صفحة 3 من 20 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 197

الموضوع: حكايات الزمن الجميل ..قلب الفتى ..بقلم ناصر عجلان

  1. #21
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    قال معلم التاريخ موجها بصره إلي المعلمة نادية :
    لا حياء في الدين ولا حياء في العلم ..الحاكم بأمر الله قرر أنه يغيظ حريم مصر وينتقم منهم بشكل غير مباشر ، لقد قرر إضعاف القدرات الجنسية للرجال المصريين .. ازاي ..هو شاف أنّ أنسب شئ لكده منعهم من تناول جميع الأطعمة اللي بتقوي قدراتهم الجنسية !! .. سأل العلماء المتخصصين المقربين منه : ايه هي نوعية الأطعمة اللي بتقوي الجنس وبتزود إفراز السائل الذكوري عند الشباب علشان يصدر قرار بمنعها تماما ومنع زراعتها من الأساس لو بتتزرع .. قالوا له السمك و الجرجير والملوخية والعنب وأم الخلول والقرع العسلي و.. و...
    وقبل أن يكمل عبدالفتاح كلامه ضحك المعلمون بصوت عال ، وهنا قامت ليلي من مقعدها ، وتناولت حقيبتها استعدادا للخروج وقالت : الظاهر انكم شاربين حاجة علي الصبح وحتفتحوا علي البحري ..أنا ماشية وكملوا انتوا مع بعض براحتكم ..
    فقد إحمر وجهها وشعرت بالخجل الشديد ..

  2. #22
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    قرر الفتي ان يتغلب علي خجله الشديد و أن يذهب إليها وليكن ما يكون .. تقدم حتي أصبح في مواجهتها تماما .. نظرت إليه بدهشة شديدة فهي لم تتوقع رؤيته.. جف ريقه وتصبب عرقه وزاغت عيناه وتاهت منه الكلمات.. في لمح البصر زميلاتها لاحظن الموقف .. هن ظننن أنّه (البوي فريند) لسندس .. ابتسمن بخبث وتغامزن، ثم انسحبن بذكاء .. تركاهما وحدهما في نهر الطريق .. ولكن بعد أن تعالت ضحكاتهن الخبيثة .. هؤلاء الفتيات الملعونات .. ألا يكفي ما هو فيه وماعليه من إحراج ..
    ........................................
    .. تدخل الناظر مرة أخرى قائلا : كفاية إحراج للمعلمة نادية.. وفضونا من الموضوع ده .. وكمان فيه تلميذ صغير في المكتب مش عاوزين نفتح ودانه علي الحاجات دي ..هنا انتبه المعلمون لوجود الطفل ضئيل الحجم الذي كان واقفا وجهه للحائط ، وقد إستمع منذ البداية لكل الحوارات التي دارت بين المعلمين عن حرب الاستنزاف والقذافي والملوخية والحاكم بأمر الله والنساء والكعب العالي والأطعمة المقوية ..
    فزعق الشيخ جاد بصوته الجهوري الخشن الذي كان يرعب الأطفال كلما سمعوه :
    من هذا ؟ .. أجاب الناظر : ده يا سيدي تلميذ جديد إسمه عبدالناصر عجلان منقول عندنا من مدرسة النيل الابتدائية علشان يبقي في رعاية خاله الأستاذ محمود عطا البنا...
    قال الشيخ جاد : وواقف كده ليه ؟ .. قال الناظر : لأننا مسكناه وهو بينط من علي السور زي القرود ..كان عايز يزوغ من المدرسة ..
    قطب الشيخ جاد حاجبيه الكثيفين وقال مستنكرا :
    بتقول إن خاله يبقي الأستاذ محمود البنا .. طب ناس البنا ناس طيبين ! ده طالع شقي لمين ؟ وكمان إسمه عبدالناصر!!..علي إسم الزعيم اللي يضرب الأرض برجليه يزلزل العالم ....
    .................................................. ...............................
    العالم بتزلزل تحت قدميه ..هكذا شعرعندما أصبح وجها لوجه أمام معشوقته الحمصية لا يفصلهما سنتيمترات .. أما هي فقد كسا التوتر ملامح وجهها عندما شاهدته .. ربما من الحيرة وصدمة المفاجاة .. وقالت له بحدة ونبرة لا تخلو من غضب :
    ناصر .. شوبك .. شو متساوي هون؟.. مشان شو هلق أجيت لمدرستي؟..مو منيح ها الشغلي.. شو رح يقولو ها البنات .. شو إنت عما تريد ؟.
    وحتي يمتص غضبها قال لها بصوت خفيض وحازم في نفس الوقت :
    سندس ..أنا حبيت أقولك كل سنة وانت طيبة .. و أهديكي هدية بسيطة بمناسبة عيد ميلادك .. ماينفعش طبعا أديها لك هنا في الشارع .. ولا كان ينفع أديهالك في البيت قدام أبوكي واخواتك ، جايز يفهموا غلط ويفكروا ان فيه حاجات بينا ..صح ؟ ..
    علشان كده أنا جيت لك المدرسة.. أخدك وأعزمك علي مشروب لطيف في كازينو قصر النيل ..ده مكان هادي وجميل علي النيل أكيد حيعجبك .. ايه رأيك ؟ ...

    يتبع

  3. #23
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الحلقة الرابعة
    هي وهو في ضي النهار


    على مين على مين على مين .. على مين ياسيد العارفين .. بتبيع الحب لمين
    إن كنت جاي تغني .. روح إسأل قبل أنا مين .. متروحش تبيع الميه .. فى حارة السقايين .
    بمجرد أن جلس مع فتاته في الكازينو، لا يدري لماذا تذكر هذه الأغنية الشهيرة لشريفة فاضل ، ربما يخشى أن تظن أنه جاء بها إلي هذا المكان لمجرد التسلية ، أو بالمعني البلدي الدارج (جاي يغني عليها) بكلمات الحب مثلما يحدث من الفتيان الباحثين عن مغامرة عابرة مع الفتيات المراهقات الساذجات !، ففضلا عن أخلاقه ونشأته المحافظة التي لا تجعله ينحى مثل هذا المنحى السيئ خاصة مع فتاة دخل بيت أسرتها وصادق أخاها ، فإنه حقيقة يشعر تجاهها بحب صادق ..
    كما أن سندس ليست ساذجة بل يدرك أنها في أمور الحب أكثر نضجا منه ، فهي تقيم في قلب العاصمة وفي أرقي أحيائها ، في حين أنه قدم من أقصى صعيد مصر.. هي لها صديقات من تلك الطبقة الراقية اللاتي لهن تجارب ويعرفن في أمور الغرام ما لا يعرف، أما هو فقد نشأ في مدينة لا تعترف أصلا بأي عاطفة قد تنشأ بين فتى وفتاه ..
    لم يكن من السهل أن توافق علي تلبية دعوته للذهاب معه إلي كازينو قصر النيل ، فلم يسبق لها أن تأخرت من قبل عن موعد العودة الي المنزل بعد إنتهاء حصص المدرسة ، ولم تذهب إلي أي مكان علي الإطلاق بدون علم مسبق من والدتها حتي لو كان لإستذكار دروسها مع بعض صديقاتها ، ولكن طريقة الفتى في عرض الدعوة ، وإمتنانها لتذكره عيد ميلادها ، جعلها تلين وتوافق بكل رضا ، بل وتفكر في طريقة سريعة وآمنة تستطيع بها تلبية دعوته ..
    إتصلت بوالدتها من تليفون أحد محلات البقالة بالشارع ، وقالت لها أنها سوف تراجع في منزل صديقتها هالة بعض الدروس الهامة التي لم تستوعبها ، وستعود في المساء .. إختارت هالة بالذات ..لأن هالة لا أحد من أسرتها يعرف مكان منزلها ، والأهم من ذلك أنها لا تمتلك هاتفا منزليا .. كانت التليفونات المنزلية نادرة في هذا الزمن ..قالت لها الأم ولماذا لا تأتي هالة معك هنا في البيت كالعادة .. فقالت لها سندس شيئا وقالت لها أمها شيئا..
    بعد إنتهاء المكالمة قالت له سندس وافقت أمي بشرط ألا أتاخر كثيرا لأنها تريدني في أمر هام.. لم يشأ الفتى أن يسالها ما هو الأمر الهام ..
    .................................................. ........
    أخذا سيارة أجرة من مكان مدرستها في حي المهندسين إلي كازينو قصر النيل.. كان الطقس لا يزال باردا رغم حلول مارس ، والشمس لم تغرب بعد.. وصلا إلي الكازينو، كانت تسير بجواره وعيناها تتحركان يمينا وشمالا ، فقد كان واضحا أنها تدخل هذا المكان الجميل الرائع لأول مرة ..
    تقدم نحو مائدة في ركن منزو عملا بنصيحة الأصدقاء حيث المكان الأكثر هدوءا ، والبعيد عن أعين المتطفلين ، سحب لها المقعد لتجلس هي في مواجهة النيل مباشرة ، وبعد أن إستوت علي المقعد ، جلس هو في المقعد المقابل ، ونادى علي الجرسون ، وعندما جاء سألها الفتى برفق ماذا تشربين ..قالت عصير برتقال وقال هو سأشرب شاي ..
    سادت لحظة صمت بينهما فهو لا يعرف كيف يبدأ ..هذه أول مرة في حياته يجلس مع فتاة في كازينو.. هي ليست أي فتاة بل محبوبته مما زاد من توتره وإرتباكه .. المشاعر المختلفة التي تجتاحه من رغبة في القرب من الحبيبة والوصول إلي قلبها ، والتفكير فيها توتره وتربكه بشدة ..ها هو قد إلتزم بكل نصائح أصدقائه الطلبة خبراء الغرام ، ولكنه نسي أن يسألهم كيف تكون البداية في مثل هذا الموقف الجديد عليه تماما .. فتى مرتبك عديم الخبرة يجلس وأمامه فتاة حومصية حسناء ؟ ..
    ..قطعت هي حبل الصمت وقالت :
    ليش حنجلس ولا كلمة ؟ إنت هلق ما فتحت تمك .. شو وين شارد ..
    .تنبه الفتى وقال : ولا شارد ولا شئ .. ثم فتح الله عليه بالكلام ، فأضاف وهو يحدق في وجهها :
    تصدقي يا سندس إكتشفت حاجة ، النهاردة أول مرة من يوم ما عرفتك أشوفك في ضي النهار .. أنا لما باروح عندكم البيت بيكون ده دايما بالليل علشان كده مش باشوفك الا بالليل ..
    إبتسمت وقالت : طب شو شايفني أحلى بالليل ولا بالنهار ..
    قال لها حتى لايخذلها هذه المرة ولكي يرضي غرورها ويجعل الجلسة تسير كما يرام وكما خطط لها :
    انت زي اغاني أم كلثوم حلوة في أي وقت بالليل وبالنهار، في الصيف وفي الشتا ..
    ضحكت ضحكة عالية لفتت إنتباه بعض الرواد الجالسين في أماكن قريبة وقالت :
    يعافيك يارب هاد أحلا وصف بس مو باحب أم كلثوم أنا باحب نجاة ..
    قال : خلاص انت زي نجاة ...
    قالت : بس أنا باحب أغاني نجاة لكن مو شكل نجاة .. كل صحباتي شايفين إني مثل مريم فخرالدين، تعرف مافي متل حمص وصبايا حمص كتير حلو ..
    قال لها حتى ينهي الجدل في هذا الموضوع :كل سنة وانتي طيبة يا سندس ..
    قالت علي الفور : وانت طيب بس بدي أخبرك إني كتير زعلانة مشان ما كنت أريدك تتعب روحك بهاالهدية ، كفاية لهلا تقلي كل سنة وانتي طيبة ..
    قال لها : طب الأول مش تعرفي إيه هي الهدية ، دي حاجة بسيطة بس يارب تعجبك..
    قالت : يالا خبرني إيه هي الهدية ..
    قال : الأول غمضي عنيكي ..
    قالت وقد أغمضت عينيها فبدى وجهها في ضي النهار كالملاك النائم :
    طيب.. غمضت عيوني.. منيح هيك؟ ..
    قال بعد أن أخرج الهدية من الشنطة ووضعها علي المائدة :
    يالا فتحي عنيكي ..
    عندما شاهدت سندس صورتها المرسومة بالفحم داخل الإطار الخشبي ، وبجوارها الوردة الحمراء المغلفة بالسلوفان شهقت شهقة عالية ، واجتاحت السعادة كل كيانها وقالت :
    دي أحلى هدية بهالدنيي كلا .. الله يحلي أيامك يارب .. ومفاجاة كتير ما توقعتا أنا هيك خمنت تكون هدية تقليدية عطر أو سلسلة فضة فيها أول حرف من إسمي زي ما الشبان بيهادوا صحباتي اللي بيتعرفوا عليهم.. بتعرف إنت عم تثبت لي كل يوم إنك بجد أروع حد بهالدنيي.. شكرا إلك ..
    ثم قالت بعد أن قامت وسحبت مقعدها لتصبح بجواره تماما :
    يالا حاكيني عن حالك ، خبرني الأول ليش ما رحت كلية الهندسة ورحت ها الكلي السياسة والاقتصاد ، رامز قلي إنك كنت قسم علمي في الثانوية !! ..
    قال لها : حرب الإستنزاف هي السبب !! ..
    قالت : شنو تقصد ..الحرب دي خلصت زمان ..
    حكى لها أنه فضل الإلتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بدلا من كلية الهندسة ، لأنه كان مغرما بالسياسة ، بل دخلت كمكون أساسي في وجدانه ، والسبب في ذلك تأثره عندما كان طفلا صغيرا بالأجواء الوطنية الفياضة التي سادت في مصر والوطن العربي في الفترة التي دارت خلالها حرب الإستنزاف ، وهي الفترة من 67 إلي وفاة الزعيم ، تلك الأيام التي ما زال يعتبرها هي أمجد وأخصب أيام مصر والعرب.. فقد كان التضامن العربي قد وصل إلي العنان ، والروح الوطنية متأججة في قلوب كل الجماهير من المحيط إلي الخليج ، ووصلت إلي أقصاها .. اجتمع العرب وإتفقوا لأول وآخر مرة حول هدف واحد وهو الإنتقام من إسرائيل ، وأحبوا والتفوا لأول وآخر مرة حول زعيم واحد وهو جمال عبدالناصر ..
    لقد كانت حرب الإستنزاف يا سندس هي أطول الحروب بين العرب وإسرائيل واستمرت لأكثر من ألف يوم متصلة واستخدمت فيها جميع آلات الحرب وتنوعت أشكال المواجهة وإمتد مسرح العمليات ليشمل البر والبحر والجو ، ولقد كانت هي أول حرب تضطر فيها اسرائيل إلي الاحتفاظ بنسبة تعبئة عالية وطويلة ومستمرة أكثر من 20 لواء وكل أسلحتها الجوية ، وإنهار إقتصادها بدرجة لم يسبق لها مثيل ، ولولا الدعم الامريكي الخارق الاقتصادي والعسكري لها في هذه الفترة لزالت إسرائيل من الوجود تماما بعد هذه الحرب مباشرة ..
    لقد تحطمت معنويات الشعب الإسرائيلي ، حيث كان قادة إسرائيل قد سيق و أعلنوا لشعبهم أن 67 قضت علي جمال عبدالناصر والعرب نهائيا ،وأن جولدا مائير جالسة بجوار التليفون في إنتظار إعلان الإستسلام التام ..
    لقد خيل لأمريكا والدول الغربية الإستعمارية بعد الضربة المفاجئة عام 67 التي تم خلالها تدمير كل سلاح الطيران المصري والسوري علي الأرض بمساعدة أمريكية فجة ، أنهم إصطادوا الديك الرومي الذي قوض عروش إستعمارهم في الجزائر والمغرب وتونس والسودان والعراق واليمن ودول الخليج ، وحاربهم في أدغال افريقيا ، وأقض مضاجعهم حتي في أحراش امريكا اللاتينية ، وبالتالي خيل اليهم أنه أصبح من السهل ذبحه ،ولكن ناصر فاجئهم بحرب الإستنزاف بعد شهر واحد من هذه الضربة ..
    وشارك جيشكم السوري ياسندس باقتدار في حرب الإستنزاف حيث الكثير من البطولات سطرت.. فقد عمل الطيران السوري على تنظيم هجمات مدروسة ومتتالية على المواقع الإسرائيلية في هضبة الجولان و حققت الصواريخ سوفيتية الصنع التي كان السوريون يمتلكون أحدثها تفوقا واضحا وتم إسقاط اعداد كبيرة من الطائرات الإسرائيلية
    ولقد سجل الجنرال الاسرائيلي عيزرا وايزمان في كتابه "هذه السماء ملكك" إعترافاته حيث قال : حرب الإستنزاف دخلت التاريخ كأحد الحروب التي خسرتها إسرائيل في كلا المجالين السياسي والعسكري ، حيث تلقينا ضربات موجعة من الجيشين المصري والسوري ، وفقدنا أكبر قدر من الأفراد والمعدات ( 1551 قتيل و3141 جريح وأسير و80 طيار و94 طائرة و219 مجنزرة و72 دبابة و110 مدفع هاون و8 قطع بحرية ) ، بل إن تطرفنا في قصف أهداف مدنية في عمق مصر لم يرهب الشعب المصري ، ولم يؤد إلي إسقاط جمال عبدالناصر كما كنا نأمل ، ثم جاء الفشل الأكبر في منع إقامة حائط الصواريخ ، والفشل في تدميره الأمر الذي ظهر تأثيره عصر السادس من اكتوبر


  4. #24
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    كانت سندس تنصت إلي حديثه في صمت وإهتمام ، وعندما شعرت أنه قد أنهي كلامه قالت :
    أي وبعدين ؟ ..
    قال لها : بعدين إيه ؟ ..
    قالت : منيح ، نحنا عشنا هيك الحرب وأنا صغيرة لما كنا ببيروت قبل ما نيجي مصر، هيك معلومات جميلة صار أسمعها أول مرة بس أنا ما بدي حكي من ها النوع ، بدي تخبّرني عن نفسك إنت مش عن هاالحرب ، يالا حاكينني عن حالك ، بدي تقول كلشي ، كلشي ..
    حدثها الفتي عن ماضيه .. مدينته قوص وطفولته ومدرسته ومنزله .. حدثها عن أسرته .. عن ماذا يحب وماذا يكره ... عن حبه لأغاني عبدالحليم وفايزة أحمد وصوت قيثارة السماء عبدالباسط عبدالصمد..عن فريق الزمالك الذي يشجعه ويذهب وراءه في كل المباريات .. عن البيت الكبير لجده الحاج عطا البنا وكيف قضي أجمل أيام طفولته وصباه داخل هذا البيت البالغ الضخامة المتعدد الحجرات والطرقات ، الذي يتوه فيه من يدخله أول مرة وكأنه مدينة وحده ، والذي لم ير في حياته كمثله بيتا حتي اليوم ..
    حدثها عن شوارع مدينته والتي تختلف جذريا عن شوارع حي المهندسين التي تعيش هي فيها ، والتي قد تكون نظيفة جميلة ولكنها بالقطع جافة باردة تفتقد جوهر الروح والدفء التي تتمتع بها شوارع مدينته قوص ..
    وحدثها كثيرا عن ذكرياته في أحب شارع إلي قلبه.. شارع الشيخ عبدالقوي الذي كان مرتع طفولته وصباه ، والذي يقع فيه بيت جده الكبير.. هذا الشارع الذي يعتقد أن ليس له مثيل في مصر ، بل و ربما في العالم كله، فرغم كونه شارعا عاديا متواضعا ، بيوته قديمة عتيقة ، ولكنه يحمل عبق الزمن الجميل ، وتتجلي فيه كل صفات العبقرية من حيث الموقع والجغرافية والبشر .. تشعر بانه مغلق تماما علي من فيه ولكنه ما هو بمغلق بل موقعه يتوسط المدينة ،و أشبه برأس رجاء الصالح حيث يصل شرق المدينة بغربها بأقصر المساقات ..
    قال لها أن من كانوا يسكنون شارع عبدالقوي كما شهدهم في الستينيات ذلك الزمن الجميل ، يشعر كأنهم لم يكونوا بشرا بل ملائكة هبطت من السماء .. ومن كان يريد أن يري عصر الصحابة مجددا ومجسدا في أروع صوره ، كان عليه أن يري سكان ذلك الشارع الذين كانوا نسيجا وحدهم ..
    كان يسكن به أسر وافراد يمثلون نخبة متعددة من عائلات المدينة ، ولكن وهذا هو العجيب والغريب في نفس الوقت خاصة في مدينة قبلية مثل قوص ترفع من شأن العائلات والقبائل ، كان سكان الشارع لا يعرفهم الناس خارج محيط الشارع بأسماء عائلاتهم بل باسم الشارع فلا يقولون هذا فلان ابن فلان بل يقال هذا فلان من شارع عبدالقوي !! ..
    كانت أخلاقهم وأذواقهم وأفعالهم راقية، مهذبة، قيمة، كان الصغير يبجل الكبير، والكبير يعطف على الصغير، وكل يعرف واجباته وحقوقه، غرسوا فينا القيم الاخلاقية منذ الصغر حتى نشب بها، فتصبح جزءًا من أفكارنا وعقيدتنا في الحياة، .. لم يعلمونا الحقد ولم يزرعوا في قلوبنا الغل و الكراهية .. بل ان جدي الحاج عطا البنا رأيته يبكي بكاءا مريرا يوم وفاة الزعيم الذي أمم ممتلكاته !! ..
    كانت بيوتهم مفتوحة لبعضهم البعض طوال اليوم وكانها بيت واحد.. لا تجد بابا مغلقا إلا آخر الليل حين تطفأ لمبات الجاز وقت النوم .. كان الأطفال يلعبون فاذا ما أحسوا بالجوع دخلوا أي بيت يقابلهم ، بلا ترتيب او إختيار مقصود ، فيأكلون مما تيسر ومما هو متاح.. الطعام بسيط خبز وجبن وعسل وبيض .. الحياة أبسط من أي تخيل ..
    لا توجد مصابيح كهربائية بل يضيئون المنازل بالضوء الحنون للمبات الجاز ، حيث لم يكن الزعيم قد أتم بناء السد العالي الذي حول صعيد مصر من ظلام دامس إلي ضياء ساطع .. كانوا يواجهون حرارة الطقس بمراوح يدوية مصنوعة من القماش أحيانا ومن الخوص أحيانا اخري .. وينامون علي أسرة مصنوعة من جريد النخيل ، ولأنه لم يكن هناك ثلاجات فقد كانوا يشربون المياه الباردة من خلال القلل القناوي والتي كانت توضع في البلكونات والشرفات، وفي الأماكن المفتوحة التي تواجه تيارات الهواء البارد من أجل ترطيبها ، وكان يضاف إليها قطرات من ماء الورد وأحيانا يتم تبخيرها بعيدان المسك مما يجعل طعم المياه أشد جمالا وعذوبة ..
    وحيث لا وسائل تكنولوجية في ذلك الزمن كان تسلية الناس هي الجلوس معا في الهواء الطلق إما في الشارع ، أو في أسطح المنازل يتسامرون ويسهرون حول الراديو مع أكواب الشاي المطعم بالنعناع والعنبر.. الرجال وكبار السن يسمعون الأخبار وخطب الزعيم ، وفي المساء يستمعون لتلاوة القرآن بصوت المقرئين العظام عبدالباسط والمنشاوي ومحمد رفعت .. أما الشباب فكانوا يلعبون الكرة الشراب نهارا ،و في المساء يتناقشون في الموضوعات السياسية التي تخص الوطن وفيما قرأوه من كتب متنوعة ، أويذهبون إلي السينما الصيفي الوحيدة بالمدينة لمشاهدة الافلام ابيض واسود ، والنساء في البيوت كانوا يستمعون إلي المسلسلات الاذاعية ، و يستمتعون بأغاني صباح وحليم في النهار ، وفي المساء يقرأون قصص احسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ ، ويطربون آذانهم بأغاني أم كلثوم وعبدالوهاب..
    إنصهرت العائلات في هذا الشارع فأصبحوا وكأنهم عائلة واحدة.. بل انصهرت الأديان فلا يستطيع أحد أن يفرق بين بيت مسلم او مسيحي علي الاطلاق .. البيوت كانت متلاصقة بيت المسيحي حليم بحوار بيت المسلم توفيق وهكذا .. أولادهم يلعبون معا وياكلون معا ..أفراحهم مشتركة وأحزانهم كذلك ..
    وجكي لها عن موقفا طريفا كان خير تعبير عن هذه الحالة العجيبة التي كان عليها سكان شارع عبدالقوي في الستينيات .. كان الطفل المسيحي ميلاد داخل الفصل في يومه الأول من سنته الأولي بالمدرسة الابتدائية عندما دخل معلم الدين لكي يؤدي حصته طلب برفق من الأخوة المسيحيين أن يخرجوا لكي يدرس للتلاميذ المسلمين فقط حصة الدين الإسلامي .. لم يكن في الفصل تلميذ مسيحي سوي ميلاد ..لم يخرج ..
    هنا سأله معلم الدين لكي يتأكد من ديانته : انت إسمك ميلاد ؟
    قال الطفل : نعم ..
    قال المعلم : انت مسلم ولا مسيحي يا ميلاد ؟
    قال الطفل بتلقائية وببراءة شديدة :
    أنا من شارع الشيخ عبدالقوي يا أستاذ ...

  5. #25
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    قال الفتى لقد قلت لك كل ما عندي .. هيا تكلمي أنت وأخبريني عن نفسك ..
    قالت له :
    ان أمها من أصل حلبي وأبوها حمصي ، فهي من مواليد حمص ، ولكنها لا تتذكر شيئا عن تلك المدينة، فقد رحلت مع أسرتها وهي طفلة صغيرة لا تتعدى الثانية من العمر إلي بيروت حيث كان والدها يعمل بالتجارة ، وسكنوا في ضاحية الأشرفية أشهر وأجمل ضواحي بيروت ، وكانت بها قصور الطبقة الارستقراطية المسيحية ، فعاشت طفولتها الجميلة في هذا المكان الساحر حيث تجد في كل مكان أشجار التوت والبرتقال و الزيتون والليمون ، وقالت :
    كنت أذهب كل صباح في الاجازات الصيفية مع أمي واخوتي إلي شاطئ البحر نستمتع برؤية الامواج وزرقة المياه ، كما كنا نستمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة وجبال وهضاب لبنان التي حولتها النباتات إلي اللون الاخضر ، وفي المساء أذهب مع أبي كل ليلة إلي شارع الحمرا الشهير، حيث كان يمارس تجارته في هذا الشارع الذي كانت تتلألأ فيه الاضواء الملونة ، و تتعدد المحال التجارية متنوعة السلع و الأصناف ، و مقاهي الرصيف ..
    وكنا نشاهد ملكات جمال العالم كل عام ، عندما كان يتم إقامة حفل انتخاب ملكة جمال العالم في كازينو لبنان ، لقد كان كل شئ في لبنان جميلا ، شهدنا جنة الله علي الأرض ، وكان أبي المتعدد السفر إلي العديد من دول العالم يقول لنا أن بيروت لا تقل جمالا عن باريس إن لم تكن الأجمل .. كل هذا كان قبل الحرب الأهلية اللبنانية الطاحنة التي إشتعلت عام 1975 فجأة ،وبفعل فاعل ..
    وقالت إذا كانت أمها ماتزال تعتز وتفتخر أمامهم بانها شهدت ورأت بعينها جمال عبدالناصر عندما زار مدينة حمص السورية عام 1960 ، وتغيظ والدها بهذه الحكاية لأنه كان وقت هذه الزيارة التاريخية خارج سوريا ، فهي أيضا وجدت ما تغيظ به أمها وإخوتها و تفخر به أمام زميلاتها في المدرسة .. فهي رأت بعينها عبدالحليم حافظ عندما جاء الي بيروت عام 1968 ..
    وكان لذلك قصة حيث كان والد زميلتها في الصف الثاني من المدرسة الأولية صديقا للمخرج حسين كمال مخرج فيلم أبي فوق الشجرة ، وقالت لها ان والدها سوف يصطحبها صباح الغد الي فندق الكارلتون لتحية صديقه المخرج الشاب المقيم بالفندق ، ويقيم معه عبدالحليم حافظ ونادية لطفي ..
    كان عبدالحليم قد جاء إلي لبنان هو ونادية لطفي ليصورا علي الطبيعة بين هياكل بعلبك وشلالات نبع العسل، وأشجار فاريا، ومسابح بيروت مشاهد أجمل أغانيه ( جانا الهوى ) أحد روائع مشاهد فيلم ابي فوق الشجرة ..
    طلبت من زميلتي أن أذهب معها إلي منزلها لأقنع والدها أن يصطحبني معهما ولن أفعل اي مشاكل .. بالفعل وافق والد الفتاة بشرط ان أرتدي ملابس لائقة ونظيفة ..
    لم أنم طوال الليل ، فسوف أرى في الصباح ذلك المطرب معشوق النساء الذي أتذكر له يوم أن شهدت مع أمي فيلم الخطايا في احد دور السينما ببيروت ، كنت طفلة صغيرة لا تستوعب جيدا أحداث الفيلم ، فقط أتفرج علي اشخاص يتكلمون ويتحركون ..مجرد صور متحركة.. ثم رأيت فجاة أمي وكل المتفرجين قد أخرجوا من جيوبهم وحقائبهم المناديل القماش لكي يمسحون دموعهم التي سالت أثناء أحد المشاهد ، وقتها بكيت معهم بدون أن أفهم لماذا يبكون .. عرفت فيما بعد أن هذا المشهد كان من أروع المشاهد الدرامية بالفيلم (عندما تخبر الأم إبنها حسين - عبدالحليم - بالسر الدفين وأنه إبن خطيئة - لقيط -، وعندما ولدته ألقت به فى ملجأ وبعدها أقنعت زوجها بأن تتبنّى طفلاً لأنها لا تحمل
    لذلك كانت سعادتي لا توصف عندما رأيت عبدالحليم جالسا في ردهة فندق الكارلتون يطالع أحد الصحف وحييته من بعيد انا وزميلتي فنظر الينا وابتسم ..

  6. #26
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    أخذت سندس تسترسل في حديثها الي أن وصلت إلي قولها ، لقد تركنا بيروت عام 1975 بعد أن نشبت الحرب الأهلية اللبنانية ، تلك الحرب التي هي أغرب حرب أهلية في التاريخ ، حرب مجنونة لا تعرف من يحارب من ؟ ولا من مع من ؟ ولماذا ؟ .. وعندما كادت أمي أن تلقي حتفها ذات نهار برصاصة طائشة وهي تسير في أحد شوارع بيروت . قررنا العودة إلي سوريا فورا ،لم نعد إلي حمص ولكن عدنا إلي حلب حيث بيت جدي لأمي لأن بيتنا القديم في حمص كان قد تهدم ،ثم بعد فترة وجيزة جئنا الي القاهرة ، كان أبي يتعامل مع كبار تجار شارع الأزهر في توريد المكسرات السورية ، ولما بدأ إنتشار الفيديو ترك تجارة المكسرات ،و إفتتح محلا في حي المهندسين لتاجير شرائط الفيديو ، المحل شهد إقبالا كبيرا ، و أصبح يدر علينا دخلا وفيرا .. و ...
    وقبل ان تكمل قاطعها قائلا :
    لا تحدثيني عن أسرتك ولكن حدثيني عن نفسك ..
    قالت : شو أنا عم أحكيلك غير عن حالي ..
    قال : أقصد إننا اتكلمنا أنا وانت عن الماضي كتير ..عايز حكايات عشان بكرة ..
    قالت : ما بعرف شو بدك نحكي ..
    قال وقد شعر أنه قد حانت اللحظة التي انتظرها كثيرا :
    المكان الجميل ده اللي احنا قاعدين فيه يا سندس اتعمل مخصوص علشان الناس تتكلم فيه أحلي كلام .. كلام رومانسي..
    لم يفت علي ذكاء سندس هدف الفتى فقالت له وقد علت حمرة الخجل وجنتيها :
    ناطر مني اشارة عن الحب .. الحب ما أجى من وراه غير وجع راس ....و
    …………………………………………..
    و الآن يريد الفتى أن يقول لها كلاما كثيرا في الحب وعن الحب .... لقد عاني بشدة عذاب الحب الصامت ..الحب الصامت هو أقسي أنواع الحب..
    جاءت اللحظة ليتشاركا أجملها..ويتبادلا الحب المتكلم المشهور في العالم كله وبكل اللغات ..يريد أن يقول لها أحبك ، وينتظر منها أن تتجاوب معه وترد بتلقائية وأنا كمان باحبك .. فالأمور بينهما حتي اللحظة خلال هذه الجلسة التي تجري في ضي النهار هي علي ما يرام ؟.. ولكن فجأة حدث ما عكر صفو الأمور ..
    طفيت الشمع .. رميت الورد يا حبيبي ..

    يتبع

  7. #27
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الحلقة الخامسة
    عواصف آذار


    ياخالق الكون ورب العباد .. لماذا خلقت الإنسان في كبد ؟.. لماذا لا تسير الرياح أحيانا كما تشتهي السفن ؟ .. يا الله .. هي إرادتك جلت قدرتك وتعالت حكمتك وتبارك إسمك ..
    عندما بدأ الفتى يمهد الطريق لفتاته السورية الحمصية لكي تنطق هي بكلمات الحب ، وهو يجلس معها لأول مرة في كازينو قصر النيل ، حدث ما جعل الأمر يكفهر ويربد ، وكأن عواصف رعدية قد ألقت بصواعق من السماء إلي حيث يجلسان .. في الركن الهادئ الشاعري علي ضفاف النيل ..
    لم تدم طويلا تلك اللحظات الممتعة التي مرت عليه ، اللحظات الممتعة لا تدوم أبدا .. كانت لحظات ما أروعها .. فقد بدأ يحس انها تميل اليه .. نظراتها ..همساتها .. قالت له أن حديثه يأسرها وثقافته تبهرها .. شعر أن الدنيا قد اقبلت ..مشاعر عارمة من السعادة ملأت كل كيانه .. رأى وكأنه يسبح في نهر من الخيال الملون .. فهو يفرح بأي عبارة تصدر منها .. أي كلمة .. أية خاطرة قد تدل علي انها تبادله حبا بحب ...
    ولكن ...
    كانت سندس قد نظرت إلي ساعتها فجأة ، وقالت :
    بدي أجلس معاك كتير بس الساعة هلق ستة.. أبويا راح يقولي وين كنتي لهلق ..
    قال لها : طالما قلتي لمامتك إنك بتذاكري مع صاحبتك هالة يبقى إيه المشكلة ؟..
    قالت وهي تصلح شعرها بيدها إستعدادا للنهوض : كمان بدي روح عالبيت هلق مشان فيه شغلة.. رايحة مشوار هام .. لازم أؤم ..
    قال متعجبا : كمان لسة الوقت بدري أوي ..
    قالت : منتظراني أمي بصير اروح معاها نشتري سباط ( حذاء ) جديد ها المسا ..
    قال لها : إيه المناسبة ؟؟..
    قالت : حين ماكلمت أمي بالتليفون وقت ما كنا نحنا جنب المدرسة ، خبرتني ما أتاخر، علشان رايحة هاالليلة معاها ومع رامز سهرة تبتدي من المسا الساعة عشرة في النايت كلوب اللي في فندق شهرذاد علشان يحتفلوا بعيد ميلادي ..
    بمجرد أن ذكرت له إسم فندق شهرزاد حلقت فوق رأس الفتى طيور الشك ، وأنشبت مخالبها الحادة بقسوة في روحه وقلبه .. فندق شهرزاد هو ذلك الفندق اربعة نجوم بحي العجوزة الراقي والذي يطل علي النيل.. أخوها رامز لا يرتاد هذا الفندق ،وقد لا يعرفه اصلا .. رامز حياته تنحصر في الجامعة والبيت ومتجر الفيديو ، وشقة صديقهم الطالب العماني جعفر الكائنة بالدور العاشر بعمارة افرست بميدان رمسيس ، والتي يذهبون اليها معا الاصدقاء الاربعة الفتى ورامز والكويتي لؤي والسوداني مالك بغرض التسلية والمسامرة ..
    لقد أخفت عنه سندس متعمدة اسم لؤي ضمن الذين سيذهبون معها الي الفندق ،ولكن بسذاجتها لا تدري انه يدري من الوحيد في شلة الاصدقاء الذي يرتاد هذا الفندق اسبوعيا لكي يسهر أحيانا في الديسكوتيك ، واحيانا في النايت كلوب ..هو لؤي .. لؤي غريمه ومنافسه في حب سندس .. وهو ليس منافسا سهلا ..
    لؤي الطالب كويتي الجنسية هو فتى وسيم ثري ، يمتلك سيارة بي ام دبليو احدث طراز موديل هذا العام (1983 )، واهم من ذلك كله هو شريك مع والد سندس بثلث راس المال في متجر الفيديو ( فيديو ماركت ) ..
    قال الفتى وهو يحدق في ملامح وجهها لكي يتبن رد فعلها :
    ومين اللي عازمك علي السهرة دي يا سندس ؟ .. رامز مالوش في السهرات الليلية ،ويمكن ما يدري أصلا فين مكان فندق شهرزاد .. ده صاحبي وانا عارفه ، وطبعا ولا مامتك تعرف المكان ده ؟..
    قالت وهي تفرك يديها بخجل وتتصنع ابتسامة خافتة :
    هادا شي يخصنّي ، ما إلكن دخل فيها.. ( ثم بقصد المزاح ركلته بسن حذائها في ساقه بدلع ، و أخرجت لسانها لتغيظه ) ..
    ولكن الفتى تجاهل محاولتها لسحبه الي منطقة ناعمة ، و أطلق كلمات سريعة كالمدفع الرشاش :
    واضح إن لؤي هو اللي عازمك ..لانه الوحيد اللي يعرف الأماكن دي ويحب يروحها .. وأنا عارف كويس انه بيسهر دايما في فندق شهرزاد..ما هو غاوي أماكن الرقص والشرب.. هو لؤي ؟ صح يا سندس ؟..
    قالت وهي تنظر للأسفل، هاربة من التقاء عينيه :
    إنت ما تشغل بالك بها الموضوع ..
    قال وقد تعكر مزاجه :
    لازم اعرف منك لانك لو خبيتي عليا تأكدي حاعرف بسهولة من رامز واحنا في الكلية ، وممكن اعرف من لؤي نفسه لانه يحب يتفشخر بسهراته قدامنا ..
    قالت بصوت أشبه بصوت من ضبط متلبسا بسرقة قطعة حلوى :
    انت تعرف ان لؤي مو صديق رامز بس ، هيك شريك بابا كمان في محل الفيديو ، وهما الاتنين خوش بوش ..
    قال لها بصوت نبراته غاضبة : خلاص إعتذري عن السهرة دي ..
    قالت وهي تزفر بعمق :
    شلون بتقولون هيك ؟.. فيك تؤولي بصراحة مالك مزعوج !!
    قال لها : انا مش مستريح انك تسهري مع لؤي وفي الأماكن دي بالذات ..انتي عارفة نايت كلوب يعني ايه !! .. نايت كلوب يعني سهرة لحد الصبح ورقص وشرب ومكان فيه سكارى ..
    قالت في عصبية ظاهرة :
    شو تفكرون ؟ بتشعرني اللحظة اكون طفلة صغيرة .. وئت تكون حاسس إنو في شي مو منيح بدو يصير ؟ .. نحنا رايحين كلنا انا ورامز وامي.. انا ما بدي روح على هاد الاماكن اللي بتخبرني عنها وتقولن فيها سكارى .. لكن هادا مكان محترم وفيه عائلات كتير غيرنا .. كمان هاد عزومة مرة واحدة في السنة ..أمي مو بتخرج كتير من البيت وتحب تفرح وتنبسط شوي .. شو مو بدك نروح ؟..
    قال لها : لاني مش مستريح تماما للموضوع ده ..
    صمتت قليلا .. ثم وضعت وجهها بين كفيها وقالت وقد بدأت تتململ : قلي بربك شو بدك أساوي ؟ ..
    كانت الغيرة قد تملكت الفتى وكأنه يكاد يختنق فرد علي الفور :
    قلت لك اعتذري .. لو مش عايزة تعتذري ، خلاص إعملي ما بدك يا سندس .. بس اعرفي حاجة ان لؤي حتي لو شريك في محل الفيديو ،أنا شايف ان ده مش سبب كافي انك تروحي معاه حفلة تقعد للفجر ، حتي لو مامتك واخوكي معاكي.. وغير ده كله ..انا كل ما اروح بيتكم باشوفه عندكم ..ليه ؟ جاوبي بصراحة ..
    قالت وكأنها تستجديه أن يصمت :
    هوّ إنو يجي حداًنا كل يوم ، مدري شو.. ممكن مشان حسابات المحل .. بس بدي أعرف هلق شو أعمل بحالي!!..
    قال لها : حتي لو بييجي كل يوم علشان حسابات المحل .. أنا باشوفك تمزحي معاه وهات يا ضحك علي طول ..
    قالت بتعجب : شو تخمين ؟ شايفينّي بنت صغيرة أنا يضحكون عليا ، ولا مفتكرني باحبه ..ما حبيتو ها الشب شو سئيل .. شو لبسو مشرشح ..
    قال باستخفاف : ما هو واضح ..
    قالت وهي تنظر الي ملامح وجهه التي اصبحت باهتة :
    انت فاكرون باخرط معاك؟ ..
    قال بدون ان ينظر اليها : ورايحين السهرة دي امتى ؟..
    قالت بضجر : انا قلت لك المسا الساعة عشرة ..
    قال وهو يشعر ان دمه يحترق بداخله : ورايحين ازاي ؟ ..
    ردت بضيق: رايحين بسيارتو ..
    قال بغيظ : كمان بسيارته !!..
    شعرت هي أن الجو قد توتر ، فحاولت تغيير مجري الحديث وان تمازحه ، ولكنها كانت لا تجيد المزاح .. فمزاحها حول الأمر الي الأسوأ ، حيث قالت وهي تنظر الي وجهه طويلا وتتصنع ضحكة :
    بتكلمني هيك مشان كبرت .. وبقيت شب صار فيك شنب..
    ثم لم تلبث ان ضحكت طويلا ، وهي تنظر ثانية لشاربه الرفيع :
    قلي شو هيدا شنب ،ولا هيدا خط رسمته بقلم اسودون !!..
    كان شاربه قد بدأ في الظهور .. كان قد نبت كخط باهت تحت انفه ، ومع ذلك كان متباهيا به ، لتدرك انه قد اصبح رجلا ، وليس مجرد طالب صغير السن .. من هنا لم يتقبل ضحكاتها بل لم يكن اصلا في حالة مزاجية تجعله يتجاوب مع مزاحها الذي كان بلا معني ، بل فسر هذا المزاح حول شاربه وقد يكون مخطئا علي أنه سخرية مرعبة

  8. #28
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الفتى الهادئ الخجول المتزن يتحول إلى شخص عصبي ومتوتر لاقل سبب إذا وقع في الحب لاول مرة في حياته ، وهذه العصبية لايوجد لها تفسير سوى أنه لا يوجد شئ يشغل عقله سواها.. هو توتر بمجرد أن ذكرت لؤي ، وانها ستركب معه سيارته ، وسيذهبان معا الي حفلة ساهرة .. تخيل انها جالسة في أبهى زينتها علي المائدة بجوار لؤي ، وسوف يسهران معا حتي فجر اليوم التالي ..وحتي لو كان ذلك كله سيتم بصحبة أسرتها فلن يغير من الأمر شيئا .. هذا الشعور أصابه بالتوتر والعصبية ..
    هذه اللحظة هو لا يستطيع السيطرة علي كلماته وتصرفاته ، نهض من مقعده غاضبا ، و نادي علي الجرسون وأعطاه الحساب .. ثم قال لها :
    يالا نمشي بسرعة انا كمان ورايا مشوار مهم واتاخرت .. مش عاوزك تعطليني ..
    ردت هي بعصبية شديدة وبدون أن تتحرك من مقعدها :
    أنت مو على بعضك اليوم ؟ لو مستعجل وبدك تمشي وما تحب توصلني ما بدغŒ عطلك..
    قال بحدة : انتي اتجننتي ..ازاي يعني حاسيبك تمشي لوحدك !!..
    ردت هي بحدة مماثلة :
    انت اتجنني .. بتقول انك مستعجل وأنا أخرتك عن ها المشوار .. شو بتسمّي هيدا ؟!.. خلاص اتركني هون وامشي .. انا ادرى اوصل البيت .. انا مو صغيرة بارضع ..
    أجاب في اقتضاب، وفي لهجة هادئة كمن يود إغلاق الحوار :
    طب كفاية كده يا سندس ..يالا نمشي حاوصلك بتاكس علشان تلحقي السهرة الممتعة ،بس حاوصلك لغاية اول شارعكم طبعا ..علشان محدش يشوفنا مع بعض ..
    قالت بنبرة تهكمية : متشكرة كثير ..
    ثم اردفت غاضبة وهي تدير وجهها عنه :
    بس مو تحطّ إيدك بإيدي واحنا ماشيين !!.. وما فينا نسمع بعض بعد اليوم ..
    .................................................. ...................................
    أخبرالطالب العماني جعفر بصوت خافت ،الفتي وهما في مدرج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، أن صديقهم السوداني مالك لم يأت الي الكلية منذ اسبوع ، رغم أنه اكثرهم مواظبة علي الحضور .... فلعله مريض او ان هناك شيء ما ..
    بعد المحاضرة ، اجتمع الاصدقاء الأربعة الفتى والطالب السوري رامز والطالب الكويتي لؤي والطالب العماني جعفر لبحث الامر .. لم يكن احد منهم يعلم أين مسكن مالك .. معلومات الفتى انه يسكن في حي امبابة ولكن لا يعرف في أي شارع بالتحديد ..
    قال أحدهم نحصل علي العنوان من مكتب شئون الطلاب بالكلية .. ولكن الفتى قال لهم ان هذا يتطلب اولا تقديم طلب إلي وكيل الكلية لشؤن الطلاب وإدراج الاسباب ، وانتظار الموافقة ، وربما يوافق او لا ، وفي جميع الأحوال سيستغرق هذا وقتا طويلا وربما يدخلهم في سين وجيم مع الوكيل .. اذن لابد من حل سريع ..
    تذكروا أن مالك تربطه علاقة بطالبة سودانية تدرس في كلية الحقوق .. ذهبوا اليها .. كانت متوجسة منهم في بداية الامر ..هي تعرف ان الفتى ورامز اصدقاء لمالك ، ولكنها اول مرة تري جعفر ولؤي .. طمأنها الفتي أنهما ايضا أصدقاء لمالك ..
    اخبرتهم باقتضاب وهي تنظر يمينا وشمالا وكأنها خائفة من شئ ما ، ان مالك معتكف في منزله حزنا علي أخيه الاكبر والوحيد الذي اعتقله الرئيس السوداني جعفر النميري في حملة الاعتقالات الاخيرة التي جرت في السودان .. وانها لا تعرف عنوانه بالتفصيل وليس في مسكنه تليفون .. تركوها وذهبوا يفكرون ما العمل ؟ ..
    .................................................. .
    قال رامز : أحس ان البنت السودانية بتعرف عنوانو و بتخبي ...
    وقال جعفر : هذي حبيبتو كيف ما تدري وين يسكن ؟ ..
    وقال الفتي : وانا عندي نفس الاحساس هي كان واضح من عينيها انها بتكذب وبتخفي شئ .. يا إما مش عايزانا نعرف انها بتعرف مكانه أحسن نشك انها بتروح له الشقة ، يا اما هو اللي طلب منها ألا تعطي عنوانه لاي شخص حتي لو صديق .. عموما نعمل محاولة مع موظفة شئون الطلاب ..هي صحيح ست أعوذ بالله غلسة جدا .. بس سيبوني أتصرف معاها ..
    ذهبوا الي مكتب شئون الطلاب .. كان هناك شباك صغير لتلقي الاستفسارات تجلس وراءه سيدة ملامحها توشي بكراهية العالم وكراهية نفسها .. كانت منكبة علي مطالعة جريدة الصباح ، و تضع في فمها سيجارة تنفث دخانها بطريقة منفرة .. تقدم الفتى وحوله اصدقائه وقال لها بصوت خفيض :
    مساء الخير يا أفندم ..لو سمحتي فيه معانا زميل سوداني الجنسية اسمه الثلاثي مالك عبدالرحمن العقيل ، احنا نبقي أصدقاؤه ، وعرفنا انه مريض وعايزين لو سمحتي نعرف عنوانه بالتفصيل علشان نزوره ، ونجيب له الدكتور لو استدعى الأمر لانه عايش لوحده في السكن ..
    بدون ان ترفع الموظفة الملعونة عينيها من الجريدة التي كانت تطالعها ، أو حتي تنظر إلي من يحدثها قالت بتأفف : ممنوع ..
    قال لها الفتى : أنا عارف يا أستاذة انه لازم نعمل طلب لوكيل الكلية ، بس الموضوع ده حياخد وقت كبير و صدقيني الامر هام وعاجل لاننا خايفين يجراله حاجة لو اتاخرنا علشان كده بنخاطب فيكي انسانيتك ..
    بمجرد ان نطق امامها بتلك الكلمات ، نظرت اليه بعينين صفراواتين خاويتين لا حياة فيهما وصاحت بصوت منفر :
    يعني ايه يا استاذ بتخاطب فيا انسانيتي ..حضرتك شايف اللي قدامك مش بني آدمة ؟.. ما تحسنوا ألفاظكم !! ..قلت لكم ممنوع وكلام زيادة حاستدعيلكم امن الجامعة ...
    غمز الفتي بعينه لرامز حسب الاتفاق المسبق بينهما ، فألقى رامز علي مكتبها علبة سجائر كليوباترا ، و قطعة شيكولاتة من النوع الفاخر، فقفزت الملعونة علي الفور من مقعدها الي حيث الدولاب المستخدم في حفظ سجلات الطلبة الوافدين ، وهي تقول : قولتوا اسمه مالك ايه بالكامل .. يعني عايزة الاسم الثلاثي ؟ .. كرروا لها الاسم ...
    وبسرعة البرق أخرجت ملف مالك وكتبت لهم في ورقة صغيرة العنوان بالتفصيل واعطته للفتى وهي تقول بابتسامة مصطنعة :
    معلش يا اولاد انا كنت متعصبة شوية علشان عندي مشاكل عائلية ما يعلم بيها الا ربنا .. بس انتوا فعلا اصدقاء كويسين علشان بتسالوا علي صاحبكم ..ربنا يوفقكم .. فعلا ياناس الدنيا لسة بخير ..
    .................................
    قال جعفر : نروح لمالك بالمسا ..
    قال الفتى : مش حينفع بالليل لان انتوا متعرفوش يعني ايه امبابة ..امبابة دي منطقة شعبية وشوارعها عشوائية وملتوية زي التعبان ، وحنتلخبط لو روحنا بالليل .. يبقي الافضل نروح دلوقت واحنا في عز النهار .. كمان يمكن نحتاج نشتريله حاجة لو كان معتكف فعلا في البيت ومش بيخرج زي صاحبته السودانية ما قالت لنا.. وأنا حاركب في سيارة جعفر ، ونبقى قدام علشان أنا اللي عارف شوارع القاهرة ، ورامز يركب مع لؤي ويبقوا ورانا علي طول علشان مانتوهش من بعض ..
    استقل الفتى سيارة جعفر ، واستقل رامز سيارة لؤي ، وذهبا معا الي إمبابة للبحث عن مالك

  9. #29
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    في الطريق قال الفتى لجعفر :
    التاريخ يكرر نفسه ولكن لا احد يتعلم من الأخطاء .. نفس الخطأ الكبير الذي وقع فيه السادات وأدي في النهاية الي حتفه .. يقوم به الآن الرئيس السوداني جعفر النميري الذي اختاروا لك نفس اسمه يا جعفر ..
    قاطعه جعفر منزعجا: إسمي جعفر علي إسم جدي مو علي إسم الرئيس السوداني..
    قال الفتى ضاحكا : بامزح معاك .. دي واضحة طبعا يا جعفر .. انت اتولدت قبل ما جعفر النميري يمسك الحكم .. ثم اكمل قائلا :
    السادات لما هوجم من القوي الوطنية ومن اليساريين والناصريين بسبب انبطاحه للغرب وتبعيته التامة لأمريكا وقيامه بالقاء اوراق اللعبة كاملة في أيديها .. حاول التشويش علي ده بضرب قوي اليمين مع اليسار ، والمسلمين مع المسيحيين .. علشان كده كانت أول حوادث فتنة طائفية تحدث في مصر هي اللي حدثت في عهده ..
    كمان الحركة الطلابية اليسارية كانت صداع في رأس السادات، ووصل الصداع إلى ذروته مع اعتصام «الكعكة الحجرية» الشهير في ميدان التحرير عام 1972، وهو الاعتصام اللي شاركت فيه مجموعة كبيرة من الطلاب الناصريين والوطنيين بشكل عام؛ مع مجموعة أخرى من الشعراء والكتَّاب والمثقفين واستمر الاعتصام لمدة 48 ساعة تقريبا احتلت فيه هذه المجموعات الميدان بصورة أوحت لوكالات الأنباء العالمية بأن نظام حكم السادات في خطر..
    من اليوم ده شعر السادات بأن الخطر الحقيقى على نظام حكمه يأتى من اليساريين والناصريين؛ خاصة الطلاب منهم، لأنهم بيسيطروا على الجامعات عن طريق الاتحادات الطلابية.. من هنا فكر السادات في إنشاء تيار دينى وسط طلاب الجامعات تكون مهمته ضرب التيار اليساري ، ثم ذهب السادات الي أبعد من كده للإنتقام من الناصريين وتشويه صورة ناصر ..
    اطلق السادات وحش الاخوان من السجون مش حبا فيهم ،وانما لاداء مهمة محددة وهي ان ينهشوا في سيرة الزعيم جمال عبدالناصر ، وعقد معاهم تحالف انه يخرج قياداتهم من السجن مقابل دعمهم ليه في مواجهة اليسار والناصريين ، وقد ادى له الاخوان المهمة علي خير وجه .. لانهم اصلا كان عندهم رغبة عنيفة في الانتقام وتصفية الحسابات مع الزعيم.. فقاموا بترديد الاكاذيب والضلالات حول اطهر من انجبته مصر ..واتبعوا في خطتهم الجهنمية طريقة ذكية جدا ، وهي ذكر موقف ظاهره صحيح لمن لا يقرا والكثير من الشباب لا يقرا ولكن جوهر الموضوع مختلف تماما تماما ....
    قال جعفر : كيف ؟ ..
    قال الفتى : علي سبيل المثال وبما اننا رايحين لصديقنا السوداني مالك.. حاكلمك سريعا في كذبة من اكاذيب الاخوان الخبيثة..عن موضوع مصر والسودان .. هما بيذكروا لشبابهم وغير شبابهم ، ان من خطايا ناصر الكبري ، قيامه بفصل مصر عن السودان ، وبيرددوا ده بشكل مستمر ومقصود ومتعمد ، حتي صدقهم من كتر التكرار الاجيال الجديدة اللي لا بتقرا تاريخ كويس ولا عندهم وقت لكده .. ظاهر الامور هو ان ناصر فصل السودان عن مصر .. وعلي فكرة حتي اللفظ اللي اطلقوه ليس اللفظ الصحيح ..اللفظ الصحيح هو موافقة ناصر علي حق السودانيين في تقرير المصير ، ولكن الاخوان في هجومهم علي الرجل استخدموا لفظ ناصر فصل السودان عن مصر علشان اللفظ ده تاثيره اكبر .. عموما ده من حيث الشكل اما من حيث جوهر الموضوع فهو ان السودان لم يكن ابدا في يوم من الايام مصري .. كمان من اشد حالات الغباء انهم بيناقضوا نفسهم لما يقولوا ان ناصر كان بيسعى للزعامة عن طريق الوحدة العربية..طب ازاي ناصر كان بيسعى للوحدة العربية وبتقولوا انه في نفس الوقت فصل مصر عن السودان !! ..
    قال جعفر : باغي تبين لي الحكاية هذي كيف اصلها ؟..
    قال الفتي :
    في كلمتين يا جعفر يا حبيبي حكاية ملك مصر والسودان اكذوبة تاريخية كبري .. مجرد مسمى بلا فعل..زي الدكتوراه الفخرية كده ..هي اسم صوري ضحك به الانجليز علي ملوك مصر علشان يستعينوا بالجيش المصري في اخماد الثورات السودانية اللي كانت بتطالب بتقرير المصير وجلاء الانجليز .. حاكم السودان لم يكن مصريا بل انجليزيا...
    و الحكاية باختصار شديد جدا علشان الوقت انه تم ضم السودان بالقوة إلى مصر عام 1822 فى عهد محمد على فى حملة عسكرية ، وبعيدًا عن انتهاكات ومذابح ارتكبها جنود محمد علي ضد السودانيين، فإنه مع ضم السودان بدأت المعارضة السودانية ضد الاحتلال المصري تشتد يوم بعد يوم ، وأخذت اشكال عديدة كما ظهرت دعوات وحركات ترفع يافطة استقلال السودان ، ونشأت أحزاب تدعم هذا التوجه ، وعلت الأصوات تطالب بالاستقلال من الاحتلال المصري اللي ضم بلدهم بالقوه ،وكان ابرز الثورات ماعرف بالثورة المهدية بزعامة محمد المهدي التي إنطلقت عام 1880 وحققت انتصارات عسكرية متتالية علي جيش محمد علي ، مكنتها من السيطرة وإعلان إستقلال السودان عام 1885 ..
    ولكن لما بريطانيا احتلت مصر عام 1882 رغبت في انها تضم السودان كمان ، وعلشان متضحيش بكل قواتها العسكرية في الادغال السودانية ، شافت الافضل انها تستعين بالجنود المصريين في اخماد ثورات السودان لما تحتله ، بس تعمل ده ازاي ؟ فكرت بريطانيا في حل ذكي .. قالت لملك مصر انت من اليوم ملك مصر والسودان .
    من هنا تم احتلال السودان على يد القوات البريطانية المصرية المشتركة تحت قيادة هربرت كتشنر في عام 1898، وأصبح السودان تحت إدارة حكم ثنائى بموجب اتفاقية 1899 بين انجلترا ومصر ، وهو حكم ثنائى ظاهريا بينما فى حقيقته كان حكم بريطاني خالص لأن الاتفاقية نصت علي ان يكون على رأس الإدارة العسكرية والمدنية حاكم إنجليزي .. يعني بصريح العبارة لم يكن لملك مصر والسودان ، اي نفوذ علي السودان علي الاطلاق ولا يستطيع تعيين حتي غفير سوداني ولا يقدر ينقل معزة سودانية من مكان لمكان ..
    يا جعفر لقد كذبوا وضللوا الشباب .. لم يكن هناك وحده حقيقية بين مصر والسودان لأنها لم تكن على أساس حقيقي او شعبي ، كما لم تكن هناك سياده مصرية على السودان علي الاطلاق ، السودان كانت تحت سطوة الاحتلال الانجليزى كما كانت مصر خاضعة للتاج البريطانى
    يعني الدولتين مصر والسودان كانوا واقعتين تحت الإحتلال العسكري البريطاني .. .
    هي دي الحقيقة التاريخية للي عايز يسعى ليها ويبذل جهد ولو بسيط فى قراءة التاريخ ..
    بعد ثورة ناصر ضد الاحتلال الانجليزي وقدرته علي طردهم من مصر اللي احتلوها 72 سنة كاملة، كان رهان بريطانيا ان ناصر يرفض حق السودان فى تقرير مصيرها ، فمن ناحية يتم خلق حالة من التشوية والعداء بين مصر وثورتها اللي بترفع راية الاستقلال والتحرر الوطنى والقضاء على الاستعمار في كل مكان وبين السودانيين ، و تضمن بقاء السودان ضمن النفوذ البريطانى وفقا لاتفاقية الحكم الثنائى ، وهو ما فطن اليه ناصر بذكائه الحاد فكان من أهم الضمانات التى اشترطها هى ان انسحاب القوات العسكرية البريطانية من السودان اولا هو شرط أساسى علشان يعلن ناصر ان للسودانيين حق تقرير مصيرهم ، واختار السودانيون في استفتاء شعبي الاستقلال التام عن مصر وعن بريطانيا ، وبكده قطعت مصر على بريطانيا أى طريق لعقد تحالفات تهدف إلى استمرار السودان تحت النفوذ البريطانى .
    السودان مختلف تماما عن مصر عرقياً ، اللغة والدين والنيل شئ والوحدة شيئا آخر ،و ده أمر لا شك فيه ..
    يعني من الآخر كده السودان لم يكن تابعًا لمصر إلا في الفترة ما بين 1822 حتى 1885، وبصراحة تامة هذه الفترة كانت من أسوأ الفترات التي عاشها السودانيون ، واللي عانوا فيها من الاحتلال المصري.. فالاحتلال يظل هو الاحتلال حتي لو كان من أخوك ...انما الوحدة القائمة علي الرضا بين الشعوب دي حاجة تانية خالص ومختلفة تماما عن الاحتلال الجبري

  10. #30
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    واكمل الفتى حديثه : المهم نرجع لموضوعنا الاصلي وهو ان تحالف السادات مع الاخوان مكانش لوجه الله بين الاتنين .. كان كل واحد بيستخدم التاني لغرض شخصي السادات علشان يضرب بيهم القوي الوطنية اللي بتهاجمه لتبعيته المذلة لامريكا ،والاخوان علشان يلاقوا فرصة يصفوا فيها حسابهم القديم مع ناصر .. السياسة دي ادت بالسادات انه في النهاية يتقتل علي يد تنظيم متطرف خرج من عباءة الاخوان ..
    قال جعفر : والنميري كيف بيكرر هذي الأخطاء اللي السادات سواها ؟..
    قال الفتى :
    نفس اللي عمله السادات ولنفس الاسباب .. النميري برضه بيعمله حاليا .. وعلشان كده أتوقع نهايته قريبا .. هو بيتحالف مع الاخوان لضرب القوي السياسية الوطنية واليسارية اللي بتهاجمه لتبعيته لامريكا ،و العلاقات المشبوهة التي ابتدأ نظام النميري يقيمها علشان يخدم السياسة الامريكية في المنطقة ، خاصة في ما يتعلق بتهريب الفلاشا..هو اتكشف لما ذاع خبر لقائه بشارون في نيروبي بكينيا في مايو السنة اللي فاتت (1982 ) ، وضلوعه وأجهزته في تهريب اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل سراً على عدة مراحل .. ده إضافة لتأييده اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، كمان علشان عنده مشكلة اقتصادية عنيفة بدأت من سنتين ، ومشكلة تفجر الوضع في جنوب السودان اللي عايزين ينفصلوا عن شمال السودان .. هو بيحاول يداري علي فضايحه باعلانه تطبيق الشريعة الاسلامية ،وتحالفه مع جماعة الاخوان في السودان علشان يدعمونه في حكمه فوقع الاستغلال المتبادل بينهم ؛ النميري يحتاج لفكرة ،والاخوان يحتاجوا لواجهة، ولارضاء الاخوان قام بحملة اعتقالات لقدامي اليساريين الوطنيين ،واللي انا اعتقد ان منهم اخو صديقنا مالك ..
    ..........................................
    قال جعفر للفتى :
    هذيك كلام انزين ما كنت أتبينه .. لكن بالله عليك أخي باغي تسكر الهرجة في السياسة .. انا باغي أرامسك في حالة تشغلني ..
    قال الفتى : انت في حالة واحدة بتشغلك لكن انا حاليا في حاجتين بيشغلوني موضوع صديقنا مالك ، وموضوع عاطفي شخصي ..
    قال جعفر : لكن انا تعبت من هادي الحالة ..
    قال الفتي : هات ما عندك .. أدينا إحنا بنتسلي في الطريق
    قال جعفر للفتى : فيه بنت دعبوبة ابغاها في الحلال ..
    قال الفتى : تقصد ايه بكلمة دعبوبة ؟ اوعي تكون شتيمة..احسن اللهجات العربية بتختلف في بعض معاني الكلمات .. مرة حصل موقف طريف بيني وبين رامز بسبب اختلاف اللهجة، وكان حيتسبب اننا نخسر بعض .. في يوم شافني واقف مع زميلة في الجامعة ، وبعد ما البنت مشيت ، قالي البنت اللي كنت واقف معاها دي لبوة .. زعلت منه جدا .. كلمة لبوة دي عندنا في مصر لما تتقال عن فتاة او امرأة يعني شتيمة وسب علني ممكن يدخلك السجن ، لأنها مش اي شتيمة دي شتيمة قبيحة جدا يعني بصريح العبارة زي المومس.. لكن اكتشفت العكس تماما.. في اللهجة السورية لما تحب تمدح فتاة تقول عليها دي لبوة !!..
    .. قال جعفر : دعبوبة ذيك عاد بلغوتنا العمانية بنت شقبة ..
    ضحك الفتى فقال جعفر : ليش تضحك ؟ ..
    قال الفتي مندهشا : يا جعفر يا حبيبي ارحمني هو انا فهمت دعبوبة لما حافهم شقبة !!، مش كفاية عليا لما باقعد معاكم انت ومالك ورامز ولؤي باحس اني باتعامل مع خمسين لهجة في وقت واحد !!..كويتي وسوداني وعماني وشامي ، ومش اي شامي كمان ... ده الشامي بتاع رامز شامي حومصي ..
    قال جعفر : قصدي ذيك البنت اللي بتقولون عليها يالمصاروه بنت حلوات ..
    قال الفتى : مش بنقول بنت حلوات يا عم جعفر .. بنقول بنت حلوة اوي ، و ساعات بنقول عليها بنت زي لهطة القشطة ، ولما نحب نختصر في الكلام نقول عليها : صاروووخ .. ما علينا .. كمل كلامك ..
    قال جعفر بلهجته العمانية المحببة :
    ما عليك شي .. هادي البنت اللي باحكيلك عليها أنا من زمان بابغاها وساكت ، و بقول ما خلصت وما يصير اتكلم عليها..بس دحين وجبت لما قربت أخلص الدراسة .. تصدق اني احبها من وقت شوفتها ..دي عفية و بنت كيفك من البنات الشقبات ، واللي حفظات علي نفسهم ، مش من البنات اللي مسويات بعمرهن ميكب وخرابيط في وشهم ، ويسوين حركات يخليك تشتهي فيها ،وما مخليات خلايق الله ترتاح ، والله هادا النوع تتعبك بعدين ، وما ينفعو ببسة .. البنت اللي باغيها ما مسويات شيء ..
    فقال الفتى وهو يكتم ضحكة تكاد تنطلق عالية : يعني يا جعفر انت بس كل اللي عاجبك فيها انها مش عاملة ميكب !!..
    قال جعفر :
    لإن البنات في الزمان هذاك شيء قدامك ويسوين لبس حلوه وستايل ، لكن ما يصيروا زواج .. لكن البنت اللي حاكيك عنها ..اذا مشيت كل الطيور تغني لها من جمالها وخفت ظلها ..
    قال الفتى : طب وانا ايه دخلي بالحدوتة دي كلها ؟ ..
    قال العماني : انت تعرفها ..
    قال الفتى وهو يغالب الملل :
    طب يالا قول بسرعة علشان احنا كده خلاص ،داخلين علي الشارع اللي ساكن فيه أخونا مالك ..
    قال جعفر : صبرك بالله ..
    قال الفتى : ونعم بالله.. مين الدعبوبة ، أو القشبة دي اللي قلبت حالك ؟ ..
    قال جعفر : ذيك القشبة خية رامز .. سندس ..

صفحة 3 من 20 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •