النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: هل كان رأفت الهجان عميلا مزدوجا بين مصر وإسرائيل؟

  1. #1
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية بريف هااارت
    الحالة : بريف هااارت غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 12487
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    المشاركات : 25,200

    افتراضي هل كان رأفت الهجان عميلا مزدوجا بين مصر وإسرائيل؟

    الحلقة الأولى.. هل كان رأفت الهجان عميلا مزدوجا بين مصر وإسرائيل؟..نقدم أكبر هدية إلى إسرائيل حين يتحدث البعض فى مصر بنفس الرأى الذى تزعمه حول «الهجان»..

    الإثنين، 29 سبتمبر 2014 - 09:33 ص


    رأفت الهجان تحقيق يكتبه: سعيد الشحات "




    " «رأفت الهجان كان عميلا مزدوجا» هذا الرأى لا تسمعه من إسرائيل هذه المرة، وإنما من مصر ومن رجل تم تقديمه فى الصحافة على أنه: «أعظم رجال المخابرات على مر العصور».



    معاريف» الإسرائيلية زعمت عام 1993 حصول «الهجان» على مبلغ كبير نقلاً عن العدد اليومى الرأى قاله الفريق «رفعت جبريل»، ضابط المخابرات الذى وصل إلى رئاسة جهاز «الأمن القومى» فى حوار أجراه معه الزميل محمد السيد صالح، ونشرته الزميلة «المصرى اليوم» على ثلاث حلقات، وسئل عن رأيه الفنى فى «رأفت الهجان»، واسمه الحقيقى «رفعت الجمال»، فأجاب: «كرجل مخابرات ومسؤول سابق عن مكافحة التجسس، أؤكد أن العميل لا يستمر أكثر من أربع سنوات، وبعدها يصبح عميلا مزدوجا للطرفين يتم استبداله»، وعن وضع «الهجان» تحديدا قال: «ساعده الإسرائيليون كثيرا، وكانت له شركات واستثمارات عديدة فى أوروبا، والمسلسل قدمه ببريق مبالغ فيه للغاية». حين يتحدث ضابط مخابرات سابق، يتم تقديمه بأنه «أعظم رجل مخابرات على مر العصور»، حى يتحدث عن عملية تعتبرها المخابرات المصرية من أمجادها الكبيرة، فهل ستتعب إسرائيل بعد ذلك فى إثبات صحة مزاعمها بأنها استطاعت الكشف عن «الهجان» بعد سفره إليها وتجنيده لصالحها؟، هل يعنى ذلك أن كل الحقائق التى عرفناها قبل ذلك عن رأفت الهجان هى بمثابة خدعة كبيرة؟، وهل، وهل، وهل؟ لنبدأ القصة من أولها. عرفت مصر قصة رأفت الهجان بعد أن كتبها روائيا الكاتب صالح مرسى، وتحولت إلى عمل تليفزيونى شهير، فجرت القصة مئات من الأسئلة عن «الهجان» وحقيقته، وعن جهاز المخابرات المصرية وبطولاته ة، عن إنجازاته الكبيرة منذ نشأته على يدى زكريا محيى الدين عام 1954، عن مواجهاته الباسلة لجهاز «الموساد» الإسرائيلى على الساحة الدولية، عن جواسيس إسرائيل الذين تم إسقاطهم فى مصر.



    رأى المصريون والعرب فى قصة «رأفت الهجان» انتصارا للقدرة والإرادة والتفكير العلمى من جانب المخابرات المصرية، وأنه ليس من الصحيح أن الموساد الإسرائيلى يمتلك دون غيره شفرة التفوق فى مجال المخابرات، فهناك مئات الحكايات والقصص التى تؤكد هزيمته وتفوقنا عليه، ولهذا يصيبه الهلع والتوتر كلما وجهنا إليه ضربة عنيفة لعملياته، وكلما ظهرت قصة تؤكد أننا زرعنا فى قلبه مندوبا لنا، وكانت قصة «رأفت الهجان» نموذجا لذلك.. نموذجا أصاب إسرائيل بالهلع والتوتر، فاخترعت قصصا وحكايات تتحدث عن أنها التى امتلكت ورقة «الهجان» بين يديها، وحركتها كيفما شاءت، فماذا تقول الرواية الإسرائيلية عن رأفت الهجان؟



    إسرائيل يهودى باسم «جاك بيتون» مهاجر جديد من مصر على ظهر السفينة القادمة من مرسيليا ومعه أوراق مصرية، وعاش بعدها لمدة عام فى إسرائيل محاولا فتح طريق لأعماله المختلفة، وفى أثناء ذلك العام سافر إلى روما، وفيها كان يحصل على أموال ثم يعود ثانية إلى تل أبيب، وفى ليلة ممطرة وباردة اندفعت فرقة من المخابرات الإسرائيلية إلى منزل «جاك بيتون» فى شمال تل أبيب، وحاصرت القوات المنزل، وانتظرت حتى حل الظلام، وفى منتصف الليل أعطيت إشارة الهجوم، وفى هدوء صعد الرجل للشقة ودقوا الباب، وبعد عدة ثوان فتح الباب «جاك بيتون» وهو نصف عار فدفعه الرجال لداخل الشقة التى امتلأت برجال المخابرات فى الزى المدنى، وهنا أعلنوا لـ«جاك» أنه مقبوض عليه، ومن حجرة النوم جاء صوت فتاة ترتعش خائفة وهى بملابس شفافة، واندفع رجال القوة ليجذبوها من الفراش، وبعد أن ارتدت ملابسها أخرجوها إلى الطريق، وبعد تحقيق قصير ممزوج بالتعذيب انكسر «جاك بيتون» وبدأ يحكى حياته وتفاصيل عملية إدخاله إلى إسرائيل كعميل للمخابرات المصرية.



    تمضى الرواية الإسرائيلية قائلة، إنه بعد القبض عليه، تجاوب بسرعة مع محقق المخابرات الإسرائيلية، وظهر فى التحقيق نبوغه وذكاؤه وكفاءته العالية فى عقد الصداقات مع الجميع، وهنا بدأ المحققون فى استغلاله لكى يعمل عميلا مزدوجا، لكنه أبدى تخوفه من أن تقوم المخابرات المصرية بكشفه، وفى تلك الحالة تتعرض أسرته فى مصر للخطر، لكن رجال المخابرات الإسرائيلية أمنوا له عمله بكل الوسائل، وبدأ يعمل بين مصر وإسرائيل، وينقل للمخابرات المصرية كل المعلومات الخاطئة التى زودته بها المخابرات الإسرائيلية، وفى روما بدأت عملية نقل المعلومات للمصريين الذين كانوا يستجوبونه طوال الليل والنهار، ثم يطلبون منه كتابة كل ما عنده، وعندما ينتهى بنجاح مثل كل مرة، كان يحصل على مبلغ كبير من المخابرات المصرية، وفى إسرائيل كان يقوم بنفس العمل فى مكتب المخابرات الإسرائيلية، وكان يحصل أيضا على مبلغ آخر من المال لينفقه على النساء واللهو. تضيف الرواية الإسرائيلية التى ذكرتها صحيفة «معاريف»، أن المشكلة الوحيدة التى قابلت رجال المخابرات الإسرائيلية، هى شخصية ذلك العميل غير المستقر، ولذلك استعانت بالمحللين النفسيين أثناء استجوابه، ونظرا لأنه كان يحترم نفسه، ويتقمص شخصية البطل، فقد كان على رجال المخابرات الإسرائيلية إرضاء ذلك فيه، وتزعم معاريف، أنه فى أكتوبر 1956، اشتدت عملية إرسال المعلومات من جاك إلى مصر، وقبل بدء المعركة بأيام أرسل تقريره عن قرب المعركة (العدوان الثلاثى على مصر وضم انجلترا وفرنسا وإسرائيل)، وعن حالة الطوارئ فى إسرائيل، وعن الجنود البريطانيين والفرنسيين الذين شوهدوا فى شوارع تل أبيب وحاناتها.



    تضيف معاريف، أن المخابرات المصرية فور تلقيها هذا التقرير، طلبت منه الحضور إلى روما، حيث سئل بشكل مكثف عن تلك المعلومات، وأخذ يطالب المصريين بمبالغ أكبر، ولذلك كانت العلاقات بينه وبينهم تسوء جدا من وقت إلى آخر، لكنهم اضطروا للدفع له نظرا لأهمية معلوماته، وعند عودته إلى إسرائيل قال لرجال المخابرات الإسرائيلية عن ذلك اللقاء: «لقد امتصوا دمى»، وقدم تقريرا مفصلا عن أسئلة المصريين وإجاباته عليها، وبعدها تم الهجوم. تلك هى الراوية الإسرائيلية التى رد بها «الموساد» على الرواية المصرية حول رأفت الهجان، وقراءتها مرة واثنتين سيبدو منها كم الثغرات الكبيرة التى تظهر فيها، وأهمها مثلا، أن «الهجان» يتلاعب بجهازى المخابرات أحيانا، كما أن المخابرات المصرية طبقا لما تذكره إسرائيل، يبدو منها أنها فى وضع ساذج، لم تستطع اليقظة منه، فالهجان يلاعبها كيفما شاء، ورغم ذلك لم تستطع الوصول إلى أنه تم توظيفه من إسرائيل.



    الردود على الرواية الإسرائيلية تأتى من أطراف عديدة، تجتمع جميعها عند حقيقة واحدة وقاطعة، وهى أن ما تذكره إسرائيل، هو فقدان صواب، ومحاولة لمواجهة غضب الرأى العام الإسرائيلى حين تم كشف مصر عن القصة كلها. سألت مرة «فتحى الديب»، أحد الضابط الذين أسسوا جهاز المخابرات والمسؤول عن الشؤون العربية فى رئاسة الجمهورية مع جمال عبدالناصر عن قصة «رأفت الهجان»، فأجاب فى اقتضاب بأنها من العمليات المخابراتية ة لمصر، وأضاف: «رفعت الجمال» شخصية استثنائية فى عالم التجسس «لأنه كانت لديه القدرة على الاستمرار فى إسرائيل نحو 20 عاما»، «الديب» كان مسؤولا عن الملفات العربية، ولما سألته عما إذا كان يعرف أكثر مما عرفناه عن «الهجان»، رد باقتضاب: «فى عالم المخابرات هناك حقيقة وهى، ليس كل ما يعرف يقال»، وامتد الكلام إلى شخصية «محمد نسيم» الضابط الذى عرفناه فى مسلسل «رأفت الهجان» بـ«نديم قلب الأسد»، وقال عنه: «نسيم ضابط مخابرات كامل الأوصاف»، سألته: «هل دخل إسرائيل للذهاب إلى رأفت الهجان»، أجاب: «دخلها لهذا الغرض وغيره»، وقال: «فى الوقت الذى كان رفعت الجمال فى إسرائيل كان هناك آخرون لنا، لكن الجمال هو الذى استمر كل هذه الفترة لقدرته الاستثنائية». هكذا قال لى «فتحى الديب» الذى كان مسؤولا عن ثورات عربية عديدة أبرزها «ثورة الجزائر» ومن خلال هذه المسؤولية أشرف على عمليات مخابراتية معقدة ونفذها فى أقطار عربية مختلفة، كان هو من الضباط الثمانية المؤسسين للجهاز تحت رئاسة زكريا محيى الدين، والتحق محمد نسيم بالجهاز فى الدفعة الثانية، والضابط «محسن عبدالخالق» صاحب فكرة زرع «الجمال» فى إسرائيل والمخطط لها.



    الإشارات السابقة من «فتحى الديب» يمكن اعتبارها أنها تقف على شاطئ قضية «الهجان» أو «الجمال»، ولا تنفذ إلى القلب، وذلك بحكم التخصص فى النشاط المخابراتى، لكن على كل الأحوال فإن الرد على الرواية الإسرائيلية، ورأى الفريق «رفعت جبريل» الذى يؤيدها من الزاوية الفنية يأتى من الأطراف المعنية مباشرة بالقضية، يأتى من «الهجان» نفسه فى مذكراته، ويأتى من هناك ما يذكره «محمد نسيم»، وصالح مرسى الروائى الذى كتب القصة فى كتاب، ثم قدمها إلى التليفزيون، وكلنا نعرف أن كتابته لها تمت بإذن ومراجعات من جهاز المخابرات، الذى لا يمكن أن يحتفى أبدا بـ«عميل مزدوج» كما تروج إسرائيل. نبدأ مما جاء فى كتاب «18 عاما خداعا لإسرائيل - قصة الجاسوس المصرى رفعت الجمال» الصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر عام 1994، والكتاب عبارة عن مذكرات لـ«الجمال» ومقدمة ونهاية كتبتها زوجته «فالترا ودبيتون» ألمانية الجنسية، والمذكرات هى فى الأصل عبارة عن 70 صفحة مكتوبة بخط اليد باللغة الإنجليزية، وتقول زوجته، إن الجمال كتبها على ورق أبيض غير مسطر باللغة الإنجليزية ووضعها فى مظروف كبير وأعطاها لمحاميه، الذى أعطاها للزوجة بعد وفاة «الجمال» بثلاث سنوات، كما جاء فى تعليماته، وهى تصب فى أنشطته فى إسرائيل وألمانيا. تذكر الزوجة، أن «جاك بيتون» (اسم الجمال الذى دخل به إسرائيل وظل به حتى مات)، كان له علاقات كثيرة واسعة داخل إسرائيل سواء كرجل أعمال أو علاقات خاصة، وكان له وكالة سفريات للسياحة فى وسط المدينة اسمها «سى تورز»، وتضيف: «كان أقرب الأصدقاء لنا موشى ديان «وزير الدفاع أثناء حربى 1967» و«أكتوبر 1973»، و«جولدا مائير» رئيسة الوزراء أثناء الحربين، وعايزرا وايزمان رئيس أركان الجيش ورئيس إسرائيل فيما بعد. تقول الزوجة: «كان جاك (الجمال) وموشى وعايزرا حين يجتمعون لا يعكر صفوهم أى شئ، كانت حياتهم مزاحا فى مزاح، أما جولدا، وبن جوريون» أول رئيس وزراء لإسرائيل فكانا بمثابة الأبوين بالنسبة له، وكثيرا ما كانت جولدا مائير تسألنى عما إذا كان «جاك» يحسن معاملتى أم لا، كانت على استعداد أن تأمره بالجلوس أمامها لتوجيهه خيرا بى وتأمره بذلك، غير أنى كنت أقول لها إنه مثال للرجل الملتزم. وعن علاقة جاك ( الجمال) مع بن جوريون تقول «فالترا ود بيتون»: «كان بن جوريون يحب جاك، ويعتبره ابنا له ويستقبله بالأحضان والقبلات مثل صديقين حميمين، وكان يتحدث معه العبرية بطلاقة». هكذا ترسم لنا الزوجة وضع «جاك» أو «الجمال» فى المجتمع الإسرائيلى، توضح كيف أصبح بكل هذا النفوذ!، وتذكر، كيف أصبح صديقا لقادة إسرائيل؟، وتشرح كيف أصبح ابنا لـ«بن جوريون» وقريبا من قلب «جولدا مائير»، وصديقا لـ«موشى ديان» و«عايزرا وايزمان»؟ هل وصل إلى هذه الحالة لأنه «عميل مزدوج»؟ المنطق يقول لا.



    « والمنطق يقول، أنه وصل إلى هذه المرتبة الرفيعة طبقا لملكاته الخاصة، لقدرته الفائقة، لتركيبته الاستثنائية فى مجال الجاسوسية حسب تعبير «فتحى الديب»، وعليه، تأتى الأسئلة: هل كان ذلك كله بعيدا عن أعين المخابرات المصرية؟ هل كان «جاك» أو «الجمال» صديق كل هؤلاء، ولا تعرف المخابرات المصرية حقيقة هذه الصداقات؟ فى الكتاب يتحدث «جاك بيتون» أو «رأفت الهجان» أو «رفعت الجمال» عن كيفية وصوله إلى كل هذا فى إسرائيل، وكيف أدار عمله المخابراتى؟، ويكتب كل ذلك على شكل رسالة تركها لزوجته كى تعرف حقيقته، وأنه مصرى الأصل وخدم بلاده، ويشرح الرحلة من بدايتها، وغدا نستكمل.


    حروف قويه صادقه تحتاج لقلب شجاع



  2. #2
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية بريف هااارت
    الحالة : بريف هااارت غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 12487
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    المشاركات : 25,200

    افتراضي

    لابد من الأعتراف أن جريدة اليوم السابع قد اصبح من المستحيل نقل أو نسخ أي خبر منها وهذا هو الرابط للمحاوله


    ولكننا نستطيع

  3. #3
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية بريف هااارت
    الحالة : بريف هااارت غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 12487
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    المشاركات : 25,200

    افتراضي

    الحلقة الثانية.. قصة شكوك المخابرات المصرية فى «رفعت الجمال».. نديم قلب الأسد يثبت أنها غير صحيحة.. ومحمد نسيم: إسرائيل لا يمكن أن تعترف بأن جاسوساً مصرياً عاش بينهم 20 سنة

    الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014 - 10:14 ص


    رأفت الجمال وزوجته الألمانية فالتر واد بيتون

    المعلومات التى حصلت عليها مصر فى حربى 1956و1967 كانت من 3 مصادر بينها رفعت الجمال

    المخابرات المصرية زرعت «كيفوركى يعقوبيان» فى إسرائيل بعد إجراء عملية ختان ورغم نجاحه فى البداية تم الكشف عنه بعد قصة حب إسرائيلية

    - «إسرائيل لا تحتمل الهزيمة، وكانت فضيحة رفعت الجمال «رأفت الهجان» هزيمة وفضيحة لذلك فهى تحاول الآن أن تمتصها وتشكك فيها».

    - «لا يمكن أن يعترفوا بأن جاسوسا مصريا عاش بينهم 20 سنة، فلا يوجد جهاز مخابرات يمكن أن يعترف بذلك».

    هكذا يرد ضابط المخابرات الشهير محمد نسيم «نديم قلب الأسد» عن تشكيك إسرائيل فى قدرة المخابرات المصرية، على زعمها بأن «رفعت الجمال» الذى عاش فيها باسم «جاك بينون» هو عميل مزدوج، ويرد على الذين يجددون نفس الكلام ومنه كلام الفريق رفعت جبريل: «العميل لا يستمر أكثر من أربع سنوات، وبعدها يصبح عميلا مزدوجا للطرفين أو يتم استبداله»، رأفت الهجان ساعده الإسرائيليون كثيرا، وكانت له شركات واستثمارات عديدة فى أوربا فيما بعد والمسلسل قدمه ببريق مبالغ فيه.

    حين يتحدث «نديم قلب الأسد» علينا أن ننصت، علينا أن نقف أمام كل كلمة يقولها، لأسباب كثيرة، فهو ضابط المخابرات الذى يقترن اسمه ببطولات كثيرة من بينها أنه المسؤول عن تدريب «رفعت الجمال»، فهو الذى نقله من مرحلة إلى أخرى أكثر تطورا وحرفية فى عالم الجاسوسية، هو الاسم الأكثر تأثيرا فى حياة رفعت الجمال، وهو الاسم الذى قال لى عنه «فتحى الديب» أحد مؤسسى جهاز المخابرات: «محمد نسيم ضابط مخابرات كامل الأوصاف».

    حين ولد محمد نسيم عام 1928 فى حى المغربلين بالقاهرة عام 1928، كان رفعت الجمال طفلا رضيعا عمره عام واحد «مواليد عام 1927»، وبينما كان «الجمال» يتيم الأب، كان «نسيم» يتيم الأم، وكان «الجمال» ى وف أسرية غير مستقرة فى صباه ويهوى السينما، بينما كان «نسيم» يتعلم الملاكمة ويشق طريقه فى التعليم حتى التحق بالكلية الحربية ليتخرج منها ضابطا فى سلاح المدرعات، ويشارك فى حرب السويس عام 1956 «العدوان الثلاثى من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل»، وبعد الحرب ينتقل إلى جهاز المخابرات بعد عامين من تأسيسه، كان «الجمال» وقتئذ تم تجنيده لزرعه فى إسرائيل.

    فى سجل بطولات محمد نسيم المخابراتى:



    عبدالناصر

    - قام بإعادة تأهيل «رفعت الجمال» الذى أصبح فى إسرائيل «جاك بيتون» بعد انفصال سوريا عن مصر وانتهاء دولة الوحدة عام 1961 سافر إلى بيروت ليدير منطقة المشرق العربى من هناك، وليواجه الآثار المترتبة على الانفصال، وكانت بيروت وقتها محطة ترانزيت لأجهزة مخابرات العالم، وحسب كتاب «ذئب المخابرات الأسمر» للكاتب الصحفى نبيل عمر، كانت إحدى عملياته التى وضعها وقتئذ فى بيروت، عملية اختطاف «عبدالحميد السراج «من سجن المزة» فى دمشق بعد أن تسلل إليه فى ملابس أحد حراس السجون ودخل زنزانة «السراج» وأخرجه حتى الأسوار ثم قفزا معا، وسبحا حتى وصلا إلى بيروت، وبعد أيام كان «السراج» فى القاهرة، والمعروف أن «السراج» كان من رجال الوحدة ضد الانفصاليين، وعملية تهريبه كانت بأمر مباشر من «عبدالناصر».

    كاد أن يتعرض لعملية اختطاف من بيروت ليصبح رهينة فى يد خصوم جمال عبدالناصر، ويجبروه على أن يهاجمه فى إحدى الإذاعات المعادية لمصر فى ذلك الوقت، وكان المكلف بالعملية شابا مصريا يعيش فى الخارج على العداء لمصر، وقرر «نسيم» اختطافه، وهو ما حدث ووضعه فى طائرة حملته إلى القاهرة. *أدار عملية الكشف عن صفقة الطائرات الفرنسية لإسرائيل عام 1960 و1962.



    رأفت الجمال وزوجته الألمانية فالتر واد بيتون

    * عملية تدمير الحفار كنتنج فى أبيدجان «ميناء ساحل العاج»، وهو الحفار الذى استأجرته إسرائيل ليقوم بعملية التنقيب عن البترول فى سيناء بعد احتلالها فى 5 يونيو 1967، وكان ذلك بمثابة إذلال لمصر، وفى عملية مخابراتية رائعة وقت أن كان «أمين هويدى» رئيسا للجهاز، وبالتعاون مع القوات البحرية، تم تدمير الحفار وهز انفجاره «أبيدجان»، وتلقى عبدالناصر التمام بنجاح العملية، بعد أن كان «نسيم» فى الفندق المطل على البحر فى «أبيدجان» يطل منه على الحفار انتظارا لمجىء الساعة السابعة صباحا وهو موعد «التفجير»، وما أن تطابقت عقارب الساعة على السابعة حتى دوى الانفجار، ليلحق بإسرائيل الخزى والعار، ويتم إفساد مخططها. هذا بعض مما تم كشفه من سجل بطولات محمد نسيم المخابراتى، الذى كان يذهب إلى مزرعته فى قريته «ميت كنانة» مركز طوخ محافظة القليوبية، كلما أراد التفكير فى كيفية تنفيذ عملية من عملياته وضمان نجاحها، كان يجلس فى مزرعته وحيدا ليلا متأملا، حتى يصل إلى ما يريد، هكذا تحدث «نسيم» فى أحد لقاءاته النادرة مع مجلة «الشباب»، وبالرغم من أن تلك العمليات كانت تتم وفقا لخطط عمل المخابرات، إلا أنه كان يتلقى تعليمات مباشرة من عبدالناصر بخصوصها. لماذا نعدد بعض إنجازات محمد نسيم ونحن نتحدث عن رفعت الجمال فى مصر، وهو «جاك بيتون» فى إسرائيل،
    و«رأفت الهجان» فى المسلسل التليفزيونى؟ نعددها حتى يكون هناك «شاهد من أهلها»، وحتى نعرف ماذا يقول عن المزاعم الإسرائيلية بأن «الجمال» كان عميلا مزدوجا، وأن تل أبيب وظفته بعد أن كشفت أمره وحقيقة أن المخابرات المصرية زرعته ليكون عينا مفتوحة على ما تفعله إسرائيل. فى عام 1993 وفى شهر أغسطس منه، كان موسم المزاعم الإسرائيلية بأن «الهجان» عميلا مزدوجا، وهو ما روجت له صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بحبكها قصة أقرب إلى الأفلام الهندية، فماذا قال «محمد نسيم» عن هذه المزاعم؟ فى 30 أغسطس 1993،
    تحدث «محمد نسيم» للكاتب الصحفى «عادل حمودة» نائب رئيس تحرير مجلة روزاليوسف، قال فيها: «تتحرك إسرائيل كرد فعل لما أحدثه نشر قصة رأفت الهجان، ذلك البطل المصرى الرفيع الكفاءة والمستوى، الذى عاش فى إسرائيل 20 سنة دون أن تعرف إلا بعد أذاعت المخابرات المصرية القصة بنفسها، ولو كان الهجان عميلا مزدوجا كما يدعون، فلماذا ظل فى إسرائيل؟، لماذا لم ينتقل للإقامة فى مصر أو فى إحدى الدول العربية؟،
    كيف يكون عميلا للموساد وهو يعيش فى إسرائيل؟ يؤكد «نسيم» على أن هذه الأسئلة لن تجرؤ إسرائيل على الإجابة عنها، ويقول: «ليست عادة المخابرات الإسرائيلية هذا الانتظار الطويل قبل كشف العملاء المزدوجين، والدليل على ذلك قصة الجاسوس المصرى» كيفوركى يعقوبيان، فمن يكون هذا الجاسوس؟. يكشف «نسيم» حقيقة «كيفوركى يعقوبيان» قائلا، إنه كان أرمينيا، تم إعداده لمدة سنة ونصف السنة، وعرف باسم «زكى سليم كيتشوك»،
    وأنه يهودى تركى، وعائلته موجودة فى مصر من أيام الحكم العثمانى، يضيف نسيم، جهزنا كل ما يثبت الحقيقة الجديدة لـ«يعقوبيان»، وتم إرساله إلى أمريكا اللاتينية إمعانا فى التغطية، وهناك أقنعه الملحق العسكرى الإسرائيلى بالهجرة إلى إسرائيل. وإمعانا فى التمويه وضبط العملية، تم إجراء عملية ختان لـ«يعقوبيان» «الختان من شروط الديانة اليهودية»، وبعد زرعه فى المجتمع الإسرائيلى نجح
    وكما يقول نسيم: «وصل فى نجاحه حد اختياره لحمل باقة ورد فى جنازة إحدى الشخصيات اليهودية الكبيرة، وكان ذلك دليل نجاحه فى خداعهم، وبعد ذلك حدث ما أوقع «يعقوبيان» أو «زكى سليم كيتشوك»، فماذا حدث منه؟. يقول «نسيم»، إن «زكى» أحب فتاة إسرائيلية أخاها ضابط فى الأمن، وكانت هذه نقطة ضعفه، وبعد عام ضيقوا عليه الخناق،
    وعرفوا أنه جاسوس، وبعد التحقيقات معه، أعلنوا القصة ونشروها وأغروه بالعيش فى إسرائيل بالمال، مقابل أن يعمل جاسوسا لإسرائيل، وأصدرت إسرائيل كتابا عن العملية عام 1964، اعترفت فيه بأن هذه العملية تشرف المخابرات المصرية، وأنها من أخطر عمليات المخابرات الإسرائيلية، ويضيف «نسيم»: «كنا سعداء بهذا التقييم».



    زكريا

    ما المقصود من ذكر قصة «يعقوبيان»؟، وما علاقتها بقصة «رفعت الجمال»، أو «جاك بيتون»؟ يحدد «نسيم» القصد فى خمس نقاط، أولها، أن إسرائيل لا تتأخر فى الكشف عن العملاء المزدوجين، أو العملاء الذين يسقطون فى شباك مخابراتها، وثانيا: أن «رفعت الجمال» أو«رأفت الهجان» كان موجودا فى إسرائيل قبل كشف قصة «كيفوركى يعقوبيان» بسنوات طوال، فلماذا لم يعلنوا قصته، وأعلنوا قصة من جاء بعده، إذا كانوا قد كشفوه كما يدعون مبكرا؟.

    ثالثا: أن إسرائيل تفضل كشف العميل عن استعماله كعميل مزدوج، ورابعا: أن «الجمال» أو الهجان «لم يكن المصرى الجاسوس الوحيد فى إسرائيل فى ذلك الوقت، وخامسا: أننا - الكلام لنسيم - تسلمنا كيفوركى يعقوبيان بعد 1967، وصارحنا بما جرى له، وقد حدث لبس متعمد بينه وبين «الجمال» أو «الهجان» وهذا اللبس هو العمود الفقرى لرواية صحيفة «معاريف» «عرضناها فى حلقة أمس»، يواصل «نسيم»، طلب «الموساد» من يعقوبيان العمل لحسابها فى العريش، لكن العملية كانت بالنسبة للمخابرات المصرية واضحة، واستغلت الموساد قصة التغطية المصرية لـ«يعقوبيان»، ونفذتها حرفيا مع جاسوسها «إيلى كوهين»، الذى جاء من أمريكا اللاتينية إلى سوريا، ونجح فى أن يصبح صديقا للرئيس السورى «أمين الحافظ»، ولم يتم الكشف عنه إلا بالصدفة.

    المعروف أن «كوهين» هاجر من مصر إلى إسرائيل، وتلقفه «الموساد» وقام بتسفيره إلى الأرجنتين بوصفه مسلما اسمه «كامل أمين ثابت» واشتهر فى وسط الجالية «السورية واللبنانية» فى الأرجنتين، وتعرف على «الحافظ» هناك وكان يشغل موقع مستشارا عسكريا فى السفارة السورية بالعاصمة الأرجنتينية «بيونس إيرس»، وبدا هناك أنه ثرى ينفق ببذخ، وبعد نحو عامين ومع تولى «الحافظ» رئاسة سوريا على أثر انقلاب عسكرى، عاد «كوهين» إلى دمشق، وأصبح من نجوم المجتمع والسياسة، حتى أنه كان يزور المواقع الأمامية للجبهة وتم كشفه بالصدفة عبر المخابرات المصرية عن طريق صورة له، وعلى الفور سافر «محمد نسيم» بأمر عبدالناصر إلى سوريا ووضع أمامهم كل الحقائق ليتم القبض عليه وإعدامه فى ميدان عام فى شهر مايو 1965، بعد أن تم زرعه فى سوريا من عام 1962، وقد يرى البعض أن ذلك يؤيد وجهة نظر الفريق رفعت جبريل، بأن الجاسوس لا يستمر أكثر من أربع سنوات ويتحول إلى عميل مزدوج أو يتم استبداله، لكن الرد على ذلك يأتى من أن الكشف عن «إيلى كوهين» تم بالصدفة وليس من قبيل المراقبة والتحقيق، وليس لأن الجاسوس أخطأ فى تصرفاته، أو كان يشكو من ضغوط ما، وإنما لحسابات أخطأ فيها «الموساد» نفسه..

    أعود إلى محمد نسيم، وما ذكره فى رده على المزاعم الإسرائيلية، ويقول بشكل قاطع، إن إسرائيل لا تحتمل الهزيمة، وكانت قضية الهجان هزيمة، وفضيحة، لذلك فهى تحاول الآن أن تمتصها وتشكك فيها، وفيما يمكن أن يؤلمها فيما بعد من عمليات ناجحة للمخابرات المصرية لم تكشف بعد، يضيف «نسيم» أنه لو كان «الجمال» رجلهم، فلماذا سافر إلى ألمانيا، ومن ألمانيا إلى مصر ليكون شركة بترول مع بعض الألمان، لماذا قرر أن يستثمر أمواله فى مصر لو كان عميلا لإسرائيل، هل هو مجنون ليضع نفسه فى عرين الأسد، الإجابة طبعا بالنفى.

    وعن المعلومات التى سربها إلى مصر من خلال الإسرائيليين عن حربى 1956 و1967، قال نسيم، إن «الجمال» أو «الهجان» لم يكن المصدر الوحيد لنا فى إسرائيل كما يتخيلون، كانت لنا ثلاثة مصادر دقيقة ومطلعة، كما أن ما أرسلته من معلومات كان صحيحا، فكيف يمكن أن تعطى المخابرات الإسرائيلية لأحد عملائها معلومات صحيحة؟ - كيف كان حال «الجمال» أو «الهجان» فى إسرائيل، هل كان يريد العودة، ألم يشك فيه جهاز المخابرات المصرية؟.



    نسيم

    الإجابة تأتى من «محمد نسيم» ومن مذكرات «الجمال» التى تركها لزوجته الألمانية «فالتر واد بيتون»، يعترف «نسيم»:» كان «الجمال» أو الهجان متوترا أثناء وجوده فى إسرائيل وكان يريد العودة إلى مصر، ولولا ضغطى عليه، وجهاز المخابرات المصرية نفسه عامله ببعض الشك، لكن كل هذا ثبت أنه غير صحيح، أما فى مذكرات «الجمال» فنقرأ إجابات شافية على السؤالين سنتعرض لهما فيما بعد.

    يختتم «نسيم» ردوده على المزاعم الإسرائيلية بقوله: «ما يضعف موقف المخابرات الإسرائيلية هو أنه رد فعل، ولو كانوا جندوا «الجمال» وحققوا معه واعترف، ألم يسجلوا اعترافاته لتقديمها إلى الرأى العام، لدينا قناعتنا ومستنداتنا عن هذه العملية، ولا أريد أن أتحدث عن حجم المعلومات التى سربها «الجمال» إلى مصر، وأتساءل: «كيف يعيش مصرى كل هذه السنوات داخل إسرائيل دون أن يكشفوه؟، هذه هى قيمة وخطورة «الجمال» وهذا هو سر جنون وغضب إسرائيل.


  4. #4
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية بريف هااارت
    الحالة : بريف هااارت غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 12487
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    المشاركات : 25,200

    افتراضي

    الحلقة الثالثة.. رفعت الجمال: كنت مقتنعاً وأنا فى إسرائيل بأننى أعمل الصواب من أجل مصر وشعبها..الهجان: ظهرت فى دور صغير بأحد أفلام «بشارة واكيم» ثم بفيلمين آخرين عامى 1945 و 1946

    الأربعاء، 01 أكتوبر 2014 - 10:26 ص


    رفعت الجمال

    الهجان: ظهرت فى دور صغير بأحد أفلام «بشارة واكيم» ثم بفيلمين آخرين عامى 1945 و 1946.. ومن خلال السينما اتسعت مداركى ومعارفى عن التاريخ والآداب

    - كان أبى تاجر فحم بالجملة وشخصية محترمة وأحببت أختى نزيهة.. وأمى رتيبة انتقلت إلى «دكرنس» للعيش مع خالى بعد زواج أخى سامى من ابنة نقيب المحامين

    - الضابط حسن حسنى قدم نفسه بوصفه من البوليس السياسى واستطاع إيقاعى فى المصيدة وسألنى: كيف جعلت اليهود يقبلونك كيهودى وأنت فى حجز الإسكندرية؟

    - - «كنت إنسانًا عاش شخصيتين فى آن واحد.. ولست آسفًا على شىء.. وإذا تطلعت إلى الفترة التى عشتها فى إسرائيل أستطيع أن أقول إننى قدمت أروع أداء

    - كنت مقتنعاً بأتنى أعمل الصواب من أجل مصر وشعبها - هكذا يخاطب «جاك بيتون»، أو «رأفت الهجان»- كلا الاسمين لشخص واحد اسمه الحقيقى «رفعت الجمال»

    - زوجته الألمانية «فالترا ود بيتون»، فى رسالته التى كتبها إليها حين علم بمرض السرطان فى أكتوبر 1981، وتأكد أنه لن يبقى على قيد الحياة أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر.



    كتب الرسالة وسلمها إلى محاميه، وأوصى ألا تفتح إلا بعد ثلاث سنوات، ونقرأ فيها قصة عشق لمصر. يتحدث عن مولده فى الأول من شهر يوليو عام 1927 فى مدينة دمياط، يكشف كل شىء عن حياته، هو فيها يجلس على كرسى الاعتراف، يتحدث عن حقيقته، وفيها المعلوم لأسرته والمجهول الذى لا يعرفه إلا هو، وجهاز المخابرات المصرية.

    فى الرسالة المكونة من 70 صفحة باللغة الإنجليزية، سنجد ردودًا مفحمة ضد كل من يتحدث عنه بوصفه عميلًا مزدوجًا لمصر وإسرائيل، سنجد فيها ردودًا واضحة وقاطعة على قول الفريق «رفعت جبريل»: «أؤكد أن العميل لا يستمر أكثر من أربع سنوات وبعدها يصبح عميلًا مزدوجًا للطرفين أو يتم استبداله»، سنجد ردودًا قاطعة على قول الفريق جبريل: «ساعده الإسرائيليون كثيرًا، وكانت له استثمارات عديدة فى أوروبا فيما بعد»، سنجد قدرة مدهشة من جهاز المخابرات فى تجنيده وزرعه بعد تدريبه بحرفية عالية، مع العلم أن فكرة زرعه جاءت فى توقيت مبكر ومع بدايات نشأة الجهاز، ولو أعدنا قراءة القصة مع مقارنتها مع قصة الجاسوس «إيلى كوهين» الذى زرعه جهاز الموساد فى سوريا عام 1962 باسم «كامل أمين ثابت»، فى تجربة مشابهة لتجربة «رفعت الجمال» لوجدنا فرقًا كبيرًا ونجاحًا عظيمًا لمخابراتنا، فـ«كوهين» تم كشفه بواسطة المخابرات المصرية، وأبلغت سوريا به بعد أن أوصلته صادقته بالرئيس السورى أمين الحافظ إلى فتح أى أبواب مغلقة فى سوريا.



    فى الحديث عن طفولته وأشقائه يقول: «كان أبى تاجر فحم بالجملة وشخصية محترمة، لها مكانتها، ويحمل لقب أفندى، واسم العائلة «الجمال»، وهو اسم المؤسس لها، والذى استقر فى دمياط منذ أجيال مضت، وتهيأت له فيها حياة ميسورة بفضل تجارة الجمال، ومن هنا جاء اسم العائلة»، يضيف: «أمى رتيبة تنحدر من أسرة راقية، كانت امرأة عصرية تتحدث الإنجليزية والفرنسية اللتين تعلمتهما فى إحدى المدارس الخاصة». يتحدث عن مدرسته فى دمياط: «كنت شيطانًا صغيرًا، لم تواجهنى مشاكل تذكر فى المدرسة التى التحقت بها، وكانت مدرسة خاصة مجاورة لمسجد عبدالغنى المقابل لقسم أول شرطة، كنت كسولًا إلى حد ما».

    يتحدث عن أشقائه «سامى» و«لبيب» و«نزيهة» التى أحبها كثيرًا، وزواجها من الملازم أول «أحمد شفيق»: «أختى نزيهة امرأة ذات قلب طيب وحنون، التحقت بمدرسة البنات الوحيدة فى المدينة وهى مدرسة خاصة، إننى أحبها كثيرًا جدًا، إذ كانت دائمًا طيبة جدًا معى، حتى عندما تحتدم المنازعات بينى وبين سامى ولبيب»، ويذكر أن أمه انتقلت إلى «دكرنس» حيث يعيش أخوها، وذلك بعد أن قرر «سامى» الزواج من ابنة «محرم فيهم»، رئيس نقابة المحامين.

    يتحدث عن هوايته للسينما وقتئذ: «من خلال السينما اتسعت مداركى ومعارفى عن التاريخ، مثلما عرفت منها الكثير من الأعمال الأدبية والعالمية، وأصبحت السينما مدرستى الثانية».



    عشقه للسينما دفعه إلى الذهاب إلى استديوهاتها حتى قادته الصدفة إلى ظهوره مع الممثل اللبنانى «بشارة واكيم» فى دور صغير فى أحد أفلامه، ثم ظهوره فى فيلمين عامى 1945 و1946، ويشرح تنقله من وظيفة إلى أخرى، وسفره من الهند إلى نيويورك وليفربول فى بريطانيا، ومرسيليا وباريس، حتى فقد وثيقة سفره، مما اضطره إلى عمل وثيقة مزورة باسم «شارلز دينوت»، صحفى سويسرى، ثم جواز سفر آخر باسم «دانييل كالدويل»، بريطانى الجنسية، وبواسطته عبر الحدود مع ليبيا وبعد 20 ميلًا التقى بدورية عسكرية بريطانية، فأوقفه ضابطها، وسأله عن جواز سفره فناوله إياه بثقة.

    - سأله الضابط: هل أنت دانييل كالدويل؟
    أجاب دون اكتراث: «نعم»
    - سأله الضابط: هل يمكن أن أراجع الوثائق الأخرى.
    ناوله كل الأوراق، ففحصها الضابط ليعيد عليه السؤال.
    - هل أنت دانييل كالدويل؟ نعم.
    - إذن من أين لك بهذه الشيكات السياحية التى تحمل اسم «رفعت الجمال»، فمن صاحبها؟
    أنا. كان هذا التضارب بين كونه يحمل وثيقة سفر باسم «دانييل كالدويل»، وبين حمله شيكات باسم «رفعت الجمال»، وقوله إنه صاحبها مدعاة لشكوك قوية من الضابط الإنجليزى نحوه،
    فقال له الضابط: حيث إنك قادم من الحدود المصرية فسوف اضطر إلى إعادتك إلى السلطات المصرية؟
    كان سؤال رفعت الجمال: «وماذا بعد؟»
    - رد الضابط: إما أنك رفعت الجمال المصرى، أو دانييل كالدويل البريطانى، أم أن لديك رأيًا آخر، ربما كنت جنديًا فارًا من الجيش، فكثيرون من الجنود البريطانيين يفرون من وحداتهم بالإسكندرية، وواجبى التحرى عنك فى لندن، لكن لدى انطباع بأنك لست بريطانيًا ولا مصريًا، أظن أنك يهودى مصرى، وواحد من الكثيرين اليهود الذين يحاولون شق طريقهم من مصر إلى إسرائيل، إنك مجرد «ديفيد آروتسون» (مؤسس شبكة تجسس يهودية انتشرت فى كل البلاد التابعة للإمبراطورية العثمانية).



    هكذا يبدأ «رفعت الجمال» أول خطوة نحو المستقبل، حيث تمت إعادته إلى الإسكندرية لتبدأ رحلة البحث عمن يكون، «رفعت الجمال» أم «دانييل كالدويل»، أم «ديفيد آرتسون»؟ من قسم البوليس بالإسكندرية تبدأ الرحلة، يبقى فى حجزه أيامًا، كان معه فى الحجز أصناف أخرى من البشر المتهمين فى قضايا أخرى، ومن بينهم يهود، ثم يتم ترحيله إلى القاهرة، وفى التحقيق معه يظهر أمامه ضابط من البوليس السياسى اسمه «حسن حسنى»

    - هكذا يذكر اسمه «رفعت الجمال» فى رسالته إلى زوجته
    - قال الضابط حسنى: «لا أستطيع أن أخاطبك باسمك لأننى لا أعرف من أنت فيهم».
    وبين أخذ ورد ينتهى الأمر بينهما بقول الضابط حسن: «أود أن أغلق قضيتك، فلا يوجد بلاغ عن سرقتك جواز سفر بريطانيًا، ولا أستطيع أن أفسر كيف ظهر فى ملفك أنك يهودى، ثم إن رفعت الجمال لا توجد اتهامات ضده، سأدعك تخرج، ولكن أريد أن أعرف حقيقتك».

    على هذا النحو تحدث «رفعت الجمال» عن حقيقته، وبعد أن استمع إليه الضابط «حسنى» باهتمام قال له: «قد تكون إنجليزيًا أو يهوديًا أو مصريًا، غير أن ما أثار اهتمامى كثيرًا بشأنك هو أن أحد رجالنا الذين دسسناهم بينكم فى حجز إسكندرية أفاد بأن جميع النزلاء اليهود الآخرين اعتقدوا عن يقين أنك يهودى». واصل حسن حسنى: «يجب التزام الحذر، أعداء الثورة يريدون دفع مصر مرة ثانية إلى طريق التبعية للأجانب وكبار الملاك الزراعيين، وهذا موضوع آخر، فأنت إنجليزى لا يعنيك هذا فى كثير أو قليل، وأنا على يقين من أنك لا تضمر الكراهية للشعب المصرى».

    نزل هذا الرد على «الجمال» كقطعة من الجمر، كان يقصدها «حسن حسنى»، تصرف معه باحترافية كبيرة حتى يصل معه إلى ما يريده، ويعترف «الجمال» بذلك قائلا: «انفجرت فجأة قائلاً: هذه إهانة، أنا مصرى وحريص كل الحرص على مصر وشعبها».



    يضيف «الجمال»: «ما إن انتهيت من ثورتى الغاضبة حتى أشعل سيجارته، وابتسم ابتسامة المنتصر، وعندئذ عرفت أننى وقعت فى المصيدة التى نصبها لى، عرفت أنه انتصر على، فقد استفزنى إلى أقصى الحدود ليجعلنى أظهر على حقيقتى، واستطاع ببضع كلمات عن أعداء مصر أن يجعلنى أكشف عما أخفيه».

    - أخذه الضابط «حسن حسنى» بهدوء، لينقله إلى موجة أخرى، كان يبدو أن «رفعت» يحتاجها، ويبدو أن الضابط يرميها كطعم سنارة يحملها، تطابقت مقاصد الاثنين وإن اختلفت أهداف الاثنين، قال له: «رفعت أنا فخور بك، أنت مصرى أصيل، ولكن أطلب منك أن تخبرنى شيئًا واحد، وبعدها سأعترف لك عن السبب فى وجودك هنا، وأنى مهتم بك أشد الاهتمام، قل لى يا رفعت: كيف جعلت اليهود يقبلونك كيهودى؟. أجاب الجمال، شرح كل شىء، انصت «حسن حسنى» باهتمام لكل كلمة، فالقصة ستعنى أشياءً كثيرة، وتفاصيلها ستكون أساسًا متينًا لبناء قادم، يقول الجمال فى رسالته لزوجته: «شرعت أحكى كل شىء من البداية، كيف قابلت كثيرًا من اليهود فى استديوهات السينما، وكيف تمثلت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلًا، وحيكت له عن الفترة التى قضيتها فى إنجلترا وفرنسا وأمريكا ثم أخيرًا فى مصر، بسطت له كل شىء فى صدق أمامه، شرحت أننى مجرد مهرج ومشخصاتى عاش فى التظاهر ومثل كل الأدوار التى دفعته إليها الضرورة ليبلغ ما يريده فى حياته». - كيف كان رد فعل ما ذكره «الجمال» على «حسن حسنى؟»، يجيب «الجمال»: «بعد أن فرغت من كلامى، قال لى أنت إنسان مذهل، لقد اكتسبت فى سنوات قليلة خبرة، أكبر بكثير مما اكتسبه شيوخ على مدى حياتهم، أنت بالضبط الشخص الذى أبحث عنه، يمكن أن نستفيد منك استفادة حقيقية. سأل «الجمال»: ما الذى تريده منى؟ قال «حسن حسنى» ما يريده، قدم عرضه، أعطى فى هذه اللحظة ملامح نظام سياسى قادم، ومع ملاحظة أن هذا الحوار دار عام 1953 أى بعد ثورة يوليو بنحو عام، سنكتشف أن القصة كانت تمهدا لعمل فريد من نوعه يدخل به جهاز المخابرات المصرى أثناء نشأته إلى هذا العالم بقوة، ومن يعود إلى سيرة مؤسسى هذا الجهاز سيتأكد أن وراء كل واحد منهم تاريخًا وطنيًا رائعًا، تجسد فى أدوار معظمهم فى المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزى فى منطقة قناة السويس قبل ثورة يوليو وبعدها، حتى جلاء الاحتلال عام 1954، وفى كتاب «حرب التحرير الوطنية» لأحد هؤلاء العظام وهو «كمال الدين رفعت» الكثير من الأمثلة التى كان طابعها سريا، وفيها عملاء وجواسيس، قام بها ببطولة رائعة الكثير ممن أسسوا جهاز المخابرات.

    تأسس الجهاز عام 1954 غير أن فتحى الديب يأتى بصورة فى كتابه «عبدالناصر وتحرير المشرق العربى» عرفها بأنها تمثل أول دفعة للمخابرات العامة بعد توزيعهم على وإجباتهم عام 1953، حيث كلف جمال عبدالناصر، زكريا محيى الدين بتأسيس الجهاز، وفى الصورة «فتحى الديب، مصطفى مختار، أحمد كفافى، سعد عفرة، مصطفى المستكاوى، محمد شكرى، سعيد حليم، عبدالقادر حاتم، لطفى واكد، كمال رفعت، فريد طولان، سامى شرف، إبراهيم بغدادى، محمد فايق، محمود عبدالناصر، جمال الشناوى» ولحق بهم «عبدالمحسن فايق» وهو الضابط الذى خطط للعملية وبحث عن الشخص المناسب لها ثم وجده فى «رفعت الجمال» و«محمد نسيم» الضابط الذى سيعيد «الجمال» إلى بريقه بالتدريب، وفى الدفعة التالية، انضم «عبدالعزيز الطودى» و«عبدالعظيم هندى»، و«الطودى» كان اسمه «عزيز الجبالى» فى مسلسل «رأفت الهجان»، وهو الرجل الذى أعاد «الجمال» إلى وظيفته التى ذهب من أجلها إلى إسرائيل، وذلك بعد أن تم إهماله.

    يقول الديب عن مرحلة تأسيس الجهاز: «باشرنا العمل كل فى نطاق اختصاصه، معتمدين على أنفسنا لا نجد من يزودنا بخبراته، لا من الألمان، ولا الأمريكيين أو الإنجليز أو الروس، كنا قلة من الضباط وانبرى كل منا يعمل فى قطاعه فى نطاق خطة وضعها لنفسه فى إطار من الهواية المحببة، معتمدين على حس خاص اكتشفه فى أشخاصنا جمال وزكريا».

    يضيف «الديب»: اتسمت تجربة جهاز مخابراتنا بالخصوصية المصرية، واتخذ أسلوب عملنا إطارًا جديدًا ظل خافيًا عن أعين الأعداء، الأمر الذى ساعدنا فى تحقيق كثير من الانتصارات بعدما مكننا من التصدى وبكل قوة وحسم لكل محاولات التسلل والرقابة التى حاولوا فرضها علينا للحد من قدرتنا على التحرك». أعود إلى ما يذكره «الجمال» لزوجته فى رسالته، ويشرح فيها طبيعة العرض الذى قدمه إليه الضابط «حسن حسنى». وغدًا نستكمل.


  5. #5
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية بريف هااارت
    الحالة : بريف هااارت غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 12487
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    المشاركات : 25,200

    افتراضي

    الحلقة الأخيرة.. عبدالعزيز الطودى المشرف على عملية «الجمال»: كنا نراه ونتابعه فى إسرائيل وكأننا فى غرفة واحدة..المخابرات دربته باحترافية عالية.. وأطلقت عليه اسم «جاك بيتون» ثم زرعته فى الطائفة اليهودية بالإسكندرية

    الخميس، 02 أكتوبر 2014 - 11:37 ص


    رفعت الجمال


    المخابرات دربته باحترافية عالية.. وأطلقت عليه اسم «جاك بيتون» ثم زرعته فى الطائفة اليهودية بالإسكندرية حتى سفره إلى إسرائيل

    - تقمص شخصيته الجديدة بنجاح حتى تزايدت ثقته بنفسه واقتنع بأنه يهودى.. وكشف تنظيم تهريب الأموال من مصر بقيادة اليهود

    - رفعت الجمال يكشف شبكة «الوحدة 131» التى أسستها إسرائيل وأعدت لتفجيرات ضد المصالح الأمريكية فى مصر - تسلم «رفعت الجمال» وثائقه الجديدة باسمه الجديد وديانته اليهودية، وتوجه إلى الإسكندرية ليبدأ أول خطوة فى عالمه الجديد



    كنا نراه ونتابعه فى إسرائيل وكأننا نجلس معه فى غرفة واحدة».. هذا القول القاطع قاله لى المحامى البارز عمر حجاج، نقلًا عن ضابط المخابرات «عبدالعزيز الطودى» الذى تولى الإشراف على عملية «رأفت الهجان» منذ عام 1957، وظهر فى مسلسل «رأفت الهجان» باسم «عزيز الجبالى»، وكانت صداقته القوية مع «عمر حجاج»، لها دور فى خروج رواية «صالح مرسى» التى تحولت إلى مسلسل.

    - هذا القول هو رد قوى على المزاعم التى ذكرها الفريق رفعت جبريل بأن «رفعت الجمال» أو «رأفت الهجان» كان عميلًا مزدوجًا، وهو الرأى الذى يتطابق مع مزاعم إسرائيل التى تروجها حتى تدارى خزيها وعارها مما فعلته المخابرات المصرية بزرع «الجمال» عندها طوال 18 عامًا دون أن يتم الكشف عنه. أعود من متابعة المخابرات المصرية لـ«رفعت الجمال» أو «جاك بيتون» فى إسرائيل، إلى متابعتها له فى مصر خلال مرحلة إعداده لدوره الكبير، وذلك من واقع مذكرات «رفعت الجمال» التى تسلمتها زوجته بعد رحيله بـ 3 سنوات.



    بعد أن شرح «رفعت الجمال» للضابط «حسن حسنى» لماذا يثق فيه اليهود، قال له الضابط، يمكن أن نستفيد منك استفادة حقيقية، فسأله «رفعت»: منى أنا؟، فرد «حسن حسنى»: «كما قلت لك من قبل هناك مشكلات كثيرة تواجه مصر، وتوجد أيضًا فى مصر رؤوس أموال ضخمة يجرى تهريبها، والملاحظ أن كثيرين من الأجانب وخاصة اليهود هم الذين يتحايلون ويهربون رؤوس الأموال، إسرائيل تأسست منذ 5 سنوات، وهناك كميات ضخمة من الأموال تتجه إليها، ونحن ببساطة لا نستطيع معرفة حيل الفرق التى تخطط وتنفذ ذلك، ونريد أن نغرس شخصًا بينهم، يكسب ثقتهم ويكشف حيلهم لمعرفة القنوات التى تهرب هذه الأموال، وأنت الشخص المثالى لهذا، ولو قبلت سوف يتم تدريبك، وإيجاد قصة جيدة الإحكام لتكون الغطاء، وبعدها نضعك فى المجتمع اليهودى بالإسكندرية».

    وماذا يعود علىّ من هذا ؟، هكذا سأل «رفعت الجمال» الضابط «حسن حسنى».



    أجاب «حسن» أنه سيتم محو ماضى «رفعت الجمال» تمامًا، وإسقاط جميع الإجراءات القضائية ضدك، بسبب جوازات السفر المزورة والبيانات الشخصية عن الأسماء المزورة، وإسقاط أى تهم ضدك، وتستعيد قيمة شيكاتك السياحية، وتختار الاسم الذى تتخذه لنفسك وتعيش كيهودى.

    تعامل «حسن» على أنه يقدم صفقة، ولهذا اختتم عرضه بالقول: «هل نعقد الصفقة معًا؟»، فسأله «رفعت»: «هل لى حق الاختيار؟»، فرد «حسن»: «من حيث المبدأ لك الخيار، فإذا كنت اعتدت على حياة السجن، فمن المؤكد أنك تستطيع اختيار هذا الآن، لأن السجن سيكون هو مكانك ومآلك زمنًا طويلًا ما لم تسقط الاتهامات ضدك».

    قبل «رفعت الجمال» العرض، وبدأت عملية تدريبه، يشرحها «رفعت» على نحو مفصل يجعلنا نتعرف على ملامح العمل المخابراتى فى مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952، يقول: بدأت فترة تدريب مكثف، شرحوا لى أهداف الثورة، وفروع علم الاقتصاد، وسر نجاح الشركات متعددة القوميات، وأساليب إخفاء الحقائق بالنسبة لمستحقات الضرائب، ووسائل تهريب الأموال، وتعلمت عادات اليهود وسلوكياتهم، وتلقيت دروسًا مكثفة للغة العبرية، وتاريخ اليهود فى مصر وأصول ديانتهم، وعرفت كيف أميز بين اليهود «الأشكناز» و«السفارد»، وحفظت عن ظهر قلب الشعائر اليهودية، وعطلاتهم الدينية حتى أننى كنت أرددها وأنا نائم، وتدربت على كيفية البقاء على قيد الحياة معتمدًا على الطبيعة فى حالة إذا ما اضطرتنى الظروف إلى الاختفاء فترة من الزمن، وتدربت بعد هذا على جميع عادات الشرطة السرية للعمل بنجاح متخفيًا، وأخيرًا تقمصت شخصيتى الجديدة حتى أصبحت «جاك بيتون» المولود فى 23 أغسطس عام 1919 فى المنصورة «أصبح أكبر من سنه الحقيقى» من أب فرنسى وأم إيطالية، وأسرتى تعيش فى فرنسا بعد رحيلها من مصر وكانت أسرة ميسورة، وديانتى يهودى «أشكنازى».



    تسلم «رفعت الجمال» وثائقه الجديدة باسمه الجديد وديانته اليهودية، وتوجه إلى الإسكندرية ليبدأ أول خطوة فى عالمه الجديد، ويحقق منها نجاحاته، كان على عهد «حسن حسنى» به، ومن هذه الخطوة لم يعد «رفعت الجمال»، إنما «جاك بيتون». عثر على شقة فى الإسكندرية فى حى يكثر فيه اليهود، والتحق بوظيفة كاتب فى إحدى شركات التأمين، يقول: «تزايدت ثقتى فى نفسى، وبدأت أقتنع بأننى يهودى». كانت قناعته بأنه أصبح يهوديًا بمثابة المرحلة الكبرى فى عمله، فمسألة التوحد النفسى مع الدور تعطى حامله مصداقية، دخل «الجمال» مرحلة وداع أصله، ليعتنق الوافد الجديد عليه ويتطابق معه، يقول إنه قابل بعد فترة «ليفى سلامة» الذى زامله فى السجن وقتما كان نزيلًا به فى فترة سابقة باسم «ديفيد آرنسون»، وتبادل التحية كصديق وقدمه «سلامة» إلى أصدقائه، ويضيف: «كنت على يقين أنه صدقنى وسلم بأن هذه حقيقتى، وبذلك كان مفتاحى لقلب الطائفة اليهودية، وحيث إننى لم أكن قلت له اسمى من قبل فلم أجد مشكلة فى تقديم نفسى له باسم جاك بيتون».



    بعد ثلاثة أيام اصطحب «ليفى سلامة» «رفعت الجمال» ليعرفه بـ«مارسيل نينو» وكانت تزور القاهرة، كانت امرأة شابة وجذابة، يقول «الجمال»: كان واضحًا لى القصد من اللقاء، كانت تتفحصنى بقوة، وحيث إننى كنت أعرف الهدف جيدًا، اجتهدت وسارت الأمور على ما يرام، لعبت عليها، وبدأت علاقتى معها، وسرعان ما كسبتها إلى صفى، وقدمتنى إلى رجل كان يعمل لحساب المجموعة اسمه «إيلى كوهين»، أبواه من سوريا، ولذا كان يتحدث العربية بلكنة سورية، وهو يهودى وعضو له مكانته وسط الطائفة اليهودية فى الإسكندرية، وأصبحنا صديقين نقضى معا أوقاتًا طويلة (لا يوضح الجمال فى مذكراته إن كان كوهين هو الذى تم ضبطه فيما بعد فى سوريا كجاسوس لإسرائيل، وإن كان سرد الأحداث يوضح أنهما شخصيتان مختلفتان).



    بعد الثقة التى حظى بها «جاك بيتون» أو «الجمال» قال لـ«ليفى سلامة» إنه يريد أن يخرج مبلغًا كبيرًا من أموال الأسرة إلى الخارج، فتلقف الفكرة على الفور وجاء بعروض عديدة رفضها «الجمال»، يقول: كانت حجتى أنها عروض غير جادة، وبالطبع كنت أبلغ كل ذلك إلى «حسن حسنى» بانتظام.

    حاول «الجمال» أو «جاك بيتون» أن يتعقب «ليفى سلامة» حتى يكتشف قنوات نشاطه وأسلوب عمله، وعرف أن التنظيم يرأسه رجل أعمال إنجليزى من سويسرا اسمه «جون دار لنج»، يقول: «تلقيت من حسن حسنى مبلغًا كبيرًا من المال لأسلمه إلى سلامة، ونجحت الخطة ووضع حسنى «سلامة» تحت المراقبة، وتم القبض على كل المنظمة متلبسة فى مصر، ولم يكتشف أحد أمرى وقمت بدور الضحية، إذ بدوت فى صورة شاب خسر ثروته بسبب سلامة».



    كانت هذه العملية «ضربة معلم»، تأكد منها براعة تخطيط الضابط «حسن حسنى»، وقدرة «الجمال» الفائقة ؟، وفى الإجمال بشائر عظيمة لجهاز المخابرات المصرية الذى سيدخل إلى العملية الثانية، وتبدأ من حيث قول «الجمال»: «نجح الغطاء الذى كنت أتخفى تحته، وتلقيت تعليمات للتأكد من حقيقة إيلى كوهين، أصبحنا صديقين بمرور الوقت، ووثق كوهين بى وائتمننى على أسراره، واكتشفت أنه نشيط جدًا فى مناهضة البريطانيين، وأنه يساعد اليهود للهجرة من مصر إلى إسرائيل، وعرفت أنه عضو نشيط لحساب مجموعة «العالياة بيت» المسؤولة عن تنظيم عمليات الهجرة إلى إسرائيل».



    متانة العلاقة بين «الجمال» و«كوهين» سيكون لها الفعل الكبير والمؤثر فى الوصول إلى الوحدة «131» المسؤولة عن فضيحة «لافون» التى جرت عام 1954، وبالرغم من أن هذه القضية كانت زلزالًا كبيرًا فى حينها، وتظل من العمليات الكبرى فى محيط التجسس والتخريب الصهيونى فى مصر، فإن دور «الجمال» فيها لم يتم الكشف عنه إلا حين تم الكشف عن قصته كلها، ووقائع ما حدث كما يرويه «الجمال» دارت على النحو التالى: يروى «الجمال»، أنه فى عام 1953 كان ضمن مجموعة كولونيل «أفراهام دار» ومعى «إيلى كوهين»، ونظرًا لوجود مجموعات مماثلة لهذه المجموعات فى البلدان العربية الأخرى، فقد أطلق على هذا التنظيم الموجود فى مصر اسم «الوحدة 131»، ويضيف: «كنت ما أزال مرتبطًا بمارسيل التى انضمت هى الأخرى إلى المجموعة، وكانت خطة المجموعة هى إفساد العلاقة بين مصر وأمريكا عن طريق قيام المجموعة بأعمال إرهابية تنفذها الوحدة 131، وتقرر أن توجه جميع الأنشطة ضد المؤسسات الأمريكية فقط، ويفضل أن تتم أثناء الليل حتى يتسنى القبض على أكبر عدد».

    كان الضابط «حسن حسنى» قد ترك «الجمال» وسلمه إلى الضابط «على غالى»، هكذا يأتى اسمه فى المذكرات، وكان «غالى» مسؤولًا عن نشاط الجاسوسية والجاسوسية المضادة فى مصر، وتولى هو متابعته فى قضية «الوحدة 131» والتى اشتهرت تاريخيًا باسم «فضيحة لافون».



    كان «الجمال» يبلغ تطورات الموقف أولًا بأول لـ«غالى» الذى طلب منه أن التريث لمعرفة أكبر قدر من المعلومات حتى يتسنى القبض على أكبر قدر ممكن من أعضاء «الوحدة 131»، ويقول: «اكتشفت فى هذه الأثناء أن «ماكس بينيت» الشخصية اليهودية البارزة فى دوائر اليهود المصريين هو ضمن أعضاء المخابرات الإسرائيلية «الأمان»، وأنه على اتصال كذلك بالوحدة 131، ونشيط جدًا، وأن الوحدة خططت للعديد من العمليات التفجيرية بالقنابل فى القاهرة والإسكندرية على أساس أن يتم التنفيذ فى يوليو 1954، ذكرى ثورة يوليو 1952».

    أبلغ «الجمال» الضابط «غالى» بكل شىء، وبأماكن وجود أعضاء «الوحدة 131» ليلة الحادث، كانوا قد وضعوا القنابل فى المواقع المحددة لها ولكن لم تنفجر، وألقى القبض على 14 عضوًا من أعضاء الوحدة، وتم القبض على «ماكس بينيت» فى بيته، يقول «الجمال»: «اعتقلونى أيضا حيث كنت مع إيلى كوهين فى نفس الليلة، ولم يشأ غالى أن تنكشف حقيقتى، كان «بينيت» صيدًا ثمينًا، وأحيط أمر اعتقاله بالكتمان، وانتحر فى السجن قبل تقديمه للمحاكمة، حوكم أعضاء الوحدة 131، وصدرت ضدهم أحكام مختلفة، تمثلت فى الإعدام شنقًا لاثنين، والسجن 15 عامًا لمارسيل وشخص آخر، و7 سنوات لاثنين آخرين وبراءة الباقى، وأطلق سراحى أنا وإيلى كوهين، لأننا لم نكن عضوين لهما حيثية تذكر، ولم يكن هناك ما يديننا، وتلقينا إنذارًا بالطرد فى حالة وقوع اعتداء آخر، وأدى اعتقال «ماكس بينيت» وتدمير الوحدة 131 إلى وضع نهاية مفاجئة لنشاط التجسس والتخريب الإسرائيلى فى مصر خلال تلك الفترة».



    أحدثت القضية صدى عميقًا فى إسرائيل، وثارت شكوك بأن عضو من مجموعة « أفراهام دار» فى إسرائيل هو الذى أفشى للسلطات فى مصر أمر «الوحدة 131»، واتجهت الشكوك إلى «بول فرانك» الذى كان خارج إسرائيل وقتئذ، وما إن عاد حتى قبض عليه وأودع السجن لمحاكمته، وصدر ضده حكم بالسجن 12 عامًا، يقول الجمال: «استغربت عندما سمعت بذلك فى فترة تالية، خاصة أننى الذى كشفت العملية».

    زلزال القضية فى إسرائيل كان عنيفًا، ليس لكونها تتعلق بالتخريب فى مصر فقط، إنما لأن هدفها الرئيسى كان العلاقات المصرية مع أمريكا، وكان توقيتها حرجًا، فثورة يوليو كانت فى بدايتها، وأرادت إسرائيل أن تقطع أى مجال يدعم علاقة مصر بأمريكا بعد الثورة، ومن هنا تأتى قراءة هذا الحدث، ويأتى أهمية ما فعله «رفعت الجمال»، وكان من آثار هذا الزلزال فى إسرائيل استقالة «بنحاس لافون»، وزير الدفاع الإسرائيلى، الذى أنكر معرفته بالقضية، وعرفت باسمه، وعاد «بن جوريون» من جديد لتسلم رئاسة الوزراء بعد أن كان اعتزل من قبل.

    المثير فى هذه القصة أن «مارسيل نينو» التى عرفها واقترب منها «الجمال» عاشت فى إسرائيل، وتزوجت وعمرها 45 عامًا عام 1975 وحضر زواجها «جولدا مائير» رئيسة الوزراء الإسرائيلية حتى حرب أكتوبر 1973، و«موشى ديان» وزير الدفاع وقتئذ أيضًا، كانت «مارسيل» تعيش فى إسرائيل بوصفها إسرائيلية، فى نفس التوقيت الذى كان يعيش فيه «رفعت الجمال» باسم «جاك بيتون»، وبينما كانت الأولى تعيش على ذكريات «فضيحة لافون»، كان «بيتون» يعيش ليمد وطنه مصر بالمعلومات المهمة عن إسرائيل.



    قبل أن يسافر «الجمال» إلى إسرائيل كان قد أنجز مهمتين، الأولى كشفه تنظيم تهريب الأموال من مصر الذى يقوم به يهود، وكشفه لـ« الوحدة 131» التى كانت تخطط لتفجيرات فى مصر بتدبير من إسرائيل. وفى إسرائيل كانت رحلته التى استمرت 18 عاماً من النجاح المتواصل، وأصبح صديقاً لـ«ديان» و«جولدا مائير» وأبلغ مصر بحربى 56 و67 و73 دون أن يتم كشفه من إسرائيل.


    التعديل الأخير تم بواسطة بريف هااارت ; 03-10-2014 الساعة 05:35 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •