صفحة 4 من 14 الأولىالأولى ... 23456 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 40 من 133

الموضوع: بناة الوطن ..مذكرات المهندس السوري حسين جنيدي

  1. #31
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (25)

    وهكذا انقضى نصف العام الدراسي الأول وأنا أبحث عن العلم بين إخوتي أبناء مصر المحروسة لا في الجامعة.

    كان ثمن تذكرة الطائرة ذهاباً وإياباً للطلاب عشرة جنيهات، وتعادل بالسعر الموازي خمسين ليرة سورية وهو ثمن عبوة كولا صغيرة في هذه الأيام، فعدت إلى سوريا لأنعم بدفء حنان الأم ورعاية أب شفوق مثقف، وإخوة نال منهم الشوق ومني. سرعان ما انقضت العطلة ورجعت إلى مصر، لأتابع رحلة ماجلان بين ضفاف النيل والدلتا ولأتعلم من شعبها الرائع ما هو أهم من كل ما تعلمه جامعات الدنيا.
    لم أحظ بزيارة الصعيد وهو ما زلت أتحسر عليه حتى الآن، ومن الصعب أن أزوره لوحدي، وبعد حادثة استاد بور سعيد لم يرغب أحد من رفاقي بمثل هذه الزيارة المهمة.
    كنت أريد من هذه الزيارة ليس فقط للكرنك وابو سنبل ومقابر أسوان، كان لي تصور محبب عن شعب الصعيد منبت العظماء الذين أعتز بهم من الأدباء والفنانين وبلد جمال عبد الناصر.
    كنت قد قرأت أنه يوجد في أعالي مصر في بلاد النوبة رجال من الزهاد والمتصوفين لهم حياة خاصة من التقشف غنية بالعلم والمعرفة والحب.
    نحن عائلة متدينة وكلنا شيوخ، ويعترف بنا جميع العلويين سادة وأئمة، وكلنا عربٌ أقحاح وقوميون إشتراكيون صادقون، ونؤمن بأن الإسلام دين المحبة والإخاء وأن الشهادتين كافيتان للنجاة، وأن العمل الصالح زينة المؤمن، ويحتل الجنس والشذوذ به كاللواط والزنا أوزاراً محرمة لا يتسامح بها، ومن يرتكبها من الناس يطرد ويهجر، وكان يتعرض لإقامة الحد عليه في الماضي.
    ليس في العلويين مبشرين ، وهم يعتبرون المسلمين كما غيرهم جميعاً ضيوف الرحمن ومن آمن بالله وكتبه ورسله، وأن الإنسان هو المعجزة الكبرى، ولم يخلقه الله ليعذبه، وحاشاه وهو الرحمن الرحيم، ويكرهون القتل ويحرمونه إلا دفاعاً عن النفس، ولا يكفرون أحداً فكلنا أمرنا لله يثيب ويعاقب كما يريد برحمته وعفوه ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.

    يتبع

  2. #32
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (26)


    المسير بين ميدان روكسي والعباسية عبر شارع النزهة ممتع،ٌ وكان يمر إلى جانب منشية البكري، حيث سكنى قائدنا العظيم، ولا أعرف إذا كنت أوثق بشكل صحيح فقد بقيت بذاكرتي كما سردتها، ثم غير بعيد عن قصر القبة فالعباسية فكلية الهندسة، وكان ترولي باص يربط العباسية بالعتبة، وكانت في العتبة حديقة فيها أنواع العصافير الملونة، كنا نقف أمامها، نتفرج ونستمع إلى تغريدها النشاز، فقد كان فيها الكثير من الببغاوات، ثم ميدان إبراهيم باشا الذي نحمل عنه في سوريا ذكريات محببة، فقد قاتل العثمانيين وأراد أن يوحد العرب ولكن دول الغرب دعمت العثمانيين وكالعادة منعت قيام الوحدة العربية، كان ذلك في العهد الروماني والبيزنطي والصليبي والعثماني وما زال.

    وندلف إلى شارع سليمان باشا حيث نتفرج على المحلات التجارية، ونأكل لفافات من الفول، نشرب معها الكوكا كولا، وكانت لذيذة ايامنا، وأحياناً ندخل مقهى جروبي لنجتمع مع العرب ومنهم صدام حسين وواحد من آل السامرائي، وبعض الإخوة اليمنيين.
    وفي مرات أتجاوز كوبري النيل واتفرج على حديقة الحيوان وأمر أمام جامعة القاهرة، وربما التقيت بعض الرفاق السوريين، وضباطاً من بلدي جبلة، ومرة دخلت مقهى قصر النيل وجلست فلم أعرف به أحداً من أدباء مصر وفنانيها، على كل حال فقد كانت مرة واحدة لم تتكرر.
    انتقلنا للسكن في شارع محمد محمود المتفرع من ميدان التحرير، وأرسل لنا الله خادمة شديدة السمرة لديها فتاة صغيرة عمرها تسع أو عشرة سنوات تصطحبها معها، وهي خلاف الخادمات في مصر الجديدة من جميع النواحي كانت أم فاطمة تعاملنا كأننا أولادها، وكانت امرأة نظيفة وطباخة ماهرة، وسيدة صامتة تغادرنا في الساعة الثالثة ظهراً بعد أن تقوم بكل ما يلزم من النظافة والطبخ.
    نادى مايكرفون الجامعة باسمي لمراجعة عميد الكلية عدة مرات، فنبهني رفاقي وذهبت للقائه، أدخلني الفراش إليه فاستقبلني بلطف مميز، وجلس إلى جانبي وسألني عن أحوالي، وإذا كنت بحاجة لشيء من المساعدة وخلافها، ثم قال لي بأن الأستاذ مصباح غلاونجي رفيق والدي ويشغل منصب وكيل كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة، وزير التربية والتعليم المركزية، في الوزارة المركزية، هاتفه بأن أراجعه في الوزارة، فذهبت لمقابلته، ولم أجده لكنني وجدت الأستاذ سمير الدروبي رفيق عمي الذي أعرفه من سوريا، فأعطاني مبلغاً من المال أرسله والدي، وسألني إذا كنت أحتاج شيئاً، فرويت له مقابلتي مع عميد الجامعة وحفاوة لقائه وتهذيبه الكبير، وعدت للجامعة فاستدعاني العميد فرويت له أنني اجتمعت بسمير الدروبي وكان الأستاذ مصباح غائباً، فسألني عن مدى معرفتي به فأخبرته أنه صديق والدي ونحن أبناء مدينة واحدة، فودعني بمثل ما استقبلني به من الحفاوة والاحترام.


    يتبع

  3. #33
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (27)



    انتهى العام الدراسي، في أوائل شهر يونيو فغادرت مصر على أمل العودة في خريف العام القادم، ووصلت إلى دمشق وركبت وسيلة نقل عام أنزلتني على مفرق جبلة، وهناك سيدة لديها مظلة سقفها قش يستريح تحتها المسافرون، وكانت تعرفني فسألتني عن ولدها الذي ذهب معي إلى مصر يتعلم الطب بجامعة القاهرة فأخبرتها أنني لم ألتق به خلال وجودي في القاهرة أبداً، وبجانبها رجل سائق جرار أعرفه قال لها:
    _ أليس ابن فلان الذي قتل له ولد قبل يومين.
    _ فانتبهت المرأة إلى حالة الذعر التي أصابتني، فأجابته مسرعة:
    _ لا ذاك ابن توفيق جنيكة مدير المال.
    ملأني الجزع، وأحسست من نظرة الاثنين إلي أن خطباً قد وقع، فركبت اول سيارة عابرة إلى منزلنا وذهبت أحضر مفتاح المنزل من عند جارنا الخضري، فأعطاني المفتاح قائلاً:
    _ العوض بسلامتك لقد حزنا للحادث الأليم.
    نحن ستة ذكور أنا وخمسة غيري، فمن منهم يا ترى، لم أجرؤ على سؤاله، وخفت أن أنهار في الشارع، وكان هناك جارنا اللصيق، وصديقنا المقرب قد لمحني هو وزوجته فأقبلا مسرعين، ونظرا إلي بإشفاق وقالا: لقد حزنا كثيراً وصعدنا إلى القرية فوجدنا اهلك في أسوء حال، سألتهما :
    _ من منهم؟.
    قالا:
    _ زين .
    كان زين صغيرا وكان رقمه 5 في الذكور، فطبلت منهما أن يتركاني لوحدي، وما أن خرجا حتى انفجرت باكيا، شعرت بأن نفسي قد انقطع، ولا أعرف إذا كان قد أغمي علي لفترة، وحينما أفقت غسلت وجهي ونزلت إلى السوق فأخذت سيارة لاندروفر للقرية، وهناك مسير ربع ساعة إلى البيت، وحينما رأيت والديَّ وجدتهما منهارين، وقد ضمني والدي باكياً متقطع الأنفاس، وما زلت أتذكره وقد تهالك على كتفي، وأذكر والدتي التي علت وجهها صفرة الموت، وَأنا الآن أبكي وأنا أخط هذه السطور الحزينة.
    كان زين في الثامنة من عمره، كان أسمر يشبهني تماماً، كان يلعب مع رفاقه فسقط على صخرة سقطة أودت بحياته، وبقيت حتى الآن ذكراه الدامية تلهبنا أسى.
    بعد وفاة اخي قررت أن أبقى إلى جانب والدي وان أكمل دراستي في سوريا، فقد افتتحت كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وفيها قسم الهندسة المعمارية، وهو المطلوب.


    • صمت البلبل
      إلى أخي الصغير زين الذي تركنا طفلاً
      _______________________________

      ... كان طفلاً مثلَ أكمام الزّهَرْ
      أو هلال الأفق في بدء العُمُرْ
      يملأ البيت حناناً دافئاً
      وصراخاً وضجيجاً وبطَرْ
      وإذا ضوَّتْ بثغرٍ بسمةٌ
      تحسب الصّبح تجلّى وسَفر
      أسمرٌ لكنه في خدِّهِ
      وردة الشّمس وأنوار القمر
      عندما يُقبل مسروراً ترى
      كلَّ من في البيت صلى وشكر
      أو يسيل الدّمع من أجفانه
      تجد الدمع بعينينا طفر
      حين ناغى ذات يوم أمّه
      صار يوماً من تواريخ البشر
      أو حبا من بعد حينٍ سكرت
      أمّةُ الله بأكواب السّكَر
      أو خطا في البيت دوّت صرخةٌ
      فكأن الحقَّ في القُدسِ انتصر
      أو كأن العرب عادوا أمةً
      مثل أمريكا ووافانا الخبر
      **********
      كَبُرَ الطِّفلُ قَليلاً وَنَما

      مثلما تكبُر أغصان الشّجر
      ومضى في الحَيِّ يَلْهُو لاعِباً
      بين أترابٍٍ كآلاءِ السّحَر
      ذات يومٍ غائمِ الأفقِ همتْ
      من مآقيه شآبيبُ المطر
      خرج الأطفال في موعدهم
      كالعصافير الزّغاليل الصّغر
      يتبارون سباقاً للذرا
      فوق تلٍّ من عماليق الحجر
      زلّتِ السّاق به في عثرةٍ
      فهوى ما بين أحضان القدر
      وسرى الشؤم بأمواج الصّدى
      تطعن الحيَّ فيدمى بالخطر
      صمت البلبل في روض المنى
      وغفا الأنس بأطراف السّمر
      *********
      أوائل يونيو 1960
    • حسين جنيدي


    يتبع.
    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 11-08-2015 الساعة 01:37 PM

  4. #34
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (28)



    كان صيفَ نكد وأحزان، لم يقتصر فيه الأسى على بيتنا بل تناول كل بيوت عائلتنا، لم نستعد أبداً صفاءنا ذلك الصيف المفجع، خاصة وأن مجتمعنا البسيط يؤول الموت والحياة كما يريد ويدخل فيها الأحلام والأولياء ونذور لم توف، وحقوق لم تدفع، ودم على شكل سيف، وكل ما يخطر ببالك من مجتمع بسيط.
    أصعب ما كان هو العودة من مصر، ورحلتي فيها لم تكتمل، فلم أزر أغلب الأراضي المصرية ، حتى الإسكندرية حاضرة مصر الثانية، وحاضنة الثقافة والفلسفة لقرون، من فيثاغورث إلى أفلاطون وأفلوطين وفليون إلى مرقص الحواري البسيط الصادق، لقد حضرت في مصر خطاباً لناصر أمام وزارة الصحة، وبعد الانتهاء من الخطاب تدافع الناس للخروج من البوابة، فتدخلت الشرطة على الخيل بالسياط، وشاهدت منظراً مؤلماً استغربته، وكان به بعض الضحايا البسطاء الذين جاؤوا يسمعون رئيسهم فدفعوا حياتهم ثمناً لذلك.
    لم أشف غليلي من مصر، كنت أطمح إلى أن أزور كل أراضي مصر، من بلاد النوبة إلى البحر.
    حينما ولى الصيف نزلنا إلى مدينة جبلة، كانت المدينة وقتها مدينة صغيرة يسكن أغلب سكانها ضمن سورها القديم، ولا يتجاوز عدد سكانها الخمسة آلاف، وكان منتزهها هو شاطئها الصخري، وميناؤها الرملي، ولم يكن الشاطئ وقتها مخططاً وهو الآن كورنيش عريض يمتد إلى عدة كيلو مترات، ويزيد عدد سكانها عن مائتي ألف نسمة، وتضم المدارس الذكرية والأنثوية، والمشافي الحكومية والخاصة وجميع دوائر الدولة، ولا يحتاج المواطن أن يذهب إلى مركز المحافظة في اللاذقية إلا في الأوقات النادرة.
    كانت المدينة تحتاج إلى ذبيحتين خروفين فقط في اليوم وكانا كافيين للمدينة كلها. ينبئك ذلك عن الحالة الاقتصادية لبلدة صغيرة.
    وأؤكد للقارئ الكريم أننا كنا ننال الاحترام والمودة في بلدة سكانها جميعاً من الإخوة المسلمين السنة، وكان والدي وجدي يذهبان للصلاة في جامع السلطان إبراهيم الجامع الكبير في المدينة، فيقابلون بالتقدير الفائق.
    وما زال رفاقي أغلبهم من إخوتي أبناء المدينة، والمودة والإيثار عنواننا، وما زالت عندما أسير في شوارع المدينة القديمة، ألقى من كبار السن:
    _ أهلاً بابن الشيخ رحم الله أباك وجدك.


    يتبع

  5. #35
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (29)


    حتى هذا التاريخ وهو أواخر عام 1960 كنت بعثياً أؤمن بالوحدة والحرية والاشتراكية، وأطمح لتوحيد الأمة كلها وفتح باب الحضارة العربية من جديد، كان الغرب مصراً على تسميتها الحضارة الإسلامية، وهو يعرف أن الإسلام عربي بنبيه وقرآنه، وأن الحديث عن علماء كالفاربي والخوارزمي وابن سينا، وابن النفيس، وغيرهم، لا نحسبهم على الإسلام وإنما على العرب الذين غزت حضارتهم الأصقاع البعيدة وهؤلاء من نتاجها.
    لعلني بطبيعة تكويني الاجتماعي والتاريخي، قوميٌّ متعصِّبٌ، فالعلويون عرب أقحاح، وكلهم من قبائل الأزد ، وما زالوا يستخدمون في لغتهم ألفاظاً بدوية كالأثافي والرحى، والطنب والمنارة والساموك وغيره، وحينما حل الحزب بقينا على تنظيماتنا القديمة، وبدون إعلان.
    كان لدى القواعد شكوك كبيرة في قدرة القيادة الحالية للحزب على النهوض بأعبائها التنظيمية والثقافية على المستوى القومي كان ميشيل عفلق مفكراً حالماً، لكنه كان بارداً غير مؤهل لأن يكون ثورياً، وكان صلاح البيطار رجلاً شامياً عتيقاً وسطحياً، وكان أكرم الحوراني ثعلباً ماكراً، يجيد التحالفات واللعب السياسي، إلا أنه كان أقرب إلى سياسيي سوريا التقليديين أمثال خالد العظم ومنير العجلاني ورشدي كيخيا وغيرهم من زعماء حزب الشعب والحزب الوطني وهما حزبان ليبراليان كحزب الوفد المصري، على صلة بطبقة الإقطاع والباشوات المتحالفة مع جهات أجنبية، إلا أن أكرم الحوراني كان اشتراكياً حقيقياً.
    ملت القواعد من القيادة الباردة وغير المؤهلة، وكان هذا عاملاً مهماً لالتفاف الجماهير حول قيادة جمال عبد الناصر الفاعلة والثورية، كان الحزب يناضل آملاً بوحدة الأمة، وهو الذي ضغط على قيادته لإقامة الوحدة، وما أن استقال أكرم الحوراني حتى استيقظت الأنا، وابتدأ التشكيك.
    كان التنظيم الحزبي يبدأ بالحلقة المؤلفة من عدة أشخاص إلى الفرقة في الحي أو القرية أو عدة قرى إلى الشعبة في مركز المناطق، إلى الفرع في مراكز المحافظات، إلى القيادة القطرية للقطر الواحد في العاصمة، إلى القيادة القومية في عدة أقطار وكان مركزها دمشق. وكان هذا الترتيب قادراً على وصول النشرات والجرائد الحزبية إلى الحزبيين.


    يتبع

  6. #36
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (30)


    كان تعداد دمشق في عام 1960 لا يزيد عن ثلاثمائة ألف نسمة. وكنت قد تعرفت على المدينة خلال زياراتها المتكررة مع والدي ولوحدي، وبسهولة استأجرت غرفة، في بيت بسوق ساروجة، وهو شارع قريب من مركز المدينة، بني البيت على الطراز العربي وهو ساحة حولها مجموعة من الغرف، صاحبها شامي شاب ولكنه شديد البخل، والوقاحة إذا أراد، وقد هدم الحي الآن وبقيت فيه المساجد وبعض القصور لعائلات شامية تركية كبيت يوسف باشا الذي اعتبر أثرياً، فاشتريت سريراً معدنياً وفرشاً ولحافاً وزوجاً من الشراشف، ووسادة مع وجهين، وطاولة تطوى لكي لا تشغل حيزاً.

    وقد سجلت مع الهندسة المعمارية في كلية الآداب قسم اللغة العربية، وقد أنسى أن اذكر أنني قدَّمت الامتحان الأول فنجحت في جميع المواد، ثم تركت الفرع لأنني وجدت أن هذا الفرع لن يفيد معلوماتي ولغتي وقواعدها في شيء.
    كنت قد أشرت سابقاً للقارئ الكريم أن التصميم المعماري في أيامنا كان يعتمد على الخيال فقط، وكانت مكتبة ابن سينا في المدينة تبيع مجلتين دوريتين، أحدهما الأرشيتكتور دي جوردوي ( العمارة اليوم ) والمجلة الأخرى أمريكية تهتم بالتفاصيل المعمارية. وكان هناك كتاب قيم اسمه ( نيفيرد ) يحتوي على القياسات الصحيحة لكل تفاصيل البناء، ولا غنى للمعماري عنه.
    لم أجد أي صعوبة في دراسة الهندسة الوصفية، ولا الرياضيات ( التفاضل والتكامل ) ، ولا في المواد النظرية الأخرى، ولكن المشكلة كانت في التصميم المعماري، والرسم الدقيق وإخراج اللوحات، وقد تيقنت أن أي شيء تريد أن تتعلمه وتكون مصمماً على ذلك تهين صعوبته مع الأيام، وتتذلل عقباته بفضل إرادتك القوية وعزمك الذي لا يلين.
    كان اسم عميد كليتنا السيد حسين فوزي، وكان فيها الكثير من إخوتنا المصريين رجالاً ونساء مدرسين وطلاباً، ما زلت أذكر منهم أستاذ التصميم المعماري المهندس سعيد نبيه، في حين كان أستاذ التصوير فنان مصري اسمه عباس متزوج من سيدة إسبانية فنانة هي الأخرى واسمها معقد، في حين كان بيننا بعض الإخوة المصريين منهم توأم حقيقي هما عمر وعثمان عبد السلام، وطالبة سمراء اسمها عفاف، وشاب سمين يشبه الممثل المصري يونس شلبي وشاب قبطي اسمه كمال مرقص، وبعض الإخوة الفلسطينيين، ونحن السوريون زهاء ثمانية عشر طالباً.


    يتبع

  7. #37
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (31)

    لم تنشأ صداقة تذكر بين طلاب الكلية من المصريين والسوريين، لأسباب متنوعة أهمها اللهجة، فلم يكن الإخوة المصريون يفهمون اللهجة السورية، في حين كان السوريون يفهمون االلهجة المصريةا بسبب الأفلام والمسلسلات والإذاعة، وبسبب أن أغلبنا أبناء ريف، وأن رفاقنا الشوام لم يتعرفوا على كرم الضيافة، وهم يحملون فكرة ان الوحدة استعمار مصري لهم، وأن الضباط البعثيين والقوميين فرضوها، فتضررت دمشق، وهم يرون أن الوحدة كانت غير مدروسة، وأنها يجب أن تقتصر على الوحدة السياسية والعسكرية.
    كان الشوام تاريخياً يحكمون سوريا، وكان بعض رجالات حلب يشاركونهم، وكانت حلب في ذلك الزمان مركزاً تجارياً وصناعياً ومالياً، تليها دمشق، وكانتا تضمان ثلث الشعب العربي السوري، لعلني أكتب بصراحة لن تعجب الكثير من السوريين ولكنها الحقيقة، وليعترض من شاء فلست مصراً على رأي، ولكنه انطباع صادق مع تقرير حقيقي.
    كان الإخوة المصريون ما عدا العسكر فلم يكن لي أي احتكاك بهم، كانوا يتعاملون بمنتهى الرقة، وكان أساتذتنا وكلهم مصريون رائدين في التعامل والمودة، وكان المهندس سعيد نبيه بيننا كانه أب للجميع.
    لم تكن الكلية وقتها تضم إلا صفاً واحداً، وكانت الاختصاصات هندسة العمارة، الديكور التصوير، النحت، لم يكن منها وقتها إلا هندسة العمارة، وافتتحت الأقسام الأخرى في السنة التالية.
    على كل حال فإن الطلاب الشوام كانوا أكثرية وقتها ولم يكن فيها من محافظة اللاذقية غيري أنا وطالب اسمه جورج أزرق من قرية البزاق القريبة من طرطوس، ومن دير الزور فاروق المصطفى ومهيدي جراد وطالبان فلسطينيان، هما أديب أشلق وعلي نجم، وطالبان من السويداء هما نجيب جعفر ويوسف حاتم، وهذه عصابتنا التي شكلناها بعد الانفصال، وكلنا كنا بعثيين وقوميين.
    كان الأستاذ المهندس المعماري سعيد نبيه ينتبه إلينا نحن أبناء الريف ويلقننا ببساطة ورقة، وأفادنا كثيراً في مبادئ التصميم والرسم الهندسي وترتيب اللوحة وإخراجها.

    يتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 18-08-2015 الساعة 04:54 AM

  8. #38
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (32)

    كان العام يجري بطيئاً، كان بيننا عدد من الطالبات، ولم نكن وقتها نهتم إلا بالدراسة، وربما بالتنافس مع زملائنا الشوام، وكانوا أي رفاقنا الشوام دمثي الأخلاق متزلفين، ولم نكن نحن أبناء الأرياف كذلك، لم نكسب ود أساتذتنا بالتقرب والتزلف، بل كنا نحترمهم كآباء، وكانوا يعرفون ذلك، وقد دخلت مكتب الأستاذ سعيد نبيه ذات مرة فوجدته يصمم بناء سكنياً قال لي إنه بمصر الجديدة، وأجلسني إلى جانبه قائلاً:

    _ انظر يا بني مهما حاولت أن تجمل البيت من الخارج فلن تفلح إذا لم يكن جميلاً ومريحاً من الداخل، انظر يا بني البيت ثلاثة أقسام الضيوف والنوم والخدمة التي يحب أن تكون بين قسمي الضيوف والنوم، أما قياسات الغرف فتأخذها من المراجع ككتاب النيفرد، يبقى عليك أن تحاول وتحاول حتى تقتنع أن المنزل مريح بالشكل الذي توصلت إليه، ثم أعمل مخيلتك لكي تكون الواجهات جميلة ومتناسقة وستعرف ذلك مع الخبرة.
    وفعلاً كان ذلك كافياً وما زال. ذات مرة دخلت إلى غرفة العميد وكان بعد رأس السنة، فوجدت مكتبه مليئاً ببطاقات التهنئة ولمحت أسماء الوزراء ورئيس الوزارة وكبار الموظفين السوريين، عندها عرفت أنها مدرسة النفاق، وأن الموضوع لن يطول، وأن مثل هذه التصرفات لن تثمر مجتمعاً متكافئاً، لأنني أعرف الحكومات المتتابعة بعد الثامن من آذار ووجدتها لا تمارس شيئاً من ذلك.
    لا حظت أن كمال مرقص وكان شاباً طويلاً جميلاً لا يختلط بإخوته المصريين، ولم أسأله فقد عرفت أن الموضوع مذهبي، وأن المجتمع المصري وقتها لم يكن يقبل أن يكون للأقباط شأن يتساووا فيه مع إخوتهم المسلمين، وكان الطالب السمين، يروي الحكايات المضحكة عن الخواجات، وأرى كمال يلتفت عنها وكأنه لا يسمعها.
    كنت في مصر الجديدة قد سكنت عند ضابط قبطي وقد ذكرت ذلك سابقاً، كان وزوجته يعاملوننا أنا ورفاقي معاملة طيبة، ولم أعرف أنه قبطي إلا من الحلاق على الناصية، والذي كان إخوانياً، وكم تناقشت معه حول عبد الناصر والوحدة، فقال إن ما يجمعنا هو الدين لا القومية، وحينما كنت أعيبه في أنه كان يفضل مذهباً على مذهب كان يقول:
    _ هذه مسائل سنجد لها الحلول المناسبة، ونحن الآن في سورية تعرفنا على حلول الإخوان المناسبة، أنهار من الدماء في كل مكان.


    يتبع

  9. #39
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (33)

    انتهى العام الدراسي 60 / 61 فانتظرنا النتائج وترفعنا، وعاد كل منا إلى منزله في بلده، وكنت قد دعوت أساتذتي إلى زيارتنا في القرية فاعتذروا بأنهم سيعودون إلى مصر فقد اشتاقوا إلى أسرهم، ولم أعرف أنه آخر عهدي بهم.

    من المؤسف جداً أن تتحول الحياة العادية إلى دراما، لقد مررنا بأوقات عصيبة، وسياسات خاطئة عبر الانقلابات العسكرية، لكن هذه المرة كنت خائفاً على الوحدة التي أعتبرها وما زلت أهم إنجاز للأمة في العصور الحديثة. وكانت الإشارات تتكاثر وكلام نسمعه من الشارع، كنا نخطئ عبد الناصر بعداوته مع حزب البعث، ولكن هذا لا يمكن أن نقبل أن يؤدي إلى الانفصال.
    لعن الله من عمل على الانفصال، من الدول العربية والأجنبية، ولعن الله الضباط الشوام الذين غدروا بها ذات ليل، فقد باعوا شرفهم بوقاحة منقطعة النظير، لقد تحالف عبد الناصر بعد استقالة الحوراني مع أعداء الوحدة واطمأن إلى الذئب الذي لا بد أن يغدر ويخون.
    عدت إلى القرية وزرت قبر أخي الصغير قبل أن أدخل البيت فوجدت والدتي جالسة إلى جانبه وقد بللت وجنتيها الدموع وذبلت عيناها من البكاء، فحملتها على المغادرة ، وذهبنا معاً إلى البيت.
    ليس كالأم شخص مقدس في الأسرة، إنها تحمل وتعاني من المخاض، ثم تربي وتعود فتحمل وتتعب وتعاني وبسعادة وصمت، وكم أكبرت قول المسيح بن مريم في القرآن " وبراً بوالدتي " لقد كان القرآن المنزل على الرسول ليبلغه للناس كافة بلا تمييز بين مسلم وغيره أو مذهب وغيره، وما نراه الآن من جرائم لا تقترب من الإسلام عقيدة وخلقاً، وتتناقض مع قول الله سبحانه في جميع الملل والنحل، وتستنكرها حتى القلوب الجافة إذا كانت تحمل بقايا من ضمير.


    يتبع

  10. #40
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,172

    افتراضي

    (34)


    كان صيفاً هادئاً نسبياً، كنا نجلس للسمر، وكان رفاقنا البعثيون يلوذون بالصمت، وكنا نخرج أنا وعمي محمد للصيد وعندنا طيور كثيرة كالحجل والسماني والورور، وعصافير التين, وربما الغزلان التي كنا نربأ بأنفسنا أن نطلق النار عليها. وفي الصيد الكثير من المسير وهبوط الوديان وصعود القمم، وكان كلب الصيد دائباً في البحث عن الطرائد، فإذا اقترب منها جمد في مكانه حتى نصل إليه فنقف في موضعين متقابلين معه، ونأمره فيهجم فيطير من أمامه رف الحجل ويكون عادة حولي العشرة، فنطلق عليه النار لنصيد اثنين أو ثلاثة ، ونعود قافلين بصيدنا إلى البيت حيث نقيم عليه وليمة ندعو إليها اقاربنا ، فنتناول معهم ثروداً شهياً من لحم الحجل اللذيذ والمرق وبعد أن نكسر خبز التنور ونصب عليه المرق واللحم نستمتع جميعاً بوجبة هنية.
    نحن قوم بسطاء ودودون، وكانت البيوت وقتها من الحجر والطين وسقفها من جذوع الأشجار الغليظة تحمله عضائد خشبية نسميها (الساموك ) وهو جذع شجرة على شكل حرف y يحمل فوقه خشبة أخرى نسميها ( المنارة ) تتداخل مع الساموك بحفر ونتوءات تجعلهما قطعة واحدة، طولها حوالي مترين ونصف ، وتحمل المنارة الجسور الأساس وهي جذوع أشجار عملاقة مهذبة قليلاً، وفوق هذه الجسور الغليظة ما نسميه ( وصلات ) تمتد على شكل منتظم كل نصف متر واحدة، فوقها جذوع متوسطة الثخانة تكاد تلتصق ببعضها، نسميها ( فروداً ) ثم نبات شوكي كثيف نسميه بلاّن، وفوقها تراب أبيض، يرش بالماء ويدحى بمدحاة حجرية، كان البيت مكاناً فسيحا بعرض حوالي تسعة أمتار وطول يختلف حسب وجاهة صاحب المنزل، وعندما تدخل إلى البيت عبر باب من الخشب الغشيم فوقه طاقتان يربى بهما طائر الحمام، تدخل إلى مكان منخفض، يفصله عن سيباط البيت درجة واحدة. ويستخدم مستودعاً للحطب يجمع خلال العام تحسباً لفصل الشتاء المثلج البارد.
    في وسط ( السيباط ) وهو مكان واسع يقع في زاوية البيت هناك الأثافي، وهي دائرة قطرها متر وحوافيها أعلى بحولي 10 سم، وأرضها أعمق من السياط بحولي 10سم، وكانت من البلاط الحجري ويفضل أن تكون بلاطة واحدة، تستخدم موقداً وفراناً حيث توضع فوقها أثفية معدنية بثلاث قوائم لحمل القدور حين الطبخ.
    ذكرت هذا الوصف وأحجمت عن بعض التفاصيل لكي لا يطول الشرح، لأطلع القارئ الكريم على الحالة الاقتصادية لسكان الجبال وقتها، وقد انقرضت حالياً هذه البيوت وأقيم مكانها أبنية حديثة.

صفحة 4 من 14 الأولىالأولى ... 23456 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •