عائدة من الاتحادية.."ما أعظمك يا شعب.. ما أروعك يا وطن".. كتبت مقالا بهذا العنوان يوم 26 يناير 2011، ومازلت أرددها في كل يوم يبهرني فيه هذا الشعب ويبهر الدينا بعبقرية أبنائه وقدرتهم على ابتكار وسائل تحدي الصعاب.. الشباب إصرارهم على استكمال ثورتهم يتجدد ويقوى يوما بعد يوم.. في كل يوم ينضم إلى المؤمنين بالثورة أعدادا كانت تظن ان "المشي جنب الحيط" يضمن الأمان والاستقرار..ثم اكتشفت أنه لاأمل في أمان ولا استقرار إلا بانتصار الثورة وتحقيق أهدافها الأساسية وتخليصها من أيدي من يحاولون إجهاضها....قررت أن أحترم سني وألا أقع في الخطأ الذي وقعت فيه يوم الخميس عندما شاركت في المسيرة من جامع رابعة العدوية.. قررت أن أبدأ من مسافة أقرب حتى أستطيع تحمل السير.. لحقت بالمسيرة القادمة من الخليفة المأمون..وجدت حشدا هائلا كما كنت أتوقع، وقال لي الصديق اشرف حسن تليفونيا أنه في مسيرة قادمة من ميدان الحجاز وبها عدد هائل، وكلمت صديقة قالت انها آتية من المطرية، وعلمت ان مسيرات أخرى سبقتنا.. لست من هواة قيادة المظاهرات، وأفضل عادة أن أردد الهتاف وراء قائد المسيرة، لكنني أضطر أحيانا لتولي المهمة عندما أشعر أن من يقود الهتاف بحاجةلإراحة صوته.. كان كمال خليل متألقا كعادته منذ 35 عاما (منذ هتفت وراءه للمرة الأولى مصر يا أم .. ولادك أهم..دول علشانك شالوا الهم.. دول يفدوكي بالروح والدم) كان كمال يهتف نفس الشعر، بنفس الحماس ونفس القوة رغم الشعر الأبيض.. هتف كمال "هما مين واحنا مين..همه باعوا الجلابية والوطن والبندقية.. واحنا ما بنبيعش مصر" وهتف "احنا ثورة ليها رايات.. وهمه شحن ف عربيات" ويهتف "يا عريان اتلم اتلم.. لاجل الكرسي بعت الدم" هتفت وراءه مثلما هتفت وراءه ذات يوم دفاعا عن مبدأ رفض محاكمة المدنيين عسكريا، عندما كان الاخوان يحاكمون عسكريا "الحرية للإخوان.. الحرية للعريان".. يصرخ كمال هاتفا "خيرت شاطر حلق حوش..مشروع نهضة طلع خرطوش".. واصل كمال الهتاف "سامع أم شهيد بتنادي.. الإخوان قتلوا ولادي"...حتى شعرت انه بحاجة لإراحة صوته، فتقدمت لقيادة الهتاف "علي وعلي وعلي الصوت..يانحررها يا إما نموت".. "علي وعلي وعلي كمان.. مصرحتطرد الاخوان" .."دم الشهدا في رقبة مرسي.. فيه سفاح قاعد عالكرسي".. "ارفع كل رايات النصر.. يالله يا مرسي سيب القصر".. "قالوا نهضة وقالوا مشروع.. لسة الناس بتموت م الجوع".. واقتبست من الصديق الشاعر اسامة الذي تطوع بكتابة الشعارات رغم أنه لم يشارك حتى الآن في الثورة، ولم يرفض النظام القديم، لكنه ـ مثل الكثيرين ـ صار قلقا على مصير التنوير والحضارة ومصر المدنية "
روح الثورة آهي بتتجدد ... يسقط يسقط حكم المرشد

احنا اللي نقرر ونحدد .... يسقط يسقط حكم المرشد


مهما تكفّر مهما تهدد .... يسقط يسقط حكم المرشد

كل الشعب في مصر بينشد .... يسقط يسقط حكم المرشد

ازعق اهتف اصرخ ردد ..... يسقط يسقط حكم المرشد

جوّه كنيسة وجوّه المسجد .... يسقط يسقط حكم المرشد

يا إرهابي يومك إسود .... يسقط يسقط حكم المرشد

تلقف الشباب الهتاف الجديد بترحاب كبير .. الذي كررته بعد ذلك أكثر من مرة مع أكثر من مسيرة قدمت عند الاتحادية..وعندما وصلت إلى إشارة روكسي عند أول شارع نادي هليوبوليس صدمت!..حيث وجدت الأعداد أقل من يوم الخميس.. وكانت شقيقتي قد اتصلت بي مزعجة من أن التليفزيون يعرض صورا تظهر قلة الأعداد وطمأنته إلى ان المسيرات في طريقها للمكان..وبعد قليل، اكتشفنا (كنت أسير مع الصديقات جيهان مصطفى وهدى توفيق وغادة بنت هدى، والتقينا بعايدة خليل) انهم وضعوا حاجزا حجريا يسد الشارع بشكل غير كامل، حيث تركوا مسافة تكفي بالكاد لعبور شخصين.. ثم فوجئنا بأن شبابا ، معظمهم من الألتراس، اعتلوا السور الحجري، ووقفوا يغنون أغانيهم ويطلقون الألعاب النارية، ثم اكتشفنا أن الناس، يتسللون من وراء السور.. عندما فعلنا مثلهم، وجدنا أعدادا غفيرة من البشر تقف تهتف وتنشد وتطلق ألعابا نارية ..وسمعت صوت الشيخ إمام يصد بأغنية "جيفارا مات" من سماعات وضعت فوق إحدى العربات وراء السور الحجر محيطة بسور القصر، ويمتد الحشد في شارع الأهرام مسافة كبيرة ثم سور حجري آخر، خلفه حشد كبير آخر يحيط بالجانب الأيسر من سور القصر، حيث يجلس عساكر الأمن المركزي بطول سور القصر ومعم ضباطهم في جلسة راحة وأمامهم دروعهم، ثم مدرعات للجيش حولها مجموعة ضباط وجنود للجيش..وجهت لهم حديثي قائلة "أوعوا يضحكوا عليكو تاني، ويخلوكوا تضربوا اخواتكم، عشان بكرة يسقطوا ويحملوكم انتم المسئولية" .. وأدركت السر في قلة عدد الحشود على شاشات التليفزيون الرسمي بالذات، حيث كانت الكاميرات كلها مثبتة في شارع نادي هليوبوليس، في المنطقة الخالية، ولا ترصد ماوراء السور الحجري سواء قبل السور الحجري الثاني أو ما وراءه.. لا أتوقف طال الوقت عن تبادل التحية مع الأحبة من جيل السبعينيات.. خاصة عندما ذهبنا لتناول كوب من الشاي والجلوس للحصول على قسط من الراحة، وقابلت الصديقة الجميلة المناضلة والاعلامية اللامعة بثينة كامل، والصديق الدكتور عماد أبو غازي، والمناضل الثائر سمير غطاس، وزميلة الزنزانة كامليا عتريس وزوجها الزميل الصحفي والشاعر محمد بغدادي، الصديقة المحامية ـ والاعلامية مؤخرا ـ أميرة بهي الدين، وغيرهم كثيرون من أبناء جيلي ومن يكبروننا.. الذين أتحيز لهم، وأفرح بلقائهم في كل مرة، ربما أكثر من فرحي بالشباب، الذين يعتبر وجودهم طبيعيا ومنطقيا، ومازال أمامهم الكثير ليقدمونه، مازلنا ننتظر منهم الكثير، بعدما سلمناهم راية النضال مرفوعةخفاقة ، وصار عليهم أن يسلموها منتصرة لأبنائهم.. عندما عاتبتني هدى على أنني أعطلهن بتوقفي للسلام وتبادل الحديث عشرات المرات، تذكرت كلام الصديق الجميل خالد الفيشاوي"نفسي أروح ميدان ما القاكيش فيه" عندما قابلني في الاتحادية بعد يوم من لقائي به في التحرير وكررنفس العبارة ـ تقريبا بنفس الألفاظ ـ في اليوم التالي استاذنا نادر عناني.. لكنني أقول لهم: "أحبكم جميعا وافخر أنني كنت تلميذة لبعضكم وزميلة للبعض الآخر، ولا أتمنى أبدا أن أذهب إلى ميدان يغيب عنه أحدكم "