صفحة 8 من 14 الأولىالأولى ... 678910 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 71 إلى 80 من 133

الموضوع: بناة الوطن ..مذكرات المهندس السوري حسين جنيدي

  1. #71
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (65)

    صبيحة الخامس من حزيران 67.
    أعلنت إسرائيل قصف جميع المطارات المصرية وإخراج سلاح الجو من المعركة. وأستطيع أن أؤلف كتباً كثيرة وأنا أصف ما يجري في مطار المزة العسكري، كان لكل شخص في القاعدة قصته، وكان الأغبياء مثلي يبحثون عن أمل، أو بصيص ضوء لم يجده أحد، كانت السرية جاهزة بعناصرها وآلياتها البسيطة، وكان العمال العاديون يطالبون بالسلاح، وكانت عناصر القاعدة كلها في حركة كخلية النحل، ولكن بدون عسل.
    نحن شعب سوريا شعب طيب وذكي لكنه حالم، وهمومنا أكبر من إمكاناتنا، لذلك عانينا الفشل، كنا فاشلين دائماً، وقد أسقط بعض الضباط الهامشيين الوحدة، فاستكنَّا، ولو أننا قمنا بمواجهة الانقلابيين منذ البداية وإفشال انقلابهم لاختلف كل شيء، ولتغيرت جغرافيا المنطقة واختلفت توازناتها، ولركع السعوديون رغماً عنهم.
    حمل العسكريون السلاح، وكله بارودة كلاشينكوف، وحملوا كمامات الغاز، وأخذوا جميعاً ينظرون إلى الجنوب بانتظار وصول طائرات العدو.
    كان الانفصال أول نجاحات السعودية في سوريا، ولم أكن وقتها أدرك أن حرب 67 ستكون الانتصار الثاني لها، ولم أدرك أننا أمة فاشلة على مختلف الصعد، وها أنا بعد قرابة نصف قرن أمسح دموعي التي أذرفها على مصير أمة ضيعت بوصلتها ولا تعرف أين تتجه.
    لقد شعرت كما يشعر الرجل وهو يراقب موت أمه ويدعو ولا يعلم أن النبي الذي كان يحيي الموتى قد مات هو أيضاً، أي أمل هذا الذي أكذب على نفسي وأستجلبه، وهو وهم.
    قال لي صديقي المهندس جان عازار الذي كان يؤدي الجندية الإلزامية معي، وهو شاب شيوعي من حلب قال:
    - لقد أكلناها، الغرب وإسرائيل واحد، وحينما تهاجم إسرائيل فهذا يعني أن النتيجة محسومة لصالح الأعداء.
    صعب علي هذا التصريح، وشيء يحفر في رأسي أن كلامه صحيح، وقد حاولت أن أطرد الوساوس من فكري وقلبي، ولكنني فشلت.

    يتبع

  2. #72
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (66)

    بعد تحميل وتنزيل للطائرات ميغ 17 وحساب الوقود ومسافة الذهاب والإياب، استغرقت هذه العملية ساعات، أقلعت الطائرات، وبعد وقت عادت مسرعة لتحط على الترمك وهو القسم الإسمنتي في أول وآخر المهبط، ويركض الطيارون نحو المخابئ.
    ألا تعتقد معي يا سيدي أن ما جرى كان مؤسفاً حقَّاً، ألم يكن لدى الملاحة الوقت الكافي خلال سنوات لتقوم بحساباتها، وتوفر هذا الوقت المجنون، ألا يجعلك ذلك تدخل في حيرة لا تجد مخرجاً منها، ننتظر السنين لننعم بنصر وإن يكن صغيراً، فنتفاجأ في أنفسنا قبل العدو، هل وقع العدو في مثل أخطائنا؟. أم تجاوزها، هل هناك في العالم من الأسكيمو إلى مجاهل أفريقيا من هم أغبى منا.
    ألم يكن باستطاعة الطيارين توجيه وإخفاء طائراتهم أثناء هبوطهم بين أشجار الزيتون القريبة، بدلاً من أن تصطف على طرف الترمك وكأنها سرب حمام حط على خط توتر عال.؟.
    ألم يكن على القادة الحائرين إبان هذا الهجوم المتوقع أن يكونوا قد أعدوا نفسهم وغيرهم لمواجهة مثل هذه الظروف، بدلاً من الجيش العقائدي الموالي للحزب، مع ألف علامة استفهام؟.
    هل يجب أن يقبل الناس تقسيمهم إلى أصدقاء أو أعداء، أنصار أم غير موالين، وبدلاً من التشدق بالعروبة وشعاراتها الرائعة، أن يعملوا لرفع رأس أمة أكلتها العصور المتلاحقة من التزوير والبطش.
    أي مصيبة حلت بنا ولم توقظنا من سبات دام ألف عام؟. هل تورق أشجار الزيزفون المتهالكة بعد شتاء قاس وطويل، كيف أيقظ ناصر أمة العرب، وأيقظ معها التافهين المجرمين فتنادوا لتدمير الأمة، أي مصيبة في العالم لم يكن وراءها الإنكليز والصهاينة، من جنوب شرق آسيا والهند مروراً بأفريقيا وإلى غرب الولايات المتحدة.
    لقد مسخ التاريخ حتى اليونان دمروا حضارتها الإغريقية ولغتها اللاتينية ولا ترى فيها من يعرف الكثير عن هوميروس وفيثاغورث وسقراط وأفلاطون وأرسطو، أجداد أجدادهم.
    خلق الإنكليزي لئيماً بطبعه، وخلق اليهودي طماعاً بلا عهد أو ميثاق، إذا كنت تريد معرفة ذلك فتصفح عهدهم القديم ولا عهد لهم تجد العجب، وتكاد تستفرغ من القرف، أنبياء زناة، وأبناء غادرون ، ونساء زانيات، تذكروا إستر الزانية التي قدمها قوادها مردخاي إلى كورش ليعتبرها اليهود قديسة. أين الأخلاق يا بني إسرائيل؟. أم هي شيء لم تتعرفوا عليه.

    يتبع

  3. #73
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (67)

    في حولي الساعة الرابعة كانت الغارة الأولى، عدد من الطائرات تقصف المهبط والقنابل تثير الغبار وتقذف بالأحجار وقطع الإسفلت في الهواء، وابتدأت هذه الأحجار تشكل قذائف أخرى تتساقط بين الأبنية. وكانت أصوات الدفاعات الجوية قوية ومركزة، ثم أصبحت هدفاً لمجموعة أخرى من الطائرات المغيرة.
    كان الزمن يمرُّ بطيئاً، إلى حدٍّ ظننته قد توقَّف. وبين اللحظة واللحظة مسافة ألف قصة، مسافات طويلة مقطعة كأنها شذرات من كابوس، لا أحصي عدد دقات قلبي، ولا أعدُّ أنفاسي، وما بين وصول طائراتنا التي يبدو أن هجومها كان الأول والأخير وابتداء الغارة الأولى ما لا أطيقه من الأحاسيس والمشاعر.
    خرجت من المكاتب وأمرت العناصر بالتوجه إلى الخنادق، وناديت سائق الجرار أن يبقى قريباً مني، كان المهندسان المجندان جان عازار وهشام صابوني يسيران إلى جانبي وكان الرقيب أحمد ضابط الثكنة يمشي خلفنا.
    لا أقول إنني لم أشعر بالكثير من الهلع، ولم أستطع تفسير ذلك، فلعلها طبيعة الدفاع عن الحياة، أم أنه ضعف في الإعداد النفسي والاجتماعي، ولعل كل الناس تشعر بما شعرت به في حادث التعرض للموت، سؤال بحاجة إلى جواب.
    استمرت الغارة زهاء ربع ساعة، ونظرت فوجدت على يميني المقدم ناجي جميل، ومعه ضابط أو ضابطان من قيادة القاعدة، كان أكثر مني هلعاً واضطراباً، لدرجة أنه لم ينتبه لوجودي بجانبه، في هذه اللحظة هوت إحدى الطائرات المهاجمة واحترقت أمام هنكار إصلاح الطائرات.
    لقد أسقط أبطال الدفاع الجوي هذه الطائرة من طراز ميراج، ولكن مع الأسف فقد سقطت على خندق الإطفاء فأحرقت معها بعض عناصر الإطفاء، يبدو أن الحظ السيء ما زال يتابعنا.
    قال لي سلطان سائق الجرار:
    - سيدي أتسمح لي أن أقطر طائرة بين الغارة والغارة، علني أنقذ عدداً من الطائرات، فإن الطائرة المحترقة تشعل التي بجانبها.
    - بالعكس إنه عمل عظيم، ضعها تحت أشجار الزيتون شرق القاعدة.
    - نعم يا سيدي وهذا ما سأفعله.
    ذهب سائق الجرار يتسلل بين الأبنية وصولاً لأول المهبط، وكنت أراقب عناصر سرايا الدفاع وهي تتسلق تلال المزة وكأنها سرب من الأغنام، تباً لهذا الانكسار أشعر الآن بالخزي والعار

  4. #74
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    ( 68 )

    ذهب سائق الجرار لأداء مهمته بقطر الطائرات وتوزيعها في ظلال شجر الزيتون ببلدة ( داريا ) التي تقع بساتينها شرق القاعدة، وكان اسمه سلطان وهو رجل قصير القامة كروي الرأس أفطس الأنف قوي الملامح، وراقبته وهو يتسلل بين الأبنية بحذر متجهاً إلى الترمك حيث تجثم الطائرات، وتابعته بنظري حتى اختفى.
    كان ناجي جميل قد ابتعد عني عدة خطوات، ولاحظته يتبادل الحديث مع الرائد محمود عزام، وهو طيار بعثي فلسطيني أحترمه،
    تتابعت الغارات، وبقي ذهني مشغولاً على سلطان سائق الجرار، فقررت أن أبحث عنه.
    خرجت من الخندق لأجد أن طرقات القاعدة لم تعد جاهزة للمشاة، بسبب تناثر الحجارة الكبيرة والصغيرة فوقها بنتيجة القصف، فمشيت بجوار الجدران حتى تجاوزتُ الأبنية، وظهر المهبط، كان كالفتى المنكوش الشعر، أو كوجه فتاة عبث به حب الشباب، ولمحت سلطان يقطر طائرة إلى ظلال الزيتون، واقتربت من الطائرة التي سقطت بالقرب من هنكار الإصلاح، كانت طائرة من طراز ميراج الفرنسية، وكان قائدها متفحماً داخلها.
    أصبح هدف الغارات الصهيونية تدمير الدفاعات الجوية، وفي الغارة الثانية احترقت طائرة أخرى هوت وراء تلال المزة، ولكن صوت الدفاعات الجوية صار يخفت شيئاً فشيئاً، وبعد الغارة الرابعة سكت.
    كم شعرت بالأسى والقهر، وكم اضطربت الأسئلة في ذهني:
    - أحقاً نحن نريد أن ننتصر، أم أنها سادية طلب العذاب، ألن يقول القارئ الكريم أننا امتهنَّا جلد الذات، فلو حاربنا العدو الصهيوني كما نحارب بعضنا الآن لدمرناه، السعودية تريد أن تقهر اليمن فتقتل العجزة من النساء والأطفال وكبار السن، كل هذا باسم المعاداة لإيران، في حين أن الصهاينة على الحدود، ويحتلون جزيرة من الأراضي السعودية المقابلة لمضيق تيران، المتشددون يقتلون العرب في سوريا والعراق وكأنهم في المسلخ، ذبحاً وتقطيعاً، أليس الصهاينة موضوعاً أجدر من موضوع الأهل والجيران في هذه الأقطار، ما هذه الشجاعة المنقطعة النظير التي يتمعون بها في قتال مواطنيهم، وفلسطين تنادي وا غوثاه.
    انتهت الغارة الخامسة والأخيرة، ثم جاءت بعدها طائرة ركاب صغيرة، كان العسكر يعرفونها في الجبهة ويسمونها أم علي، وابتدأت بالتصوير فوق القاعدة ، فوق المهبط ومرابض المدفعية، وسرايا الدفاع عن القاعدة، والأبنية، كانت الطائرة بيضاء كالحمامة، تتسع لقليل من الركاب، وكان قائدها يبدو واضحاً عن ارتفاع مائتي متر فقط، وقد امتنع أو مُنع الجنود من إطلاق النار عليه لأسباب لم أعرفها حتى الآن، فاستراحت الطائرة في التصوير وأخذت وقتها بالكامل. ثم رجعت من حيث أتت.
    بعد غروب الشمس بقليل سكن الجوُّ، ولم تعد تسمع إلا تمتمات وهمهمات وسباب.

    يتبع

  5. #75
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (69)

    سكن الجو في قاعدة المزة بعد الغروب، أما أنا فقد كانت همومي بعرض الأفق، فهناك طائرات يجب أن تنطلق إلى قواعد بعيدة عن الجبهة، ولكي تنطلق يجب إصلاح المهبط، وذهبت إلى المقدم ناجي جميل في قيادة القاعدة فوجدته يذرع غرفته ذهاباً وإياباً، وحينما رآني سأل:
    - ماذا وراؤك؟.
    - لقد أنقذنا ثلاث عشرة طائرة، ويجب أن نرسلها إلى قاعدة بعيدة.
    - هذا عملي أم عملك.
    - بدون عملي فلن تخرج هذه الطائرات أبداً.
    - ماذا تريد؟.
    - تنظيف المهبط من العوائق.
    - وما هذه العوائق؟.
    - حطام الطائرات المحترقة، والقنابل غير المنفجرة، وطلقات المدافع المتساقطة من الطائرات المحترقة.
    قام ناجي جميل بالاتصال باثنين من ضباط القاعدة، أحدهما الرائد عدنان سلحدار الذي أجابه بأنه مهندس جوي ولا عناصر لديه، ثم اتصل بالثاني وهو الرائد أحمد بركات من سلاح المهندسين الذي اعتذر بأن لا عناصر لديه وأن عناصره خرجت من القاعدة ولا يعرف مكانها.
    نظر ناجي جميل إلي بعجز ظاهر، فقلت له:
    - ستأتي الطائرات المعادية لتدمير ما تبقى من الطائرات ولن أكون مسؤولاً عن ذلك.
    - أي أنا المسؤول.
    - نعم فأنت قائد القاعدة.
    - وها أنا أفوضك باتخاذ كل الإجراءات.
    - كيف ستفوضني وعندك معاون وضباط أقدم مني.
    - إذاً ماذا أفعل.
    أثناء الحديث دخل أحد الضباط المهندسين في السرية وهمس بأذني:
    - سيدي هناك آليات ومهندسون بمدخل القاعدة معهم أوامر بالحديث معك فقط.
    قلت لناجي جميل:
    - سيدي هناك آليات هندسية تطلب الدخول إلى القاعدة وقد وضعت تحت تصرفي.
    - تصرَّفْ.
    ذهبت إلى مدخل القاعدة فوجدت مهندساً أعرفه في مديرية مواصلات دمشق، فقال:
    - أستاذ حسين نحن وآلياتنا تحت إمرتك.
    نظرت إلى قافلة الآليات فوجدت أنها تحتوي على كل ما أحتاجه، بلدوزرات وكريدرات وصهاريج ماء وقلابات ومداحي متنوعة، ومجموعة توليد ميدانية مع أضوية كاشفة. فرافقت الآليات والمهندسين إلى ساحات القاعدة ووزعتها متباعدة بجانب الأبنية، وتحت ظلال أشجار الكينا والصفصاف، وغادر السائقون والموظفون لأنهم من المدنيين، على أن يعودوا في صبيحة الغد.
    عدت إلى ناجي جميل وأخبرته وقلت:
    - بقي إزالة العوائق عن المهبط وجوانبه.
    - أنا ليس لي حيلة اليوم لتجاوز هذه المسألة، حييته وخرجت.
    اقترب مني المهندس جان عازار وقال:
    - نحن أربعة يا سيدي فلم لا نقوم بإزالة هذه العوائق.
    شعرت بالشفقة فلو انفجرت بهم أي قذيفة فإنني سأبقى بقية العمر أندبهم، وشجعت نفسي بأنني معهم ما يحدث لهم سيحدث لي، فتوكلت على الله.
    حوالي الساعة الثالثة صباحاً كنا قد أزحنا جميع العوائق، ما لم نستطع حمله جررناه بسيارة الويلس خاصتي. فأصبح المهبط جاهزاً للإصلاح، وكانت الآليات الموجودة أكثر من كافية عدا الإسفلت، وكان همي الأول إبعاد الطائرات عن قاعدة المزة المتقدمة وإرسالها إلى قواعد في عمق البلاد ، ولو من مهبط ترابي.

    يتبع.

  6. #76
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (70)
    لم أنم ليلة السادس من حزيران، وخرجت مع أول ضوء أبحث في جبال المزة عن مقلع جاهز لنقل المواد الحجرية الصالحة للردم، فوجدته بجانب القاعدة وكأن أحدهم قد استخدمه لبعض الوقت وتركه.
    عدت إلى القاعدة وتفقدت المهبط قبل أن يصل موظفو المواصلات، واطلعت على مرابض المدفعية المدمرة، وكانت ما تزال تحوي بقايا لحمية من أبطال الدفاع الجوي، ورأيت الملاجئ البسيطة التي بنيتها صامدة، ولكن المرابض مهجورة ولم أجد فيها أحداً أستفسر منه، فقد كان بينهم ضباط تربطني بهم صداقة وثيقة.
    كانت آليات المواصلات الهندسية كلها من طراز كاتر بيلر الأمريكية الشهيرة، في حين كانت الشاحنات القلاب من طراز مرسيدس أما المداحي فكانت من طراز دايناباك السويدية على ما أذكر. إنها آليات عظيمة لم أكن أحلم بوجدها، يسرها الله لإنقاذ ما تبقى من الطائرات.
    وصل المهندس زياد وعناصره في الثامنة صباحاً، وقد اصطحبته إلى المقلع ثم إلى المهبط فوجدته عارفاً بشؤون إعادة الردم، وضغطه بعد رشه بالماء، ولم يكن لدينا الوقت لإجراء تجارب الكثافة ونسبة الرطوبة وغيرها، وفي الساعة التاسعة كانت الورشات جميعها في العمل ومعهم مهندسو السرية ، وكان جان عازار قد رافقني إلى المقلع، فأعطيته تعليماتي لكي يتولى الإشراف على تحميل شاحنات القلاَّب بالبقايا المستخرجة من المقلع، واستخدمت الصهاريج فوهات الإطفاء للتعبئة، عموماً فقد كان العمل يسير بشكل صحيح وبسرعة ولم ينقض النهار إلا وكنا قد أنجزنا 80% من المهمة، في الساعة الثامنة تماماً انصرف عناصر مديرية مواصلات دمشق على أن يعودوا غداً صباحاً باكراً.
    لم أعد قادراً على مقاومة التعب والكرى، فقد أحسست بأن جسمي ينهار، وحينما فكرت بمكان لم أجد إلا مكتبي، غير أن موظفي السرية المدنيين لم يداوموا في القاعدة بعد القصف، فوجدت سريري مليئاً بالغبار لكنني استلقيت ورحت في شبه غيبوبة استمرت حتى الصباح.
    استطاعت الكريدرات ثم الصهاريج أن تؤهِّل طرقات القاعدة، ولكن القاعدة بقيت وكأنها ميتة لا حس فيها إلا صوت الآليات المزمجرة هنا وهناك، وعند ظهيرة 7/6/67 كانت الأمور قد انتهت، لقد جهز المدرج لاستخدامه لتهريب الطائرات بعيداً عنه.
    أخبرت قائد القاعدة ورجوته أن يتصل بمدير مواصلات دمشق ليشكره على حسه الوطني ، وأن يمر على عناصر الورشات ويظهر الاهتمام بهم. ولا أعرف إذا كان قد فعل.


    يتبع

  7. #77
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    (71)

    لا يمكن أن أصف الموقف النفسي لكل المواطنين، أمر بالانسحاب من أكثر جبهات العالم تحصيناً، ترك القرى والبلدات عرضة للاحتلال، انسحاب الجيش ودوائر الحكومة من محافظة القنيطرة كلها، ضباط من سلاح الهندسة طالبوا من سجنهم بتهم سياسية بأن يخرجوا من السجن لزرع طرقات يمر عليها العدو بالألغام، هذه لم تكن هزيمة عسكرية فالجيش لم يقاتل، ولكنها هزيمة سياسية، قدم الرئيس جمال عبد الناصر استقالته فرفض الشعب قائلاً: لن يسقط عبد الناصر على يد الكلب موشى ديان، أما سوريا فلم يستقل فيها أحد بل رفع الضباط المهزومون الضائعون رؤوسهم عالياً وكأنهم ربحوا المعركة.
    نزلت إلى دمشق لبعض الوقت، فكان سكان المدينة يقطعون الأشجار ويصنعون منها متاريس لقطع الطريق، وأقرر بحق أن شعب مدينة دمشق كانوا أشجع وأكثر تنظيماً من جيش انسحب عشوائياً من أحصن المواقع.
    في القاعدة كان كل شيء جاهزاً لخروج الطائرات اعتباراً من السابع من حزيران، وقد تأخر ذلك إلى صباح الثامن من يونيو حزيران، حيث انسحبت من المطار خمس طائرات ميغ 17، وفي الأيام اللاحقة انسحبت بقية الطائرات.
    لا أريد أن أجعل من بناة الوطن تاريخاً لنكسة حزيران، ولكنني أؤكد أنها كانت أياماً صعبة علي، خسرت بها قسماً من وزني، ليس بسبب الجوع فإن أهل المهندس محمد الساسا من حي الميدان الجنوبي كانوا يرسلون لنا كل يوم حلتين كبيرتين من الطعام، وأعتبرها مناسبة لأن أشكرهم الآن بعد كل هذه السنوات، فقد كانوا أهلاً كرماء.
    على كل حال فقد جاءت برقية بإعادتي إلى فرع إنشاء المطارات، وكان ذلك من دواعي سروري فقد اكتفيت.

    يتبع

  8. #78
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    72


    ابتدأت القصة في دمشق صيف 65 أثناء زيارة والدي لدمشق، حين وجدني منهكاً والبيت متسخ، والطعام من المطاعم، والغسيل عند المصبغة، عندها نظر إلي مهموماً وقال:
    - يجب أن تتزوج بالسرعة الكلية فهذه الحياة غير مرتبة، وقد تمرض.
    - لقد آليت على نفسي أن لا أتزوج حتى أفي بالتزاماتك، لقد تكبدت المشقة والديون ومن حقك أن ننزل عن كاهلك هذه الأعباء.
    - لن يؤخر الزواج في ذلك، فالبيت موجود والفرش غير مكلف.
    - أنت تدفعني يا أبي.
    - والعروس موجودة، فإن جيراننا قوم بسطاء مثلنا، وعندهم فتاة معلمة مدرسة على نصيب من الخلق والذكاء ، كما أنها على قسط من الجمال، لعلك تقابلها حين تسافر إلى جبلة.
    بعد فترة ذهبت إلى جبلة في إجازة قصيرة، وحينما كنت أجلس مع أختي في غرفة الضيوف في بيتنا بجبلة دخلت فتاة سمراء عريضة الوجه سوداء الشعر كثيفته، وقفتُ وبعد أن سلمت على أختي استدارت لتسلم علي، وما أن التقت عينانا حتى أحست بالارتباك، واحمر وجهها خجلاً، وحين وضعت يدها بيدي كانت يدها ساخنة مرتجفة، وكانت عيناها السوداوان الكبيرتان تحملان تعابير وكلاماً لا يحتاج إلى مترجم، لعل لغة الحب واحدة في كل مكان من العالم.
    - تشرفت بمعرفتك.
    جلست الفتاة على استحياء، وتبادلت حديثاً عادياً مع أختي ثم نظرت إلي قائلة:
    - الحمد لله على السلامة أستاذ حسين، أنا فلانة.
    - أهلاً بك آنستي الخجولة، تشرفت بمعرفتك.
    - لقد تشرفت بالتعرف إليك.
    - وأنا أيضاً تشرفت بالتعرف إليك يا آنستي على أمل أن نلتقي فيما بعد.
    لن أستطيع أن أعبر عن مشاعري، كانت الفتاة من حيث الثقافة والمنظر تبدو مقبولة، وقد خيل إلي أن هذه الفتاة ابتدأت تلج إلى قلبي الساذج البسيط.
    وخلال الأيام الثلاثة التي قضيتها في جبلة كنت أراقب الفتاة، وكنت أسمع وقع حذائها المميز على البلاط فوقنا، وربما سمعت صوتها الحاد المعبر، وانتظرت أن تنزل لعند أختي، ولكن ذلك لم يحدث.
    تعمدت أن أجلس في الحديقة، فنحن نسكن في الطابق الأرضي، وهي في الطابق الأول، لعلني أراها جالسة على الشرفة، أو وهي تنشر الغسيل، ولكن ذلك أيضاً لم يحدث، وانتهت الإجازة ويجب أن أعود إلى دمشق بعد الظهر.
    حينما كنت أجمع حاجاتي للسفر أقبلت بوجهها البهيج، ودخلت إلى غرفة الضيوف حيث تجلس أختي وولدها الصغير. فدخلت وراءها وقلت:
    - أنا مسافرٌ إلى دمشق فهل من غرض أو وصية من دمشق؟.
    قالت الفتاة:
    - بالسلامة، متى ستعود؟.
    - سأعود قريباً.
    قالت أختي:
    - سلم على عبد الكريم إذا التقيته.
    قالت الفتاة:
    - بالسلامة .

    يتبع

  9. #79
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    73


    كانت الحرب قد وضعت أوزارها، وابتدأت حرب استنزاف جديدة، تبادل الطرفان فيها القصف المركز، وكانت فعاليتها أفضل من حرب الستة أيام المهينة.
    كان فرع إنشاء المطارات القطعة الوحيدة في الجيش العربي السوري المستنفرة 100% وعلى مهندسيه وورشاته أن يعملوا بشكل متواصل لإعادة جاهزية المطارات إلى وضعها السابق قبل الحرب، وقد تم ذلك بسرعة فائقة وغطيت المدرجات ( المهابط ) بطبقات سميكة من الإسفلت، وتم تعويض الطائرات المدمرة من قبل الصديق السوفييتي الوفي.
    بقي موضوع ملاجئ الطائرات، فلم نكن نملك أي خبرة في هذا المجال، فبنينا عدة ملاجئ، لم تكن أكثر من مظلات للطائرات عاجزة عن حماية الطائرة من القصف المباشر.
    على كل حال، فبعد زيارتي لجبلة صيف 65، فحينما كنت أهجع في سريري في غرفتي كان يطوف بي خيال تلك الفتاة التي قابلتها في بيتنا بجبلة، وكان يتردد في ذهني سؤال لا أجد الإجابة عليه: هل هي الفتاة المطلوبة التي يمكن أن أهبها قلبي بشرف ونزاهة إلى نهاية العمر، وهل أنا بالمقابل فتى أحلامها؟.
    مع الأيام لم أعد أستطيع إزاحة صورتها من فكري، لقد عشت عمري مترفعاً أبياً بعقلية الأمير المدلل، فلماذا أتهاوى وأصبح هكذا مجرداً من أي سلاح.
    لم يمض وقت طويلٌ قبل أن أعود إلى جبلة، كانت الفتاة تنزل إلى بيتنا وكانت تسكن في الطابق الذي فوقنا، بحجة زيارة أختي، وربما مرتين في اليوم، وكنت فوراً أدخل غرفة الضيوف وأجلس، وسيوف من الحرج والنزق تجرحني، كنت كمن يستعجل شيئاً ما، وأثناء تبادل الحديث قالت:
    - أنا ناصرية وأعتقد أن عبد الناصرة ظاهرة فريدة في تاريخنا، لقد راقبت الإنجازات التي قدمها فلم أجد لها مثيلاً، التعليم المجاني، الإصلاح الزراعي ، السد العالي، طرد الأجنبي، تأميم قناة السويس، صمود في وجه عدوان 56، الوحدة مع سوريا، التصنيع، الانتصار للطبقات المسحوقة، وغير هذا كثير.
    - ذكرتني بالانفصال فقد كان نكبة.
    - نعم وكم بكيت يوم الانفصال، لقد كنت في دمشق وبقيت أبكي ثلاثة أيام.
    ثم أردفت:
    - أنا ألوم مجتمعاتنا التي تزداد تخلفاً.
    - كيف؟.
    - تزويج بناتهم، الصداق مقدم ومؤخر، البيت والفرش.
    قلت:
    - ولماذا تستغربين، فهذه عادات متوارثة.
    - كم فصلت هذه المسائل حبيبين عن بعضهما.
    عندما قالت كلمة حبيبين ارتعدت واحمر وجهها، وسرعان ما أكملت:
    - أفهم الحياة الزوجية تفاهماً وتعاوناً ومشاركة وتضحية.
    - ولكن الأهل بسبب الخوف من الحياة في مجتمعنا الذكوري يشترطون هذه الشروط.
    - بعد أن تنتهي الحياة الزوجية فلا أسف على شيء.
    كان هذا الكلام انفجاراً في داخلي، فقليل من الفتيات تملك الجرأة للبوح به، وهذا دليل على روح مناضلة متحررة. قلت:
    - لعل الناصريين سعيدون بك.
    - الثورة ليست بالكلمات، إنها فعل حقيقي ونضال يومي وكفاح قومي اجتماعي.
    - هنيئاً لمن سترافقينه في حياته، إنه محظوظ.
    - بما؟.
    - سيتزوج بطلة قوميةً متحررة.
    - بل سيجد قلباً نابضاً بالحب والعطاء.
    قالت أختي ضاحكة
    - هييييييييييي نحن هنا، احسبا لنا حساباً.


  10. #80
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,208

    افتراضي

    74


    في عام 1966 دخلت الجيش، وفكرت في تجديد فرش المنزل، وبهدوء استغرق تجديد الفرش عاماً، وأكيد بالتقسيط وربما بالتوسط، غرفة ضيوف، غرفة نوم، غرفة جلوس، أشياء المطبخ من أوان وخزف وغاز ، ولم أحصل على ثلاجة إلا بعد عامين، كان الراتب الشهري يوزع على ثلاثة، الأول المصروف، الثاني ديون الوالد، الثالث الفرش.
    كنت طائرة إليوشن عسكرية تطير في يوم الخميس نهاية الأسبوع من قاعدة المزة إلى مطار حميميم بجبلة، وتعود مساء الجمعة، وكنت في كل شهر أذهب مع الطيارين مرة واحدة، فأجتمع بأهلي وأتسقط أخبار الفتاة من أختي، وذات مرة سألتها إذا كانت الفتاة من النواحي الاجتماعية لائقة كزوجة؟. فضحكت وقالت:
    - اسكت فقد تجاوزتما هذا السؤال، أتضحك على أختك؟.
    - لماذا؟.
    - على هامان يا فرعون، هل أنهيت الفرش.
    - أنا بصدد إنهائه.
    - أنهه وتوكل على الله.
    - ما الجديد.
    قالت ببرود:
    - لقد خطبها ابن الآغا.
    - من الآغا ؟
    - جارنا الذي كان عضواً في المجلس النيابي، في عهد الانفصال، أتعرف ابنه فلان؟.
    - أعرفه، وألتقيه مرات في دمشق.
    - نعم وأبوها وأمها موافقان عليه.
    - وهي.
    - لا إنها ترفضه تماماً.
    - ما العمل؟.
    - أرى أن تفاتحها بالموضوع، لتتشجع على الموقف المطلوب.
    - هي قالت لك ذلك؟.
    - لا والله، نحن النساء أدرى بشؤوننا.
    في نفس اليوم جاءت الفتاة وجلست على استحياء، فقلت:
    - كيف أنت اليوم يا آنستي؟.
    - الحمد لله على كل حال.
    فهمت أنها منزعجة لشيء ما، فقلت:
    - سمعت أن فلاناً طلبك من أبيك.
    - حصل ذلك.
    - ثمَّ.
    - رفضت.
    أحسست بالحرج الكبير، ولمت نفسي على طريقتي بالحديث، لم تدر أختي بماذا شعرت به حينما أخبرتني عن تقدم الآغا لخطبتها من أهلها، لقد جالت في أحشائي سكاكين الغيرة، وتقلصت أمعائي من الخوف عليها، وكنت أقرأ كل الرسائل في عيني الفتاة، قلت:
    - أيكون لي نصيب من ذلك؟.
    وبكثير من الحرج والخجل قالت:
    - انظر إلى قلبك.
    - ألا تعتقدين أننا تجاوزنا مثل هذا الكلام، إذا كان الرد بالإيجاب فأنا أشد الناس سعادة.
    - وأنا كذلك.
    عندنا لا يعانق الشاب الفتاة قبل الزواج، ولا تسمح الفتاة بذلك، الشعب متحرر نعم ولكن وفق أصول وعرف وعادة، ومع ذلك شعرت بالرغبة بأن أعانقها، لقد تأكدت من أنها فتاتي.
    - أيجب أن أحادث أبيك بالموضوع.
    - لا دع ذلك علي، فأنا سأنهيه.
    يتبع


صفحة 8 من 14 الأولىالأولى ... 678910 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •