صفحة 3 من 14 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 133

الموضوع: بناة الوطن ..مذكرات المهندس السوري حسين جنيدي

  1. #21
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    ( 15)

    لعلني قفزت بين أعوام 56 و58 قفزاً دون أن أعطي الصورة الاجتماعية والثقافية والسياسية في تلك المرحلة من نضال الأمة التي أثمرت الجمهورية العربية المتحدة، تلك الدولة الحلم التي لم تعمر طويلاً، ولكنها تعدل في نفسي ونفس أمثالي الزمان كله.

    كنت أؤمن بوحدة الأمة بدون تفاصيل، وأعتقد مع ثبات دولة الوحدة أنها يمكن أن تتطور حسب الإرادة الشعبية كبقية الدول، ولقد عاب عليها منتقدوهاً الكثير، وكانوا مصيبين في بعض منها، لقد قضينا في عهد الوحدة زهاء ثلاث سنوات، وكأنها دولتان برئيس واحد، سموها وحدة اندماجية ولم يندمج فيها شيء، حتى النقد بقي كما كان، جنيهاً مصرية وليرة سورية، كان لها رئيس ووزارة مركزية ووزارتان قطريتان، وقيادة عسكرية موحدة ووزير خارجية رائع.
    لكن الوحدة الاندماجية غير ذلك، إنها حتى لم تكن كونفدرالية، وفيها اشترط الرئيس جمال عبد الناصر حل حزب البعث العربي الاشتراكي، فبقيت سوريا دون حزب قومي نضالي منظم يدافع عنها ويرد كيد الأعداء، مما سهل مؤامرة الانفصال.
    إن الأحزاب التي تشكلها السلطة لا يمكن أن تكون أكثر من تجمع مصلحي كالاتحاد القومي، فقد امتلأ بالوصوليين والانتهازيين من مختلف المشارب والأهواء، وهذا ما منع هذا التنظيم من تحقيق أي تقدم نضالي محسوب.
    وبحل حزب البعث وعدم وجود بديل وضعت دولة الوحدة في فم الذئب، الذي ما لبث أن غدر بها وكان الانفصال المشؤوم.
    من الغريب أن جمال عبد الناصر كان بعثي المبادئ، وقد ظهر ذلك واضحاً في تشكيل الاتحاد الاشتراكي ووضع الميثاق الرائع الشهير، فليته شكل الاتحاد الاشتراكي بدلاً عن الاتحاد القومي، بمبادئ الوحدة والاشتراكية والحرية، وليته وضع الميثاق بعد الوحدة، لكان هناك دليل يحتذى به وتتبع خطاه.
    لقد أحبت سوريا جمال عبد الناصر حباً لم يحظ به أحد قبله ولا بعده. وكانت سوريا كلها تخرج إلى الساحات التي كان يخاطب منها الجماهير. لتتفرج على الشاب الأسمر المتدفق قومية وعروبة، ولتستمع إلى لهجته الصادقة وخطابه المقنع الجميل.
    لقد كانت سوريا في عرس دائم، وحينما كان يصل عبد الناصر إلى سوريا كانت تتزين وتتبهرج وكأنها عروس تزف في يوم عرسها.
    ذات يوم في شتاء العام 59 كانت المحافظات السورية على موعد مع جمال عبد الناصر وأريد أن أقدم معلومة لم ار احداً كتب عنها، حينما كان عبد الناصر يصل إلى محافظة ما كان الآلاف من المحافظات الأخرى يتقاطرون إلى هذه المحافظة، وحينما ينتقل إلى المحافظة التالية يبادرون إلى الانتقال معه.
    وليس حب عبد الناصر القائد الصادق الأمين هو وحده السبب، فإن شعب سوريا العربي كان وما زال يتوق إلى الوحدة، وتعرف سوريا أن طريق الوحدة هو المؤدي إلى التقدم والنصر والرفعة.
    قالوا سيصل ناصر إلى اللاذقية صباحاً، خرجت جبلة كلها لاستقباله في مدينة اللاذقية، وصلنا باكراً، ضاقت مداخل اللاذقية بالجماهير المحتشدة وسدت الطرق، أكملنا ما تبقى من الطريق إلى مدخل المدينة مشياً على الأقدام، تأخر الموكب وتعبت من الوقوف، جلست على الأرض ، ثم تمددت، وأحسست بالهرج بين المواطنين، وصل موكب جمال، ومر في سيارة مكشوفة ، تبينت منه وجهه الأسمر وشعره الجعد، وكان يرتدي معطفاً رصاصياً غامقاً مونَّساً. تجاوزنا فابتدأنا بالعودة من حيث أتينا.

    يتبع

  2. #22
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (16)

    سأعود إلى الفترة الواقعة بين عام 56 والعام 58، أي بين العدوان الثلاثي على مصر وبين قيام الجمهورية العربية المتحدةً، فقد ابتدأت ثورة يوليو المجيدة انقلاباً على الملكية وبسرعة حدية تحولت إلى ثورة شاملة على نواحي التخلف والتجزئة في الأمة كلها.

    لقد كان جمال عبد الناصر قائداً تاريخياً، آمن بالجماهير وكان وفياً لها، ولكنها لم تكن وفية له، لقد انقلب على نظامه السادات بعد وفاته، وأذل مصر والعرب، فسكتت الجماهير، فهل يتقاسم المسؤولية مع الشعب لأنه لم يوجِد قيادات بديلة، أم أن هذا الأمل قد انقطع بسبب من عجز الجيل الجديد، وثقته بقائده وحصر الأماني والآمال به.
    سنبقى جميعاً نلوم أنفسنا كلٌّ على قدر مسؤوليته، لقد قامت سوريا كلها ضد الانفصال، وأوصلت حكومته إلى العجز المطلق، فانسحبت ليحل محلها البعثيون الذين كانوا يريدون الحكم فقط، وذلك رداً على إهمالهم من قبل الرئيس ناصر الذي زحفوا إليه طالبين الوحدة، فاستثمروا الحكم لصالح البذخ والتعصب الحزبي المقيت.
    لقد خلق الوضع العربي العام بعد حرب السويس شعوراً فياضاً لدى كل العرب وأولهم السوريون الذين تراخوا عن حماية الوحدة ، وصولاً إلى تسليم البلد للبعثيين الذين غدا همهم الأول محاربة الناصرية وبكل الوسائل.
    لا أظلم أحداً حينما أقرر أن النضال الوطني القومي لم يكن موحداً ضمن التنظيم الواحد وقد أدى ذلك إلى مآس رهيبة في كل من سوريا والعراق واليمن.
    وشعب سوريا كما مصر، عسكر ورفاق وشعب فقد زمام المبادرة منذ العهد العثماني الذي حكم العرب باسم الدين والمذهب، وأعادهم إلى عهد أبشع من عصر الانحطاط.
    إن ما نراه الآن في كل بلاد العرب أو على الأقل قسمٌ منه تتحمل الدولة العثمانية مسؤوليته، وقد كانت منشغلة بين الحرملك والسلملك، وكان الإنكشاريون يطوفون المعمورة بأساليب كأساليب مجرمي داعش والنصرة وغيرهم.
    لقد ساهمت حرب السويس بإنعاش الشعور القومي لدى كل العرب، وتوحَّد الشارع العربي مؤقتاً. وحتى حين.
    لا شك أن للسعودية دوراً كبيراً في هدم الصرح القومي، والتآمر على الوحدة، كما مولت العدوان عام 67 وساهمت في اغتيال الرئيس عبد الناصر

  3. #23
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (17)

    ألملم الذكرى بعد هذا الزمن الطويل، وأعصر الذهن لكي يتقرّى حوادث نائمة في الوجدان، ما زال البحر في مكانه على الطبيعة وفي الخاطر، وما زالت أمواجه هي نفسها تتحطم على الشاطئ الصخري فترغو وتزبد وكأنها مغتاظة من صمود الصخور الرملية الصلبة.

    ما زال حسين جنيدي ذلك الشاب الحالم الذي يعي بهدوء، وما زالت نشأته الدينية تعصمه من كل أمر يسيْ إلى روحه الصامدة، لقد أحس دائماً بالالتزام بالعفاف، ليس عفاف الجسد وحده وإنما عفاف الروح، لم يكن يستطيع السكوت على الخطأ، وعندما يقع الخطأ لا يستطيع الصمت حياله، كان يحس بأن تياراً هائلاً يدفعه للاعتراض، ويجوش صدره بالألم إلى درجة الوجع، وبشكل عفوي ينتفض ويقول: لا فهذا خطأ لن أقبل به، وخلال ذلك يحمر وجهه وترتعش شفتاه، ويحس بأنه مريض، لا يملك الدواء، ولا بدَّ له من تعرية الخطأ ووضعه أمام المجهر.
    أحس بالراحة حين حل الحزب، وأيضاً بالخوف، ستقوم الوحدة لتعتمد على الجماهير فقط، التي شحنت بالعواطف والآمال، ولكنها سريعاً ما كانت تنسى كعادتها.
    كان تاريخنا مليئاً بالنسيان، وفي لحظات الذكرى كان شعبنا يمضي لاجتراح المعجزة، ثم يعود إلى النسيان فيقطف الغير ثمرة انتصاره الكبير.
    ما زالت القرية تعني له الكثير، وكانت انطباعاته المتواترة تفتح عينيه دائماً على رؤى جديدة، في فكره وفي عينيه، وكم استلقى فوق الصخور وتأمل الغيوم وهي ترسم أشكالاً يكملها من خياله.
    لم يعش تجربة الهوى الحقيقي، وربما لأن كبرياءه كانت تسبقه بخطوات، فالكبرياء كابح قوي.
    ليس مؤهلاً للحياة الزوجية، وآماله في المستقبل عريضة كالأحلام، وواعية كالنهار. لقد مضى بخطاه الثابتة ووعيه الحيِّ وثباته الراسي ليشق طريقاً شجاعاً لا يلويه عن هدفه شيء

  4. #24
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (18)

    قامت دولة الوحدة، لقد كانت عامرة بالعروبة والشعور القومي الفياض، إلا أنها كانت وحدة شاحبة، لم تبن على أسس قوية، ولم تراع الظروف الموضوعية للوحدة، ولم يخطر على بال صانعيها أنها لن تستمر، فلم تكن تمتلك أسباب الصمود، وفي رأي الشاب الصغير أن العواطف الجياشة وحدها غير كافية لبناء الحقائق، فقد امتُصت النشوة القومية المتصاعدة بقيام دولة الوحدة التي كانت تحلم بها الجماهير، ثم ما لبثت الجماهير أن ملَّت المنظر لأنها لم تجد جوهراً مقنعاً فيه.

    كان عبد الناصر يتمتع بموهبة كبرى في مخاطبة الجماهير، وكان يملك الوعي النظري الكافي لبسط آرائه وأفكاره بوضوح وشفافية، تساعده على ذلك نبرته الصادقة البريئة، وبعد أن قامت دولة الوحدة، بقيت الجماهير تتجمع في أماكن وجوده لتستمع إلى رئيسها القائد الأمين، لقد عين الأستاذ أكرم الحوراني القطب البعثي المحنك والمتمرس نائباً لرئيس الجمهورية، وهو منصب فخري في دولة رئيسها بحجم جمال عبد الناصر،
    عرف الفتى اليافع أن هذا شيء لن يدوم، وأن البعث الذي ساهم في إقامة الوحدة آملاً بأن يظل في قمة السلطة، وأن يترك له القدرة على إخصابها، وتحقيق طموحات قادته السياسيين من التربع على كرسي الحكم في سوريا على الأقل.
    تباعاً تم نقل الضباط البعثيين إلى الإقليم الجنوبي، ولا أعرف بمشورة من، لعل عبد الحميد السراج قام بهذا الدور، فبقي الجيش بلا قيادة مترابطة تحت شعارات جمال عبد الناصر الواضحة، وقام بإدخال بعض كبار الضباط الموالين للوحدة وله شخصياً قام بإدخالهم وزراء في الحكومة السورية المحلية، فبقي الجيش بلا قيادة متفاهمة ولها رؤى موحدة، قادرة على حماية دولة الوحدة عندما تهب عليها رياح التآمر.

    يتبع

  5. #25
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (19)

    عام 59 حصلت على الشهادة الثانوية، وأنهيت مرحلة الطفولة والمراهقة ودخلت طور الشباب الطموح الحالم بكل الروائع التي لم يقدر لها أن تتحقق.

    وفي الصيف قال لي والدي: ستذهب إلى الإقليم الجنوبي وتكمل الدراسة هناك، كنت راضياً تمام الرضا عن قراره، وكانت مصر بالنسبة لي على الأقل حاضرة العرب ومركز تطورهم الأدبي والعلمي، وبدأت أحضر نفسي للسفر، وإعداد الثياب اللائقة ما يكفيني لمدة عام.
    كان والدي يتمنى أن أدرس طبيباً، فرفضت ذلك مهدداً بالتوظيف على شهادة الثانوية، كنت أكره حياة الطبيب مع أنها تفيض إنسانية، ولكن من أين للأديب والمثقف الحالم أن يطيق حياة الطبيب، الذي يبقى متواجداً لخدمة مرضاه في كل حين.
    ومع كرهي لهذه المهنة الرائعة فقد تعلم ثلاثة من أولادي أطباء، وبدون أن أفرض عليهم شيئاً، وأنا أرثي الآن لهم وكيف لا يجدون الراحة.
    كانت جامعة عين شمس بالعباسية ذات شهرة في الهندسة، وقد اخترت هندسة العمارة لما تتضمنه من الموهبة الفنية لشاب حالم.
    في هذه الأيام تريك النت عن طريق برنامجGoogle earth معالم الأقطار والمدن بتفاصيل مذهلة، وبالكاميرات في بعض الأحيان حيث يرى المهندس بأم عينيه الواجهات لكل الأبنية، في حين يمكِّنك البرنامج من متابعة تخطيط المدن بالتفاصيل الكافية.
    أما في أيامنا فقد كان الدليل وحيداً وهو ملكة الخيال والتصور، وبالنسبة للشاب الريفي فإن التصميم المعماري بدعة حقيقية، ومغامرة خطرة.
    كانت مصر في ذهني حاضرة العرب، ومركز علومهم وفنونهم، وقرأنا كثيراَ لطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم والمنفلوطي والمازني وجبران ومي زيادة وميخائيل نعيمة، وكانت الأفلام المصرية وقتها تعطي فكرة خاطئة عن الشعب العربي المصري، وتصور حياة الباشا وابنه أو ابن أخيه فتوة الأزعر، وتروي قصص الأغنياء فقط، وكأن حياة الفقراء والغلابى لا تهم أحداً.
    وقد تغيرت هذه الأفلام مع نمو الثورة وتعميق ارتباطها بالجماهير الكادحة.
    كانت مصر الجغرافيا في ذهني صحراء يخترقها نيل عظيم وكأنه بحر، ويروي على ضفتيه شريطاً من النخيل والزراعات الأخرى، وفي القاهرة يبدأ بتشكيل الدلتا وهي ترسم حرف Y أو كأس مليء طويل الساق.
    وفي مصر الأهرامات والأقصر والكرنك ومعبد أبو سنبل، وفيها جامعة القاهرة الجامعة الأقدم، وفيها الأنتيكخانة، ومكتبة القاهرة ثم مكتبة الاسكندرية الأشهر في العالم، والتي أحرقت عند الفتح الإسلامي.
    كيف استطاع عمرو بن العاص وهو داهية العرب أن يفعل ذلك؟. شيءٌ لم أفهمه، ولا يتناسب إلا مع العصر الأموي البغيض بداية الفرقة والانقسام بل الفتنة والتخطيط لتدمير الأمة في المستقبل الأدنى.

    يتبع

  6. #26
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (20)

    وصلت إلى القاهرة في أوائل شهر تشرين أول أوكتوبر، ونزلت في مكتب استقبال الطيران المصرية في القاهرة قريباً من ميدان العتبة، ووجدتني بحاجة إلى الراحة فبحثت عن فندق، وجدت فندقاً صغيراً اسمه لوكاندة البرلمان. فبت ليلتي فيه، وكان معي حقيبة جلدية بها ثيابي وبعض الحاجات والفلوس الأخرى.
    كانوا في سوريا يحذروننا من النشالين، ولم أخف منهم لأنني أحد أفراد الطبقة الوسطى في أدناها، ولكنني خفت أن أنقطع في القاهرة إذا أخذوا الجنيهات القليلة التي أعطاني أبي، وكنت قد خبأتها في كهوف الملائكة وبيوت الجن التي لا يتوقع أحد وجودها فيها.
    لم أعد أتذكر في أي دائرة من دوائر الدولة قدمت أوراقي، وفيها التقيت بالكثير من زملائي في مدينة طرطوس ، ومنهم اثنان من طلاب صفي، واحد منهم لصيق بي جداً، وفي القاهرة التقيت رفاق المدرسة سعد الله ونوس ولطف الله حيدر، وأديب خضور، الذين كانوا من الفرع الأدبي وقبلوا بمنح في كلية الصحافة في جامعة القاهرة.
    هؤلاء لم يكونوا يوماً أصدقائي عدا لطف الله حيدر الذي كان رفيقي في حزب البعث.
    أما أحمد معلا وجميل منصور فهما من التصقت صداقتها بقلبي وكانا جزءً من حياتي حتى الآن. وما زالا حيين يرزقان ، ويعيشان في مدينة طرطوس بكامل الكرامة وعزة النفس.
    القاهرة مدينة كبرى، وتضم جميع ألوان الحياة في المدينة، من أعلى الترف إلى أدنى الفقر، ومن أرفع الأخلاق إلى أسفلها، من أجمل ما في البشر وأبشعه كذلك.
    استأجرنا شقة صغيرة في شارع النزهة بمصر الجديدة مؤلفة من أربع غرف وصوفا، مؤثثة بشكل مقبول، قريبة من ميدان التريامف يملكها عميد في الجيش العربي المصري عمله في فايد في كلية الرياضه حسب ما أذكر.
    في التريامف صيدلية تملكها ابنة الممثل الكوميدي حسن فايق، تعرفنا عليه، واكتشفنا أنه صاحب موهبة كوميدية في التمثيل فقط.
    الآن أعود إلى الذاكرة، فقد ساعدنا في الوصول، واستئجار البيت بعض معارفنا ممن يدرسون في مدرسة الصنائع الجوية بالقاهرة، وقد سبقونا إليها بعام أو أكثر، وكانوا من المتمرسين في الشقاوة وقلة الأدب.

    يتبع

  7. #27
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (21)

    عام دراسي مثالي، خالٍ من الدوام، والتفكير في المنهاج والدروس، كان برنامج الرياضيات والفيزياء يشبه برنامج الثالث الثانوي، وكان تعليمنا في سوريا جيداً، اللغتان العربية والإنكليزية جيدة، وكان المعيد الذي يعطي مادة الميكانيك مضحكاً قصيراً بطيناً يتفتف كثيراً، ولديه لازمة في الكلام يقولها ألف مرة ( كده هوه كده هوه ) . وكان جميع من في الفئة يضحكون منه ويرددونها معه ثم يغضب ويشتم.

    كنت مغرماً بزيارة الأحياء الشعبية والأسواق الشهيرة، وكنت أجلس في الموسكي أمام أحد المشاغل الصغيرة لأراقبهم يصنعون الأطباق النحاسية المزخرفة وهم يستخدمون إزميلاً صغيراً بمنتهى البراعة والدقة.
    كان إخواني المصريون يستقبلونني بلطف بالغ ومودة محببة، ويتحملون أسئلتي التفصيلية، وكان مقهى صغير في العباسية يديره رجل ستيني اسمه متولي، كان شخصية ظريفة خفيفة وكان يحب جمال عبد الناصر بشكل جنوني مقنع، كان يسرد كيف كان البسطاء قبل الثورة وكيف صاروا بعدها، هو يعرف أن رئيسه العظيم لن يستطيع حل جميع مشاكل مصر في السنوات الأربع بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وأنه بحاجة للوقت الكافي، ومع قصر الزمن فقد نقل الطبقة الكادحة من تحت الأرض وركام الإقطاع والرأسمالية، والجيش يبنى بشكل جيد، والصداقة مع الاتحاد السوفييتي تتعمق وتعطي أكلها بكرامة وشرف.
    كان متولي يقدم لي كأساً من الشاي، ومعه حبات فول مسلوق ويقول بعفوية وصدق: كل يا بني فأنت غريب وبحاجة إلى قليل من البروتين.
    وجاء مرة شاب مدع جلس إلى جانبي فانبرى له عم متولي بالعصا وطرده قائلاً: هذا نشال فإذا صادفته فاحذره.
    أحببت مصر تراباً وشعباً، شوارع وأسواقاً، دور السينما، المقاهي الحدائق والمنتزهات، حتى بائعات الهوى كن يقمن بذلك بلطف ومن دون إصرار.
    عصمني الله طيلة حياتي من الأفعال المشينة، ووضعت في مواقف تملكني فيها القرف، ولم تهتز قيمي ولو مرة واحدة، وبالحقيقة أنه شيء مستغرب من طالب صغير السن، غير ملتزم دراسياً وبالحقيقة لقد كان عاماً سياحياً بامتياز، ولم يتكرر.
    يتبع

  8. #28
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (22)

    ذهبنا إلى بور سعيد لحضور احتفالات عيد النصر، استأجرنا سيارة تكسي وكنا أربعة أنا وأحمد معلا وجميل منصور وثلاثتنا من البعثيين، وسعد الله ونوس الذي كان مستقلاً ويتحث بلغة السوريين القوميين

    الذين كنا في أشد الخلاف معهم لكن الشاب القصير القامة الضعيف البنية لم يرد أو يحاول أن يواجهنا، فقد كان يتابعنا على ما نحن عليه.
    كانت التكسي تعاني من قدم الأطر، وما لبثت أن ابتدأت تفرغ من الهواء، فيأخذ الدولاب إلى أقرب قرية لإصلاحه،، وسرعان ما خيم الليل وابتدأ ليل الصحراء الشرقية القارس، وتكررت أعطال الأطر، ما اضطرنا إلى قضاء الليل في الصحراء يحرسنا اثنان من الخفر الليلي رجلان طوَّالان لهما هيبة، ولدرء البرد التصقنا ببعضنا محاولين تدفئتنا، ولم نصل إلى بور سعيد إلا بعد شروق الشمس،
    الغربة في مصر أيامها لا تحس بها، وكان التعامل معي في القاهرة أسهل من التعامل معي في دمشق، وكذلك جميع الأراضي المصرية التي زرتها، كانت عيون المصريين ناطقة بالمودة والحب، وكانت الحياة فيها دافئة قريرة، لكل الشعوب هناتها، وهي أقلها في مصر، وكنت قادراً بدماثة أخلاقي أن أخرج من المواقف المحرجة بدبلوماسية لطيفة، ومنتصراً من الناحية النفسية.
    آخر همي كانت الدراسة، فقد قررت أن أتعرف على مصر التي أحبها، وقد تعرفت عليها أكثر مما تعرف الكثير من أبنائها.
    ذهبنا إلى الشاطئ، يتميز شاطئ بور سعيد بصفات فريدة، وكانت قواقع الحلزون والصدف تملأ الرمال الذهبية اللامعة، فحملنا قسماً من القواقع لنرصع بها مزهريات في بيوتنا.
    في حوالي الساعة الثانية عشرة عدنا إلى بور سعيد، وتوجهنا إلى استادها وهناك وجدنا الكثير من الشرطة بينهم ضابط برتبة عميد، فسألناه أن يسمح لنا بالدخول فرفض قائلاً: مفيش.
    _ نحن طلاب سوريون ونحب جمال عبد الناصر وقدمنا من القاهرة متكبدين عناء البرد والنوم في الصحراء لحضور عيد النصر.
    _ ما فيش، ابتعدوا.
    _ هل هناك مرجع آخر يمكن أن يسمح لنا بالدخول؟.
    _ أنا أكبرهم رتبة.
    _ هل من طريقة لنشكوك فيها إلى أحد.
    _ أنتم أحرار انصرفوا.
    قلت: كيف تبرر ذلك؟.
    قال: إنها الأوامر.
    قلت: هل هناك أوامر محددة؟.
    قال: نعم.
    هذا ما سيجيبنا عليه الرئيس لأن أهلنا النافذين سيروون له القصة.
    _ فليكن.
    لا سبيل إلى متابعة الحديث، فانصرفنا إلى أسواق بور سعيد، نبحث عن شواء فقد أخذ منا الجوع مأخذه، وفي الطريق تابعنا رجال الأمن يضربون لفافات القواقع، فعلمنا أنها الغرض، فتركناها بجانب الجدار على الرصيف، ولم نجد محلاً للشواء فاشترينا كيساً من لفافات الفول والطعمية، وفي هذه الأثناء مر أمامنا موكب الرئيس، وكان إلى جانبه أكرم الحوراني يحييان الجمهور، وعلى وجه الحوراني علامات الانكسار، فقد استقال صبيحة اليوم التالي.
    عدنا إلى القاهرة بالإكسبريس وبقيت نائماً كل الطريق ولم أستيقظ إلا في القاهرة قبيل المغرب بقليل فعدنا إلى بيوتنا.
    من الغريب أننا لم نناقش ما حدث في بور سعيد بعدها أبداً، لكنه ترسخ في ذهننا أن الأمور لن تكون على ما يرام مستقبلاً.

  9. #29
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (23)


    نحن سكان الجبال نحب الأشجار والخضرة، وفينا مورثات بدوية تتعايش مع الصحراء الدافئة والألوان القاسية. غير ان الغالب علينا عشق النجوم والضباب والندى، لقد عشت فترة في مطار الطبقة بجانب الرَّقة المدينة الحزينة الآن، والمزدحمة بالثقافة والعلوم، لقد فعلت داعش فيها الأفاعيل، وما زال الرَّقاويون على ثقافتهم وحسهم القومي البعيد عن التعصب المذهبي أو الطائفي.
    كنت أخرج إلى الصحراء ليلاً لأتنفس الهواء النقي ، ولأشتم رائحة زهور الصحراء البرية المشبعة بأطيب الروائح وأخفها، وكنت أتمدد على التراب أتفقد نجماتي المعهودة، وهناك نظمت الشعر، فليس ما يثير المشاعر أكثر من منظر السماء الصافية المتلألئة بنجومها اللامعة، وهذه العطور الفطرية التي تنظمها الطبيعة قصائد بحروف الوجود البسيطة.
    في مصر المحروسة وفي القاهرة المدينة الكبيرة، يجب عليك أن تبتعد عن الشوارع المسكونة قليلاً لترى سماء القاهرة العاتمة بالدخان، لتبحث عن نجومك فتجدها غائمة بجو المدينة وصخبها. ومع ذلك تخفق لك كما كانت تخفق، وتغمزك بعينها الذهبية الموحية.
    كثير من أفراد الشعب البسيط يحملون أولادهم في الليل وشيشتهم، وبقايا طعامهم ليقضوا الليل في الحدائق التي تفصل الشوارع، ومنهم من يحمل مذياعاً يقلبه ليسمع أم كلثوم وهي تغني لناصر والعروبة ومصر، وكنت أجالسهم إذا سمحوا لي وأتعرف منهم على مواضيع لم اكن اعرفها.
    من هذه المواضيع ما جعلني أتعرف على حياة البسطاء، وعن مدى إحساسهم بالحياة، كانوا وبخلفية دينية محضة يتقبلون الحالات الاجتماعية المختلفة على أنها هبة إلهية تختلف من شخص إلى آخر، وسيكون التعويض في الآخرة، وأن الغنى محسوم من ثواب الغني في الآخرة أيضاً إذا لم ينفق زكاة أمواله، وأن الله سيرى ويطالبه بحلال المال وحرامه.
    من الغريب أن ترى الإنسان يرضى بواقعه، ويبقى مظلوماً مهضوم الحقوق، ولا يفكر بالثورة، لقد ثار عبد الناصر وأجرى تغييرات كبرى على البنى الاجتماعية، ولكنه بظروف مصر البشرية والاجتماعية لن يصل بهم إلى ما يجعلهم ينعتقون من التاريخ، ربما أبناؤهم سيفعلون ذلك ، أما هم فقد فقدوا الأمل ورضوا بالقليل وينتظرون الموت لينصفهم الله ويرفع عنهم الظلم والأذى.
    من الغريب هذا الفهم المريع للإسلام، الذي ثار على المجتمعات المكية المترفة وانتصر للفقراء والمعوذين وحارب وانتصر من أجلهم، وجعلهم سادة المعمورة.
    كنت فتى جشعاً للتواصل، ومفعماً بالآمال القومية الكبرى، وكنت أحدث البسطاء عن الأمة الواحدة في دولة العرب الكبرى، وكان يضحكون مني ويهزؤون من ترهاتي وأحلامي التي لم تتحقق

    يتبع

  10. #30
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    ( 24 )


    في مصر مَعَلمان كبيران يشعرانك بعظمة شعبها الرائع، هما قناة السويس والأهرامات، وإذا تمليت كيف حفر المصريون القناة بالمعول والقفة، وكيف كان هؤلاء الحفاة العراة يحملون التراب على أكتافهم ليلقوا به بعيداً ويتموا شق أكثر من مائة وأربعة وستون كيلو متراً من قناة عرضها مئات الأمتار وعمقها أكبر من غاطس أي سفينة أو ناقلة نفط، تعرف ما هو المجهود الهائل الذي بذله هذا الشعب الرائع الصبور.
    أما بناء الأهرام في بدايات التاريخ، وهذه الأحجار الهائلة التي نقلت من أماكن بعيدة ورتبت بهندسات لم تتكرر، هل بناها العمالقة، أم شعب مصر المؤمن بملوكه، ومفكريهم الذين فهموا الحياة وفسروها بأروع المخطوطات الأخلاقية والفلسفة الما ورائية الجديرة بالاحترام.
    من الغريب أن قنوات النيل نفذت بدقة تضاهي أحدث الأجهزة الحديثة ، وبمناسيب مضبوطة بشكل عجيب.
    هنيئاً للأمة بمصر تاريخاً وشعباً وعمارة، وما زالوا يسرقون مسلاتها ليزينوا بها ساحات الغرب المتمدن، وما زالت مومياؤهم يطاف بها في المتاحف لتتملَّى الشعوب حضارة مصر العريقة، التي يقدرونها ويعرفون قيمتها الفنية والحضارية، ومع الأسف يقتلون شعبها العظيم المسالم.
    أحببت مصر أرضاً وشعباً، ولمتهم في هذا التواكل الموروث، وليس الإسلام هو الدين الذي يرضى بالقهر والإذلال، بل هو دين الله العادل الشجاع الذي خرج من الصحراء إلى أصقاع الأرض ليملأ الدنيا حضارة ورقياً.
    لا لوم عل شعب حكمه الغرباء، ومنذ الفراعنة إلى جمال عبد الناصر لم يحكمه مصري، فكان عبد الناصر فتحاً جديداً بكل شيء حتى بصناعة التاريخ

    يتبع

صفحة 3 من 14 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •