ذا الموضوع على درجة عالية من الأهمية، وأعتبر عدم الإحاطة به - علما وفقها - يوقع فى أخطاء قاتلة فى التصور والحكم على الأمور.. أحسب أن كثيرا من أبناء الحركة الإسلامية، يفتقرون إلى أصوله وقواعده والكثير من تفاصيله، وما نراه الآن من أعمال إرهابية وقتل وحرق وتخريب وتدمير أصدق شاهد ودليل.. نبدأ فنقول إن الشرعة (بكسر الشين وسكون الراء) والشريعة هى الطريقة التى يتوصل بها إلى النجاة. والشريعة لغة هى الطريق الذى يتوصل منه إلى الماء، وشرعا هى ما شرع الله لعباده من الدين. ويتسع معنى الشريعة عند بعض العلماء لكى يشمل كل ما أنزله الله لعباده، من معتقدات وعبادات ومعاملات وأخلاق وآداب.. إلا أنها تستعمل لدى الغالبية من العلماء بمعنى الأحكام العملية دون الاعتقادات القلبية، حيث يوصف الإسلام بأنه عقيدة وشريعة.. وتعتبر الصلاة، وأحكام الزكاة، والصيام، والحج، والعدل، والإحسان فى كل شىء، وبر الوالدين، وإيتاء ذى القربى، والجهاد، والشورى، وتحريم الربا والزنا والخمر والميسر والغيبة والنميمة، وقطع يد السارق، وعدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، والتطهر، وإلقاء السلام ورده، وآداب الأكل والشرب، وخصال الفطرة.. إلخ، كل ذلك يعتبر تشريعا.

ثمة فارق بين أحكام الشريعة ومقاصدها.. فالمقاصد هى الغايات والنتائج والفوائد المرجوة من وضع الشريعة جملة، ومن وضع أحكامها تفصيلا (الفكر المقاصدى، للريسونى).. هناك ثلاثة أنواع من المقاصد؛ كلية، وجزئية، وخاصة.. وتمثل المقاصد الكلية أو العامة أهم أنواع المقاصد، ومن خلالها يمكن معرفة كل من النوعين الآخرين.. مثلا، من المقاصد العامة التى أرسل لأجلها جميع الرسل: هداية الخلق إلى الله، وعبادته، وإرشادهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، وتجنيبهم ما يؤدى إلى شقائهم وتعاستهم فى الدنيا والآخرة.. ومن المقاصد العامة التى شرعت من أجلها الصلاة: تقوية الصلة بين العبد وربه، وتجديد الإيمان به، والتوبة والإنابة إليه «وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات» (هود: ١١٤)، وعدم الوقوع فى المنكر «وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» (العنكبوت: ٤٥)، فضلا عن أنها تمنح الإنسان صبرا متجددا فى مواجهة المحن والشدائد «واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين» (البقرة: ٤٥).. ومن المقاصد العامة التى شرع من أجلها العدل: الأمن، والاستقرار، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والانتصار للمظلوم، وهكذا «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى» (النحل: ٩٠).. يقول الصديق، رضى الله عنه، فى خطبته الشهيرة عقب توليه الخلافة: الضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه..

وكما أن هناك فارقا بين الشريعة ومقاصدها، هناك أيضا ما يطلق عليه «القواعد الكلية لتحقيق المقاصد»؛ مثل قاعدة «رفع الحرج»، وقاعدة «جلب المصالح ودرء المفاسد»، وقاعدة «اللجوء إلى رحاب الكليات والأحكام العامة»، وهكذا.. وتمتد قاعدة «رفع الحرج» لتشمل كافة أبواب الشريعة، وفروعها، وأحكامها، وآدابها العامة والخاصة، بل تمتد حتى إلى المجال العقدى.. تأمل قوله تعالى: «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» (النحل: ١٠٦)، حيث يجوز دفع الضرر الفادح عن النفس بالخروج الظاهرى عن مقتضى الإيمان.. وتعنى قاعدة «جلب المصالح ودرء المفاسد»، كما عبر عنها ابن تيمية (مجموع الفتاوى): «تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها».. وفى كتابه (الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية)، يقول الريسونى: «إن كل ما فى القرآن - والسنة كذلك - متضمن إما جلب مصلحة أو مصالح، ودفع مفسدة أو مفاسد، كلية أو جزئية، مباشرة أو غير مباشرة.. والمصلحة فى الاصطلاح الشرعى هى كل ما يعود على الإنسان فردا أو جماعة بخير ونفع وصلاح وسعادة - مادة وروحا - فى حاضره ومستقبله.. وقد قسمت المصالح إلى ضرورية (وهى التى لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها ولا ينتظم عيشه بدونها)، وحاجية (وهى ما يحتاج إليها لاستقامة الحياة والتوسعة فيها، والخروج من العنت)، وتحسينية (وهى التى تضفى على القسمين الأوليين حسنا وكمالا ورفعة).. وقد اتفق العلماء على أن أمهات المصالح التى تدور الأحكام الشرعية على حفظها ورعايتها هى ما اشتهر بالضروريات الخمس، أو الكليات الخمس، أو الأصول الخمسة، وهى الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال؛ ومنهم من يضع العقل قبل النسل.. وقد أجمعت الملل والشرائع على تعظيم هذه الضروريات وحفظها واعتبارها مصالح عليا للجنس البشرى وللحياة الإنسانية.. ولأن الوطن هو الوعاء الحاوى لهذه الضروريات، فإن المحافظة عليه تعتبر من أعظم وأجل الضروريات.. لذا أقول لماذا لا تكون الضروريات ستا، بدلا من خمس؟

وفيما يتعلق بقاعدة «اللجوء إلى رحاب الكليات والأحكام العامة»، فيرى الشافعى جواز التمسك بالمصالح المستندة إلى كليات الشرع، ولو لم تشهد لها أدلة جزئية خاصة.. فعن عمرو بن العاص قال: «احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابى الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذى منعنى من الاغتسال، وقلت: إنى سمعت الله عز وجل يقول (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (النساء: ٢٩)، فضحك النبى، صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا».. رواه أبوداوود فى سننه، باب: إذا خاف الجنب البرد أن يتيمّم.. إن رخصة التيمم الواردة فى القرآن نصت على حالة عدم وجود الماء، وحالة المرض القائم، وليس فيها التيمم بسبب شدة البرد، خوفا من ضرر متوقع، لذا لم يعوّل عمرو على الدليل الجزئى، وإنما لجأ إلى الدليل الكلى.. وفى حادثة أخرى، عن جابر، رضى الله عنه، قال: «خرجنا فى سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه فى رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لى رخصة فى التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات». يقول جابر: «فلما قدمنا على النبى (صلى الله عليه وسلم) أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العيى السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصب على جرحه بخرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده». (السنن الكبرى للبيهقى).