صفحة 4 من 20 الأولىالأولى ... 2345614 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 40 من 197

الموضوع: حكايات الزمن الجميل ..قلب الفتى ..بقلم ناصر عجلان

  1. #31
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    الحلقة 6
    مالك الحزين


    أخيرا وصل الأصدقاء الأربعة ، السوري (رامز) ،والكويتي (لؤي) ،و العماني (جعفر) ،والمصري (الفتى) ،إلي حيث مكان صديقهم الخامس ، السوداني (مالك) ،وجدوه يسكن في شقة حقيرة بالدور الأرضي لبيت متهالك في الحي الشعبي إمبابة ..
    كان واضحا عليه الإعياء الشديد من تأثير السهر والشرب .. عيناه جاحظتان محتقنتان..عضلاته مشدودة ، ومفاصله جامدة ..أظافره إستطالت ، وملابسه إتسخت .. وعلي وجهه ذي العظام البارزة الشقاء كله ..
    زجاجات البيرة والكونياك الفارغة ،وأعقاب السجائر الرخيصة ،وعلب السردين الفارغة ،ملقاة بإهمال في أرضية المكان القذر .. فوجئ بزيارتهم ،فظل يرحب بهم وعلامات الخجل تكسو وجهه من الوضع المزري للشقة ،وله شخصيا..
    طلبوا منه أن يبدل ملابسه ،ويأتي معهم إلي شقة جعفر بعمارة إفرست.. مكان تجمعهم الإعتيادي المفضل .. كانوا يريدون الخروج به من هذه الحالة المحبطة .. إعتذر لمعاناته من إرهاق شديد ،علي وعد بالذهاب في وقت آخر ..
    أخذ ينفض بيديه النحيلتين الأتربة المتراكمة والمنتشرة علي الكنبة الطويلة الوحيدة الموجودة بالصالة .. دعاهم للجلوس عليها ،. صنع لهم بعض الشاي ، وطلبوا منه زجاجة مياه باردة ،ومطفأة للسجائر ، وأن يجلس قبالتهم.. الأهم الآن ما جاءوا من أجله، أن يتكلم و يحكي ما جرى .... الدهشة والذهول كانتا عنوان الجلسة .. حقائق وأحداث يعرفونها عنه لأول مرة ،رغم صداقتهم له منذ سنوات .. فقد كانوا دائما يرون صديقهم مالك، باسما ضاحكا طيب القلب جميل الروح ..
    كان مالك قد جلس علي كرسي خيزران في مواجهتهم .. و بعد لحظات صمت ثقيل ،أشعل سيجارة ، إمتص نفسا عميقا ، ثم نفث دخان سيجارته في الهواء ببطء ، وشرب رشفة قصيرة من كوب الشاي ، ثم بدأ في الحكي ..
    .............................................
    في صباح يوم شديد الحرارة ،سقطت فيه مبكرا أشعة الحارقة على مجموعة من البيوت القديمة بأحد الأحياء الشعبية للمدينة السودانية العريقة أم درمان ،إنطلقت صرخة مدوية إهتز لها الحي من بيت يعرفه الجميع .. بيت عبدالرحمن العقيل ، الشهير في الحي بإسم عبدالرحمن المراكبي ..
    كانت الزوجة الملتاعة قد إستيقظت مبكرا لإعداد وجبة الافطار لزوجها وأولادها ، ثم ذهبت لتوقظ زوجها كالمعتاد كي يذهب إلي عمله في سوق الموردة الشهير بالمدينة ،فوجدته قد مات ..
    مشيئة الله رأت أنه حانت اللحظة للرجل الذي كان كنمل الأرض يلتقط رزقه يوما بيوم أن يودع حياته البائسة .. حان الوقت لجسده الضئيل المرهق المنهك كي يستريح للأبد ..
    كان ذلك في صيف عام 1969 حيث مات عن عمر يناهز 48 عاما ،وترك زوجة شابة لم تكمل 38 عاما ،وأربعة من الأبناء ، الكبرى أرملة تدعى سمية تبلغ من العمر22 عاما، وقد ترملت صغيرة، تحمل طفلا رضيعا لا يتجاوز العام ، يليها يونس وعمره 18 عاما سوف يلتحق بعد أشهر بعامه الدراسي الأخير بالمدرسة التجارية المتوسطة ، ثم صالح 16 سنة في المدرسة الثانوية ، والأخير مالك 9 سنوات لا يزال في المدرسة الأولية ( الإبتدائي ) .
    ..............................
    أم درمان :
    هي أكبر وأجمل مدن السودان ، وكانت ولا تزال مركزا تجاريا كبيرا ،حيث تشتهر بأسواقها المتعددة ،وبضائعها المتنوعة ، وقد لا يعلم البعض أن الإمام محمد أحمد المهدي عندما قام بثورته لطرد الإحتلال المصري ،إتخذها عاصمة للسودان بدلا من الخرطوم ، ومنها أعلن الاستقلال التام للسودان الجميل وشعبه الطيب ، بعد أن إستطاع هزيمة جنود محمد علي في عام 1885، منهيا بذلك 63 عاما من الإحتلال المصري البغيض .. ( الإحتلال هو الإحتلال ) ..
    وسوق الموردة يعد من أقدم وأشهر الأسواق بالمدينة .. هو سوق له عبقه الخاص ونكهته المميزة التي تجعل كل أهالي المدينة ،يرتادونه من كل فج عميق .. السوق به أماكن لبيع الأسماك ، وأماكن لبيع الخضروات ،ومقاهي، ومطاعم متعددة ،وأفران للخبز ،وبعض الدكاكين لبيع الزيت والسمن والدقيق والسكر ، كما يوجد به معاصر للزيوت ،وورش لصناعة مراكب الصيد ..
    .................................................. .......
    بيت عبدالرحمن المراكبي :
    يقع في مكان منزو بأحد الأحياء الشعبية للمدينة .. وكمعظم بيوت السودان القديمة المتواضعة، مبني من الطين والحجر ،ويضاء بلمبات الجاز.. يتكون من دورين، الدور الأول مظلم ،ولكن تسهل فيه الرؤية ،به حجرة واحدة واسعة تستخدم كمضيفة ،وطرقة طويلة تنتهي بدرج خشبي يفضي إلي الدور الثاني ..
    الدور الثاني عبارة عن ثلاث حجرات ،ومطبخ به عدة طاقات ( الطاقة هي فتحة صغيرة في الجدار ،مفتوحة بدون شباك ) ،وحمام بلدي ،وصالة مربعة في المنتصف مكشوفة للسماء ..
    الصالة هي مكان الأسرة التقليدي لتناول الوجبات وللتسامر .. بها طبلية خشبية مستديرة تستخدم كمائدة للطعام يجلسون حولها متربعين علي الأرض ، وبها راديو خشبي، وكنبة قديمة للجلوس ،وبعض البنابر ( مقاعد سودانية تصنع من الحبال )،وعلي الأرضية (برش) من سعف النخيل.. و تم إستغلال التهوية المتوفرة في الصالة المكشوفة لتعليق المشلعيب ( ثلاجة الفقراء) وهو عبارة عن شبكة صغيرة مفتوحة من طرفها الأعلي ،صنعت من سعف النخيل ،و ربطت بطريقة هرم ثلاثي ذو قاعدة في شكل دائرة ،و علقت في هذا المكان المفتوح المعرض لتيارات الهواء ، لحفظ الأطعمة والمشروبات لليوم التالي .. كانت تستخدم بديلا مناسبا للثلاجة نظرا لإنعدام الكهرباء ، كما يوجد لنفس السبب زير مصنوع من الفخار لشرب المياه الباردة ..
    كان المشلعيب والزير، يمثلان عصب المنزل ،حيث ترتفع درجات الحرارة في السودان , مع عدم توافر الكهرباء في تلك الأيام ..
    المطبخ به أدوات الطبخ السودانية التقليدية البدائية في ذلك الوقت .. المرحاكة والمفراكة ،والبرمة ،والكلول ،والفندك ،والقدرة ،والقدح ، والمنقد وهو موقد إعداد وطهي الطعام ، أقل سعرا وتكلفة من وابور الجاز..
    أما الغرف الثلاثة فهي غرفة لعبدالرحمن وزوجته سهيلة ، وغرفة لسمية وطفلها ، وغرفة للصبيان الثلاثة يونس وصالح ومالك ..
    تحتوي الغرف علي أثاث سوداني بسيط ، مثل السحارة لحفظ الملابس بديلا للدولاب ، وعناقريب ( سراير سودانية ) للنوم ، يفرش علي كل عنقريب (عتنيبة ) والتي هى عباره عن نسيج من السعف يرقد عليه الشخص ، وتعد بديلا لفقراء السودان عن المراتب القطنية الغالية الثمن

  2. #32
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    عبدالرحمن :
    كانت سهيلة في الرابعة عشر من عمرها ،عندما جاء عبدالرحمن العقيل يطلب يدها من والدها .. كانت البنات في السودان في الزمن البعيد يتزوجن مبكرا جدا .. ورغم أنه يكبرها بعشرة أعوام ، وشابا فقيرا أرزقيا أي يكسب قوته يوما بيوم ، إلا أن والد سهيلة وافق عليه ،لأن الشرط الأساسي للقبول في ذلك الزمن ، هو أخلاق الشاب ،وسيرته ،بغض النظر عن أوضاعه المالية ،ودون إرهاقه بالمهر والطلبات والشروط .. المال يذهب ويأتي .. ولكن صاحب الخلق والدين لا يختلف عليه إثنان .. وعبدالرحمن كان شابا مستقيما علي خلق ..وافقت سهيلة ، وزفت إليه .
    إستطاع والد سهيلة أن يجد عملا ثابتا لزوجها في ورشة لصناعة مراكب الصيد الصغيرة بسوق الموردة القريب من النهر ،والذي تنتشر به صناعة المراكب.. سرعان ما برع عبدالرحمن في عمله الجديد حيث تخصص في أصعب مرحلة من مراحل صنع المراكب ، وهي مرحلة التلويح والتي تتطلب مهارة عالية ،حيث يتم من خلال آلة الغزالة الحادة القوية ،ثني ألواح الخشب في أشكال معينة, لكي يتم تركيبها على الهيكل الأساسي للمركب ..
    إشتهر عبدالرحمن العقيل بمهارته هذه بين جميع الورش المتواجدة في السوق ،فكانوا يتنافسون للحصول علي خدماته ، الأمر الذي جعله يربح جيدا من ذلك العمل الفني المتخصص .. وأطلق الناس عليه لقب عبدالرحمن المراكبي ..
    في ظهر أحد الأيام ،إنتبه العمال بالورشة على صراخ عبدالرحمن المتألم بشدة ..عندما ركضوا إليه ،وجدوا الدماء تملأ ملابسه ،كان مذعورا يمسك كف يده اليسري الممزق .. كان كفه متدليا يقترب من السقوط والإنفصال عن ذراعه .. ثم تهاوى عبدالرحمن علي الأرض فاقدا الوعي من شدة الألم ،ونزيف الدماء ، والصدمة العصبية ..
    الذي حدث هو أن لحظة شرود خاطفة لم تستغرق ثوان ، تعرض خلالها للإصابة البالغة .. فبدلا من أن يثقب عبدالرحمن لوح الخشب ، إنحرفت يده قليلا ، فقطعت عدة الغزالة القوية الحادة كف يده اليسري من المفصل، بعد ان أحدثت ثقبا كبيرا عميقا مزق الشرايين وقطع الأوتار ،فانفصلت إلا من وتر واحد ظل معلقا .. نقلوه علي الفور إلي أقرب مستشفي ،وهناك بتروا كف يده اليسرى بالكامل لإنقاذ حياته ..
    عبدالرحمن أصبح صاحب عاهة مستديمة ..
    عاش أياما صعبة عسيرة ،غاب شمسها وإنحسر ظلها .. فقد مصدر رزقه الهام عندما فقد عمله الوحيد الذي تخصص وبرع فيه .. العمل في الورش يتطلب إستخدام كلتا اليدين .. نفذت النقود القليلة التي منحها له صاحب الورشة كتعويض .. لم يكن أيامها هناك ما يعرف بالتأمين الإجباري علي العاملين ..
    كما نفذت الجنيهات والقروش القليلة التي كانت تدخرها زوجته وسيلة للإنفاق علي تعليم الأولاد ، وتجهيز إبنتها الكبري للزواج .. تراكمت عليه الهموم .. الآن أصبح هناك بيت يحتاج الي نفقات ،وأطفال ينتظرون الطعام كل يوم .. بعضهم صغار مازالوا زغب الحواصل لا ماء ولا شجر!..
    حاولت زوجته بكل ما آتاها الله من حنان ورضا بالمقسوم، أن توقظ فيه الأمل ، وتعيد إليه الثقة بنفسه ،وأن يبدأ من جديد في أي عمل مهما صغر شأنه .. رب السماء موجود .. لا يغفل ولا ينام ..
    إضطر أن يعود إلي سوق الموردة كي يجد قوت يومه ،ولكنه عاد هذه المرة كبائع بسيط للخضروات يفترش الأرض ويلتحف السماء .. كان يستيقظ فجرا ،مصطحبا معه إبنه الذي كان لا يزال طفلا (يونس)، ليذهبان معا إلي مزرعة في الشاطئ الشرقي من النيل ،يشتري منها بالأجل بعض الخضروات الطازجة من طماطم، وبامية، وبطاطس ، وملوخية ،ويضعهم في جوالين أحدهما كبير يحمله هو علي كتفه بيده الوحيدة ،والآخر صغير يحمله إبنه يونس علي رأسه.. ويظلان يسيرا هكذا كل يوم علي الأقدام مسافة طويلة ومرهقة من المزرعة إلي السوق توفيرا لنفقات النقل ..
    عندما يصلا إلي السوق يفترش بضاعته علي الأرض في الجزء المخصص بالسوق لبائعي الخضروات ،حيث كل بائع صغير يشغل فيه قسما مربعا ..
    أما الطفل يونس يذهب بعد ذلك مباشرة إلي مدرسته ، فلا وقت لديه للعودة إلي البيت لتناول قسطا من الراحة ، او حتي تناول وجبة الإفطار، مكتفيا هو ووالده بما قضموه من لقيمات من الكسرة ( خبز سوداني ) التي أعدتها لهما في الصباح ربة المنزل وسيلة ، والمحشوة بأشياء بسيطة كمون أو جبن ..
    يظل عبدالرحمن في السوق حتي المساء لبيع كل بضاعته ، ورغم إرهاقه الشديد لا يعود الي المنزل مباشرة ، بل يضطر للذهاب إلي المزرعة مرة أخري لكي يدفع للمالك ما عليه من نقود .. كان مالك المزرعة يشترط علي تجار التجزئة البسطاء دفع ثمن البضاعة أولا بأول في مساء نفس اليوم ،حتي يستمر التعامل الدائم معهم بنظام الدفع الآجل بعد البيع ..
    يعود عبدالرحمن بعد ذلك إلي المنزل منهكا ،يحمل الأجولة الفارغة و قروشه القليلة التي تحصل عليها من عمله البسيط .. يتناول بين أولاده وزوجته وجبة الغذاء ، والتي هي في نفس الوقت وجبة العشاء .. يحكي لهم عن كل ما مر به من أحداث في يومه المضني .. غالبا هي أحداث عادية متكررة ،وأحاديث رتيبة ..
    يظل هكذا يحكي ويحكي حتي يغلبه النعاس من شدة التعب ،فيستلقي بدون أن يدري علي العنقريب الموجود في الصالة ، أحيانا تتركه زوجته نائما هكذا ، وأحيانا تذهب به إلي غرفته ليكمل نومه العميق ، فيسير معها شبه نائم ، ثم يستيقظ في يومه الثاني مبكرا ،لمواصلة دوامة الشقاء ..
    وظل هكذا إلي أن مات .. مات بائسا لم ير من الدنيا حلوها أبدا ..
    مات كما عاش لا فرق ..

  3. #33
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    سهيلة :
    سيدة طيبة القلب صبورة صلبة راضية ، حفر الزمن آثاره عليها مبكرا ،و رغم صغر سنها ،كانت دائما وأبدا تبدو ملامحها أكبر من عمرها الحقيقي .. لم تعش الحياة كما ينبغي .. خرجت مباشرة من بيت أبيها الفقير إلي بيت زوجها البائس ..
    كانت تقضي معظم يومها بل كله في نظافة البيت ، وكنس مداخله ومخارجه ،وفرشه بالرمال البيضاء ، وفي إعداد الطعام لزوجها وأولادها ، وفي تربية طيورها القليلة .. تنام مبكرة شأنها شأن كل أهل مدينة أم درمان التي كانت قبل دخول الكهرباء يعمها الظلام بمجرد غياب الشمس،حيث تغلق أبواب كل المحلات بعد صلاة العشاء ..
    عندما مات زوجها وتركها وحيدة تعاني ظلمة الفقر وقسوة الحياة ،وترك أبناءا هم ما زالوا جميعا في مراحل التعليم ، و أرملة تحمل رضيعا.. عاشت أياماً صعبة وهي تفكر كيف تستطيع أن توفر لهم متطلباتهم في ظل ظروفهم المادية المتدهورة ..الحياة تزداد صعوبة يوما بعد يوم ،والأبناء تزداد حاجتهم إلى نفقات .. رأت أن تواجه بنفسها تدبير مصدر دخل لمواجهة الحياة ونفقات المنزل ..
    فى ظلال الوجع و الحزن ،و مكابدة آلام الفقد و الفقر..باعت القرط الذهبي الوحيد الذي كانت تملكه ،وإشترت بثمنه جوال ليمون ،وأحزمة جرجير وفجل ،وذهبت لتلتقط رزقها في سوق الموردة .. البائعون تركوا لها نفس المربع الذي كان يفترشه زوجها الراحل ، إشفاقا عليها ،وتعاطفا مع ظروفها ،وعندما كانت الطيور تكبر ، والدجاجات تبيض كانت تحملهم معها لتبيعهم أيضا في السوق ..
    كما كانت تصنع حلوي الزلابية ،و ترسل إبنها الطفل مالك في الصباح أيام الاجازات ،وفي المساء أيام الدراسة ،لكي يبيعها للأطفال المتواجدين في السوق..
    وكثيرا ما كانت تشفق على مالك الصغير النحيل الذي يسير بكتف مهدول ،من ثقل حمل صفيحة الزلابية ،وهو يدور في أزقة السوق بين البائعين والمشترين يعرض بضاعته ، فاعتادت أن تمنحه كوبا من شاي مع كسرة خبز كلما أحس بالتعب، أو الجوع ..
    ظلت هكذا حتي عندما إستلم يونس عمله بوظيفة مدنية بالجيش السوداني ، ورفضت تماما إلحاحه عليها أن تستريح ،فقد كان راتبه ضئيلا جدا ، فهو لا زال موظفا مبتدئا ، يحمل شهادة متوسطة ..
    في الأيام الأخيرة مع الإرهاق المستمر ،والشقاء الذي لا نهاية له ، ومع إنفطار قلبها علي الأحوال المأساوية ل(صالح ) ،أقرب الأبناء إلي قلبها ( حكايته ستأتي في الحلقة القادمة ).. إفترستها الأمراض المتنوعة ، وتدهورت صحتها ، وجف منها ماء الحياة ..
    سقطت سهيلة كالشاة المذبوحة ،بعد أن خارت قواها ..
    .....................................
    سمية :
    هي الفتاة البكر ..رومانسية حالمة .. تتمتع بمسحة من الجمال السوداني الأمدرماني، لم تخفها علامات الحزن والشقاء .. لها عينان سوداوان واسعتان كثمرتي كرز.. تلقت قسطا بسيطا من التعليم في المدارس القرآنية السودانية المعروفة باسم ( الخلوة ) ،والتي تدرس علوم الدين فقط .. كان تعليم الفتيات يتم في هذه المدارس بهدف معرفة مبادئ القراءة والكتابة .. العادات والتقاليد المحافظة التي تسود المجتمع السوداني في ذلك الزمان لا تقبل إستمرار البنات في التعليم بعد بلوغهن سن الرشد ..
    راق قلب سمية بشدة منذ الطفولة لكمال إبن عمها ،واشتهر أنهما سيتزوجان بعد أن ينهي تعليمه المتوسط .. عاشت كثيرا في كنف هذا الحلم الجميل .. لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .. خلافات نشأت فيما بعد بين أبيها وعمها علي ميراث تافه ،حال دون إتمام الزواج .. كان عمها رجلا سيئا طماعا .. تزوج كمال من فتاة أخري تلبية لرغبة والده ..
    رأت سمية حلمها يجهض عندما قارب علي الإكتمال .. إكتوى قلبها حزنا وقهرا .. تحولت آمالها الوردية إلى كابوس. تحطمت كل أمانيها على صخرة الصدمة .. إنتابتها حالة من الإكتئاب المروع ، والأسي الشديد ، فقدت خلالها طعم الحياة ...
    عزفت عن الزواج .. كانت ترفض كل من يتقدم لخطبتها .. لقد كان فقط من حق الفتاة في ذلك الزمن أن تقبل أو ترفض من يتقدم اليها ،ولكن لم يكن من حقها إختيار فتاها بنفسها .. ظلت علي موقفها ..لم يستطع أبوها الوقوف أمام عنادها وإصرارها ، فسكت على أمل أن تهدأ يوما ،وتعود إلى صوابها ..
    عندما وصل عمرها إلي 19 عاما ،وهي تعد في تلك الأيام سنا كبيرة للفتاة بدون زواج ، ألحت عليها أمها وسط دموعها الغزيرة أن تتزوج ..
    وافقت سمية فجأة وسط دهشة الجميع علي قبول أقل المتقدمين لها شأنا .. كان ذلك إمعانا في الإنتقام من ظروفها المحبطة ،ومن نفسها ،ومن حبها المفقود ،ومن أهلها الذين تسببوا في حرمانها ممن كان يشتهيه قلبها..
    فقد كان من وافقت عليه شابا عاطلا فقيرا ، محدود التفكير ،متواضع المظهر، منعدم الطموح..لم تكن تدري أنها تعاقب نفسها بهذا الإختيار ،والزواج من مخلوق لا يتناسب وطموحها وأحلامها رغم طيبته الشديدة .. تزوجت به في غرفة بمنزل أبيه المزدحم بشقيقاته البنات ،وأشقائه وزوجاتهم ..
    أدركت سمية جسامة ما أقدمت عليه ،عندما كرهت الزواج والعلاقة الزوجية في الليلة الأولي ..
    شعرت أنها تغتصب .. الزوج الساذج منعدم التعليم ، كان حيوانيا ،يجهل فنون الدخول الهادئ المتمهل علي أنثاه ، ولا يدري كيفية التعامل بالرقة والحنان اللازم مع فتاة تجد نفسها وجها لوجه لأول مرة مع رجل غريب ،لم تألفه بعد في حجرة واحدة ..
    ومع ذلك ، بدأت مع الأيام تستأنس إليه تدريجيا لطيبته ، ولكن لم تهنأ بزواجها سوي أشهر معدودة ، نتج عنها جنينا في بطنها .. فسرعان ما سافر زوجها مع بعض أقاربه إلي المملكة الليبية للعمل في مجال المعمار ..
    مرت ثلاثة أشهر دون أن يرسل لها نقودا أو حتي خطابا ،قبل أن يرسل بعد ذلك رسالة قصيرة خالية من النقود ،يستفسر فيها عن أخبارها ،وأخبار الجنين ،ويخبرها أن أحواله ليست علي ما يرام ، فرص العمل لم تكن كما يعتقد .. قليلة بل نادرة حيث يعمل يوما ويتوقف إسبوعا .. ينام علي الأرض في حجرة واحدة مع عشرة أفراد ، ووعدها بإرسال نقود عندما يستقر ،وتتحسن الأحوال ..
    ثم إنقطعت رسائله وأخباره مدة طويلة ..إلي أن عاد من المملكة الليبية أحد أقاربه ممن كانوا يعملون معه ،وأخبرهم أن زوجها تم نقله إلي إحدي المستشفيات الليبية في حالة خطيرة ، بعد أن سقط من أعلي السقالة الخشبية ،نتيجة إختلال توازنه أثناء عمله بإحدي العمارات تحت الإنشاء ،وتعرض لإصابات بالغة ( كسر بالجمجمة ، ونزيف بالمخ ) وجروح ورضوض أخري متعددة ..
    بعد اسبوع واحد جاءها الخبر الحزين .. زوجها مات وتم دفنه في مقابر الصدقة الليبية ، لأن جسده كان قد تهرأ وتقيح من كثرة الكسور والجراحات التي تعرض لها ،فأصبح لا جدوى من نقله ،ودفنه في أم درمان ..
    صدمةٌ هزّت كيانها وغيّرت حياتها، قبل أن تأتيها الصدمة الثانية فيما بعد بموت والدها ..أصبحت بعدها عصبية ،متوترة دائما، شرسة أحيانا ،جراء ظروفها القاسية وإحباطاتها المتوالية..
    كانت سمية قد أنجبت طفلا ، وعليها أن تواجه أياما لا مثيل لمرارتها ، حيث رحل زوجها ،وتركها بلا أموال ، وبلا بيت مستقل ،وأهل زوجها فقراء ،وكل منهم يسد قوت أسرته بالكاد .
    عاشت في بيت أهل زوجها بعد رحيله أياما كقرن الخروب.. كانت في حال من البؤس ، والمرض،لا يمكن تصوره .. جف لبن صدرها ،وهزل طفلها .. ومع ضيق مساحة البيت علي هذا العدد الكبير الذي يأويه ، ومع الكفاف، ومع مشاغبات الأطفال ،ومشاجراتهم، ومع الضوضاء، والجو الخانق ..ضاقت الصدور.. إزدادت المشاحنات اليومية ، والمشاكل العنيفة بينها وبين زوجات أشقاء زوجها ..
    إكتشفت أنها تعيش حياة جافة خاوية ،بلا رغبة ،بلا هدف ،بلا أمل ،بلا اموال ،بلا عمل ،بلا يقين .. الفراغ العريض يبتلع كيانها .. نهارها مؤلم ،وليلها عصيب ..
    .............................................
    سمية هي ليست ملاك تم إنزاله من السماء .. سمية بشر .. كتلة من الأعصاب والمشاعر والأحاسيس.. والبشر هم البشر .. قارنت بين ما وصل إليها من أخبار عن زوجة حبيبها السابق كمال ، والتي تعيش معه حياة هانئة، سعيدة آمنة في بيت جميل مستقل ، وبين ما آلت إليه هي ، وأحوالها البائسة ، فبكت..
    بكت سمية كما لم تبك من قبل .. بكت شبابها الضائع .. بكت فقرها المدقع .. بكت طفلها الذي ولد يتيما .. بكت زوجها الذي لم تمكث معه سوي أشهر قليلة .. بكت أيامها المسحوقة .. بكت لياليها السرمدية .. بكت روحها التي تنزوي يوما بعد يوم .. بكت حياتها كلها ..
    .............................................
    يونس :
    طويل القامة، نحيف البنية، داكن البشرة ،بني العينين ، راجح العقل ، مثقفا ،شغوفا بالقراءة .. كان سيلتحق بعامه الأخير بالتعليم التجاري المتوسط عام 1969،عندما مات والده عبدالرحمن ..
    ما عاشه ولامسه من إنسحاق للفقراء ، وما رآه من ظلم اجتماعي ،وتوحش رأسمالي كان يسود السودان ، حيث الغني يزداد غنى ، والفقير يزداد فقرا ، جعلت له ميول سياسية يسارية ..
    كانت له بعض العلاقات مع قيادات الحزب الشيوعي بأم درمان ، ولكنه لم يكن شيوعياً ، أو صاحب أفكار وأيدولوجيات متطرفة ، كان منفتحا علي باقي التيارات السياسية في السودان من جمهوريين، وناصريين، وإسلاميين ،وشيوعيين ،وبعثيين ، لكنه في كل الأحوال لم يكن سوي محايداً ،و وطنياً ..
    إلتحق بوظيفة مدنية بالجيش السوداني كمحاسب في الإدارة المالية ، فور تخرجه من مدرسة التجارة عام 1970 ، ومن مرتب الوظيفة الضئيل جدا كان ينفق علي إخوته و علي أخته الأرملة وطفلها، ولم يكن يتبق له شيئا ، وأحيانا لا يجد حتي ثمن الدخان الذي يشربه .. فقد كان يشفق علي والدته وعملها المضني في البيت ،وفي السوق عندما تضطر لبيع الخضروات لمواجهة النفقات ، فينفق مرتبه كاملا علي البيت.. رفض يونس الزواج المبكر كعادة شباب السودان بعد إستلام الوظيفة مباشرة.. الظروف المادية له وللأسرة لم تكن بعد علي ما يرام ..
    في يوليوعام 1971 أي بعد عام من إستلام يونس العمل بالجيش السوداني ، وقع أول إنقلاب ضد الرئيس جعفر نميري ، وهو الإنقلاب الذي قاده الحزب الشيوعي السوداني ، والمعروف بـإنقلاب هاشم العطا ( هاشم كان رائدا بالجيش السوداني ، وسياسيا يساريا ، من مواليد مدينة أم درمان ،وكان مهابا شجاعا ،حتي أنه بعد فشل الإنقلاب فيما بعد ،كان يضحك وهو في طريقه إلى ساحة الاعدام ، لدرجة أن من ذهبوا لتنفيذ إعدامه كانوا خائفين منه، فلم ينتظروا وصوله لمكان الاعدام، بل عاجلوه من الخلف باطلاق 800 طلقة على ظهره حتى انفصل نصف جسده الأعلى قبل أن يسقط على الارض ، ثم واصلوا إطلاق النار علي جثته حيث أفرغوا فيها 4 صناديق من الذخيرة ) ..
    أعلن في الاذاعة عن نجاح الإنقلاب والإستيلاء علي الحكم ، و إعتقال جعفر النميري ، بعد ذلك أذاع راديو أم درمان تشكيل مجلس قيادة الثورة الجديد من بابكر النور، رئيسا، وهاشم العطا، نائبا للرئيس ، وعضوية بعض قيادات الحزب الشيوعي من المدنيين والضباط ..
    فرح يونس فرحا شديدا فقد كان من بين الذين قادوا الانقلاب من هم أصدقائه من قيادات الحزب الشيوعي بمدينة أم درمان ، وبالطبع سوف يحققون أحلامه التي كانوا يثرثرون بها في غد أفضل لشعب السودان الطيب..أخيرا سوف تتحقق العدالة الإجتماعية .. رقص في مكتبه بعد سماع الخبر أمام كل المتواجدين في الإدارة المالية ..
    لكن ليته ما رقص .. كانت رقصة مشئومة !! .. أشبه برقصة الطير المذبوح .. هي رقصة النهاية .. نهاية وظيفته ، بل مستقبله كله ..السياسة لا ترحم .. السياسة لعبة مميتة .. مقامرة خطرة .. هي لحظة .. إما إلي عنان السماء أو أسفل سافلين ..
    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 12-01-2016 الساعة 05:25 AM

  4. #34
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    في أول فرصة وجدتها سمية للهروب من الجحيم الذي تعيش فيه ،جمعت أغراضها ، وذهبت لتقيم في بيت أبيها ،رغم إدراكها أنه لا يقل بؤسا..ولكن ، لم تعد إليه كما خرجت منه .. كانت في بيت أبيها رغم الفقر ملكة ..
    الآن تعود ، بقايا إمراة ، محطمة ، مختلة وجدانيا ، تعود وهي تحمل طفلا هزيلا ، و تحمل أثقالا من الحزن والأسي ،والهم والألم ..
    تكفل والدها بنفقاتها هي وطفلها الرضيع من رزقه القليل ،والذي قاسمت فيه اخوتها .. لكن والدها مات بعد أشهر قليلة من عودتها .. مات ربما حزنا عليها ،وربما هي الظروف القاسية التي لم يحتملها قلبه وجسده .. الآن عليها أن تواجه الحياة وحدها فلا أب ولا زوج ولا عمل ..
    ترفض أن تعمل بائعة كأمها في الأسواق ،كما أن شقيقها يونس يرفض ذلك تماما ،خوفا عليها من ذوي النفوس الضعيفة في السوق ،عندما يرون أرملة صغيرة السن جميلة فقيرة ..
    هي لا تحمل أي شهادة دراسية .. هي لا تجيد أي مهنة .. هي عاجزة عن إيجاد أي حل ..
    ................................................
    المرأة السودانية صاحبة أجمل رائحة بين نساء العالمين أجمعين ،وهن أميرات النظافة ، وبشرتهن تتميز بالنضارة و الحيوية و اللمعان .. لهن في كل ذلك أسرارهن الخاصة التي ينفردن بها ،ولا تعرفها أي من النساء في الدول الأخري ..
    فقد إخترعن عطور سحرية ، مزيج من الصندل والضفرة والمسك والمحلب والقرنفل ، وإخترعن الدلكة السودانية الشهيرة لتدليك الجسم والبشرة والتي تعجز اي شركة تجميل في العالم أن تضاهي نتائجها المبهرة في التدليك والتقشير ..
    تعلمت سمية كل هذه الأسرار الغامضة من إحدي صديقات والدتها التي تعمل في تزيين العرائس السودانيات ، كما تعلمت فنون النقش السوداني بالحناء ،والدخان، وعطور الخمرة السودانية ،ودق الشلوفة (وشم الشفاه) ، والدلكة بأنواعها المختلفة ..
    أصبحت سمية متخصصة في تزيين العرائس قبل زواجهن .. إشتهرت بمهارتها هذه في المدينة .. كل عروسة مقبلة علي الزواج تطلب سمية لتزيينها ..بل أحيانا كان العريس يشترط علي أهل عروسته أن تكون سمية هي من تزينها ..
    إبتسمت لها الدنيا أخيرا .. هكذا ظنت .. ولكنها لم تكن تدري أن بيت أسرتها المنكوب سيشهد مآسي يشيب لها الولدان !!..
    و أن الشقاء سيأتيها مرة أخري كوعد

  5. #35
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الحلقة السابعة
    نداء الليل


    في التاسع عشرمن شهر يوليو عام 1971, قاد الرائد هاشم العطا ،من قادة الحزب الشيوعي السوداني, إنقلابا عسكريا ضد الرئيس جعفر النميري ،حيث تم إعتقاله في غرفة بالقصر الرئاسي ، وأعلن في الإذاعة السودانية بيان الثورة التصحيحية ، و تكوين مجلس قيادة جديد للسودان ،برئاسة المقدم بابكر النور ..
    ( للتاريخ : لم يرحب بابكر بالإنقلاب ،ولم يشارك بصورة فعلية في حدوثه ،حيث كان في ذلك الوقت قد ذهب إلي القاهرة للعلاج في مستشفي المعادي العسكري برفقة إبنته الكبري هدي ، ثم سافر وحده لإستكمال علاجه في لندن .. وفي مقامه بلندن تلقى خبر الإنقلاب ،وأنه قد تم إختياره رئيسا ، فقرر العودة إلي السودان ليتسلم الحكم ،و يحقق من خلاله ما آمن به من مبادئ ، ولكن في أثناء رحلة عودته من لندن الى الخرطوم ، أمر القذافي بإختطاف طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كان يستقلها بابكر النور عند عبورها الأجواء الليبية ،وتم إنزاله عنوة من على متن تلك الرحلة ،وتسليمه إلى نظام النميري ،ليساهم القذافي بشكل مباشر في إجهاض الإنقلاب ) ..
    كان النميري قد أفلح بعد ثلاثة أيام, من الإنقلاب ،و بمساعدة من الرئيس المصري أنور السادات ، في الهروب من غرفته في القصر الرئاسي ،حيث كان محبوسا, وأعلن عبر الراديو أنه عاد لرئاسة السودان ..
    بعد فشل الإنقلاب ، قام النميري بعقد محاكمات عسكرية صورية للإنقلابيين ،في منطقة الشجرة جنوب الخرطوم، ،وبدون الإستماع إلي دفاع ، أعدم فورا كل قيادات الإنقلاب ،عبد الخالق محجوب، وهاشم العطا، وفاروق حمد الله ، والشفيع أحمد الشيخ، ، وقائمة أخري من المدنيين والعسكريين، وفي اليوم التالي أعدم رميا بالرصاص عشرات آخرون من ضباط الجيش الشيوعيين, وإعتقل آلاف من أعضاء الحزب الشيوعي،وزُجَّ بالباقي في السجون ..
    أما ،بابكر النور ،فقد حكمت عليه المحكمة العسكرية ب12 عاما ،حيث لم يشارك فعليا في الإنقلاب .. ولكن النميري إعترض علي هذا الحكم ،وأصر علي إعدامه ،وبالفعل تم إعادة محاكمته وصدر ضده حكما بالإعدام ..


  6. #36
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    صالح :
    دقيق الملامح ..ضئيل الحجم .. متقد الذكاء .. متفوق في دراسته .. يرتدي نظارة طبية.. مرهف المشاعر .. رقيق القلب .. يهوى الشعر ،ويعشق سماع الأغاني خاصة أغاني أم كلثوم ..
    كان أقرب إخوته إلي قلب أمه بسبب حنانه وطيبته ،ولأنها عانت كثيرا أثناء حمله ويوم ولادته ،حتي كادت أن تشرف علي الموت ،فأيقنت أن الله قد نجاها من أجل تربية صالح .. كانت تحاول أن توفر له كل شيء يطلبه، مهما كان عصياً .. وكان هو أيضا متعلقا كثيرا بوالدته ،ويحكي لها كل شئ حدث معه في يومه ،حتي حبه لزميلته في الجامعة سلوى ..
    كان قد إلتحق بعد وفاة والده عبدالرحمن بمعهد المعلمين العالي ( كلية التربية ) قسم اللغة الانجليزية بجامعة الخرطوم.. و قرر البحث عن عمل بعد الظهر حتى يساعد أمه واخوته في توفير لقمة العيش ،وحاجتهم الماسة لزيادة دخل الأسرة خصوصاً مع قيام يونس بتسليم كل مرتبه الضئيل لوالدته .. وكانت أخته سمية مشغولة بعملها الشاق في تجهيز عطور العرائس وتزيينهن ..
    إستغل إجادته للغة الإنجليزية ،في العمل بعض الوقت بائعا بإحدي الصيدليات القريبة من الحي ،ولكي يوفر نقودا يشتري بها ملابس جديدة تظهره بشكل لائق أمام زميلته سلوي ،إبنة أحد أثرياء مدينة أم درمان

  7. #37
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    سلوي :
    قمحية البشرة ،فهي هجين من أم مغربية الأصل من مدينة فاس ،وأب سوداني ثري من مدينة أم درمان .. عسلية العينين .. رشيقة القوام .. مدللة ..لعوب .. تهوى جمع المحبين .. كان كل ما فيها ناعماً .. جسدها النحيل وبشرتها .. شعرها البني الفاتح تجمعه كله وتلفه علي شكل كعكة في وسط الرأس تربطها ،ثم ترمي خصلة مضفرة إلي الوراء كذيل الحصان ، (هي قصة الشعر الكلاسيكية التي كانت سائدة بين الفتيات المراهقات في ذلك الزمن )..
    إلتحقت بمعهد المعلمين العالي في نفس تخصص صالح (اللغة الانجليزية) ،وفي نفس السنة الدراسية ..
    إقتربت من صالح كثيرا لتفوقه الدراسي ، وأصرت علي أبيها أن تأتي به إلي قصرهم ،لكي يعطيها دروس خصوصية مسائية ،يوضح ما يستعصي عليها من المقررات الدراسية .. وقع صالح في غرام سلوى منذ أول درس .. كانت بينهما نظرات مختلسة ،ثم إبتسامات متبادلة ..
    مشاعره نحوها تطورت من جهته هو بصورة مخيفة .. هام بها عشقا ... لكن هي لم تكن كذلك .. كانت جميلة الملامح لكن جامدة المشاعر ..لا تعرف معني الحب البرئ الصادق .. تهوى فقط نظرات الإعجاب من حولها .. والحب ككل الأشياء تشتريه بالمال حين ترغب ..
    ظن صالح أنها تبادله نفس المشاعر .. عاش سعيدا تحت ظلال هذا الوهم الكبير.. لم يأبه حتي بالفارق المهول بين مستواها الإجتماعي كإبنة لرجل من أغني أغنياء مدينة ام درمان ،وبينه هو الذي يعيش علي الكفاف .. هي مرفهة تسكن في قصر كبير به كل كماليات العصر ،وهو يسكن في بيت من طين وحجر ..
    كيف يأبه صالح بالفوارق ؟ .. فكل الروايات الرومانسية التي قرأها ، وكل الأفلام العاطفية التي شاهدها ،أقنعته أن الحب يصنع المعجزات .. و تنهار أمامه كل الأشياء .. حتي الأديان تنهار أحيانا أمام الحب

  8. #38
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    ثلاثة أخطاء فادحة وقع فيها الحزب الشيوعي السوداني ،الذي قاد الانقلاب ضد النميري ،هي التي تسببت في فشل الإنقلاب بعد ثلاثة أيام من نجاحه ،وتسببت في نهاية قادتهم ونحرهم ..
    أولها أنهم بمجرد نجاح الإنقلاب ،إمتلأت الساحات والشوارع باللافتات الشيوعية ، كما نظموا مسيرات في الشارع السوداني تردد شعارات شيوعية مثل : ( سايرين سايرين .. في طريق لينين ) ، و ( يا يمين يا جبان .. الشيوعية في الميدان ) ،الأمر الذي أثار لهم عداوة كبيرة بين الشعب السوداني ، حيث أن الهتافات و الشعارات الشيوعية إستفزتهم ،فقاموا بمناهضة الإنقلاب ..
    والخطأ الثاني أن قاموا بتسريح الضباط وضباط الصف من غير الموالين لهم في الجيش السوداني .. فمن أخطر الأمور التي يمكن تصورها أن تجرد عسكرياً من سلاحه ،ثم يحصل عليه مرة أخري ،عندها سيكون كالنمر الجريح ،ولا أحد يستطيع أن يوقفه أو يحتويه ( ظهر هذا الإنتقام واضحا في طريقة إعدامهم لهاشم العطا ،حيث مزقوا جسده ب800 طلقة ، وبعد أن إنتهي ، أفرغوا في جثته 4000 طلقة ) ..
    الخطأ الثالث كان غباءا سياسيا محضا ،حيث لم ينسق قادة الإنقلاب مع رؤساء البلاد العربية المجاورة لهم خاصة مصر وليبيا ،قبل وبعد الانقلاب ، من هنا عمل السادات والقذافي علي القضاء علي الانقلاب ،وإطلاق سراح جعفر النميري وإعادته إلي السلطة ...
    كان يونس ( شقيق مالك ) قد أبدي فرحته الشديدة بنجاح الإنقلاب ،ورقص علنا في مكتبه بالإدارة المالية للجيش السوداني .. كان المسكين يظن ويحلم بتحقيق العدالة الإجتماعية ،وغد مشرق للسودان ،علي يد أصدقائه من قادة الحزب الشيوعي ،الذين إستولوا علي الحكم ..
    تم إستدعاء يونس للمثول أمام لجنة سميت " لجنة تقصي الحقائق في مؤامرة يوليو " .. بعد فشل الإنقلاب وبدء حملة الإعتقالات ... تبين لقيادة اللجنة بعد التحقيق معه أن الأمر لا يعدو أكثر من وشاية حول موضوع رقصته ،حيث إكتشفوا أنه ليس عضوا بالحزب الشيوعي علي الإطلاق ،وليس متورطا بأي شكل من الأشكال في الإنقلاب ، ولم يتوصلوا إلي ما يجرم يونس ..هو فقط كانت له صداقات مع بعض القيادات الإنقلابية ..
    مع ذلك ،عقابا له علي التعبير عن فرحته بنجاح الإنقلاب ،تم إصدار قرارا ،بإعتقاله لمدة عام واحد ، وأتبعه قرارا آخر بفصله نهائيا من وظيفته بالجيش السوداني ،ومنع إلحاقه بأي عمل حكومي في السودان مدي الحياة ..
    وقعت هذه القرارات كالصاعقة علي يونس ،وعلي بيت مالك المنكوب .. يونس هو العائل الوحيد للأسرة بعد وفاة والده ، و بعد تهاوي صحة والدته وسيلة نتيجة عملها المضني في سوق الموردة ،وجراء مأساة إبنها صالح

  9. #39
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    جاء يوم إصطدم فيه صالح بالواقع المرير .. رأي سلوي جالسة تحت شجرة في حديقة الجامعة مع أحد الشباب يتطارحان الغرام ، لم يصدق عينيه في بادئ الأمر ..عندما إقترب منهما دون أن يشعرا به سمعهما بأذنه ،يتحدثان معا أحاديث الحب ..أصيب صالح بالصدمة والذهول .. هي لا يمكن ان تحب أحدا غيره .. هكذا قالت له في إحدي المرات وهو يشرح لها دروسها ..و هكذا ظن البرئ الساذج ..تعمد الظهور أمامها مباشرة ،وهي جالسة مع رفيقها ،لكي يجعلها تشعر بالخزي وتخجل من نفسها .. لكنه فوجئ بلا مبالاة شديدة منها ..
    واجهها بما سمعه لم تنكر.. بل غضبت لأنه اقتحم عليها خصوصيتها .. نظرت اليه نظرة إحتقار وعبوس ،وقالت له أنه واهم فهي لم تحبه أبدا .. كانت فقط تريد منه أن يفهمها ما استغلق عليها من مقررات دراسية،وأن أبيها قد جاء لها بمدرس خصوصي فأصبحت لا تحتاجه وعليه الآن أن يبتعد عن طريقها ..
    .....
    الملعونة لم تكتف بما سببته له من صدمة مروعة بإعترافها القاسي أنها لا تحبه .. بل من غيظها الشديد لكونه قطع عليها خلوتها مع حبيبها أو رفيقها لا فرق ..أصرت علي أن تواصل إهانته ،وتمعن في جرح كرامته وكبريائه ، فأطلقت رصاصتها الأخيرة القاتلة ،عندما قالت له :
    أنت أحمق ،كيف خطر علي بالك لحظة أن تفكر هي بنت الأكابر في الزواج من شخص أمه بائعة خضروات تفترش الأرض ؟! ..
    كلمات جارحة خرجت من فمها لتصيبه في الصميم .. مطارق ثقيلة إنهالت علي رأسه لتحطم جمجمته وتفتتها ..طلقات رصاص مسموم صوبت نحو سويداء قلبه لتقتله بلا رحمة ..مال جسمه المذهول كانه مقبل علي السقوط ..
    إنتهي أمر صالح .. قضي عليه تماما ..

  10. #40
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    المقدم بابكر النور الذي ترأس السودان لمدة ثلاثة أيام فقط ، ثم حكم عليه بالإعدام بعد فشل الإنقلاب، إستطاع قبل يوم من إعدامه ،إرسال خطابا صغيرا مؤثرا ،علي علبة سجائر لإبنته الكبري هدي ،يؤكد فيه أن جعفر النميري سيعدمه ..
    جاء في الخطاب المؤثر :
    ( إبنتي هدى لك حبي وسلامي .. الساعة الآن التاسعة مساء الأحد.. لم يعلنوني بالحكم .. ولكني واثق من أن حكمهم سيكون الإعدام .. وربما سينفذ غدا ،فهذه المحاكمة مجرد محاكمة صورية .. ولكن في كل الأحوال ،أريد منك أن تجتهدي في دراستك ،وأن تهتمي بإخوتك حبيباتي هالة وكمالة ، وأخوكي خالد ،وترعي أمك.. أذكري لإخوتك عندما يكبرون أن أبوهم مات موت الشجعان ،وعلى مبدأ.. وقولي لأمك أن تصفح لي لو كنت قد آلمتها يوما ، وأن تكرس حيـاتـها لفلذات أكبادنا وتربيـهـم كمـا أردنا ،وان تحكي لـهم قصـتنا.. لم أترك لكم شيئا سوي مكتبتي حافظوا عليها ..
    إبنتي هدى لن أنسى وداعك الأخير في القاهرة ..حبي الدائم لك ولأمك وإخوتك . .أبوك / بابكر ) ..
    عندما أقتيد بابكر لتنفيذ حكم الإعدام فيه ، رغب في أن يستقبل الرصاص بوجهه ..فتراجع بخطواته للوراء في ساحة الإعدام كي لا يطلق الرصاص على ظهره مثلما تم مع هاشم العطا ..
    ......................
    صالح قد توقفت سنوات عمره منذ ذلك اليوم الذي صدمته وأهانته فيه زميلته سلوي .. كان الجرح عميقا مؤلما أكبر من أن يتحمله قلبه الرقيق ومشاعره المرهفة .. أصيب بصدمة عصبية ونفسية لا مثيل لها .. تم ذبحه وجدانيا .. التزم الفراش ولم يغادره .. أصبح رزمة لها هيئة انسان.. جسدا محطما مشوها .. وجهه شاحب كوجوه الموتى .. بلغ به النحول حدا عنيفا .. ودع الحياة والربيع والصيف والشتاء والحب والحنان والطعام والشراب والاهل والبيت والصيدلية والجامعة والأصحاب وصوت ام كلثوم ..
    كانت أمه سهيلة ،وأخته سمية يشاهدان حاله ويبكيان .. ذلك الذي كان فاكهة الأسرة كيف يذبل قبل الآوان ، كيف إنسلى جسده وكأنه هيكل عظمي يمشي علي الأرض .. جاءوا له بالأطباء تارة ، وبالشيوخ تارة أخري .. وعملت له أمه حفلة زار في البيت ، ولبت كل مطالب الكودية (كودية الزار) .. لم تفلح أي محاولة .. كانت حالته تزداد سوءا يوما بعد يوم ..
    كان قلب الأم ينفطر علي إبنها الذي تتعلق به بشدة وبقوة ،ولا تستطيع أن تنقذه من براثن الدمار النفسي ..
    كان شقيقه يونس في هذه الأثناء لا يزال في المعتقل ،وكان علي سمية أن تتولي الصرف علي نفقات المنزل ،بما تتحصل عليه من تزيين العرائس ،وهو لم يكن كثيرا لان العرائس في السودان لا يتزوجن غالبا الا يوم الخميس ،وهي لا تستطيع نظرا للوقت تزيين اكثر من عروس في اليوم الواحد والمرة الواحدة ..
    .................................................. ..
    ذات يوم كانت سهيلة جالسة علي الكنبة في الصالة تقوم بحياكة الملابس الممزقة ، وأخته سمية جالسة بجوارها تتحدث معها ،وهي تجهز عطور العرائس ..
    كان صالح قد إستيقظ لتوه وقد قرر شيئا ينهي به عذاباته .. هو أصبح لا يرغب في الحياة .. الزمن ليس له معني... لقد أدرك حقيقة مؤلمة ،أو هكذا خيل له .. ما معني أن يولد الإنسان فقيرا في هذه الحياة القاسية ؟؟ .. الفقراء لا حق لهم التمتع بالحب .. بل لا حق لهم في التمتع بالحياة .. لقد غادر عقل صالح جسده ..
    ذهب إلى المطبخ وتناول سكينًا حادا ،دون أن يشعر به أحد ، ثم دخل إلى الحمام ، مر الكثير من الوقت وصالح داخل الحمام لم يخرج ولا يسمعون له صوتًا، بعد قليل سمعوا صوت أرتطام شديد علي الأرض ،جاءت الأم ومعها الأخت راكضة إلى الحمام .. كان المنظر مخيفاً .. وجدوه غارقا في الدماء .. الدماء تغطيه من رأسه حتى قدمه .. لقد قام صالح بقطع شرايين اليدين وقطع شرايين الرقبة باستخدام السكين ..كان يذرف الدماء بغزارة كأنه حمل مذبوح .. صرخت الأم وأسرعت إلى إبنها وهو يتهاوى ..
    .................................................. .........
    تهاوى جسد صالح على ركبتيه وهو يجاهد لإلتقاط الهواء ،وتهاوت أمه لتأخذه بين أحضانها بقوة ، وهي تبكى بكاءً شديدًا علي ابنها الذي أنتزع منها وهو في ربيع عمره .. صرخت الأم المفجوعة صالح حبيبي وكبدي ونور عيني لماذا فعلت ذلك في نفسك ؟ ..
    ......
    جسد صالح ينتفض ببطء ، وهو في أحضانها ، ثم إنتفض نفضة واحدة شديدة ليصمت بعدها إلي الأبد ..
    .................................................. ............
    أصرت الأم المكلومة علي أن تدفنه بيديها ، فقد كانت تشعر أنها تدفن معه قطعة من قلبها .. عندما عادت ، قررت الإحتفاظ بالقميص الذي كان يرتديه يوم الإنتحار بنفس آثار الدماء دون أن تغسله ، كآخر ذكري له .. غلفته في كيس من المشمع ،ووضعته في السحارة الخاصة بها (السحارة صندوق خشبي لحفظ الملابس) ..
    بعد الحادثة بثلاثة أيام بدأت الأم فى سماع أصوات غريبة أثناء الليل والظلام .. فهي لا تعرف إلا النوم المتقطع من شدة الحزن .. كان الصوت كالخبط والنقر المنتظم .. كان مصدر الصوت يأتي من السحارة التي بها قميص صالح , و كانت سهيلة عندما تذهب وتقترب من السحارة ، لا تجد شيئا ويختفي الصوت ،فإذا رجعت لسريرها عاد الصوت الغريب ..
    في بداية الأمر اعتقدت أن الهدوء الرهيب ،والظلام الدامس ،والحزن الشديد علي إبنها هو ما يسبب لها تلك الهلاوس ، ولكن مع تكرار الأمر في الليالي التالية ، بدأت الأم تدرك ما يحدث معها من أصوات غريبة ، وأن السبب في ذلك هو قميص صالح الملئ بالدماء ،والموجود داخل السحارة..
    لم تشأ أن تخبر إبنتها سمية ،أو إبنها مالك عن هذا الشئ، حتي لا تسبب لهما الرعب والقلق .. قررت التخلص من القميص .. قامت في الصباح الباكر ، وذهبت إلي مكان بعيد قرب النهر ،ودفنت القميص تحت أحد الأشجار ..

    إستيقظت سهيلة في منتصف الليلة التالية مباشرة بعد دفن القميص ،علي صوت مريب ،وكأنه صادر من أعماق سحيقة .. كان يناديها في الظلام ، لماذا يا أمي تركتيني وحيدا في الظلمة .. أنت أيضا مثل سلوى .. أنت أيضا لا تحبينني .. كان الصوت ياتي ، هذه المرة من جهة الحمام الذي لقي فيه صالح مصرعه ..
    شعرت بفزع شديد ،ودب الخوف والرعب في قـلبــها ،وأصيبت بقشعريره لا توصف ،وجفاف ريق .. ومع ذلك.. شئ غامض لا تدري كنهه ،أقوي من الخوف والرعب جعلها تنهض من علي السرير ، وشئ ما ،دفعها لا شعوريا للسير في الظلام الحالك والإتجاه نحو مصدر الصوت .. الحمام ..
    عندما اقتربت .. سمعت حركة لشخص يحاول دفع باب الحمام وفتحه .. و تناهى إليها صوت خطوات تقترب منها .. ثم خرج من باب الحمام شئ مر عليها كمرور الهواء البارد ..
    بدا وكأنه خرج من العدم .. كان مثل الظل ، لا كيان محسوس ،رغم أن ملامح وجهه بدت واضحة تماما .. فقط عيناه لا حياة فيهما ،وكأنهما فجوتين فارغتين .. كانت آثار الدماء ظاهرة في رقبته ويديه ، لكن متجلطة تماما ..
    لقد كان صالح ..
    نظر إليها ثم قال بصوت أجوف مخيف به كل عذابات وآلام الدنيا :
    لماذا رفضت سلوى حبي لها ؟.. هي قالت لي أمك بائعة خضروات تفترش الأرض !! .. هي لا تعرفك .. ولا تعرف أنك أم طيبة عانيتي كثيرا من أجلنا !! ..

صفحة 4 من 20 الأولىالأولى ... 2345614 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •