الاســـم:	mop.jpg
المشاهدات: 15
الحجـــم:	2.2 كيلوبايت

"الشبح"

يحمله بين يديه و يسير بخطي بطيئة مترددة نحو المكان الذي اختاره للحفرة التي طالما كان يحفرها ثم يردمها ليعود الآن ليكمل حفرها بعد أن يضع حلمه الذي يحمله بين يديه جانبا لدقائق حتي يستطيع أن يكمل الحفر... يحفر بكل قوته مسرعا فهو يخشي أن يتراجع هذه المرة أيضا عن قراره بأن يواري حلمه الثري لعله يرتاح بعد التخلص من الحلم الذي طالما صاحبه و أحبه و عاش به و عاش له و حارب من أجله.


انتهي من الحفر و توجه إليه ليحمله للمرة الأخيرة ثم يدفنه .....نظر إليه الحلم بعينيه البريئتين مستعطفا و مستنكرا قسوة هذا القرار...خلعت هذه النظرة قلب صاحبه و انطلقت دموعه فيضانا من عينيه و تعالي نحيب روحه المجروحة فاحتضن حلمه بشدة ليودعه ثم وضعه في الحفرة ليبدأ بإهالة التراب عليه و هو يبكي.

عاد إلي بيته و قلبه يحترق....نظر إلي وجهه في المرآة ليري وجها لم يعد يعرفه....و ألسنة نيران قلبه تتراقص في مقلتيه ....يراها في المرآة و يشعر بها.

كيف له أن يرتاح !!! أين يلتمس المفر من هذه النيران و هذه الآلام!!!
فقرر أن يعيش شبحا....لابد و أن الأشباح أكثر سعادة من الإنسان فهم لا يشعرون و لا يتألمون.

تحول بالفعل إلي شبح يسير بين الناس...لا يفرح و لا يحزن....لا يحب و لا يكره...لا يتألم و لا يرتاح.
لم تعد تطربه تغاريد البلابل أو تحرك فؤاده ترانيم الكروان....لم يعد يطارد الفراشات أو يلهو معها و لم يعد يغني للزهور في الربيع.
لم يعد القمر يروي له حكايات العاشقين ....لم تعد النجوم تلعب معه "الاسـتغماية" كما عودته.
لم يعد ينتظر ولادة النهار من رحم الليل كما اعتاد من قبل.....لم يعد من الاساس يشعر بالفرق بين الليل و النهار.
لم يعد يشعر بحلاوة الارتواء بعد الظمأ...لم يعد يشعر بذلك الاحساس الجميل الذي كان يسري في روحه عندما يلمس كف الرضيع.
لم يعد يستطيع أن يستمتع باسترجاع ذكرياته الجميلة التي جمعته بأصدقاء الطفولة و لم يعد يستطيع أن يشعر بالفرح يغمر قلبه حين يبتسم ثغر حبيبته.
لم يعد يستطيع أن يبكي ...اشتاق البكاء كما اشتاق الابتسام....اشتاق أن يعود إنسانا ....حياة الأشباح بشعة لم يعد يطيقها.

إنسان تخلي عن حلمه لابد و أن يصير شبحا...و حتي يعود إنسانا كان لابد أن يبحث مرة أخري عن حلمه و لا يعود الا به و لا يفارقه أبدا.

و تحت الثري يرقد حلمه حيا ينتظر عودته تؤنسه أحلام وأدها أصحابها كما فعل به صاحبه....إنهم يتسامرون تحت التراب....يواسون أنفسهم بأن الأحلام لا تموت أبدا حتي و إن دفنت....يموت البشر و لكن أحلامهم لا تموت.


بقلم:
نشوي رجائي السماك