صفحة 2 من 14 الأولىالأولى 123412 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 133

الموضوع: بناة الوطن ..مذكرات المهندس السوري حسين جنيدي

  1. #11
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (7)

    والدي:

    توفيق عيسى سعود الجنيدي:
    في بيت علم وأدب نشأ والدي، وفي مجتمع منفتح، العروبة فيه عنوان مهم، بل الأهم، وكان أديباً وشاعراً اشتهر برقة شعره وانسيابه وكأنه نبع صاف يجري في ديباجة رقيقة، وسحر محبب، وأود أن أشير إلى أن اسماء جدي وأبي كما عمي محمد موجودة في معجم البابطين لشعراء سوريا مع مقتطفات من أشعارهم، يمكن الاطلاع عليها من النت.
    درس في مدارس المنطقة وحصل على شهادة الدراسة الإعدادية ثم انتسب إلى معهد المعلمين باللاذقية فتخرج منه عام 1935، عين بعدها معلماً في قرى متفرقة، ليستقر في مدرسة قريتنا ثم في مدارس مدينة جبلة الساحلية.
    لقد شكَّلتُ عبءً عليه فقد أرسلني إلى طرطوس ثم إلى القاهرة ودمشق على نفقته، ورعاني كأفضل ما يرعى الوالد، وعانى ضائقات مادية خانقة، واستدان الكثير، ولم يكن يرضى لي إلا أفخم الثياب، وكنت أدخن وهذا شيء مكلف لمفرط في التدخين، وجميع هذا بالحب والرعاية والأمل.
    لقد كان والدي رحمه الله مناضلاً رائعاً وشاعراً موهوباً ومعلماً ممتازاً، وفي باكورة البعث كان قومياً أصيلاً، ثم ناصرياً مشهوداً له، وكلما تذكرته سأجد تخالفاً في الأحاسيس بين كونه والدي وبين وفاته المفاجئة، لا الحزن ولا الألم ولا التقدير والاحترام سيفونه حقه الكبير، لقد كان دائماً مصدر وحي وإلهام لي، وكنت وما زلت وسأبقى احترامه إلى درجة التقديس، وأطرب لذكره. وحينما كان مسجى أمامي ضاق بي الأفق، وغامت روحي بسيول الألم الذي لا يتحمله إلا رجل شجاع.
    كان معلماً معطاءً وقد علمني في الصف الخامس الابتدائي، ثم في الثاني الإعدادي، كان لا يستريح لحظة واحدة في الحصة، وقد أفاد تلاميذه كثيراً في اللغة العربية، وبفقده انقسمت روحي قسمين أحدهما هو العذاب بعينه.
    توفي رحمه الله في 2 شباط فبراير عام 1988 إثر حادث سيارة ، ودفن في قريتنا حلبكو إلى جانب والده.


  2. #12
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    ( 8 )

    والدتي:

    كانت ابنة عم والدي امرأة بسيطة، وعلى الأغلب أنها كانت مدللة في بيت جدي أبوها، وكان عملها الرئيس إنجاب الأطفال وتربيتهم، وما رأيتها إلا حاملاً أو مرضعاً لعقدين، أنجبت خلالها تسعة أطفال ثلاث بنات وستة ذكور، توفي اثنان منهما فتاة وطفل ذكر صغيرين وبقينا سبعة.
    إنه لعمل شاق أن تقوم أم بحمل تسعة أطفال وتربيتهم، بل إنه عمل مبهج يتعامل مع الحياة والوجود بمحبة وعاطفة صادقة.
    لم تكن شخصيتها الريفية الساذجة قادرة على السيطرة حتى ضمن البيت، فقد كانت جدتي ديكتاتوراً متحكماً بشؤون المنزل، وكان والدي يقدسها وهو وحيدها من الذكور والإناث فلم يكن لها غيره.
    لقد عانت والدتي من عقدة جدتي، وعانينا معها من كثرة الشكوى، وحينما توفيت جدتي عام 79 رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها جنة الرحمة والرضوان، تحررت والدتي، ولكنها أصبحت كالدول التي رحل عنها المستعمر حديثاً، لا تستطيع أن تعتمد على نفسها إلا بعد زمن.
    سأذكر نبذة عن ثياب والدتي وهي ثياب كل نساء جبال اللاذقية، نبدأ بفستان من القماش المخطط الجميل ، تحته سروال طويل إلى القدم، وكذلك الفستان، وتشد خصرها بزنار من الحرير الذهبي المقصب، وهو قماش طويل يلف على الخصر، وفوقه ما يسمونه صدرية وهي سترة ضيقة من المخمل الأسود تشد بأزرار، وعلى الرأس منديل حريري يصنع من فك شرانق دود القز الذي يعيش على ورق التوت، يربونه يرقات وعندما تحاول اليرقة التحول إلى فراشة تنسج حولها شرنقة، وهي التي تؤخذ وتفكك بآلة خاصة اسمها الدولاب، تحولها إلى خيوط تصنع منها المناديل، ويبلغ طول المنديل مترين، في حين لا يتجاوز عرضه الستين سم، ويزين المنديل بإطار من نفس خيوط الحرير، يحاك بالصنارة يزيد عرضه عن اثني عشر سم، ويصبح لون المنديل بعد الغلي المتواصل أبيضاً مائلاً إلى الصفرة، تلبس السيدة تحته ما تملكه من الحلى الذهبية تتدلى على جبينها وتضع في ثقب أذنها ما يسمونه ( خروصاً ) وهو قرط ذهبي مصنوع بدقة، وبأشكال مختلفة تتدلى إلى رقبتها، وإذا كانت الحلية التي تشبكها بشعرها وتتدلى على جبينها كبيرة سميت ناطوراً، وإذا كانت مجموعة من الليرات الذهبية المرتبطة بسلسال صغير سميت صفِّيَّة. وهناك في حلى الرأس مشبكاً من نفس الحلية لشبكه بالشعر فلا يسقط، وعلى أعلى الصدر تلبس عقداً ذهبياً وله أجراس مدلاَّة أو غير ذلك.
    توفيت والدتي رحمة الله عليها بعد وفاة والدي بعام، في 17 / 5 / 1989 . وكان رحيل الأبوين عن الأسرة مؤلماً وحزيناً في منزل لم يعتد على غيابهما. ولكن الدنيا هكذا فلا شيء يدوم.

  3. #13
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (9)

    عمي:
    يكبرني عمي محمد عيسى سعود جنيدي بأكثر من عشر أعوام، ولكننا عشنا صديقين، ولنقل معلمٌ وتلميذ، تجمعهما قرابة لصيقة، ورفقة حميمة.
    تخرج عمي من جامعة دمشق كلية الفلسفة عام 1952، ثم أكمل عاماً آخر حصل فيه على دبلوم في التربية، وعين بعدها مدرساً في دار المعلمين في حلب وأثناء وجوده بحلب قامت الثورة على الديكتاتور أديب الشيشكلي، ومن إذاعة حلب أذاع محمد جنيدي بيانات الثورة .
    ثمَّ انتقل إلى مدارس بلدة صافيتا، ثمَّ إلى بلدة جبلة، وانتقل عام 1964 إلى دمشق، مدرساً في دار المعلمين ، وكان يحاضر في جامعة دمشق في كلية الفلسفة مادة علم الجمال، وبعد حين عين مديراً لثانوية جودت الهاشمي، وفيها فاجأه مرض سرطان الغدد فأوفد للعلاج في موسكو، لكنه السرطان فتوفي رحمه في بلدتنا جبلة في 10 / 7 / 1970 .
    لقد كسرت قلب والدي وفاة عمي المبكرة عن عمر لا يتجاوز أربعين عاماً. كما كسرت قلبي، وأدمت فؤادي، فقد كان صديقي ورفيقي، وقدوتي في كل شيء.
    كان محمد جنيدي شاعراً صوفياً، وفناناً مبدعاً بصياغته وصوره ، وله ديوانان مطبوعان. ( زارع الزيزفون ) و ( كلمات أخيرة ) غنيان ببلاغته وإحساسه المرهف.

    يتبع



  4. #14
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (10)

    تمر السنون بلا أحداث مهمة، نتدرج في الصفوف ونحصل على الشهادة الابتدائية، ثمَّ على شهادة الكفاءة ( الإعدادية ) عام 56
    لا خبر إلا مات فلان أو فلانة، أو تزوج فلان من فلانة، وغيرها مثلها، فالحياة الاجتماعية في القرية رتيبة مملة، تعوض عنه بجمال في الطبيعة ساحر، وعفوية وودّ. وفي هذا العام توفيت أختي مها بالحصبة، وكنا نحبها حباً شديداً لم تكن قد أتمت السنتين، إلا أننا تعلقنا بها أشد التعلق، وحين شيعناها إلى القرية كنا كفاقدة ولدها الوحيد، بكي عليها الجميع حتى جدي.
    وفي عام 53 اصطحبني والدي للسنة الثانية إلى دمشق، وهناك أخذني معه إلى حديقة جامعة دمشق، حيث حفل تخرج المجازين وبينهم عمي محمد، وحضر الحفل اللواء فوزي سلو الذي كان بمثابة رئيس الدولة، والرئيس الفعلي العقيد أديب الشيشكلي ، وكان هو الحاكم الفعلي، ديكتاتوراً آخر من حكام سوريا الانقلابيين.
    هتف الطلاب ( يسقط الطاغية يسقط الباغية يسقط أديب الشيشكليي ). فساد الهرج والمرج وتدخلت الشرطة العسكرية لتلقي القبض على بعض الطلاب في حين هرب البعض الآخر إلى البساتين المجاورة، وكان ذلك أول عهدي بالسياسة.
    والحقيقة أن الخوف قد تملكني وقتها، وكان إطلاق النار قريباً، وصرخات النسوة تختلط بهتاف الطلبة، وكانت أصوات الألم لرجال أو نساء يضربون بالهراوات عشوائياً كانت تسمع بشكل فوضوي، كنت أعرف وقتها أن الشيشكلي دكتاتور، وأن البعثيين يعادونه ويعملون على إسقاطه، والذي لم أكن أعرفه معنى كلمة عميل أو جاسوس وقد كانتا تتكرران على ألسنة أهلي.

  5. #15
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (11)

    كان حزب البعث فعالاَ جداً في الشارع السوري، وكان الأستاذ محمود مرداش أمين شعبة طرطوس للحزب يصطحبني معه في الجولات على أحياء المدينة وفي القرى، وهناك عاينت النفاق الاجتماعي الحقيقي، لم يكن الحزب وقتها حاكماً ولكنه كان مسيطراً على الشارع، ومن يسيطر على الشارع يستطيع أن يتحكم بجميع المسارات السياسية فيه، ولا أذكى من الانتهازيين في معرفة ذلك ومسايرته، لقد كرهت الجولات وأعلمت أمين الشعبة بذلك، ورجوته أن يعفيني من مرافقته.
    لماذا لا يبحث الوصوليون عن طريقة أخرى لتحصيل المنفعة، منها العمل ومنها التجارة، ولكن هذا لا يفيد في بعض الناس لقد خلقوا على التزلف والنفعية.
    لقد كانت الأعوام من 56 إلى 58 أعواماً بهيجة، ولكنها كانت كأيام العيد ما أن ينقضي حتى تعود الأمور إلى سابق عهدها.
    لقد كنت أطوي مرحلة الدراسة الثانوية كمن عليه عمل يجب أن ينجزه قبل أن ينتقل إلى العمل المهم، ومع ذلك فقد مرت بطيئة، يزيد في معاناتها الفوضى والغربة.
    أحس الآن بالأسى لأنني لم أفهم من أولئك الفقراء البسطاء إلا التزلف والتقرب ، وقد نسيت أن مجتمعاً عانى من العزلة، ومن حكم العثمانيين، ومن الاضطهاد المذهبي، وندرة المدارس وبالتالي التعليم، فماذا أنتظر منه غير الانسحاق المرير تحت عين العالم المتمدن وأمام نظره، لقد كان المذياع ترفاً لا يملكون ثمنه، وكانت الصحف أمراً لا يهمه، فهو يعاني من الجهل ونصف الأمية، ولا علاقة له بتقرير مستقبل الوطن.
    كان عندنا مؤسسة اسمها ( الريجي )، وهو اختصار لما يسمى ( إدارة حصر التبغ والتنباك )، وهي مؤسسة حكومية كانت سلطات الانتداب تديرها، وهي الآن تابعة لوزارة الاقتصاد، تجمع المواسم من المزارعين قسراً، ثم تصنعها سجائر أو تبيعها للراغبين في استيرادها.
    من يتصور أن هذه المؤسسة تستعمر كل جبال اللاذقية من الأمانوس إلى جبال لبنان، كان التبغ هو الموسم الرئيس لدى المواطنين، كان المواطن مجبراً على إعطاء موسمه للريجي، وكان موظفو الريجي يقدرون وزن الموسم وذلك قبل النضوج، وعندما يجف التبغ يرزم بكيس من الخيش ويقدمه صاحبه للإدارة في موضع يسمونه العنبر، لكي يعودوا بعدها بقليل من المال لا يتناسب مع جهدهم، كانت المساحات التي يزرعونها به في القرية قليلة، وكان المواطن يمتلك أقل من ألف متر، بسبب من الأراضي المحجرة والمحرَّجة، فإذا لم يستطع المزارع أن يفي بالوزن المقدر له كان يغرم فإذا لم يسدد ثمن الموسم التغريم يسحب إلى السجن وكأنه قاتل أو مجرم.
    كم رأيت المزارعين يشكون ويبكون ويتوسلون أن يكون المراسل وهم اسم موظف الريجي المتواجد في القرية كمقيم، ويتقربون إليه بسلال البيض، وزبادي اللبن، وحينما كان يجلس بتكبر وعنجهية كنت أعرف أنه إنسان كريه.

  6. #16
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (12)

    كانت ثانوية جبلة تدرس الفرع الأدبي فقط، وكان علي أن أذهب إلى اللاذقية أو إلى طرطوس للدراسة في الفرع العلمي في أحدهما، وبسبب من صغر سني اختار والدي طرطوس لأن صديقه وابن صفه الأستاذ صالح علي كان نائباً للمدير. ضماناً لإشرافه على دراستي ورعايته لي، وبما أنني ما زلت فتىً طفلاً أدخلني في القسم الداخلي بالثانوية الأهلية، التي قدمت لي السكن والطعام، بينما كنت أمشي زهاء ثلث ساعة لأصل إلى مدرستي، ( ثانوية البنين في طرطوس )، كان رفاقي أكبر مني سناً ، والحقيقة أنهم كانوا على خلق ينسجم مع جيل من أبناء سوريا الطامحين.

    مرضت في النصف الأول من العام الدراسي بسبب الطعام، فقد كانت القائمة على الطعام أخت صاحب المدرسة، وكان همها التوفير، وبالحقيقة كان الطعام سيئاً جداً، ولا أعتقد أنه كان نظيفاً، فانتقلت إلى سكن قريب من مدرستي عند أسرة مسيحية من بيت القطريب، كان الأب سائق تكسي على طريق حمص طرطوس، وإنني بعد هذه الأيام الطويلة البعيدة، لأشكر هذه العائلة الكريمة التي احتضنتني لمدة ثلاثة أعوام دراسية، كأنني أحد أفراد الأسرة، وشملتني بالعطف والرعاية، وخاصة السيدة أم ميشيل رحمها الله رحمة واسعة، التي كانت أماً أخرى في كل شيء.


    يتبع

  7. #17
    An Oasis Pioneer
    الحالة : عثمان محمد صالح نصيف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 2127
    تاريخ التسجيل : Oct 2007
    المشاركات : 2,384

    افتراضي

    اللهم انقذ سوريا من بعض ابنائها العاقين في حقها ..
    شكرا طنط عفاف
    أخذني معه إلى شوارع وأزقة مكة والطائف ..
    وأغمض عيناي لأعاود التجوال فيها ...
    سأتابع ..
    شكرا

  8. #18
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (13)



    في نهاية عام 56 وفي عامي 57 و58 كانت التظاهرات هي العنوان، ولا أعتقد أن المدارس في سوريا قد اتمت نصف أيام العام الدراسي في الصفوف، والباقي للتظاهرات، لقد انتفض شعب سوريا برمته ثلاث سنوات متواليه مطالباً بالوحدة مع مصر، وفي عام 56 أذاعت الإذاعة السورية ( هنا القاهرة من دمشق ) بعد أن قصفت إذاعة القاهرة أثناء العدوان الثلاثي، وفجرت سوريا أنابيب ال( آي ب سي ) الإنكليزية، وامتنع عمال المصب عن تعبئة ناقلات النفط.
    إنها أيام مجيدة في تاريخ الأمة غنية بالشعور القومي وبالثورة أيضاً، لقد تخلصت سوريا من الديكتاتور أديب الشيشكلي منذ عام 1955، وكانت قيادة الجيش بيد الضباط الأحرار وهم مجموعة من الضباط البعثيين، وآخرين قوميين ووطنيين، وبدأت بشائر الوحدة.
    في طرطوس تكثر فتيات المدارس المسيحيات الجميلات، وكان الجميع من مختلف المذاهب سفوراً، وبثياب نصف محتشمة، وفيها غرد قلبي لفتاة لم تكن جميلة، ولا أعرف عنها شيئاً حتى الآن، لقد كانت ابنة الجيران المقابلين لغرفتي، بين البيتين شارع ضيق، كنت أنا أدرس على الشرفة وهي كذلك تدرس على الشرفة المقابلة لي، فقد كانت في مثل صفي، وننظر إلى بعضنا نظرات تائهة ، وحين تلتقي عيوننا نخفض الطرف خجلاً ، والغريب أنني حتى الآن لم ألتق بها ولم نتبادل الحديث ولو بكلمة، ولعلنا اكتفينا بلغة العيون الدافئة.
    إنه حبٌّ غريب.

  9. #19
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    (14)



    كان البعثيون في تلك الأيام طالبي وحدة مخلصين، وكان التنظيم المدني بقيادة ثلاثة أقطاب، ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وأكرم الحوراني، حيث اندمج حزب البعث العربي مع الحزب العربي الاشتراكي برئاسة أكرم الحوراني في عام 53، وصار الحزب الجديد تحت اسم البعث العربي الاشتراكي، وقد ورد في دستور الحزب ما معناه أنه حزب ثوري انقلابي، يعمل على وحدة الأمة، وتوزيع الثروات بشكل عادل، لإنصاف الطبقات الكادحة، ورفع نير الإقطاع والرأسمالية عنها.
    في عام 57 و58 كنت رئيساً لتنظيم الطلاب في شعبة الحزب بطرطوس، كنت فتى هادئاً عاقلاً طليق اللسان قادراً على التعبير الجيد السهل لما أريد أن أتناوله من مواضيع، وبقيت معي الملكة حتى الآن، كنت أتمتع بسلامة اللغة والجدية الواعية في القول والعمل، وبقيت رئيساً للتنظيم حتى حل الحزب قبيل الوحدة بين سوريا ومصر. وبسبب من توزع اهتماماتي، ومن التغرب فقد كنت طالباً جيداً، لكنني لم أكن غيورًا ولم أسع للتفوق. لقد كنت أفرح لرفيق أو رفيقين يسبقاني وأهنئهما وكأني لست في صفهما

  10. #20
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,186

    افتراضي

    ( 15)

    لعلني قفزت بين أعوام 56 و58 قفزاً دون أن أعطي الصورة الاجتماعية والثقافية والسياسية في تلك المرحلة من نضال الأمة التي أثمرت الجمهورية العربية المتحدة، تلك الدولة الحلم التي لم تعمر طويلاً، ولكنها تعدل في نفسي ونفس أمثالي الزمان كله.

    كنت أؤمن بوحدة الأمة بدون تفاصيل، وأعتقد مع ثبات دولة الوحدة أنها يمكن أن تتطور حسب الإرادة الشعبية كبقية الدول، ولقد عاب عليها منتقدوهاً الكثير، وكانوا مصيبين في بعض منها، لقد قضينا في عهد الوحدة زهاء ثلاث سنوات، وكأنها دولتان برئيس واحد، سموها وحدة اندماجية ولم يندمج فيها شيء، حتى النقد بقي كما كان، جنيهاً مصرية وليرة سورية، كان لها رئيس ووزارة مركزية ووزارتان قطريتان، وقيادة عسكرية موحدة ووزير خارجية رائع.
    لكن الوحدة الاندماجية غير ذلك، إنها حتى لم تكن كونفدرالية، وفيها اشترط الرئيس جمال عبد الناصر حل حزب البعث العربي الاشتراكي، فبقيت سوريا دون حزب قومي نضالي منظم يدافع عنها ويرد كيد الأعداء، مما سهل مؤامرة الانفصال.
    إن الأحزاب التي تشكلها السلطة لا يمكن أن تكون أكثر من تجمع مصلحي كالاتحاد القومي، فقد امتلأ بالوصوليين والانتهازيين من مختلف المشارب والأهواء، وهذا ما منع هذا التنظيم من تحقيق أي تقدم نضالي محسوب.
    وبحل حزب البعث وعدم وجود بديل وضعت دولة الوحدة في فم الذئب، الذي ما لبث أن غدر بها وكان الانفصال المشؤوم.
    من الغريب أن جمال عبد الناصر كان بعثي المبادئ، وقد ظهر ذلك واضحاً في تشكيل الاتحاد الاشتراكي ووضع الميثاق الرائع الشهير، فليته شكل الاتحاد الاشتراكي بدلاً عن الاتحاد القومي، بمبادئ الوحدة والاشتراكية والحرية، وليته وضع الميثاق بعد الوحدة، لكان هناك دليل يحتذى به وتتبع خطاه.
    لقد أحبت سوريا جمال عبد الناصر حباً لم يحظ به أحد قبله ولا بعده. وكانت سوريا كلها تخرج إلى الساحات التي كان يخاطب منها الجماهير. لتتفرج على الشاب الأسمر المتدفق قومية وعروبة، ولتستمع إلى لهجته الصادقة وخطابه المقنع الجميل.
    لقد كانت سوريا في عرس دائم، وحينما كان يصل عبد الناصر إلى سوريا كانت تتزين وتتبهرج وكأنها عروس تزف في يوم عرسها.
    ذات يوم في شتاء العام 59 كانت المحافظات السورية على موعد مع جمال عبد الناصر وأريد أن أقدم معلومة لم ار احداً كتب عنها، حينما كان عبد الناصر يصل إلى محافظة ما كان الآلاف من المحافظات الأخرى يتقاطرون إلى هذه المحافظة، وحينما ينتقل إلى المحافظة التالية يبادرون إلى الانتقال معه.
    وليس حب عبد الناصر القائد الصادق الأمين هو وحده السبب، فإن شعب سوريا العربي كان وما زال يتوق إلى الوحدة، وتعرف سوريا أن طريق الوحدة هو المؤدي إلى التقدم والنصر والرفعة.
    قالوا سيصل ناصر إلى اللاذقية صباحاً، خرجت جبلة كلها لاستقباله في مدينة اللاذقية، وصلنا باكراً، ضاقت مداخل اللاذقية بالجماهير المحتشدة وسدت الطرق، أكملنا ما تبقى من الطريق إلى مدخل المدينة مشياً على الأقدام، تأخر الموكب وتعبت من الوقوف، جلست على الأرض ، ثم تمددت، وأحسست بالهرج بين المواطنين، وصل موكب جمال، ومر في سيارة مكشوفة ، تبينت منه وجهه الأسمر وشعره الجعد، وكان يرتدي معطفاً رصاصياً غامقاً مونَّساً. تجاوزنا فابتدأنا بالعودة من حيث أتينا.

    يتبع

صفحة 2 من 14 الأولىالأولى 123412 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •