى جامعة الأزهر


  3. #3
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    الفصل الأول
    النفس البشرية بين الخير والشر


    النفس البشرية مستودع الخير ، والشر، بل هى مستودع كل شيء، ونقيضه؛ بدليل قوله تعالى-:"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها"
    جاء فى تفسير البغوي:
    ( ونفس وما سواها ) عدل خلقها وسوى أعضاءها . قال عطاء : يريد جميع ما خلق من الجن والإنس . ( فألهمها فجورها وتقواها ) قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة : بين لها الخير والشر . و
    قال في رواية عطية : علمها الطاعة والمعصية ، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه : عرفها ما تأتي من الخير وما تتقي [ من الشر ] .

    وقال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها . قال ابن زيد : جعل فيها ذلك ، يعني بتوفيقه إياها للتقوى ، وخذلانه إياها للفجور . واختارالزجاج هذا ، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان ، وهذا يبين أن الله - عز وجل - خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور .
    وفى ابن كثير تفصيل أكثر ؛حيث جاء فيه:

    قال بن عباس ( فألهمها فجورها وتقواها ) بين لها الخير والشر وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري وقال سعيد بن جبير ألهمها الخير والشر وقال بن زيد جعل فيها فجورها وتقواها وقال بن جرير حدثنا بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا حدثنا عزرة بن ثابت حدثني يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت عليهم الحجة قلت بل شيء قضي عليهم قال فهل يكون ذلك ظلما قال ففزعت منه فزعا شديدا قال قلت له ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون قال سددك الله إنما سألتك لأخبر عقلك إن رجلا من مزينة أو جهينة أتى رسول الله فقال يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت به عليهم الحجة قال بل شيء قد قضي عليهم قال ففيم نعمل قال من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) رواه أحمد 4438 ومسلم 2650 من حديث عزرة بن ثابت به وقوله تعالى ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى نفسه أي بطاعة الله كما قال قتادة وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وكقوله تعالى ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) ( وقد خاب من دساها ) أي دسسها أي أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه وقد خاب من دسى الله نفسه كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن بن عباس وقال بن أبي حاتم حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثنا سهل بن عثمان حدثنا أبو مالك يعني عمرو بن هشام عن عمرو بن هاشم عن جويبر عن الضحاك عن بن عباس قال سمعت رسول الله يقول في قول الله عز وجل ( قد أفلح من زكاها ) قال النبي أفلحت نفس زكاها الله عز وجل ورواه بن أبي حاتم من حديث أبي مالك به وجويبر هذا هو بن سعيد متروك الحديث والضحاك لم يلق بن عباس وقال الطبراني حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا أبي حدثنا بن لهيعة عن عمرو بن دينار عن بن عباس قال كان رسول الله إذا مر بهذه الآية ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) وقف ثم قال اللهم أت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وخير من زكاها .حديث آخر قال بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا يعقوب بن حميد المدني حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي حدثنا معن بن محمد الغفاري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقرأ ( فألهمها فجورها وتقواها ) قال اللهم أت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها لم يخرجوه من هذا الوجه وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن نافع عن بن عمر عن صالح بن سعيد عن عائشة أنها فقدت النبي من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها تفرد به حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله يقول اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر اللهم أت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها قال زيد كان رسول الله صلى الله تعالى
    عليه وعلى آله وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكموهن رواه مسلم من حديث أبي معاوية

  4. #4
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    فانظر كيف كان فى النفس من النقائض:
    الكرم والبخل،والقوة والضعف،والنشاط والكسل ،والتزكية ،والدنس، وغير ذلك
    والاستعانة بالله تعالى على ان يثبت فيه الفضائل ، ويقيها الرذائل من خير الدعاء
    صحيح أن الإنسان قد يكسل بسبب مرض عضوى، لكن نشاط نفسه المتوقد يعينه على الشفاء منه
    بل إنى على يقين أن كسل النفس يتبعه كسل البدن، وليس العكس،
    ومن الأدلة على ذلك أن النبى –صلى الله عليه وسلم-كان فى قمة النشاط ، برغم الابتلاء،
    ففى يوم الطائف ، حيث كان بلغة زماننا المتنفس المرجوبعد تكذيب أهل مكة كان ما كان من سفاهة وتكذيب ؛ فقال عليه الصلاة والسلام مناجيا ربه الذى يستمد من عونه ونشاطه قوته ونشاطه :إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي،
    وكثير منا لأتفه الأسباب يخور
    ومن الأدلة على ذلك أن حبيب بن ضمرة خرج مهاجرا يحمله بنوه ؛لأنه رأى ذلك حيلة يستطيعها وفيه نزل قوله تعالى :
    "وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" النساء: ١٠٠

    جاء فى أسباب النزول للواحدى :

    - قال ابن عباس في رواية عطاء : كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن ، فكتب الآية التي نزلت : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) فلما قرأها المسلمون قال حبيب بن ضمرة الليثي لبنيه ، وكان شيخا كبيرا : احملوني فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدى إلى الطريق . فحمله بنوه على سرير متوجها إلى المدينة ، فلما بلغ " التنعيم " أشرف على الموت ، فصفق يمينه على شماله وقال : اللهم هذه لك ، وهذه لرسولك ، أبايعك على ما بايعتك يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ومات حميدا . فبلغ خبره أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : لو وافى المدينة لكان أتم أجرا . فأنزل الله تعالى هذه الآية .
    - فهذا رجل وجد أنه بوسعه أن يهاجر برغم مرضه الشديد، لأن له بنين يحملونه على سريره، ومات فى الطريق ، واحتسبت له هجرة تامة ، كما رأينا فى النص السابق
    - وتأمله وهو يصفق بيديه قبيل رحيله ، ويقول مناجيا ربه : هذه لك ، وهذه لرسولك
    وتأمل أبا عقيل الأنصارى الذى جاء بنصف أجره، وكان صاعا من تمر؛ فلمزه المنافقون، واستصغروا صدقته؛ فسخروا منه ، وقالوا إن الله غنى عن صدقة هذا؛فأنزل الله-تعالى –فيه:
    "الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "التوبة: ٧٩
    سماه متطوعا ، وأقر جهده ، وسخر من الذين سخروا منه،ووعدهم العذاب الأليم
    وهذا عمرو بن الجموح رضى الله عنه- الذى جعله النبى –صلى الله علي وسلم سيد قومه، كان أعرج ، وأراد أن يشهد بدرا،فمنعه بنوه ، فلما كان يوم أحد قال لهم :
    لقد منعتمونى الجنة يوم بدر ، ولن تمنعونى اليوم ، واستأاذن رسول الله –صلى الله عليه وسلم –أن يحضرالموقعة ؛فأذن له ، وحضرها ، ومات شهيدا
    وبعد ست وأربعين سنة من موته أخرجه الناس من قبره الذى دمره السيل ، لينقلوه إلى قبر آخر فوجدوه ومن معه كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده فوق جرحه، فلما أرسلوها عادت فوق جرحه كما كانت ، تلك كرامة من الله لمن جاهد فيه حق جهاده، يقول الذهبي –رحمه الله فى سير أعلام النبلاء:
    روى محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار ( ح ) وفطر بن خليفة عن حبيب ابن أبي ثابت ( ح ) وابن عيينة عن ابن المنكدر أن رسول الله قال ( يا بني سلمة من سيدكم قالوا الجد بن قيس وإنا لنبخله قال وأي داء أدوى من البخل بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح )
    قال الواقدي لم يشهد بدرا كان أعرج ولما خرجوا يوم أحد منعه بنوه وقالوا عذرك الله فأتى رسول الله يشكوهم فقال لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة. قالت امرأته هند أخت عبد الله بن عمرو بن حرام كأني أنظر إليه قد أخذ درقته وهو يقول اللهم لا تردني فقتل هو وابنه خلاد
    إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن أبي الضحى أن عمرو بن الجموح قال لبنيه: أنتم منعتموني الجنة يوم بدر، والله لئن بقيت لأدخلن الجنة
    فلما كان يوم أحد قال عمر لم يكن لي هم غيره فطلبته فإذا هو في الرعيل الأول. قال مالك :كفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام في كفن واحد
    مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وابن حرام كان السيل قد خرب قبرهما فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس وكان احدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة
    وهذا الصحابى الجليل واثلة بن الأسقع، وكان حديث عهد بالإسلام، يسأل الناس ن وينادى فيهم : من يحملنى وله كذا مما يفتح الله به على؟
    لانه لم يكن عنده من ظهر يحمله إلى تبوك، فقال الصحابى الجليل كعب بن عجرة : أنا أحملك ، وحمله وجاهد ، وغنم ، وأراد أن يوفى وعده ؛فأبى أخوه فى الدين –رضي الله عنهما أن يأخذ منه شيئا ، وقال له : والله ما حملتك إلا لله
    قال الواقدي: إن واثلة بن الأسقع كان ينزل ناحية المدينة، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه الصبح، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح وانصرف فيتصفح وجوه أصحابه، ينظر إليهم، فلما دنا من واثلة أنكره، فقال: من أنت ؟ فأخبره، فقال: ما جاء بك ؟ قال: أبايع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على ما أحببت وكرهت ؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما أطقت ؟ قال واثلة: نعم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى تبوك، ولم يكن لواثلة ما يحمله، فجعل ينادي: من يحملني وله سهمي ؟ فدعاه كعب بن عجرة وقال: أنا أحملك عقبة بالليل، أسوة يدي، ولي سهمك. فقال واثلة: نعم. قال واثلة: فجزاه الله خيراً، كان يحملني عقبي ويزيدني، وكل معه ويرفع لي، حتى إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر الكندي بدومة الجندل، خرج كعب وواثلة معه فغنموا، فأصاب واثلة ست قلائص، فأتى بها كعب بن عجرة فقال: اخرج فانظر إلى قلائصك. فخرج كعب وهو يتبسم ويقول: بارك الله لك، ما حملتك وأنا أريد آخذ منك شيئاً. ثم سكن البصرة. وله بها دار، ثم سكن الشام على ثلاثة فراسخ من دمشق بقرية البلاط وشهد فتح دمشق، وشهد المغازي بدمشق وحمص، ثم تحول إلى فلسطين، ونزل البيت المقدس، وقيل: بيت جبرين.
    ويشارك سعيد بن المسيب فى الجهاد، وهو أعمى ، فلما قال له من يقوده :
    إنك معذور!
    قال:
    دعنى أكثر السواد ، وأحفظ المتاع
    أى أكثر عدد الجيش الإسلامى ، حتى يبدو كثيرا فى عين الأعداء ، فإنهم لا يرون إلا سوادا ، لا يرون الأعمى من البصير، وكذلك أحمى متاع المجاهدين

  5. #5
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    وما أكثر النماذج المشرقة التى تدل عل أن قوة النفس تدفع الجوارح إلى المشاركة فى الأمجاد،وأن النشاط الذى مبعثه النفس يستمر ويتسرب منها إلى البدن ؛ فينشط ،ويقوى وإن عدمت أسباب القوة
    ونحن فى حاجة إلى تقديم تلك النماذج المشرقة من أجل معالجة هذا الاستسلام المدمر الذى عليه كثير من الناس فى زماننا ، حيث يستطيعون حيلا ، ويدعون أنهم لا يستطيعون حيلة، ويقدرون على عمل أشياء، ويدعون أنهم لا يقدرون على عمل شيء
    وحديث الليل والنهار
    نحن لا نقدر
    لا يقدر على القدرة إلا الله
    لا فائدة
    الظروف لا تسمح
    البلد وما يجرى فى البلد
    من أين
    ربك أعلم
    عندى (شوية برد)
    ولست فى حاجة إلى أن أبين لك حديث الناس فى التعلل بالدين، وتناول الرخص ، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها
    وصدق الله العظيم حيث قال :

    "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" البقرة: ٢٨٦
    ولكن السؤال
    وما وسع النفس؟
    وهل صحيح أن هذا وسعك ، وأنك لا تستطيع أن تقدم أكثر من هذا
    تلك هى القضية التى لا يحكم عليك فيها إلا ضميرك
    هل أنت بالفعل صادق ، لا تقدر على الحركة ، وهل يمنعك ذلك المرض الخفيف من الخروج إلى عملك ، وقول الحق الذى هو منوط بمثلك ،
    فأنت مؤمن ، ومن غير المؤمن يقول الحق ويشهد به !
    لقد كان عمرو بن الجموح بين العرج ، ومع ذلك أصر على الجهاد، وكان حبيب بن ضمرة مريضا بالفعل ، لكنه رأى أن بنيه يمكن أن يحملوه ؛فعل ذلك حيلة
    ترى هل استعان احد الكبار بعصا ، فتوكأ عليها ، أو تعلق بذراع ابن له ، وحضر اجتماع مؤسسته ؛ فقضى مصالح للناس
    أم اعتذر عن مثل هذا الاجتماع لعلة واهية، وادعى المرض ، فتعطلت مصالح كثيرة، وكلما سأل عنه أحد من أصحاب هذه المصالح قيل له
    إنه مريض ؛ فادع الله أن يقوم بالسلامة ،
    بل إنه إذا حضر بعد طول غياب قيل له
    كانت المؤسسة أو المصلحة مظلمة من غير معاليك، نورت يا (افندم)
    وإذا ألحت مصلحة فى الدخول عليه أبى ، أو أبى سكرتيره، خصوصا إذا كان امرأة ، وقال : لا ترهق نفسك ، تؤجل ؛ فما زلت مرهقا!
    فهو فى إجازة حتى ، وإن عاد، وكم تعطلت مصالح ، وتوقفت مسيرات بسبب علل واهية
    ولله در المتنبى حيث قال
    وإذا كانت النفوس كبارا
    ....تعبت فى مرادها الأجسام

    أى إذا كانت الغايات السامية متعلقة بالنفس تعبت بسبب ذلك الأجسام ، لأنها لا تقوى على متابعة النفس الكبيرة ، والتى تعلقت بها ، تلك الغايات السامية
    بخلاف ما لو كانت النفوس صغارا ، حقيرة لا معنى فيها من المعانى السامية يستقر
    أو كانت كبيرة كبر كلام ، بحيث تظنه صاحب طموح ، وما هو بطموح ، يغريك قوله وهو لا يعمل شيئا يدل على صدقه، الذى أغرقك كلاما يوم قال لك أود أن أعيش بين النجوم ، فإن الأرض تضيق بمثلى

    وقد أمرنا ربنا أن نجاهد فيه حق جهاده ، قال تعالى :

    "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ"
    الحج: ٧٨
    ولن نكون مجاهدين فى الله أى فى سبيل الله ، وإعلاء كلمة الله إلا إذا بذلنا كل طاقاتنا فى ذلك
    ويشمل ذلك القتال ، والزراعة والصناعة ، وطلب العلم،
    جاء فى تفسير القرطبي :
    قوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قيل: عنى به جهاد الكفار. وقيل:
    هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية: وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
    " فاتقوا الله ما استطعتم (1) " [التغابن: 16]. وكذا قال هبة الله: إن قوله: " حق جهاده " وقوله في الآية الأخرى.
    " حق تقاته (2) " [آل عمران: 102] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر. ولا حاجة إلى تقدير النسخ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم، لان " حق جهاده " ما ارتفع عنه الحرج. وقد روى سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير دينكم أيسره).
    وقال أبو جعفر النحاس. وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على الانسان، كما روى حياة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل) وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم:
    أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة، فقال
    كلمة عدل عند سلطان جائر

  6. #6
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    -ومامن شك أن الدين يدعو إلى تزكية النفوس ، وإبراز أجمل مافيها من المعانى التى سبق ذكرها ، وإخفاء أسوأ ما فيها، وقد قال الله تعالى :"قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"
    أى خاب من دس أى أخفى ما فيها من المعانى الطيبة التى أودعها الله فى تلك النفس،
    فترى المرء قادرا على عمل الخير ، ويدعى أنه غير قادر على فعله،وهو قادر
    وقد سبق ان ذكرت أن الرجال أمثال حبيب بن ضمرة ، وواثلة بن الأسقع الليثى ، وسعيد بن المسيب
    -رضى الله عنهم قدموا جهدهم ، برغم ما كانوا عليه مما يمكن أن نسميه عذرا
    وما من شك فى انهم (تصرفوا )
    وأول من عرف التصرف وعلمه الناس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
    بدليل أن المعهود عنه -صلى الله عليه وسلم أنه كان يعطى السائل ما سأل إذا وجد حاجته عنده ، فإن لم يجدها قال له :
    ابتع علي
    أى اشتر ما شئت ،والحساب عندي،
    وهذا نوع من التصرف ، حيث إنه عليه الصلاة والسلام لم يقل للسائل إذ لم يجد حاجته،
    ياليت
    كان بودي أن أعطيك
    أو كما نقول نحن بجرأة (آدي الله وآدي حكمته)
    أو يقول :لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
    وقد توقفت عند رجلين من رجالات العلم
    وهما أبو الفتح عثمان بن جنى ، عالم الأمة الذى لا يشق له غبار
    كان ممتعا بإحدى عينه ، وكتب المصنفات المصادر
    والثانى محمود بن عمر الزمخشرى صاحب الكشاف وكان برجل واحدة
    وكم من ممتع بعينيه جميعا ، وبرجليه جميعا ثم لا يقدم عشر ما قدم مثل هذين الرجلين، من أعمال عظيمة ، لم تزل خالدة ولا غنى عنها
    وأذكر اننا فى زمان الطلب لم يتوفر لنا شيئا مما هو متوفر الآن لكثير من طلاب العلم من سبل العيش والمواصلات ، والأدوات اللازمة لكل طالب علم
    وكنا نستنسخ المخطوطات بأيدينا من أماكنها قبل أن تنتشر ماكينات التصوير ،
    وذلك بتوفيق الله عز وجل لنا حيث كنا بحق جادين فى الطلب ،
    وقد اختفى من قاموس حياتنا : لا أستطيع ، وما يرادفها من مفردات وتراكيب، حتى وإن كنا نشعر أننا كذلك
    لأنا لم نكن نريد أن يعطلنا شيء عن طلب العلم
    كما كان أهلونا كذلك
    كما كان راغب الزواج من فتاة يحبها، لا يقول إلا نعم ، وكان لا يظن أن شيئا يعجزه
    وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم :(لا تعجز)
    وقال : ( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير )
    وفى محكم التنزيل يقول الله ربنا عز وجل :" لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدون بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعددين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما"
    ويقول عز وجل فى ذم المنافقين:"رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون "
    والنفس السوية لا ترضى أن يقال فى صاحبها قاعد ، أو مع القاعدين

  7. #7
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    ولا شك أن اختفاء هذه الألفاظ،التى تدل على العجز والوهن دليل على إرادة المرء أن يكون قويا ؛ لأن الكلام كما قال الشاعر:
    إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ..جعل اللسان على الفؤاد دليلا
    أى إذا استقر الطيب من المعانى فى القلوب عبر عنها اللسان
    ؛ فخرجت الكلمات العطرة من جوف الزهور،
    وإذا وجد النقيض عبر عن ذلك اللسان ، فخرجت الكلمات كذلك ،ولكن على النقيض من ذلك،أى خرجت غير طيبة ،اللهم إلا إذا كان منافقا بلسانه،فإنه
    يقول بلسانه ما ليس فى قلبه،
    ألا ترى إلى قول الله-تعالى-:"يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم "و سوف تسفر الليالى و الايام عن كذبهم الذى تبينه المواقف التى تتجلى فيها القوة التى يبعثها الناس بدليل أن الناس يوم الأحزاب قد انقسموا فريقين :
    الأول :المؤمنون الذين قالوا حين رأوا الاحزاب هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله و ما زادهم الا إيمانا و تسليما
    و الثانى: المنافقون الذين قالوا حين رأوا الاحزاب أنفسهم : ما وعدنا الله و رسوله الا غرورا فالموقف واحد و التعبير مختلف و ما كان هذا الاختلاف فى التعبير الا ترجمة لما استقر فى النفوس من قوة يبعثها الايمان و من يبعثه الكفر و اذا أردنا أن نحقق هذا المضمون الذى اخترناه و عنوانا و موضوعا لهذا الكتاب لم يتكلف شيئا من العناء حين نقول إن الناس الذين عاشوا فى مدينة على سواء ما دام الأمر سلاما و مأكلا و مشربا بل و ركوعا و سجودا فالمنافقون كانوا يصلون كالمؤمنين بل كان منهم من هو أشد ملازمة للنبى صلى الله عليه و سلم من غيره كزيد ابن اللصيت كان من كبار المنافقين و كان أكثر ملازمة للنبى من كبار الصحابة و الذى بين وميز بين هؤلاء و هؤلاء الشدة التى اقتحمت الناس فجأة حيث جاء الأحزاب من كل مكان فجأة و دون تمهيد و سابق انذار فعدها
    المؤمنون خيرا وثبتوا .وعدها المنافقون خرابا و ضياعا و زوالا من كل وعد حيث قال أحدهم كان محمدا يعدنا بملك كسرى و قيصر و الرجل منا لا يستطيع قضاء حاجته و قال آخر أشد من هذا و فاز الذين ثبتوا برضوان الله و نصره حيث كفاهم القتال و خسر الذين ضعفوا فى الدنيا و الآخرة
    و القوة معنى فى النفس و الضعف كذلك معنى فيها ، فما الذى أخرج القوة و ما الذى أخرج الضعف
    إن الذى أخرج القوة الايمان و الذى أخرج الضعف الكفر و نحن نرى ذلك يقينا فى مشاهد متكررة متعددة فى الكتاب الكريم و من ذلك :
    1- أن النبى صلى الله عليه و سلم و هو فى الغار استمد قوته التى أهداها الى قلب صاحبه أبى بكر صاحبه رضى الله عنه حين بدت عليه أمارات الخوف ما ظنك باثنين الله ثالثهما قالى تعالى الا تنصروه فقد نصره الله اذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين اذ هما فى الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فأنزل الله سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها و جعل كلمة الذين كفروا السفلى و كلمة الله هى العليا و الله عزيز حكيم
    2- و حين تراءى الجمعان موسى عليه السلام و من معه و فرعون و جنوده و قال أصحاب موسى انا لمدركون حيث كان البحر أمامهم و العدو وراءهم فقال موسى عليه السلام كلا ان معى ربى سيهدينى فأمره الله أن يضرب البحر بعصاه فانفلق و صار طريقا يبسا سلكه موسى و من معه فى أمان الله فلما أراد فرعون وجنوده أن يتبعوهم أغرقهم الله
    3- و حين ألقي ابراهيم عليه السلام فى النار لم يزد على قوله كما روى ابن عباس رضى الله عنهما حسبي الله و نعم الوكيل و كان أن قال الله للنار كوني بردا و سلاما على ابراهيم فكانت و خرج منها لم يمسسه سوء و روي أن جبريل عليه السلام أتاه فقال له ألك حاجة فقال أما منك فلا فقال من الله فقال علمه بحالي يغنيه عن سؤالي و لا يتصور انسان مثل هذا الحوار و الرجل على مقربة من النار و شأن الانسان أن يتعلق بأى شىء كالغريق كما يقول الناس لكنه الايمان مبعث القوة و أى انسان اذا كان على يقين أنه إن سأل عونا من القادر عليه أعطاه لم يتسرب إليه خوف و ليس بعد قدرة الله قدرة و ليس بعد جوابه جواب أما الذى خلا قلبه من هذا اليقين فقلبه هواء فهو ينظر الى الأسباب وحدها
    فاذا وجد الأسباب حافلة اطمئن و اذا وجدها ضعيفة خار و ضعف و المطمئن الى الأسباب القوية وحدها مغرور لسببين الأول انها لا تدوم و الثانى أنها لا تحقق هدفا الا إذا أراد الله .و لذلك قال الله تعالى فى خاتمة سورة لقمان "فلا تغرنكم الحياة الدنيا و لا يغرنكم بالله الغرور"
    وما أشبه الغرور بالفجر الكاذب الذى يبدو صبحا و هو ليل و ما أشبهه بالسراب الذى يتراءى من بعيد ماءا فاذا اقترب منه الذى يحسبه ماءا لم يجده شيئا ووجد الوهم يقينا لااحتمالا .و السبب الضعيف لو أراد الله أن يقويه قواه و نفخ فيه من روحه فإذا العصا أمضى من السيف و إذا الجنيه أشد بركة من الألف و لنذكر فى ذلك قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون و قال تعالى قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله و أخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين و الله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار و فى آية البقرة يقول الله تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين
    و كل ذلك شاهد على أن السبب الضعيف مع الايمان القوى يقوى و يغلب
    و هذا من علاج القرآن بنفس الانسان التى تشعر بالضعف و الهوان اذا قل السبب أو ضعف تأتى معية الله فتعالج هذا الاحساس ، رأى موسى عليه السلام السحرة يلقون ما فى أيديهم من الحبال و العصى فأوجس فى نفسه خيفة فعالج الله خيفته و قال له لا تخف .و لنتوقف عند هذا النهى لنحاول التوفيق بين المثل الأعلى الذى عليه القرآن و بين الواقع الأدنى الذى عليه النفس .فان للنهى فى كتاب الله مقتضى و قد فقد النهى مقتضاه فى حياة الناس و بيان ذلك أن الله تعالى نهى موسى عليه السلام عن الخوف فقال له لا تخف و جعل عصاه تأكل عصيهم بإذنه و قدرته و نهى أمه عن الخوف فقال لها "و لا تخافى و لا تحزنى إن رادوه إليك "، ورده اليها و كثير من الناس يقولوا بعضهم لبعض لا تخف و لا يفعل له شيئا و هذا الذى يجعل ثقة الناس بعضهم فى بعض مفتقدة و لو أردنا علاجا كعلاج القرآن الكريم لقلنا للضعيف لا تخف و قويناه ، و للجائع لا تخف و أطعمناه و للخائف لا تخف و طمأناه ، و للمظلوم لا تخف و نصرناه لكنه النهي الفاقد لمقتضاه و أرى أنه يزيد الضعيف ضعفا لانه يعلم أن أحدا لن يفعل من أجله شيئا لإنه يشعر بأنه لن يكون ماضيا من ضعف إلا الى ضعف أشد و هو ضعف الخزي و الخزلان و هو أشد على النفس مرارة من ضعف القوة التى يعانيها و التى من أجلها من نادى فى الناس من ينصرني و من يقويني ثم لم يبلغ صداه الى قلب حتى يجيبه قائلا أنا و هو على يقين أنه صادق و لله در القائل و قد نسب الى الشافعى
    ان الصديق الحق من كان معك
    و من يضر نفسه لينفعك
    و من اذا ريب الزمان صدعك
    صدع فيك نفسه ليجمعك
    و متى وجد هذا الانسان صديقا كان أو جارا أو زميلا أو رحما قريبا أو بعيدا فلا خوف لأنه اذا قال لك لا تخف فلنهيه مقتضى هو أن يزيل سبب الخوف عنك و ليس هذا الذى يقول لك لا تخف ثم يتولى عنك و لا يزيل من طريقك سبب خوفك فأنت مازلت خائفا لانك تعيش فى كنف من لا يعينك فوجود مثل هذا الانسان و عدمه سواء بل إن عدمه كما أقول أولى من وجوده و ما أصدق قول القائل
    ما أكثر الاخوان حين تعدهم
    لكنهم فى النائبات قليل
    أى أن اذا عد الانسان اخوانه و أقاربه عد الكثير الذى قد يتجاوز العشرات فاذا ناداهم فى مصيبة ألمت به فقلما يجيبه واحد ، و العزاء فى ذلك قول النبى صلى الله عليه و سلم " الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة " و معنى هذا الحديث أن الناس مثلهم مثل مئة من الإبل تفحصها فلا تجد فى هذه المئة الا واحدا يقوى على أن يحملك و بتحويل ذلك الى نسبة مئوية نقول ان النافع من الناس 1% و لذلك كان من الفطنة ألا يغتر الانسان بالعدد و كما قيل انه " إن العدد فى الليمون" و العبرة بالنافع من الناس الذى عليه يعول و به تكون الثقة و من عمى الانسان أنه قد يضيع هذا النافع مغترا بالكذب و النفاق و المداهمة التى لا يجنى من ورائها الا الخسارة آخر الأمر

  8. #8
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    و إذا تبين لنا أن علاج القرآن بضعف النفس يكون بمقتضى النهي كما بينت فإنه من الواجب علينا أن نتوكل على الله حق توكله لأن الله يقول " و من يتوكل على الله فهو حسبه"أى كافيه فلا يحتاج الى أحد و لا يفتقر الى سبب و لا يشعر فى ظل معية الله إلا بعزة و مجد و نصر عظيم لأنه إذا دعاه أجاب و اذا استنصره نصره و اذا سأله أعطاه بل و اذا أسلم نفسه للنوم حرسته عين الله التى لا تنام و اذا كل عقله هداه و أخذ بناصيته الى ما فيه خيره و قد يعترضنا فى هذا اشكال و هو أن بعض الناس قد يقول إن فلانا من المتوكلين المؤمنين الخالصين و هو مبتلى فأين الخير و النصر الذى تتحدث عنه ، و الجواب عن ذلك من ناحيتين :
    الأولى أن ذلك قد يكون حكما غير سليم بمعنى أن الذى تظنه من المتوكلين ليس منهم
    و الثانية أنه قد يكون من المتوكلين حقا لكن الخير له فيما ابتلى به ، و لو تحقق له الخير فى الظاهر لفسد حاله
    ألا ترى الى قول الله تعالى "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض و لكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير"
    و قد عرضت سورة الكهف لنا ثلاثة نماذج مما ظاهره الشر و باطنه الخير
    " فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تؤاخذنى بما نسيت و لا ترهقنى من أمرى عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقص فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بينى و بينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا و أما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا و كفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة و أقرب رحما و أما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة و كان تحته كنز لهما و كان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربك و ما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا"
    فكان فى خرق السفينة انقاذ لها من اغتصاب الملك الظالم الذى كان يأخذ كل سفينة صالحة ظلما و عدوانا و كان فى قتل الغلام رحمة بوالديه المؤمنين ، فلو عاش و شب عن الطوق لأرهقهما طغيانا و كفرا و كان فى إقامة الجدار فى قرية أهلها بخلاء حفظ للكنز الذى كان تحته لغلامين يتيمين فيها و لو تهدم الجدار لانكشف الكنز و أخذه البخلاء و ضاع الغلامان
    و يجمع هذه النماذج قول الله تعالى فى سورة البقرة " كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون"
    و متى استقر ذلك فى قلب المؤمن ازداد رضا بما يرى من حاله ، و ذلك بشرط أن يقدم ما عليه ؛ فلا يقعدن أحدا فى بيته دون عمل ، فيفتقر ثم يقول أنا راض بما قسم لى و عسى فى ذلك الخير لى بأن هذا من الدجل الذى أصابنا فى مقتل فلم يقدم ما يجب علينا أن نقدمه من واجبات ما كلفنا بها الدين الا لعلاج النفس التى هى فى حاجة إلى مقومات الحياة من زاد و ماء و كساء و علاج و غير ذلك
    و قد قال النبى صلى الله عليه و سلم كما روى الإمام ابن أبى جمرة فى كتابه بهجة النفوس :"إن النفس اذا كان معها قوتها اطمأنت "
    فقد شاهد الناس الصحابى الجليل سلمان الفارسى رضى الله عنه يحمل شعيرا على كتفه ؛ فسألوه :
    أو تفعل هذا و أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال :
    " إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت"
    و من هنا نرى أن علاج الدين للنفس من حالة الاضطراب أن توفر طعامها ، ألا ترى الى قول الله تعالى لمريم عليها السلام :" و هزى اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى و اشربى و قرى عينا "
    و معنى قرى عينا : اسعدى ، فلن تتحقق السعادة مع الجوع و العطش
    فإن قال قائل فما تقول ردا على الذين يقولون إن الحياة ليست أكلا و شربا ؟
    فالجواب أنها أكل و شرب و طريقة تقديم هذا الأكل و الشرب و قد بينت ذلك مفصلا فى كتابى " حياة على طبق الموت"
    و كثير من الناس يقدمون الحياة أى أسبابها على طبق الموت من سوء سلوك ، و من أذى و ليس هذا من الاسلام فى شىء فإن الله تعالى قال لمريم كلى و اشربى و قرى عينا و ليس بمستنكر أن تقول على نحوه لابنتك أو زوجتك كلى و اشربى بالهناء و الشفاء فماذا تفعل فى الذين يقولون " اطفحى ، لا هم لك الا الطعام و الشراب ، لست تجيدين شيئا الا الطعام " و من يقول لولده اذا حضر طعامه هكذا أنت اذا دعيت الى الطعام حضرت كالبرق و اذا دعيت الى الاستذكار لم تجب ، و غير ذلك من الكلمات التى تسمم الأبدان و تفقد الآكلين لذة الطعام،
    و ليس هذا من علاج النفس ، و انما هو من إمراضها

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •