صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 21 إلى 23 من 23

الموضوع: الواحة تتشرّف بانضمام الباحث الشهير حسن عجمى الذى أصبح مثار إهتمام الأوساط العلميّة

  1. #21
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسن عجمي
    الحالة : حسن عجمي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 946
    تاريخ التسجيل : May 2007
    المشاركات : 40

    افتراضي فلسفة الحروب العربية

    فلسفة الحروب العربية

    حسن عجمي

    للعرب اليوم فلسفة وحيدة ألا و هي فلسفة الحروب. فبعد هزيمة الأيديولوجيات الفلسفية المختلفة في عالمنا العربي , لم نتمكن من أن نتحد في هذه الجماعة أو تلك سوى من خلال حروبنا الداخلية و الخارجية.

    الحرب هي العامل الوحيد الذي يوحِّد الجماعة العربية أو المجتمع العربي , و لذا الحروب في عالمنا العربي لا تنتهي. المجتمعات العربية في حالة حرب دائمة. فهي إما في حالة حرب ساخنة حيث يتجسد القتال الفعلي مع الآخر و إما في حالة حرب باردة حيث المجتمع يستعد للحرب الساخنة. لكن لماذا الحروب سائدة بشكل مستمر في عالمنا العربي؟ و لماذا ننتقل من حرب إلى أخرى بلا انقطاع؟ و لماذا يغيب السلم عن عالمنا المشرقي؟ يكمن الجواب في التحليل الاجتماعي للجماعات و المجتمعات العربية. إذا نظرنا إلى الجماعات أو المجتمعات العربية , لن نجد عاملا ً أساسياً قادراً على توحيد الجماعة العربية أو المجتمع العربي سوى الحرب. فمثلا ً , أن تكون لبنانياً أو عراقياً لا يوحِّد اللبنانيين أو العراقيين لأنهم منقسمون إلى طوائف و مذاهب. و أن تكون سُنياً أو شيعياً لا يوحِّد الجماعة السُنية أو الشيعية لأن السُنة كما الشيعة منقسمون. فالسُنة على أربعة مذاهب تاريخية فهُم إما حنبليون و إما شافعيون و إما حنفيون و إما مالكيون بالإضافة إلى التيارات الأصولية كالوهابية و الإخوان المسلمين و الأحزاب السلفية الجديدة. أما الشيعة فعليهم أن يتبعوا إماماً حياً دون سواه , و بذلك ينقسم الشيعة إلى أتباع أئمة أحياء مختلفين. هكذا لا المذهب السُني يوحِّد السُنة و لا المذهب الشيعي يوحِّد الشيعة. على هذا الأساس , لا الهوية الوطنية قادرة على توحيد الجماعة العربية و لا الهوية الدينية أو المذهبية قادرة على ذلك.

    من جهة أخرى , لا يوجد نظام سياسي و اقتصادي متفق عليه لكي يتمكن من توحيد أية جماعة عربية لأننا لم نحقق أي نظام سياسي و اقتصادي يُرضي هذا المجتمع العربي أو ذاك من خلال احترام الحقوق الإنسانية و الحريات. من هنا , الإنسانية بحد ذاتها غير قادرة اليوم على توحيد أية جماعة عربية لأن الإنسانية غائبة عن عالمنا العربي بسبب غياب النظام السياسي و الاقتصادي الكفيل بتحقيق إنسانية الإنسان. و إذا نظرنا إلى التاريخ العربي سنجده منقسماً إلى تواريخ متعارضة ؛ فكل جماعة عربية تقرأ تاريخها بشكل مختلف عما تقرأه الجماعات الأخرى. و بذلك التاريخ ذاته لا يوحِّد أي مجتمع عربي. و في الحقيقة لن نجد أي عامل اجتماعي لتوحيد المجتمع العربي ؛ فلا الوطن و لا العقيدة و لا التاريخ قادر على توحيدنا. على هذا الأساس , لا يبقى سوى الحرب كعامل توحيد وحيد للمجتمع العربي و الجماعة العربية. فالحرب ناجحة في توحيد هذه الجماعة العربية أو تلك لأنها تشير بقوة إلى تهديد خارجي أو داخلي ما يدفع الجماعة العربية المنقسمة على نفسها إلى أن تتوحد في مواجهة الآخر الحقيقي أو الوهمي. من هنا , لا يتوحد الشيعة إلا من خلال صراعهم مع الآخر أكان سُنياً أم عدواً خارجياً , و لا يتوحد أهل السُنة إلا من جراء صراعهم مع الآخر الشيعي أو مع عدو خارجي. من المنطلق نفسه , لا يتوحد هذا المجتمع العربي أو ذاك سوى بفضل مواجهته لمجتمعات عربية أو أجنبية أخرى. لذلك لا تزول الحروب عن عالمنا العربي ؛ فمن خلال الحروب فقط نتمكن من أن نتحد في جماعات أو مجتمعات. هذه هي فلسفة الحروب العربية. فالحرب فلسفة جماعاتنا و مجتمعاتنا العربية لأن بالحرب فقط نستطيع أن نتفاعل و نتحد ضمن جماعة أو مجتمع. فإن زالت حالة الحروب المستمرة عن عالمنا العربي ستزول أيضاً أية جماعة عربية. هكذا أمست الحرب أيديولوجيا و عقيدة لنا لأن من خلالها فقط نتمكن من أن نكون.

    ظاهرة الحروب الأهلية المتكررة في العالم العربي ظاهرة طبيعية و متوقعة لأنه يوجد في كل فرد عربي حرب أهلية بين هوياته المختلفة. فمثلا ً , اللبناني لديه هويات متنافسة ؛ فهل هو لبناني أم عربي أم مسلم أم شيعي أم سُني أم مسيحي؟ و كذلك الأمر بالنسبة إلى كل عربي آخر. فبما أننا نملك هويات متناقضة , إذن من المتوقع أن نحيا في حرب أهلية داخل كل فرد منا , و بذلك من الطبيعي أيضاً نشوء الحروب الأهلية ضمن المجتمعات العربية. باختصار , لا يوجد ما يوحِّد هوياتنا في هوية واحدة , و لذا نحيا في حروب أهلية مستمرة. لكن من منطلق فلسفة الحروب العربية , الحرب وحدها هي العامل الحقيقي لتوحيد الجماعة العربية أو المجتمع العربي. من هذا المنظور , الحرب أيضاً هي العامل الوحيد القادر على جعل هذه الهوية أو تلك منتصرة على الهويات الأخرى داخل كل فرد عربي ما يقدِّم حالة استقرار نفسي للإنسان العربي و إن لفترة معينة. من هنا , الحرب ضرورية للفرد العربي لأنها تؤدي إلى حل الخلافات و الصراعات بين هوياته المختلفة. فمن خلال الحرب تتمكن هوية معينة من الانتصار على الهويات الأخرى و السيادة على شخصية الفرد العربي. مثل ذلك هو التالي : إذا كانت الحرب اليوم هي بين الإسلام و المسيحية فالهوية الدينية ستنتصر على الهويات الأخرى فتحل الصراع بين هويات الفرد العربي المتنافسة. أما إذا كانت الحرب اليوم هي بين العرب و العجم فالهوية العرقية أي العربية في هذه الحالة ستنتصر فتحل الخلاف بين هويات الفرد العربي. هكذا الحرب عامل توحيد للذات العربية فعامل استقرار نفسي كما هي الآلية الأساسية لتشكيل الجماعة العربية و ضمان استقرارها. و ذلك بسبب أن الحرب توحِّد سيكولوجية الفرد العربي تماماً كما توحِّد هذه الجماعة العربية أو تلك.

    الحروب الخارجية و الأهلية حروب ضرورية في العالم العربي لأنها تنجح في توحيد الجماعة العربية و توحيد ذات الفرد العربي. فالحرب هي التي تشكّل الجماعات العربية و شخصية الفرد العربي لكونها تحل الخلاف بين الهويات المتصارعة. من هنا , لا مفر من استمرارية الحروب الخارجية و الأهلية في عالمنا العربي. لكن كل هذا يشير إلى الحل الممكن لهذه المشكلة. الحل الوحيد من أجل الخلاص من حروبنا كامن في تفكيك فلسفة الحروب العربية و نسفها. و لا يتم ذلك سوى من خلال المذهب الإنسانوي الذي يوحِّد الجماعات البشرية و شخصية الفرد. بالنسبة إلى المذهب الإنسانوي , الهوية الإنسانية هي الهوية الحقيقية لكل جماعة و مجتمع و فرد. على هذا الأساس , إذا تمكنا من قبول الفلسفة الإنسانوية سنتحد تحت راية الهوية الإنسانية ما يضمن زوال حروبنا. رغم أن المذهب الإنسانوي لا يوحّدنا اليوم من الممكن أن يوحّدنا غداً. و الفلسفة الإنسانوية هي الوحيدة القادرة على توحيدنا لأننا مختلفون على مَن نحن. من جهة أخرى , تصر فلسفة الحروب العربية على أن الحرب هي الآلية الناجحة في تشكيل الجماعة العربية و الفرد العربي ؛ فبالنسبة إليها , هوية العرب كامنة في الحروب. لكن من الممكن تكوين الجماعة العربية و توحيدها و تكوين الفرد العربي و توحيد هوياته من خلال المذهب الإنسانوي الذي يؤكد على أن الإنسانية هي العامل الكفيل بتوحيد الناس و توحيد سيكولوجية أو هويات الفرد. بالنسبة إلى الإنسانوية , لا هوية للإنسان و للمجتمع سوى هويته الإنسانية المتمثلة في احترام حقوق الفرد و حرياته. و حين تتحقق الإنسانوية في عالمنا العربي يحل السلام لأن الإنسانوية تجعلنا نمتلك هوية واحدة ألا و هي الهوية الإنسانية. لكننا اليوم منشغلون في احتلال أنفسنا و في الاحتفال بانتصاراتنا التي ليست سوى هزائم أخرى.

  2. #22
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسن عجمي
    الحالة : حسن عجمي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 946
    تاريخ التسجيل : May 2007
    المشاركات : 40

    افتراضي فلسفة المجتمع العربي الإسلامي

    فلسفة المجتمع العربي الإسلامي

    حسن عجمي

    كل مجتمع قائم على فلسفة معينة. و المجتمعات تختلف باختلاف فلسفاتها. فالمجتمع مجموع سلوكيات و عقائد. لكن فلسفتنا تحدِّد سلوكياتنا و عقائدنا. من هنا , أي مجتمع مبني على أسس فلسفية. المجتمع في اللغة العربية مشتق من " جَمَعَ " , و بذلك المقصود من المجتمع العربي الاسلامي هو الجمع فالتوحيد. و بالفعل في العصور الذهبية لحضارتنا كان المجتمع العربي الاسلامي قائماً على فلسفة التوحيد ليس بالمعنى الديني فقط بل بالمعنى الفلسفي و العلمي أيضاً.

    تتجلى فلسفة التوحيد في تجليات متعددة و مختلفة منها فلسفة توحيد الآلهة في إله واحد و فلسفة توحيد الأديان و العلوم و فلسفة توحيد النظريات الفلسفية المتنوعة. لقد صاغ العرب و المسلمون في عصورهم الذهبية هذه الفلسفات التوحيدية و بنوا مجتمعهم على أساسها. و لذا كان من المتوقع أن تصبح الحضارة العربية الاسلامية سيدة الحضارة الإنسانية و مصدر العلم و المعرفة. و أول خطوة في صياغة فلسفة التوحيد كانت كامنة في توحيد الله و من ثم توحيد التقاليد الدينية التي ظهرت قبل الاسلام كالمسيحية و اليهودية. و بالفعل تمكن الاسلام من توحيد الديانتيْن السابقتيْن و إن نظرياً. هذا لأن الاسلام يجمع بين مبادىء المسيحية و اليهودية كأن يدعو إلى المبدأ اليهودي القائل إن العين بالعين و المبدأ المسيحي القائل بأن المسامحة أفضل. كما أن اعتراف الاسلام بأنبياء اليهودية و بالمسيح في آن ليس سوى محاولة توحيد أخرى بين اليهودية و المسيحية. و لقد استمرت عملية بناء فلسفة التوحيد فوحّد فلاسفة المجتمع العربي الاسلامي بين الفلسفة المثالية المتمثلة في فلسفة أفلاطون و الفلسفة الواقعية المادية المتجسدة في فلسفة أرسطو. فمثلا ً , فلسفة ألفارابي و إبن سينا ليست سوى نموذج فكري لتوحيد الفلسفتيْن السابقتيْن المتنافستيْن. فبينما أفلاطون يؤكد على أن ماهيات الأشياء و الظواهر منفصلة عن عالمنا الواقعي المادي و موجودة فقط في عالم مثالي مختلف و منفصل عن عالمنا , يصر أرسطو على أن الماهيات موجودة في العالم الواقعي المادي. لكن العديد من فلاسفة المجتمع العربي الاسلامي كألفارابي و إبن سينا وحّدوا بين مثالية أفلاطون و واقعية أرسطو من خلال نظرية الفيض الإلهي. و باختصار تم ذلك من خلال مبدأ أن الكون و كل ما فيه من تجليات مثالية و تجسدات واقعية ليس سوى فيض من الله ما يشير بقوة إلى توحيد الفلسفة المثالية و الفلسفة الواقعية. فحين تكون العوالم المثالية و العوالم الواقعية ليست سوى تجليات متنوعة للفيض الإلهي نفسه , تتوحّد حينئذ ٍ الفلسفة المثالية و الفلسفة الواقعية في نموذج فلسفي واحد.

    بالإضافة إلى ذلك , سعى العديد من المعارضين لفلسفة الفيض كالغزالي و إبن رشد و إبن تيمية إلى التوحيد بين الدين أي الاسلام و الفلسفة. و بذلك صاغوا نماذج فكرية متعددة ضمن فلسفة التوحيد. فمثلا ً , بالنسبة إلى الغزالي و إبن تيمية , لا يوجد تعارض بين النقل أي الدين الاسلامي و العقل لأن مصدرهما واحد ألا و هو الله. بالنسبة إليهما , الدين هو معيار الحقيقة و المعرفة و مصدرهما فإن بدا أي تعارض بين الاسلام و الفلسفة حينها لا بد من إعادة تأويل أو إعادة قراءة الفلسفة لجعلها منسجمة مع الاسلام و بذلك يزول الخلاف بين النقل و العقل. أما بالنسبة إلى إبن رشد فالعقل هو معيار الحقيقة و المعرفة و مصدرهما , و لذا إذا بدا أي تعارض بين النقل و العقل لا بد حينها من إعادة قراءة أو تفسير النقل أي الدين على ضوء العقل أي الفلسفة , و بذلك يزول أيضاً الخلاف بين الاسلام و الفلسفة. على هذا الأساس , رغم اختلاف فلسفة إبن رشد عن فلسفة الغزالي و إبن تيمية ما زالت فلسفة كل واحد من هؤلاء الفلاسفة مجرد صياغة لفلسفة التوحيد بين ما يبدو في الظاهر على أنه مختلف و متعارض. و تتجسد فلسفة التوحيد في أجمل صورها في التصوف العربي الاسلامي لدى إبن عربي و جلال الدين الرومي و غيرهما. فالمبادىء الأساسية في التصوف العربي الاسلامي هي : وحدة الوجود أي أن كل الكائنات ليست سوى كائن واحد , و وحدة الأديان أي أن كل الأديان دين واحد , و وحدة الإنسانية أي أن كل البشر ليسوا سوى إنسان واحد. و لقد أكمل علماء المجتمع العربي الاسلامي بناء فلسفة التوحيد من خلال توحيد النماذج العلمية المختلفة المأخوذة من اليونان و الهند و أماكن أخرى. مثل ذلك ما قام به عالِم الرياضيات الخوارزمي الذي وحّد بين التفكير الرياضي اليوناني و التفكير الرياضي الهندي ما دفعه إلى إنشاء ما هو جديد في العلم ألا و هو علم الجبر. هكذا فلسفة التوحيد انتشرت في الحضارة العربية الاسلامية الماضية و على ضوئها أنتج العرب و المسلمون نظريات فلسفية و علمية و دينية جديدة , و كانت فلسفة التوحيد النموذج الأساس الذي عليه بنى العرب و المسلمون مجتمعهم. فحين نوحّد بين الفلسفات المثالية و الواقعية و نوحّد بين العلوم المتعارضة يتوحّد المجتمع لا محالة لأن المجتمع يتكوّن من عقائد و أفكار منتجة بطبيعتها لسلوكيات الأفراد. من هنا , فلسفة التوحيد بكافة تجلياتها أساس و مصدر المجتمع العربي الاسلامي في عصره الذهبي.

    مثل آخر على فلسفة التوحيد و كيف من الممكن استخدامها لتوحيد المجتمع و بنائه يتمثل في خطاب قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن : " كل ما جاء به القرآن حق , و يدل على الاختلاف. فالقول بالقدر صحيح ... و القول بالإجبار صحيح ... و سئل يوماً عن أهل القدر و أهل الإجبار فقال : كل مصيب ... قال و كذلك القول في الأسماء , فكل من سمى الزاني مؤمناً فقد أصاب , و من سماه كافراً فقد أصاب ... قال و كذلك السُنن المختلفة ... و بأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب. قال : و لو قال إن القاتل في النار كان مصيباً , و لو قال هو في الجنة كان مصيباً , إذ كان إنما يريد بقوله إن الله تعبده بذلك و ليس عليه علم الغيب ... " ( ابن قتيبة : تأويل مختلف الحديث ). المقصود بأهل القدر هم الذين قالوا بأن الإنسان حر فيما يفعل كالمعتزلة و لكن أُطلِق عليهم لقب أهل القدر في بعض الأوساط الثقافية القديمة رغم عدم دلالة الاسم على مدلول المذهب المقصود بينما أهل الإجبار هُم مَن قالوا بأن الإنسان غير حر فيما يفعل كالأشاعرة. في هذا الخطاب يوحّد قاضي البصرة بين المذاهب الدينية و الفكرية المختلفة من خلال اعتبارها صادقة رغم ما تبدو عليه من اختلاف. و بذلك يوحّد بين التيارات السلوكية و الفكرية المتعارضة في المجتمع فيوحّد المجتمع تحت راية فلسفة التوحيد. و ينجح قاضي البصرة في التوحيد بين المذاهب المختلفة بفضل اعتبارها كلها صادقة ؛ فحين نعتبر أنها كلها صادقة تتوحّد بذلك المذاهب المتنافسة لكونها تتصف بصفة أساسية و جوهرية واحدة هي صفة الصدق. و يظهر في خطاب قاضي البصرة المبدأ الأساس الذي دفعه لقبول كل المذاهب الدينية و الفكرية المتعارضة و توحيدها. و هذا المبدأ مفاده : " و ليس عليه علم الغيب " , أي بما أننا لا نعلم الغيب أي بما أننا غير معصومين عن الخطأ إذن علينا قبول كل المذاهب السلوكية و الفكرية فالسماح بتواجدها و صياغة المجتمع على أساسها. هكذا ينشأ المجتمع من خلال توحيده , و يتم توحيده من خلال قبول كل ما يولد فيه من سلوكيات و أفكار و عقائد. هذه هي الديمقراطية بثوبها العربي الاسلامي. لكننا اليوم قتلنا المجتمع العربي الاسلامي من جراء قتلنا لفلسفة التوحيد التي على ضوئها وُلِد المجتمع العربي الاسلامي و ازدهر.

    اليوم انتقلنا إلى فلسفة التفريق لأننا لم نقرأ تراثنا قراءة صحيحة. و من معالم فلسفة التفريق التي نتبعها : التفريق بين الذات و الآخر و بين الإسلام و المسيحية و بين الشيعة و السُنة. لكن كل تفريق و تمييز يصطحب معه التعصب لفريق دون آخر. من هنا , فلسفة التفريق مصدر اقتتالنا و حروبنا و انهيار حضارتنا. هذا يدل على أن لا خلاص لنا سوى من خلال الاعتماد على فلسفة التوحيد و اتباعها و صياغة فلسفات توحيد جديدة. ليس في هذا المنهج عودة إلى سجون الماضي بل عودة إلى حرية التراث من أجل بناء تراث مستقبلي جديد. و بما أننا لم ننجح في قراءة تراثنا قراءة صحيحة لم ننجح أيضاً في فهم تراث الغرب و إنجازاته الحضارية. هذا لأن حضارتنا و حضارة الغرب حضارة واحدة في جوهرها و ذلك بفضل اعتماد كل من الحضارتين على التفكير المنطقي و الموضوعي ما ضمن قبول الآخر في عصورنا الذهبية و قبول الآخر في الغرب. فالحرية الفكرية و السلوكية كانت متاحة في العصر الذهبي للحضارة العربية الاسلامية تماماً كما هي سائدة اليوم في الغرب ما سمح بصياغة فلسفات و علوم جديدة. و عدم فهمنا للتراث العربي الاسلامي جعلنا سجناء تراث وهمي و كاذب ما أدى بدوره إلى عدم فهم الآخر الغربي. فكل من التراث الفكري الغربي و الفكر الغربي الحديث و المعاصر يعتمد أيضاً على فلسفة التوحيد.

    مثل ذلك أن أرسطو يوحِّد الظواهر من خلال اعتبارها متكوّنة من ماهيات معينة ؛ فكل الأشجار أشجار لأنها تملك ماهية واحدة هي ماهية الشجرة , و كل البحار بحار لأنها تملك ماهية واحدة هي ماهية البحر. و الأمثلة عديدة على فلسفة التوحيد في الغرب منها عمليات توحيد الظواهر في العلوم. فمثلا ً يوحِّد أينشتاين بين الزمان و المكان فيعتبر أنهما يشكّلان بُعداً واحداً أطلق عليه اسم الزمكان. و يوحِّد أينشتاين أيضاً بين الجاذبية و الزمكان حين يقول إن الجاذبية ليست سوى انحناء الزمكان. و يوحِّد أينشتاين بين المادة و الزمكان حين يؤكد على أن المادة ليست سوى اضطراب الزمكان. كما توحِّد نظرية ميكانيكا الكم العلمية بين الجسيم و الموجة من خلال اعتبارها أن الجسيم نفسه كالإلكترون هو جسيم و موجة في آن. و تصر ميكانيكا الكم على هذا الاتجاه التوحيدي عندما تقول إن كل التواريخ الممكنة العديدة و المتعارضة متحققة بالفعل في عالمنا الواقعي , و بذلك توحِّد بين التواريخ المختلفة. أما فلسفة الهجرة التي يتبعها الغرب فمفادها جمع الجماعات الدينية و العرقية المختلفة و توحيدها في مجتمع واحد لا يتجزأ ما يسمح بالتنافس الشديد بينها فيؤدي بها إلى إنتاج ما هو الأفضل و الأنجح من أفكار و سلوكيات. هكذا قبول المهاجرين إلى الغرب هدفه توحيد الحضارات في حضارة واحدة قادرة على تحقيق التفوق الحضاري في السلوكيات و العقائد و العلوم. كل هذا يرينا أن الحضارة الغربية معتمدة على فلسفة التوحيد تماماً كما كانت حضارتنا معتمدة على التوحيد و إنتاج التوحيد ما يشير إلى أن التفوق الحضاري أساسه فلسفة التوحيد.

    لكننا الآن نرفض فلسفة التوحيد و نؤمن بفلسفة التفريق و فلسفة الوهم و الإيهام. فاليوم , التاريخ العربي الاسلامي تاريخ وهمي من صنع خيالنا. فمثلا ً , علي لم يقاتل عمر , و إبن تيمية لم يُكفّر الشيعة. لكننا نعتقد نقيض ذلك لأننا اخترعنا تاريخاً كاذباً لنا , و على ضوء تاريخنا المتخيل و المخادع نفكر و نتصرف. هكذا أمسى الإسلام إسلاماً وهمياً ؛ فهو إما إسلام تكفير الشيعة و إما إسلام رفض السُنة. فبالإضافة إلى فلسفة التفريق التي نتبعها نتبع أيضاً فلسفة الوهم التي بفضلها نحوّل الحقائق إلى أوهام و الأوهام إلى حقائق. و سر صراعاتنا الطائفية و المذهبية و العرقية كامن في توهم أن الآخر منا عدو لنا. و أصبحت فلسفة التوهم لدينا عقيدة و أيديولوجيا معقدة التفاصيل و المبادىء. فثمة مؤسسات و مدارس تكوّن أوهامنا عن بعضنا البعض و عن الآخر الغربي. فالعديد من السُنة يعتقدون أن الشيعة يعبدون الأوثان و الأضرحة , و العديد من الشيعة يعتقدون أن السُنة يعبدون أوثان قريش و يكرهون أهل بيت محمد. لكن هذه العقائد ليست سوى أيديولوجيات الوهم التي نحن الذين قمنا بصياغتها و الدفاع عنها. و كما أننا نحيا في تاريخ عربي إسلامي وهمي , نحيا في مجتمعات عربية إسلامية وهمية. فمجتمعاتنا تتكوّن من الآخر الشيعي أو السُني أو العربي أو الكردي , و بذلك لا تتشكّل مجتمعاتنا منا. و لذا لا مجتمعات حقيقية لدينا. فالمجتمع تفاعل سلمي و تواصل إيجابي بين الأفراد. لكننا اليوم لا نجيد سوى لغة السلاح و لغات إلغاء الآخر. لذلك لا نحيا سوى في مجتمع وهمي. فالمجتمع هو عمليات تبادل القدر الأكبر من المعلومات الصحيحة. لكننا اليوم لا نتبادل سوى المعلومات الكاذبة. لذا خسرنا المجتمع الإنساني فخسرنا بذلك أيضاً إنسانية الإنسان. لقد أصبح وجودنا وجوداً وهمياً. لذا لم نتمكن و لم يتمكن أحد من أن يفهم مَن نحن.

  3. #23
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسن عجمي
    الحالة : حسن عجمي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 946
    تاريخ التسجيل : May 2007
    المشاركات : 40

    افتراضي السوبر تخلف : ما بعد الديمقراطية و الديكتاتورية

    السوبر تخلف : ما بعد الديمقراطية و الديكتاتورية

    حسن عجمي

    السوبر تخلف نظام ثقافي و اجتماعي و سياسي يطرح نفسه كبديل عن العقائد الديمقراطية و الديكتاتورية. لقد شاهد التاريخ البشري العلاقة الجدلية بين الديمقراطية و الديكتاتورية و تقلب المجتمعات و الدول من ديكتاتوريات إلى ديمقراطيات و العكس. لكننا اليوم نشهد ولادة عصر جديد هو عصر السوبر تخلف الذي يتطور بشكل متسارع في محاولته الخروج من ثنائية الديمقراطية و الديكتاتورية و التحوّل إلى كيان عقائدي مهيمن على الشعوب كافة.

    للديمقراطية مبادىء و تعاريف عدة مترابطة. لكن الديمقراطية في الأساس ليست سوى حكم الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً. و الديمقراطية في جوهرها نظام تواصلي يهدف إلى صياغة أكبر قدر من المعلومات الصحيحة و نشرها بتساو ٍ بين الأفراد. و بذلك تحقق الديمقراطية الحرية و المساواة معاً. فبما أن الديمقراطية تسعى إلى زيادة إنتاج المعلومات الصادقة و توزيعها بين الجميع , إذن يضمن كل فرد في النظام الديمقراطي الحقيقي القدر الأكبر من المعلومات الصحيحة و بذلك يضمن التصرف الحر على ضوئها. فمن دون العدد الأكبر من المعلومات الصادقة يغدو الإنسان سجين المعلومات القليلة و الكاذبة و بذلك يفقد حريته. من هنا تحقق الديمقراطية الحرية لكل فرد من خلال تزويده بالعدد الأكبر من المعلومات الصادقة. كما تنجح الديمقراطية في تحقيق المساواة بين الأفراد بمعنى من المعاني من خلال توزيع المعلومات الصادقة بتساو ٍ بينهم. فعندما تتوزع المعلومات الصادقة بتساو ٍ بين الأفراد , يتساوى الأفراد فيما بينهم بفضل امتلاك المعلومات نفسها. هكذا تحقق الديمقراطية الحقة معنى أساسياً من معاني المساواة. فالتوزيع المتساوي للمعلومات يؤدي إلى أرجحية التساويٍ في امتلاك القدرات نفسها بما أن الإنسان يتصرف على أساس ما يعلم من معلومات.

    هذا النظام الديمقراطي المُحلَّل على أنه نظام تواصلي و الهادف إلى خلق القدر الأكبر من المعلومات الصادقة و توزيعها بتساو ٍ ليس بالضرورة متحققاً اليوم في الواقع , لكنه النظام الديمقراطي الأمثل لمقدرته على تحقيق الحرية و المساواة معاً. و بما أن الديمقراطية نظام تواصلي يسعى إلى إنتاج المعلومات و تكثيرها , إذن من الطبيعي أن تنشأ العلوم و الفلسفات ضمن الديمقراطيات كما حدث و يحدث في تاريخنا البشري. هكذا تحليل الديمقراطية على أنها نظام تواصلي يهدف إلى إكثار المعلومات الصادقة و إيصال المعلومات الحقيقية إلى كل فرد هو في الحقيقة تحليل مقبول إلى أقصى حد لأنه يفسّر لماذا تنمو العلوم و الفلسفات في ظل الديمقراطيات بالإضافة إلى مقدرة هذا التحليل للديمقراطية على الجمع بين الحرية و المساواة. و الديمقراطية مسألة درجات ؛ فرغم أننا لم نحقق هذه الديمقراطية الأمثل بعد , رصد التاريخ و يرصد درجات معينة من هذه الديمقراطية التواصلية.

    بالإضافة إلى ذلك , بما أن الديكتاتورية نقيض الديمقراطية , نستطيع بحق أن نستنتج أن الديكتاتورية هي نظام تواصلي يهدف إلى إقلال المعلومات الصحيحة و عدم نشر المعلومات الصادق بين الناس على نقيض من الديمقراطية التي تسعى إلى إكثار المعلومات الصادقة و نشرها بتساو ٍ بين جميع الأفراد. و بما أن الديكتاتورية نظام تواصلي يسعى إلى إقلال المعلومات الصادقة و عدم توزيع المعلومات الحقة بتساو ٍ بين الناس , إذن الديكتاتورية تقضي على حرية الفرد تماماً كما تقضي على المساواة. و تفعل ذلك لأنها لا تقدِّم إلى الفرد العدد الأكبر من المعلومات الصحيحة فتسجنه في معلومات قليلة فتقتل حريته تماماً كما تغتال المساواة بعدم توزيع المعلومات بشكل متساو ٍ بين الأفراد من جراء احتكارها للقدر الأكبر من المعلومات الصحيحة. هكذا الديكتاتورية تتواصل مع الأفراد من خلال آلية إقلال نقل المعلومات إليهم بينما الديمقراطية تتواصل مع الفرد من خلال إكثار نقل المعلومات إلى كل فرد. و بما أن الوظيفة الأساسية للديكتاتورية كامنة في إقلال المعلومات , إذن من الطبيعي أن لا تنشأ العلوم و الأفكار و الفلسفات الجديدة ضمن الأنظمة الديكتاتورية. من هنا , ينجح أيضاً هذا التحليل للديكتاتورية في تفسير لماذا لا تولد العلوم و الفلسفات في ظل حكم الديكتاتوريات , و بذلك يكتسب هذا التحليل فضائله المعرفية فمقبوليته.

    الديمقراطية نظام تواصلي يتواصل مع الفرد على أنه مستقل عن المجتمع و الدولة و بذلك يحافظ على حقوق الأفراد بينما الديكتاتورية نظام تواصلي يتواصل مع الفرد على أنه جزء لا ينفصل عن المجتمع و الدولة و بذلك يلغي فردية الفرد فإنسانيته فيقضي على حقوق الإنسان كافة. لكن السوبر تخلف نظام تواصلي يتواصل مع الفرد على أنه يمثل هذه المنطقة أو ذاك العرق أو تلك الطائفة أو هذا المذهب الديني أو العقائدي. و بذلك السوبر تخلف يختزل الأفراد إلى مناطق و طوائف و مذاهب و أعراق فيضفي على الأفراد هويات افتراضية و عادة هويات كاذبة بدلا ً من أن يتواصل مع الفرد على أساس هويته الأساسية و الحقيقية ألا و هي الهوية الإنسانية. هكذا يقضي السوبر تخلف على إنسانية الإنسان علماً بأنه يتواصل مع كل فرد على أنه جماعة عرقية أو مناطقية أو طائفية أو مذهبية فيُحدِّد الإنسان في سجون تلك الأدوار المعينة سلفاً. و بما أن السوبر تخلف يختزل الفرد إلى عرق أو طائفة أو مذهب , إذن السوبر تخلف يؤسس للعنصرية العرقية و الطائفية و المذهبية التي نعاني منها اليوم في عالمنا العربي الإسلامي.

    السوبر تخلف نظام تواصلي يهدف إلى إنتاج و نشر القدر الأكبر من المعلومات المشوّهة و الكاذبة المُعتمِدة على وقائع و معلومات صادقة ما دعم انتصاره. فبالإضافة إلى أن السوبر تخلف عقيدة أيديولوجية تعترف بأن الجهل هو القيمة الأعلى , السوبر تخلف نظام اجتماعي و اقتصادي و ثقافي أيضاً. و هو بذلك نظام تواصلي يؤسس الأنظمة الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية السوبر متخلفة. و هذا متوقع بسبب أن أي عقيدة أيديولوجية لا توجد بالفعل سوى في حال تجسدها في أنظمة تواصلية تحدّد أدوار و هويات الأفراد على ضوء تواصلهم. فأي نظام اجتماعي ليس سوى نظام تواصلي يعيّن العلاقات بين الأفراد و وظائفهم الاجتماعية. الفرد آلية تواصل , و تواصله مع الآخر يُحدِّد دوره الاجتماعي و العكس صحيح أيضاً. و المجتمع تفاعل سلمي أي تواصل سلمي بين الأفراد. على أساس كل هذه الاعتبارات , السوبر تخلف عقيدة أيديولوجية تتمحور حول مبادىء عدة منها مبدأ أن الجهل فضيلة الفضائل و مبدأ أن الفرد ليس سوى جماعة عرقية أو مذهبية , و لذا هو نظام تواصلي يتجسد في أنظمة اجتماعية و اقتصادية و ثقافية تحدِّد للأفراد هويات و أدواراً مشوّهة و كاذبة. من هنا , يتخذ السوبر تخلف مقدرته على الانتشار و السيطرة على المجتمع من جراء كونه نظاماً تواصلياً ذات بُعد عقائدي و اجتماعي. فاعتبار الجهل قيمة عليا يشير بقوة إلى قبولنا أن الله وحده يعلم و أن علوم السلف هي العلوم الحقة فعلا ً و لا نتمكن من فهمها حقاً و بذلك اعتبارنا أن الجهل فضيلة الفضائل ليس سوى قبولنا للتراث و للدين و لِما نعبد من آلهة ماضوية. هكذا من دون عقيدة السوبر تخلف نخون التراث و الدين و الله. من هنا , هيمن السوبر تخلف على عقولنا و مجتمعاتنا الافتراضية.

    كل مجتمع يحتاج إلى عقيدة أي إلى نظام تواصلي لتتحقق الأنظمة الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية على ضوء كيفية التواصل بين الأفراد. لكن حين تزول العقائد الفلسفية و السياسية كالعقائد الاشتراكية و الديمقراطية يحدث الفراغ العقائدي. و كل فراغ عقائدي لا بد من ملئه بعقيدة ما ؛ فلا يحيا شعب بلا عقيدة لأن مَن لا عقيدة له لا نظام تواصلي له فلا مجتمع. على هذا الأساس , الشعوب العربية الاسلامية عانت مؤخراً و لعقود عدة من الفراغ العقائدي , و لم نتمكن من ملء هذا الفراغ سوى بعقيدة السوبر تخلف. و لذا السوبر تخلف يسيطر بقوة على مجتمعاتنا العربية الاسلامية. فالعقائد الأيديولوجية المختلفة قد فشلت في مجتمعاتنا الافتراضية من جراء تعاملنا الخاطىء معها. فمثلا ً , فشلنا في تحقيق الديمقراطية و الاشتراكية لأسباب عدة منها : أولا ً, اعتبرناها عقائد يقينية بدلا ً من نماذج لإنتاج فكر جديد فأسأنا فهمها و تقديمها , و ثانياً فشل القومية العربية و تحوّلها إلى ديكتاتوريات إشارة قوية إلى فشل الديمقراطية و الاشتراكية من منظور العقل العربي الاسلامي بما أن القومية العربية متضمنة للعديد من مبادىء الديمقراطية و الاشتراكية. من هنا فشل العقائد المختلفة في عالمنا العربي الاسلامي حتم ضرورة هيمنة عقيدة من الصعب أن تفشل ألا و هي عقيدة السوبر تخلف. فنحن لم ننجح سوى في تطوير التخلف , و بذلك لم ننجح سوى في السوبر تخلف أي في استغلال المنجزات الحضارية كافة كالعلم و التكنولوجيا و الدين من أجل نشر الجهل و التجهيل. و من الصعب أن تفشل هذه العقيدة لأن الفشل بالنسبة إليها فضيلة.

    لقد نجح السوبر تخلف في أن يصبح نظاماً تواصلياً. و لذا سيطر على عقول و سلوك معظم العرب و المسلمين. و الوظيفة الأساسية للسوبر تخلف قائمة في صياغة و نشر القدر الأقصى من المعلومات الخاطئة و المشوّهة المُستنتَجة من معلومات صادقة. و بما أن معلومات السوبر تخلف كنظام تواصلي مُستنتَجة من معلومات صادقة , يكتسب السوبر تخلف بذلك قدرة هائلة على الهيمنة الفكرية و السلوكية و على احتكار الحقائق و تشويهها و اقناعنا بصدقها. و مثل أساسي على السوبر تخلف كنظام تواصلي يسعى إلى تبادل و إنتاج المعلومات الكاذبة و زيادة المنتوجات المعلوماتية المشوّهة و نشرها هو التالي : بالنسبة إلى السوبر تخلف , تحوّلت الديمقراطية من حكم حرية الفرد و حقوقه الإنسانية إلى حكم حرية الطوائف و المذاهب الدينية و حقوقها. و بذلك يعتمد السوبر تخلف على معلومات صادقة كمعلومة أن الديمقراطية حكم الحريات و الحقوق الإنسانية لكنه يشوّه هذه المعلومة الصادقة و يحوّلها إلى معلومة كاذبة مفادها أن للطوائف و المذاهب الدينية حقوقاً كحق أن تحيا بحرية و تمارس طقوسها علنياً و تنتشر و تسود و إن كان ذلك على حساب حرية الفرد و حقوقه. و بذلك السوبر تخلف يستغل الديمقراطية و الحريات و الحقوق الإنسانية من أجل تطوير التخلف الكامن في هيمنة الحقوق الافتراضية للطوائف و المذاهب. هكذا السوبر تخلف يستخدم الحرية و الحقوق الإنسانية كي يقتل حرية الفرد و حقوقه بإسم حريات المذاهب الدينية و الطوائف و حقوقها. و هو بذلك يستخدم الحرية و الحقوق الإنسانية من أجل قمع الإنسان و اضطهاده و اغتيال إنسانيته. هنا الحرية أمست أداة قمع و اضطهاد.

    السوبر تخلف مرحلة ما بعد الديمقراطية و الديكتاتورية. فالديمقراطية هي نظام تواصلي يهدف إلى بناء و نشر القدر الأكبر من المعلومات الصادقة بينما الديكتاتورية نظام تواصلي يسعى إلى القضاء على المعلومات الصادقة و عدم نشر المعلومات الصحيحة. لكن السوبر تخلف نظام تواصلي وظيفته الأساسية كامنة في إنتاج و نشر العدد الأكبر من المعلومات الكاذبة و المشوّهة المعتمدة على معلومات صادقة , و بذلك يتخطى السوبر تخلف كُلا ً من الديمقراطية و الديكتاتورية فيفتتح عصر ما بعد الديمقراطيات و الديكتاتوريات. فبينما الديمقراطية تسعى إلى صياغة و نشر المعلومات الصادقة , يسعى السوبر تخلف إلى بناء و نشر المعلومات المشوّهة. و بينما الديكتاتورية تهدف إلى القضاء على القدر الأكبر من المعلومات الصادقة , يحافظ السوبر تخلف على المعلومات الصادقة لكنه يستغلها للوصول إلى نتائج مشوّهة و كاذبة. هكذا يختلف عصر السوبر تخلف عن عصور الديمقراطية و الديكتاتورية بفضل تطويره لآليات التخلف. و الديكتاتورية استعانت بالسوبر تخلف لنشر المعلومات الكاذبة لكن السوبر تخلف اتخذ لنفسه كياناً منفصلا ً من جراء اعتماده على معلومات صادقة في عملية صياغة نتائج مشوّهة و خاطئة. السوبر تخلف عملية تشويه للصفات الإنسانية كافة , و بذلك هو عملية اغتيال للحضارة الإنسانية. و قمة السوبر تخلف كامنة في تحويل العلم إلى جهل , و الجهل إلى علم , و تحويل الحريات و الحقوق الإنسانية إلى أدوات قمع و اغتيال , و تحويل الاضطهاد إلى حقوق و حريات افتراضية تمتلكها الأعراق و المذاهب و الطوائف.

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •