كعادته في مثل هذا اليوم من كل أسبوع و قبيل غروب الشمس, كان "البحر" ينتظر صديقه الذي عوده علي لقاء خاص يستمتع كل منهما فيه بحديثه مع الآخر.
- كنت أؤمن أني أعرفها تماما...أفهمهما جيدا....كم غصت في أغوار نفسها ...استخرجت من داخلها لأليء لم تكن هي تعلم بوجودها قبل أن أكتشفها.

هكذا بدأ "علاء" حواره مع "البحر" الذي كان يستمع إليه منصتا...استطرد علاء قائلا:
- عرفتها كما لم تعرف نفسها. هل كنت مخطئا حين آمنت أني أفهمها تماما كما أفهم نفسي...هل أخطأت حين اعتقدت انها قادرة علي أن تفهمني تماما؟!!!

ابتسم "البحر" ثم قال ساخرا:
و هل حقا أنت تفهم نفسك تماما؟!

تعجب "علاء" من طرح صديقه لهذا السؤال و خاصة مع هذه الابتسامة الساخرة, فرد بابتسامة هو الآخر:
- عشت مع نفسي فوق الثلاثين عاما ...فهل تظن أني لم أفهمها بعد !!
ثم استطرد بوجه أكثر جدية قائلا:
- أنا لا أتجمل أمام مرآة نفسي...لا أكذب عليها...دائما أواجه نفسي بعيوبي و أخطائي...و أعلم أيضا مواطن قوتي و تألقي...فكيف يكون غريبا أن أقول أنني أفهم نفسي تماما؟!!

ابتسم "البحر" مرة ثانية و لكن هذه المرة دون أي سخرية قائلا:
يا صديقي العزيز..عشت آلاف السنين و إلي الآن لم أجرؤ أن أخدع نفسي بأني قد فهمت كل شيء عن ذاتي...لا زالت أندهش حينما أتأمل غضبي و هدوئي....أتعجب كثيرا و أنا أشاهد أمواجي تخضع مستسلمة لمزاج القمر مدا تارة و جزرا تارة أخري بينما أنا و كما تعلم أفيض عزة و كبرياءا....أنظر إلي نفسي متسائلا كيف و أنا الذي استودعه العاشقون أسرارهم و نجوي قلوبهم , أكون في كثير من الأحيان من يبتلع سفنهم و يكتب سطور الفراق في قصصهم.
صمت "البحر" لبرهة ثم قال: دعنا الان نلتحق بمراسم توديع الشمس فلا يليق بي أن أحادثك و أغفل عن هذا الحدث العظيم و لنكمل حديثنا بعد انتهاء المراسم.

انهمك "البحر" في طقوسه الخاصة بينما شرد علاء ناظرا بعينيه الي السماء غير عابئا بموكب الشمس المغادرة...و إذا به يري نفسه ينتقل إلي مكان اخر!

إنه يسير في حديقة منحها الربيع كامل سحره و جماله ...يداعب أنفه عبير زهور لم يعرف مثل روعتها من قبل فيسرع الخطي في اتجاه هذا العبير ليري نفسه محاطا بأزهار بيضاء رائعة الجمال...كان حريصا كعادته أن يحافظ علي حياة الازهار و ألا يؤذي هذه المخلوقات الجميلة التي تهبه السعادة.

ثم يري "طيارة ورقية" ملونة بألوان قوس قزح فيستيقظ الطفل بداخله ليركض خلفها لعله يتمكن من الامساك بخيطها المتدلي بالقرب من الارض ...يسرع إليه بينما يسمع صوتا يئن تحت قدمه فيلتفت إليه ليجدها زهرة جميلة بلون السماء الصافية قد التوي عنقها تحت وطأة حذائه الراكض نحو خيط "الطيارة الورقية".

بوثبة رشيقة استطاع أن يلتقط طرف الخيط ليشعر أنه قد امتلك العالم بين يديه فتلمع عيناه....لكن عيناه وقعتا علي ثلاثة ظلال لهم وجوه الذئاب و أجساد البشر يحيطون بطفلة تحتضن دميتها الي صدرها بشدة خائفة تبكي فأفلت خيط "الطيارة الورقية" ليهرع اليها و استل سيفه من غمده ليقاتلهم و قد أقسم أن يفصل رؤسهم عن أجسادهم لكن شرارة الغضب في عينيه أرعبتهم أكثر من بريق سيفه ففروا هاربين بلا أثر.

ضحكت الطفلة بفرحة و احتضنته فامتلأ قلبه بالدفء و الصفاء و الفرحة لفرحتها ..طبع قبلة أب حنون علي جبهتها ....نظرت إليه بعينيها البريئتين الرائعتين ثم قالت له : ما رأيك أن تلعب معي؟
ضحك قائلا: و لكن ما اللعبة ؟
ردت : أختبيء منك و تبحث عني.

وافق "علاء" و أحب أن يشاركها اللعب..أغمض عينيه ليمنحها فرصة الاختباء ثم فتحهما و راح يبحث عنها و هو سعيد باللعبة التي تسعدها...لكن بحثه عنها قد طال و طالت فترة اختبائها فتسلل القلق إلي قلبه و راح ينادي عليها في كل مكان ...يبحث عنها و الخوف يغرس أنيابه في فؤاده بلا رحمة ....لم يكف عن النداء و انطلقت دموعه فيضانا و قلبه الجريء يرتعش خوفا داخل صدره.

و إذا بها تعود إليه مرة أخري فيجتمع ضحكه و بكاءه في وقت واحد فيحتضنها مرة أخري فتطبع هي هذه المرة قبلة علي جبهته و تهديه دميتها و تودعه لتسير علي سلم خفي يمتد من الارض الي السماء تحيطها أشعة الشمس الذهبية.

فسألها متعجبا : من أنت ؟
ابتسمت قائلة: أنا "بنت الشمس".

استيقظ "علاء" ليجد "البحر" ناظرا إليه مبتسما كأنه كان يتأمله... و وجد الشمس قد جمعت آخر أشعتها لتسافر إلي مكان جديد....ووجد يديه مضمومتان فوق صدره و بينهما دمية "بنت الشمس".

بقلم
نشوي رجائي السماك