صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 49

الموضوع: بربر باشا .. رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

  1. #11
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    11

    كلوديا


    حلَّ المساء وعدنا إلى القصر، واستدعاني خالي وانتحى بي جانباً ليطلب إليَّ كتم الأمور المعيبة في حديثي إذا وجدت، مشيراً إلى وجود النّساء، وأنَّ سمعة الرَّجل هنا تتعَّلق إلى حدٍّ كبير باستقامته من النّاحية الجنسيَّة.
    صرف خالي الخدم، وتحلق الجميع في بهو القصر، وخُصص لي كرسي وضع في وسط البهو، فشعرت بأن موقفي سيكون مضحكاً، كالراوي في بالرمو، وحاكي الحكايات هذا يتمتع بشعبية واسعة في الأوساط العامة، لعلها تفوق شعبية البابا هناك، فسحبت الكرسي إلى جوار الجدار، ولكن الحضور قدموا كراسيهم نحوي، وعاد الأمر شبيهاً بالحالة التي كنت عليها، فلم أجد مناصاً من لفت نظر الحاضرين إلى أن المنظر يبدو مضحكاً، وحينما لم أجد آذاناً صاغية لما أقول، تنحنحت وابتدأت سرد الحكاية .
    - كانت أختي الصغيرة زينب ذات الأربعة أعوام تحب دائماً أن أنزل معها إلى الشاطئ نتنزه ونلعب على رماله المخملية، وفي عصر يوم خريفي، لفت نظرنا زورق صغير اقترب منا ونزل منه ثلاثة أشخاص، وكنت في العاشرة من العمر أو أكثر، فهربت من أمامهم قاصداً بوابة القصر، في حين كانت أختي الصغيرة عاجزة عن الجري.
    كنت أنظر خلفي لأرى واحداً منهم يقتاد أختي إلى الزورق ثم يبتعد بها، في حين كان الآخران يجريان خلفي، وقد وصلت إلى بوابة القصر فعلاً وصرخت، ولكن صوتي لم ينطلق، وأحسست بيد تغلق فمي، ورجل عملاق يحملني إلى الشاطئ فحاولت أن أعض يده، لكنه ضربني بشدة على رأسي.
    لم أفق إلا وأنا على ظهر سفينة كبيرة مبحرة، فاقتادوني إلى عنبر واسع، ممتلئ بأمثالي من الفتيان، ممن هم أكبر أو أصغر أو أتراب لي، وقد عمد القراصنة إلى إحكام إغلاق الباب، وكان الأطفال يضجون ويبكون، عدا واحداً منهم صرخ فينا طالباً لزوم الهدوء، وجعلنا نقسم على أن نفعل كل ما في وسعنا للتخلص من هذا المأزق، وأفهمنا بأن البكاء لا يفيدنا، وأن علينا العمل معاً ضمن خطة للنجاة .
    كيف يمكن للمرء أن يصف أحاسيس طفل صغير تربى في منزل محترم، ولدى أسرة شفوقة، وهو يحمل عنوة إلى سفينة يعرف أنها مبحرة به إلى المجهول وإلى الأبد، لقد امتلأ قلبي خوفاً، وتملكني الذعر، وارتعدت فرائصي، وارتجفت ساقاي، واصطكت أسناني، ودارت عيناي وغطتهما غشاوة، فلم أعد أتبين ما أمامي، وأحسست بقشعريرة تدب في أوصالي، ثم تناوبت علي حالتان من البرداء والحمى، وكان الدعاء يصرخ في أعماقي فلا يخرج الصوت من لهاتي، يا ربي يا ربي، يا قرآن يا قرآن، يا محمد يا محمد، ظللت أردد الدعاء في سريرتي، وحين استولى اليأس علي هدأ روعي، ولكنني انفجرت باكياً، وأحسست بيد تهزني، فإذا هو الفتى الشجاع، نظر إلي وخاطبني بقسوة :
    - هذا بلاء لا يفيد معه البكاء، يجب أن نبحث عن حل لمأساتنا فلا مستحيل لمن يحمل الإرادة .
    لكن كلماته كانت تبدو بلا معنى، فجميعنا أطفال، والسفينة في عرض البحر، ومن سيلقي بنفسه في الماء، لن يلبث أن يغرق، إذا أمهلته سباع البحر، من أسماك القرش أو الحيتان أو أخطبوط عملاق، هذا إذا لم ينزل البحارة ليعيدوه إلى السفينة .
    لقد تخيلت حال والديّ عندما يفتقداننا فلا يجداننا، وما سيحل بوالدتي على الأخص ونحن كل ما تملكه .
    دخل علينا رجل سمين يحمل طعاماً، وأفهمنا بأن نتصرف بهدوء وتهذيب، لكي نتجنب العقوبات القاسية، وبعد أن كال لنا ما جادت به قريحته من الشتائم، شتم نفسه، وسخر من هذا القدر الذي أوصله إلى هذا العمل الكريه، ثم غادر مقفلا الباب وراءه، فلم يقترب أحد من الطعام في بادئ الأمر، لكن الفتى الشجاع، أقبل على الطعام .
    - هيا كلوا فيجب أن تظل أجسامنا قوية، فأمامنا أمور كبرى ومهام جسام سنقوم بها حين يحين الوقت .
    أثار قول الفتى شهية الأطفال، فنهض الجميع إلى الطعام، وأقبلوا عليه، كأنه وليمة أعدت لهم، أما أنا فإن كلماته لم تفعل شيئاً في نفسي، وقد اتهمني بالجبن فلم أعبأ لكلامه، وانسحبت إلى زاوية العنبر، ثم أجهشت بالبكاء .
    عندما علم الأطفال أن طعامهم كان من الخبز وحساء من مرق السلاحف، كما أخبرهم به نفس الرجل السمين، الذي جاء ليأخذ الأواني الفارغة، ابتدأ أكثرهم بالتقيؤ، وانهارت معنوياتهم فجأة، وانخرطوا بالنحيب، ولم تعد زمجرة الفتى الشجاع تفيد في شيء، لقد أدرك الجميع أنه يهذي بكلام مستحيل، وأن عليهم أن يواجهوا قدرهم المحتوم .
    لبثنا في العنبر ثلاثة أيام متوالية، أخرجوني بعدها وحيداً، لأجد نفسي في مرفأ صغير، فأنزلوني على الشاطئ، وغادرت السفينة غرباً، ثم اقتادوني بعربة شبيهة بـ (الحنطور) إلى بناء كبير، تحيط به حدائق واسعة علمت فيما بعد أنه معسكر للتدريب، تديره كتيبة من منظمة فرسان القديس يوحنا الشهيرة، يقع قريباً من بالرمو العاصمة .
    كان خالي أكثر الحاضرين تأثراً، ووجدت عينيه تغرورقان بالدموع، وهو ينظر إلي بإشفاق وألم، وكأنه يرسم في خياله الحوادث التي مررت بها، في حين كان بربر كالح الوجه مشمئزاً .
    - أي حيوان يمكنه أن يخطف أطفالاً من أحضان أمهاتهم، ليذيقهم هذا العذاب ؟!.
    كانت دنيا هانم صاحبة التعليق، قد ابتدأت تبكي قبل أن أمضي بسرد الحكاية، في حين حاولت فاطمة أن تظهر رباطة جأش فاشلة، أما أليزا فكانت تنظر إلي بتشوق وإمعان، وتتابع الحديث وكأنها تعيش حوادثه.
    لقد استسلمت لقدري منذ دخلت المعسكر، إنهم يربون الأطفال تربية عسكرية صارمة، ويعلمونهم اللغات الإسبانية والفرنسية واللاتينية القديمة، والإيطالية، وهذه اللغات تشترك في كثير من الكلمات والقواعد، ويخضعون الأطفال لحياة رتيبة، تبدأ منذ الصباح الباكر، وتنتهي في المساء، يتناول فيها الأطفال وجبتين، إحداهما بعد الرياضة الصباحية، وثانيهما عند الظهيرة، وذلك في عنبر كبير معد لذلك، أما وجبة العشاء فكانت فطيرة محلاة، تؤخذ من أمين مخزن صغير، يقع على طريق العودة إلى المهاجع، والحق يقال أن الطعام كان مقبولا من حيث الكمية والطعم، باستثناء أن اللحوم بالإجمال كانت من لحم الخنزير المدجن، والذي تملأ حظائره الضواحي .
    أغلب رفاقي في التدريب كانوا فتياناً سُرقوا من شمالي إفريقية، يتحدثون العربية بلهجات مواطنهم، وقد بقيت مدة طويلة لا أستطيع أن أفهم ما يقولون، وفي المهجع كنت أقضي وقتي بالدعاء لتقريب فرجي، وبالدعاء لأختي أن يكون هناك من يرأف بها، ولوالديّ أن يجدا الصبر الكافي لاستمرارهما بالحياة، وكنت مستسلماً لقدري تماما، فعل رجل عصبت عيناه وهو في طريقه إلى المقصلة.
    دام الحال على ما هو عليه شهراً أو يزيد، استدعيت بعده إلى مركز القيادة، حيث يجلس كاهن عجوز وفتاة في مثل سني، وعلمت فيما بعد أنه الكردينال سيميوني كبير كهنة صقلية، وقد تحدث مع الفتاة بلغة أخرى ، ثم اصطحباني مع ملابسي إلى دير يقع على الطرف الجنوبي من باليرمو، وهناك خصص لي غرفة في الطابق الأرضي من الدير، وكانت غرفة واسعة نظيفة، على الرغم من فرشها المتواضع .
    قال الكردينال:
    - هذه الفتاة اسمها كلوديا، وتسكن في غرفة فوق هذه الغرفة مباشرة، فإذا احتجت أي شيء اسحب هذا الحبل المتدلي، فستجدها إلى جانبك في أسرع وقت، ولكن عليك أن تستمر شهرين آخرين في الذهاب إلى المعسكر، بعدها سأدخلك المدرسة التمهيدية، وستقلك إلى المعسكر عربة تعيدك في المساء .
    قالت فاطمة:
    - توقف قليلاً فسأعد إبريقاً من الشاي، ويمكن أن تأخذ قسطاً من الراحة، والجميع بحاجة إلى تهدئة .
    دخلت فاطمة إلى المطبخ، في حين تبادل الحاضرون بعض التعليقات، وأكثرها الاستنكار لهذا العمل الفظيع، ثم ابتدؤوا يستنتجون علاقة الفتاة بالاختطاف، وأغلبهم تنبأ بأنها فتاة لامرأة لم تنجب ذكراً، أرادت أن تتبنى طفلاً من بين هؤلاء الأطفال المختطفين .
    - ولكن لماذا أنزل وحده في صقلية، وأين يمكن أن تكون المرأة قد شاهدته، حتى وقع اختيارها عليه، لعل عميلاً لها على ظهر السفينة فعل ذلك، أو أن المختطفين جلبوا لها ولداً ميسوراً، ذا تربية وأصل .
    كان تعليق بربر منطقياً، لقد فكرت في حينها بنفس الاتجاه، ولكن كلوديا لم تكن كذلك، وأبواها متوفيان، كما عرفت فيما بعد، ولم ترد أن تكون راهبة، وليس في طبعها شيء من ذلك، بل سكنت الدير بناء على رغبة والدها في أن تكون محاطة برعاية الرهبان، الذين كانت تربطهم علاقة وثيقة به .
    عادت فاطمة تحمل إبريق الشاي والفناجين، في حين هبت أليزا لمساعدتها، وقد شعرت بشيء من الطفولية، وأنا أجلس بينهم هكذا، لأشرّح لهم حياتي جزء جزء، إنها شرنقة تلتف على عنقي، وتكاد تخنقني، فقد أحسست بالضيق والمرارة، وخالجتني رغبة غامضة بالتزام الصمت، فقمت أتنزه خارج القصر .
    حينما عدت إلى البهو، وجدت القوم ينظرون إلي بعطف وشفقة، وأفهمني خالي بأن ما أخبرتهم به حتى الآن يكفي، ومن الممكن أن نستمر به في جلسة أخرى، أو أثناء الرحلة .
    كأن القوم لاحظوا مدى الجهد الذي كنت أعانيه وأنا أسرد قصتي، فقرروا عدم الاسترسال في قراءة كتاب حياتي البائسة، ولكن شخصاً وحيداً بينهم نظر إلي بخوف واستغراب، نظرة لا أستطيع تفسيرها، مليئة بالتساؤل والاستشفاف، إنها أليزا فتاة اليهودي .
    أعلمني خالي بأنه سيرافقنا إلى صيدا، فقد اشتاق إلى رؤية صهره، وأنه سيكون سعيداً جداً إذا حضر اللقاء بيننا، فعسى أن يجبر قلب شفيق، ويعود إلى حالته الطبيعية، وقد شعرت بالراحة لمرافقته، نظراً لما غمرني به من المودة والعطف .
    - ليس كالقرابة رابطة إلا الصداقة، فإن الصديق المخلص أكثر من أخ. قال ألفونسو وهو يحاول أن لا يفكر كثيراً في هذا.
    كان ألفونسو قد اختار صقلية مقراً له، وفضلها على مالطة مقر قيادة الفرسان، لما تتمتع به صقلية من صفات لا يجدها في غيرها من الجزر، لقد أدى احتلال العرب لهذه الجزيرة فترات طويلة، إلى نشوء مجتمع جديد هجين غربي شرقي، وتقاليد مزدوجة، تناسلت مع الزمن، وتحولت إلى عرف اجتماعي مستوطن في نفوس الجميع، شأن إقليم الأندلس، الذي ينتمي إليه ألفونسو، قال ألفنسو:
    - إن تزاوج الغرب مع الشرق حصل وسيحصل دائماً في حوض البحر المتوسط، فهي منطقة التماس، وهي رحم الولادة الطبيعية لحضارة جديدة، مثقفة بعيدة عن الهمجية والتخلف .
    ولم يكن ألفونسوا يرى تبايناً يذكر بين المسيحية والإسلام، وأن عقيدة الجهاد موجودة لدى المسيحيين، وأنها حركت مشاعرهم وأنتجت الحروب الصليبية، التي مازالت مستمرة حتى الآن، وكان يرى أن أوائل الخلفاء قد حرفوا عقيدة الجهاد، وصرفوها عن أصالتها في الدفاع عن النفس، إلى عقيدة هجومية أسميت بالفتوح، شأنهم في ذلك شأن المسيحيين الذين أراقوا الدماء الغزيرة، تحت شعار تحرير الأراضي المقدسة، وكان ألفونسو يرى استحالة اللقاء مع اليهود باعتبارهم مصاصي دماء، لا يتصفون بالعدل أو التسامح .
    - العثمانيون كالفرنجة في هذه الأيام، طفرة خرجت عن المسار، تهدم ما بناه الشرق والغرب عبر قرون من التواصل، المؤدي إلى اندماج محتم بين الحضارتين، إنهم غزاة كهولاكو وأتيلا وتيمورلنك، بل وباء يجب محاربته، ليس من أجل المسيح أوالبابا، ولكن من أجل الله والخلق .
    ألفونسو شاعر وفيلسوف، ومقاتل بارع أيضاً، وهو إنسان متطور، ولكنه لم يكن قادراً أن يغير مسار التاريخ، أو أن يوقف عجلة الحقد والكراهية، التي بثها دعاة الفرقة بين الطرفين، لتحقيق مكاسب مادية لهم ولبلدانهم، كما كان يدعي دائماً وبلهجة مقنعة، إن تاريخ الحروب أثبت دائماً أنها عمل قذر، وأن وراءها أغراضاً مادية بحتة، حينما قتل قابيل أخاه، قتله من أجل امرأة، وهي شيء مادي صرف، وهكذا رومو ورومولو، وحتى يوليوس قيصر وأنطونيو، إن وراء جميع الحروب دوافع مادية، ثم تأتي المبررات الواهية التي تشرعها، هكذا كان ألفونسو يقرر متفلسفاً .
    غادرنا كفرة، وكان علينا أن نغير العربة، فقد أصرت دنيا على اصطحاب أليزا معها، فقررنا نحن الرجال امتطاء عربة اليهودي، ويا لها من عربة فخمة واسعة، وفرشها أنيق، وصناعتها جيدة، مزودة بمخمدات للاهتزاز، وستائر تقي من الشمس، فعدنا إلى عربتنا، وطلبنا من النسوة أن يتحولن إليها، فهن أولى بهذه العربة المريحة .
    كان حوذي اليهودي قد غادر معه، فقاد العربة أحد أعوان خالي، وكان رجلاً نحيلاً حاد الأنف واسع العينين.
    بقيت جبال الأناضول تطل علينا بثلوجها البيضاء وقممها المرتفعة، في حين ابتعد البحر عنا كثيراً، وفرقت بيننا سلاسل من هضاب مرتفعة لا تسمح برؤية ما وراءها، وكان الجنديان المرافقان قد تخلفا في كفرة عائدين إلى الأستانة، فقد انتهت الحاجة إليهما، وأخذ المسافرون يستغلون وقت الراحة، ليسألوني عن إكمال فصول القصة، علهم بتجزئتها يخففون علي وطأة الاسترسال في مأساتي الفريدة .
    - مع دخولي المعسكر وانقضاء السنين في التدريب كنت قد بنيت لي عالما خاصا، هروباً مما أنا فيه، وابتدعت أشخاصي ومسرحي، وكان البحر بطلي المفضل، أما آمو فقد دخل المسرح فيما بعد .
    كانت جنيات البحر تريد أن تخرج منه لإقامة حفلة راقصة في الغابة، وكان ملك البحر يحب الموسيقى ولا يحب الرقص، وبعد مشادة تدخلت الملكة، فاضطر الملك للسماح للجنيات بإقامة الحفلة، ولكنه اشترط أن تنتهي في منتصف الليل، وكانت باندورا أجمل هذه الجنيات، فاقترحت بدلال أن ترافقهن الملكة، ولما كان الملك ماجناً بعض الشيء، فقد نزل عند رغبة باندورا، على أن يحافظن على الشرط الأول، وإلا فإنهن سيتحولن جميعاً إلى طيور، فوافقن على الشرط.
    وهكذا ابتدأ مسرحي، ولكي أغطي أوقات فراغي، ابتدأت أرسمه على الورق، وفي البداية كانت رسومي رديئة مفزعة، لكن مراقبتي لراهب فنان، كان يمارس هوايته في حديقة الدير، ابتدأت تؤثر في جودة إنتاجي، بحيث لم يمض عام على هذه البداية، إلا وأصبحت على ما يقول الراهب، أمهر منه في الرسم، لكن الفضل في تطوير هوايتي كان يعود لكلوديا، التي كانت ناقدة مبدعة، وهي على صغر سنها ملمة كثيراً بقواعد الرسم وتاريخه، لقد عاشت طفولتها في البندقية، وكان والدها يرعى الفن ويحترم المبدعين، فوجدت نفسها تنشأ في هذا الجو الثقافي الفريد .
    كانت تحضر لي اللوحة القماشية والألوان وتشجعني، وتقوم اعوجاج لوحاتي، وتطلب مني إعادة رسمها، وتظل كذلك إلى أن ترضى عن اللوحة، فتأخذها وتصنع لها إطاراً وتعلقها في غرفتها، وحينما أبدأ باللوحة التالية، لا تمكنني من مشاهدة الأولى قائلة :
    - إنك قادر على استحفاظ الصور في خيالك، وهذه مزية الفنان .
    بعد أن أنهيت التدريبات في المعسكر، وقد طالت كثيراً، كان علي أن أدخل في الدراسة التمهيدية القريبة من الدير، وقد أحببت هذه المدرسة، للتشابه الخفيف بينها وبين مدرستي في صيدا، فقد كانت تقع فوق تل حراجي صغير، وتضم ضمن سورها بعضاً من أشجار الصنوبر الباسقة .
    غير أن التدريبات المسائية في المعسكر، كانت تأخذ الكثير من وقتي، وتؤثر على إنتاجي في مرسمي المسرحي، لكن شيئاً في داخلي كان يأمرني بالمواظبة على التدريب، والاستفادة منه إلى أقصى حد ممكن، وكان ضمن مسرحي دائماً تصور لنجاتي وانتقامي، كان الحقد يأكلني في كل يوم، وكانت تصوراتي تأخذني بعيداً جداً، وبنيت استراتيجية تقضي بالتظاهر بالاستكانة والخضوع، وتتقرى الفرصة لمناسبة للانتقام .
    ذهبت حوريات البحر مع ملكتهن إلى الغابة، وفوق مرج أخضر أقمن حفلتهن الموسيقية، وشربن بعض الخمر ورقصن، ولكن باندورا دست لهن المنوم في الشراب، وتسللت عائدة إلى ملك البحر، في حين أغفت الجنيات مع ملكتهن، وعند منتصف الليل تحولن إلى بجعات، يصوتن لاعنات باندورا الخائنة التي خدعتهن، وأغوت مليكهن وصارت ملكة البحر .
    رسمت القصة في اثنتي عشر لوحة، وقد لفتت كلوديا نظري إلى وجود اختلاف طفيف ما بين الحوريات، أما الملكة فقد كانت صورها جميعاً متطابقة تماما فما السبب، ولما كانت كلوديا موضع شك بالنسبة إلى اختطافي، أجبتها بأنني لم ألاحظ ذلك، في حين كانت الملكة في صورة أمي التي بقيت منطبعة في ذاكرتي بأدق التفاصيل .
    صرنا قريبين من أضنة، وكان المساء يدلف إليها، ويلقي عليها عباءته الشاحبة، وعند مدخل المدينة استوقفتنا فصيلة من الجنود، ثم عمد قائدها إلي، وكبل يدي، واقتادني إلى السجن في عربة يجرها بغل، ولم يستطع خالي وبربر أن يثنياه عن عزمه، وأفهمهما أنه ينفذ الأوامر، التي لا يستطيع ولا يريد أن يخالفها، في حين كانت أليزا تشتم اليهودي .
    - إن هذا من صنع الكلب .
    أدخلت إلى النظارة، بانتظار التحقيق، ولم يطل الأمر حتى أقبل ضابط ومعه خالي وبربر، فأطلقوا سراحي، وساروا بي إلى منزل علي باشا في أضنة، حيث كان الاستقبال حافلاً، وعلمت أن علي باشا هذا رجل عربي يعود أصله إلى قرية قريبة من اللاذقية، وأنه يتمتع بسمعة طيبة، وثقة من الباب العالي .
    جاء مخبر بأن الوالي يوسف باشا قد أرسل اليهودي مكبلاً بالأغلال، على أن يكون أمره إلى بربر باشا، وحينما أدخل نظر إليه بربر باحتقار، وأمر بإطلاق سراحه، وتقديم الطعام له إذا أراد، ولكن اليهودي ابتسم ابتسامة صفراء، وشكر بربر باشا ثم خرج .
    علمت أن اليهودي وشى بي واتهمني بالتجسس، وأنني أحد فرسان القديس يوحنا، ولكن يوسف باشا الوالي، وأحد زملاء بربر باشا في القتال على الحدود الأوكرانية، ألقى القبض عليه بانتظار وصولنا، وبعد أن حكى له بربر القصة، وأنني شاب مخطوف من صيدا، أطلق سراحي، وأمر باليهودي أن يسلم لبربر باشا فيفعل به ما يشاء .
    هنا في أضنة تبدأ الملامح العربية بالظهور، كأنك في صيدا، العيون الواسعة النجلاء، القامة المعتدلة والوجه المستطيل الأسمر، وفي أسواقها لا تسمع إلا اللغة العربية، ولا تشاهد إلا الزي العربي، حتى الأسلحة التي يحملها الجميع هنا عربية، وكذلك الأغاني التي يدندن بها المارة .
    ذات يوم في بالرمو كنت أتجول في السوق، لطمني أحد المارة، فشتمته بالعربية لأنه أوجعني، وبعد عدة خطوات سمعت صوتاً ينادي بالعربية.
    - السلام عليكم .
    فالتفت فإذا هو شاب أسمر، اقترب مني فرددت عليه السلام، فعرفني باسمه .
    - عبد الباري صبري .
    - عماد العرقوبي .
    فسلم بحرارة، ودعاني إلى فنجان من القهوة على ناصية الشارع، كان عبد الباري في الثلاثينات، وكنت في السادسة عشر، وقد استفسر عن سبب وجودي هنا فحدثته بقصتي، وكانت حكايتانا متشابهتين، فقد اختطفه القراصنة، وباعوه في مالطة لفرسان القديس يوحنا، ونقلوه إلى صقلية، ووعدوه بإطلاق سراحه بعد عشر سنوات، يقضيها في منجم القصدير، وحكى كيف قتل القراصنة أبويه وإخوته، وألقوا القبض عليه، وكان مريضاً أثناء المعركة، وعند نهاية المدة أطلقوا سراحه، وأعطوه براءة ذمة من العبودية، عليها توقيع قائد الفرسان .
    وقد تزوج عبد الباري من امرأة صقلية خرساء، وأنجب منها طفلين ذكرين، ويحيا معهم حياة لابأس بها، فقد كان يتقن الزراعة، وهي مهنته الأصلية والحالية، استأجر قطعة من الأرض، ثم اشتراها، وبنى منزلاً صغيراً، ودخله السنوي يكفيه مع بحبوحة مرتاحة، ودعاني إلى زيارته في المنزل، ووعدني أن يكتم سري حتى عن زوجته الخرساء .
    وهكذا تمتنت صلتي بعبد الباري، وأصبحنا صديقين، أزوره دائماً، وكنا لا نتحدث إلا بالإيطالية، وهناك في حديقة منزله تعلمت فنون القتال العربية، وخاصة السيف القصير المنحني، والرمح الخفيف، والقوس العربية اللينة، كما علمني الزوغان عن ظهر الجواد، وامتطاءه بلا سرج، بل والوقوف على ظهره وهو يجري .
    سارت حياتي في بالرمو رتيبة للغاية، وكنت طالباً مجتهداً، ومقاتلاً بارعاً، وقد حصلت على عدة من شهادات التفوق في المجالين، لكن ذاكرتي كانت حية، وحقدي ما زال ينمو، ورغبة الانتقام تسيطر على جميع فصول حياتي، لقد كانت هي دافعي الكبير للتفوق، وأدركت ببداهة أن الذي يريد أن ينتقم، يجب عليه أن يكون قوياً، وأن يسخر جميع طاقاته، بما فيها ذكاءه لتحقيق أهدافه النهائية، المتسمة بالصعوبة البالغة والخطر المستمر .
    وللحقيقة فإن تفوقي قد أعطاني صفات مميزة، أدت إلى تحسن معاملتي، أضف إلى ذلك رعاية كلوديا، التي ظل شغلها الشاغل مساعدتي في جميع الاتجاهات .
    وكانت الأيام تمر بطيئة بدون حوادث، إنها كالنبع الشحيح يملأ الإناء ولكن قطرة قطرة، وكان الرسم يلهيني بعض الشيء، إلا أنه لم يكن لينسيني أو ليصرفني عن غاياتي البعيدة .
    أتممت دراستي التمهيدية والثانوية في الدير، وللإنصاف فقد كان الرهبان يجيدون مهنة التعليم تماماً، ويعاملون طلابهم برأفة واحترام، كما أن ثقافتهم العلمية كانت ممتازة، وكنت قد أصبحت رساماً شهيراً في بالرمو، وحينما جاء تاجر من البندقية، وشاهد أحد معارضي في الدير، أثنى علي وقال إنها طريقة جديدة في الرسم، لا تضاهيها أغلب اللوحات الجيدة في البندقية، وقال إنه على استعداد لتسويقها إذا أردت ذلك .
    أعجبت الفكرة كلوديا، وأجبرتني على إهدائه لوحة كنت معجباً بها، ثم أعطته عدة لوحات أخرى لبيعها في البندقية، وكانت كلوديا قد أصبحت فتاة جميلة ممتلئة، بوجه رائع ورقبة عاجية وقوام ممشوق، ومن الغريب أنها لم تبد أي رغبة في الزواج، ورفضت الاقتران برجال من علية القوم طلبوا يدها .
    كان علي أن أدخل أكاديمية القديس بطرس في بداية العام الدراسي، وكنت في الصيف ألتحق بالمعسكرات التدريبية للفرسان، وأتعلم الكثير عن الملاحة البحرية، ولكن صديقي الأسمى كان البحر
    الصور المرفقة  

  2. #12
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    12

    سفينة من سفن لويس

    قصتي مع البحر قديمة ترجع إلى وطني، فقد تعرفت عليه منذ عامي الثاني، لقد كان والدي يحملني ويلقي بي بين أحضان البحر، حتى تعلمت العوم عندها صار البحر صديقي الكبير، وقد برعت منذ صغري في الغوص لأعماقه، وتفقد معارفي من الأعشاب والسلاحف الصغيرة، وكان ثمة سمكة استلطفتني فتركتني ألهو معها، وكبرنا سوياً، وهي وإن كانت قد أصبحت سمكة قرش عملاقة، إلا أننا بقينا صديقين وفيين .
    لقد نشأت ولديَّ انطباع بأن البحر هو موطن الحياة الأول، منه خرجت أولى بذور الكائنات الحية، وربما كان أجدادنا الغابرون خلية من خلاياه، أو ذرة دبت بها الحياة فانقسمت وتكاثرت، في قاعه تجد تنوعا وألواناً وأشكالاً لا تجدها في اليابسة، وفي هذا الإناء الواسع الكبير، تجد الألوان والصور تتوالى بدون تكرار، فالبحر لا يعرف في قراره الرتابة، فهو في كل لحظة يتغير ويتجدد .
    كان يوم الأحد مخصصاً لعبد الباري، وكنت أتعلم منه القرآن والحديث، وبعض كتب الأدب والشعر.، فقد كانت مكتبته المتواضعة تضم أربعاً أو خمساً من أمهات الكتب، كسيرة ابن سيرين، وتاريخ المسعودي، والأغاني والعقد الفريد، وبعض الرسائل الصوفية لابن عربي والحلاج، وبعض المراجع اللغوية .
    غير أنه كان جبرياً، ويعتقد أن كل شيء مكتوب لا مفر منه، وكان يقدس أهل بيت الرسول، ويعتبر أن علياً أفضل الصحابة بلا منازع، وأن هذا لا يضير أحداً من الصحابة، وخاصة المبشرين بالجنة، وأنهم اجتهدوا، ولهم الثواب على اجتهادهم، أصابوا أم أخطؤوا .
    ولم يكن يقول بالبداء، ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب )، بل كان يعتبر أن التغيير في الأعمار والرزق موجود في اللوح المحفوظ، وكان يرى أن جميع المسلمين مآلهم الجنة، لكنهم يعذبون في الآخرة، كل حسب سيئاته، ويرى في الآية الكريمة ( وما منكم إلا واردها كان ذلك على ربك حتماً مقضيا ) تبشيراً لجميع المسلمين بالانتهاء إلى الجنة، ولكن بعد أن يدخلوا جميعاً النار لأوقات تتفاوت بين الأشخاص ومقدار ذنوبهم، لكي يقتص منهم .
    نشأت بيني وبين عبد الباري صداقة تقترب من الأخوة، ولقد عاملتني عائلته، زوجه وابناه، على هذا الأساس، ورأيت منهم جميلاً لا أستطيع أن أصفه، ولن أستطيع مهما فعلت أن أرد لهم بعض هذا الجميل الذي لا يمكن أن أنساه .
    في الطريق إلى إنطاكية، وعبر سهول الاسكندرونة الملاصقة للبحر، كنت ما أزال أروي قصتي، بشيء من التكتم على بعض التفاصيل، وفي الاستراحات الكثيرة على الطريق، حيث كنا نمضي وقتاً من الراحة يمتد إلى يوم كامل في بعض الأحيان كنت أذهب إلى الشاطئ، وكلي أمل في أن أجد آمو في مكان ما، ولم يخب ظني، لقد فهم آمو أننا نتجه جنوباً فتبعنا، وهناك على شاطئ الاسكندرونة التقيت به، وقد غمرني الفرح والسرور بلقائه، كما غمره هو أيضاً، وكانت الأرض قد استكملت ارتداء ثوبها السندسي الجميل، شأنها في شهر أيار من كل عام، وقد امتلأت الحقول بزهور شقائق النعمان الحمراء القانية، وأزهار (الشنزريق ) البنفسجية الفتانة، فالربيع في عنفوان شبابه، وحقول المشمش والتفاح تزهو بحلتها المنوعة، من بقايا زهور بيضاء وزهرية، إلى براعم خضراء غضة تفتق بعضها عن أوراق ندية ملساء .
    كانت كلوديا تدعوني للخروج معها كل عام في مثل هذه الأوقات، لنفترش سوياً مرجاً معشوشباً أخضر، ونعيش أوقاتاً رائعة بين أفياء السنديان، نتنشق عبير زهور الربيع، ونشبِّه غمائمه البيضاء بما نراه مناسباً لمناظرها المتبدلة .
    حدثتني عن والدها الثري، وعن جدها الذي كان ربان سفينة من سفن كولمبس، وأنه عاد محملاً بصناديق من الجواهر والحلي الثمينة، آلت ملكيتها لوالدها، وأن يهودياً كان قد ائتمنه والدها على هذه الصناديق، قد سرقها وهرب بها، وقد استطاع أن يلقي القبض عليه ويجبره على الاعتراف بسرقتها، لكن اليهودي ادعى بأنه قد دفنها في مكان ما على شاطئ المتوسط، وأنه حينما عاد ليجلبها لم يهتد إليها، فقد تغيرت معالم المكان، مما أجبر والدها على محاكمته، فأمر الكردينال وهو كبير القضاة في البندقية، بأن يظل اليهودي سجيناً حتى يعيد المسروقات، أو يموت في السجن .
    لكن اليهودي التمس مهلة لإحضارها، فطلب الكردينال كفيلاً، وقد وجد اليهودي في الأمير لويس ملاذاً له، ولم يخيب لويس ظن اليهودي فكفله، على أن تبقى جميع أملاك لويس، مرهونة لصالح والدها، وأن يذهب ريعها إليه، ولا أحد يدري ما الذي أقنع لويس البخيل، في أن يكفل هذا السارق البغيض، وإن راج لدى الناس أن أم لويس اليهودية وراء هذا التطوع الغريب .
    كنت أزور عبد الباري بعد حضور قداس الأحد، وكان اليوم من أيام الشتاء الماطرة، وقد اشتد هطول الأمطار في المساء، مما حدا بي للتأخر عند عبد الباري، وقد أوصلني بعربته الزراعية إلى باب الدير، وعاد راجعاً إلى بيته.
    كان الباب مقفلاً والحارس غير موجود، والسماء تساقط المطر الغزير، وعندما أقبل الحارس وفتح الباب، كنت قد تبللت تماماً، فركضت باتجاه مدخل الدير، وحينما وصلت وجدت كلوديا تنتظر بلهفة منشغلة البال، وبيدها معطف، لفتني به، واصطحبتني إلى غرفتها، حيث كان الموقد مشتعلاً والغرفة دافئة.
    ثم ابتدأت بنزع ثيابي، إلى أن تركتني عارياً، كانت أنفاسها وهي تجردني من الثياب تملأ الغرفة بعطر فواح، وكان شعرها يدغدغ جسمي العاري، وقد ابتدأت الرغبة بالحب تدب في أوصالي، إنه وحش متمرد، ذلك الشعور العفوي المبهم بالرغبة، نمر أرعن يخرج من غابته ليبدأ بالزئير والفتك، لكنه بعد أن يشبع رغابه، يتهالك مذعوراً من فعله، ويبدأ بالبكاء، مدركاً خطيئة آدم الأولى التي أخرجته من النعيم الدائم .
    كانت المرة الأولى التي أمارس الحب فيها، ومع ذلك فإنني لم أشعر بالخجل منها أبداً، وإن راودني شعور بالألم، إننا نحن المسلمين نحاسب أنفسنا ونكلفها فوق طاقتها، ولا نتجشم عناء التثبت من هوية أفعالنا، وكنا وما زلنا نعتبر الإثم منحصراً في الجنس، أو أكثر من غيره من الأفعال، يعود ذلك إلى القبلية المتأصلة في مجتمع ذكوري محض .
    كان ألفونسو يستدرك دائماً أن الجنس كالطعام والشراب، لا بد من إروائه، لكي يتحرر العقل، ويصبح قادراً على التفكير الصحيح، إن مقولة المسلمين في أن العقل السليم في الجسم السليم، هي صحيحة دائماً، على الرغم من أنهم بعيدون تمام البعد عن تطبيق هذه النظرية .
    لقد كانت كلوديا عذراء، وكنت كذلك، وعلى الرغم من الألم فقد أعطت بمودة فائقة، وحب أكيد، جعلها تستسلم تماماً، إلا أن طيفاً من الامتعاض أو القلق بدا مرتسماً على وجهها المشرق الجميل، ولم أعرف سبب هذا القلق في حينه، لكنني اكتشفت فيما بعد أن إجمالي وضعي، ظل يشعرها وخلال كل الفترة الماضية بالمرارة والضيق .
    الرفقة الطويلة تفضي دائماً إلى الاستفسار، وزيادة التعارف، وحب الاطلاع لدى النساء خاصة، والفراغ الدائم مزرعة خصبة للثرثرة والوقوع في شرك التقصِّي، لكنها كانت تؤدي إلى حرد وربما إلى قليل من الصياح والغضب .
    لم ترو أليزا شيئاً مفيداً عن طفولتها، وكانت تدعي أن ضباباً كثيفاً يلف هذا الماضي البعيد، هناك صورة رجل وامرأة ومنزل وأشجار، وخرير ماء أو ما شابهه، ولهجة لا تتبينها، لقد وجدت نفسها مع هذا اليهودي، الذي لم يبخل عليها بشيء، سواء في التعليم أو اللباس أو الطعام، بل لقد عرض نفسه للقتل عدة مرات، دفاعاً عن كرامتها وشرفها، وبذل كثيراً من النقود، في سبيل إيصالها إلى مستوى الطبقة الراقية، التي قبلتها فلم تسأل عن محتدها، ولم تستفسر أبداً عن حقيقة أبوة اليهودي لها.
    بين الإسكندرونة وإنطاكية واجهتنا حادثة طريفة، فقد وجدنا سفينة راسية على مسافة من الشَّاطئ، تقلُّ كوكبة من فرسان القدِّيس يوحنَّا، ينتظرهم على الشَّاطئ ذلك اليهوديُّ المحيِّر ومعه شخص آخر، ما لبثت أن تبيَّنت أنَّه الرَّجل العملاق الَّذي اختطفني، ولما كنت أعرف طريقة تصرُّفهم، أخبرت بربر أنَّهم بحاجة إلى نصف ساعة على الأقلِّ للنُّزول مع خيولهم، وربع ساعة أخرى لترتيب أمورهم والانطلاق، وقد اقترح بربر خطَّة شجاعة لمواجهة الموضوع الطارئ، فعرضها بدقَّة وذكاء، وأمر العربات أن تنطلق بالنسوة فقط، وأن تتوقف في أول قرية، مختبئة بين البيوت أو ضمنها .
    أصبح معلوماً أنَّ اليهودي يريد أن ينال مني، وبأيِّ طريقة كانت، ولم يتبادر إلى ذهن أحد سواي ما السَّبب في ذلك، ولماذا هذا الإصرار الأحمق على مطاردتي ؟.
    _ ماذا بينك وبين هذا الكلب ؟!. قال بربر.
    _ لا شيء وإنَّه ليملؤني العجب من ذلك !.
    _ وما علاقة هذا الرَّجل بالفرسان ؟!.
    _ هذا ما أود أن أعرفه .
    اختبأنا وراء رابية قريبة من الشَّاطئ، وأخذنا نراقب الفرسان وهم ينزلون العوَّامات، ثم يضعون الخيول عليها، ويسحبونها إلى الشَّاطئ، ثم يمتطون جيادهم، ودليلاهم اليهوديُّ وزميله يرافقانهم، ويشيران لهم باتِّجاه الطريق، وما أن تواروا حتى عمدنا إلى جمع الحطب، ثم نقله إلى العوامات وأضرمنا النَّار بها، وعدنا إلى مخبئنا نراقب الأحداث.
    يبدوا أن الفرسان لاحظوا أعمدة الدُّخان عن بعد، فعادوا أدراجهم، ليروا أنَّ النَّار قد أتت على المعديَّات، وأنَّهم قد غدوا غير قادرين على العودة إلى سفينتهم إلاَّ سباحة، فتركوا خيولهم على الشاطئ وأخذوا يسبحون باتِّجاه سفينتهم.
    وعندما رأوا سفينة أخرى تتقدَّم باتِّجاه سفينتهم، ظنُّوا أنَّها نجدة قد قدمت لإنقاذهم، لكنَّها كانت من أسطول العثمانيين، وما أن وصلوا إلى السَّفينة حتى وقعوا أسرى بيد البحرية السُّلطانيَّة.
    أمَّا اليهوديّ وزميله فقد امتطيا جوادين، وسارا باتجاهين مختلفين، فوقعا في كمائن أعدَّها لهم الجيش العثماني، وتم إلقاء القبض عليهما واقتيادهما إلى حاكميَّة إنطاكية، حيث أودعا السِّجن وابتدأ التَّحقيق معهما .
    عدنا على ظهر بعض الخيول المتبقيَّة، بعد تبادل الشكر من بعيد، مع قائد السفينة البحريَّة، فوجدنا النِّساء ينتظرن في قرية قريبة، وبعد أن سمعن الرِّواية بتفاصيلها، استغرقن في الضَّحك، عدا أليزا فإنَّها كانت تستمع إلينا وقد امتقع وجهها، وبدت عليه صفرة الموت، فضمَّتها فاطمة إلى صدرها.
    _ لا تخافي يا أختاه فأنت في أمان .
    _ أنا لست خائفة على نفسي، ولكن هذا الحيوان الماكر لا بد سيجد وسيلة للتملُّص والعودة إلى مكائده .
    طمأنها بربر إلى أنَّ هذه البلاد مختلفة، وأنَّها تحت أعين العثمانيِّين، وأنَّ الخطر قد زال تماماً، ولم يعد أمام اليهوديِّ غير الاستسلام لقدره .
    ابتدأنا نتسلَّق الهضاب باتِّجاه إنطاكية التي تقع في السَّفح الشِّمالي لجبل الأقرع المرتفع العالي، وها هي تبدو في الأفق بكل عظمة تاريخها المجيد، فقد كانت إنطاكية دائماً ملتقى الحضارات، الفكريَّة والدينيَّة والماديَّة أيضاً، وقد استطاعت أن تجمع بين التَّاريخ السَّامي واليونانيِّ والبيزنطيِّ، الوثنيِّ والمسيحيِّ والإسلاميِّ، وتعبِّر أطلالها الدَّارسة والقائمة عن مدى الاندماج الحضاري، لهذه الحقب من تاريخ البشر المتخبِّطين دائماً في أفكار هجين، لا يكاد يعرف لها هويَّة محدَّدة، بل هي خليط من كلِّ شيء.
    كان (ألفونسو) يرسم ثلاث دوائر متقاطعة، إحداها يسمِّيها الفرنجة، والثَّانية وادي النِّيل، والثالثة سامييِّ آسية، ويقول :
    _ هذا هو الإنسان وهذه هي الحضارة، ولا فاصلة بين هذه الدَّوائر، إنَّ الصِّين والهند عالمان بعيدان، وهما كمياه الإطلنطي، تتدفَّق لكن بهدوء عبر مضيق جبل طارق إلى المتوسِّط، ولا تمرُّ إلا عبره، وحضارة الهند والصين لا تمرُّ إلاَّ عبر ساميِّي آسية، تتلون بلونهم وتصطبغ بما تأثَّر به هؤلاء من هنا وهناك .
    عندما أقبلت سفينة الفرسان، وابتدأت ترسو قريباً من الشَّاطئ، أعادت إليَّ ذكرى الأيَّام السَّالفة، كانت المعارك متواصلة بين فرسان القديس يوحنَّا ومناوئيهم، من الأرثوذكس والقراصنة والعثمانيِّين، وكذلك البرابرة الَّذين مافتئوا ينقضُّون على الفرنجة من حدودهم الشَّرقيَّة، وربَّما كلِّف الفرسان بخوض معارك بريَّة بجوار الشَّواطئ، وكانت الخيول تنقل على ظهر السُّفن ثمَّ عن طريق معديَّات عائمة تقلُّ الفرسان وخيولهم ومدافعهم وذحائرهم إلى البرِّ.
    وكنت في جميع هذه المعارك أصاحب ألفونسو وأذبُّ عنه، وقد لاحظت أنَّ ألفونسو أخذ في المدَّة الأخيرة يخفِّف من غلوائه في القتال، ويحاول أن يتجنَّب قلب المعركة، وكنت على يقين من أنَّه يفعل ذلك رفقاً بي.
    لقد ابتدأ عصر النَّهضة يبرعم في نفوس الناس ، وابتدأت الكنيسة بالتَّصديق بأنَّ سلطتها على النَّاس تتآكل، وأخذ بعض الرُّهبان يبدون امتعاضهم من أعمال الكهنة الكنسيِّين، كما أنَّ الإنسان بطبعه لا يقبل حياة دينيَّة دائمة، إضافة إلى ما كان يظهره كبار رجال الدِّين من العهر الاجتماعيِّ والسِّياسِيِّ والاقتصاديِّ.
    كما أنَّ المدرسة الانكليزيَّة المصلحيَّة والفلسفة الإنسانيَّة الَّتي اهتمَّت بالإنسان، واعتبرته البداية والنِّهاية في الفكر، قد أصبحت مقبولة في نظر الفعاليَّات الغربيَّة التي كانت مقتصرة على الطَّبقات العليا من الحكَّام ورجال الدِّين، وكانت الفلسفة المدرسيَّة قد أبقت العلوم والفلسفة على الطَّاولة كما يقولون.
    ولكن الكنيسة لم تستسلم بعد، ولم يزل بحوزتها الكثير من المعطيات الَّتي تؤجِّل انهيار سلطانها التَّامِّ، من هذه المعطيات ملكيَّتها الواسعة للأراضي، فقد كانت الكنيسة تمتلك لوحدها ثلث أراضي أوروبا، وكان الفلاَّحون عبارة عن رقيق غير معلن في أراضي الكنيسة، يمارس عليهم وكلاؤها أسوأ أنواع الاضطهاد والظُّلم
    الصور المرفقة  

  3. #13
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    13

    لوحة العشاء الأخير -دافنشي

    استطاع عبد الباري أن يشتري أرضاً كافية لعائلته، وأن يخرج عن نطاق وكلاء الكنيسة، ونظراً لعدم ظهور مخطَّطات المساحة فقد كانت الكنيسة تعطي صكوك البيع الموقَّعة أصولاً لهؤلاء الَّذين يشترون قطعة صغيرة من الأرض المهملة، ومع ذلك فإنَّ وكلاء الكنيسة كانوا يتوقَّعون بعض الهدايا من المالكين الجدد، كخروف أو جدي أو ديك، بل حتّى سلَّة من التِّين أو العنب أو الفاكهة الأخرى.
    عندما بلَّغتني كلوديا أنَّ لوحاتي في البندقيَّة قد بيعت كُلُّها بأسعار منافسة، شعرت بالسَّعادة للحظات، لعلَّ النَّجاحات العابرة تجعلك تحسُّ ببعض الارتياح المؤقَّتِ، وحينما عاد ألونزو إلى باليرمو توجه فوراً إلى زيارة كلوديا، ثمَّ دخلا معاً إلى غرفتي في الدَّير حيث وجداني أجلس وأمامي لوحات جنِّيَّات البحر قد صُفَّتْ بالتَّتالي، وقد رأيت الرَّجل ينظر إلى هذه اللَّوحات بعين الدَّهشة والاستغراب، ثمَّ التفت إليَّ قائلاً:
    - ما هذا بحقِّ يسوع، إنَّها أسطورة رائعة بل إنَّها ملحمة، لقد فهمت منها ما أردته أنت من العبثيَّة واللاجدوى، ستباع في البندقيَّة أو فلورنسا بأسعار خياليَّة، ولكن لماذا تتوقَّف عن الرَّسم، ارسم ثمَّ ارسم وارسم وارسم، وحاول إزالة الظَّلام الموحش في اللوحات، يمكنك إضافة البهجة على بعضها، يجب على الفنان أن ينوِّع أسلوبه، وأن يتطوَّر، املأ رأسك أوَّلاً ثمَّ ارسم ما شئت.
    وأخرج من جيبه كيساً من المال ووضعه أمامي:
    - لقد اقتطعت حصَّتي من المال، وهي 20%، وهذا سعر موحَّدٌ.
    تناولت كلوديا الكيس ووضعته في زنارها:
    - أنا محاسبته، وسأحتفظ له بالمبلغ، وأوضِّب لك اللَّوحات الباقية.
    - وأكون لك شاكراً.
    واعتمر قبَّعته ومضى، أمَّا كلوديا فقد عانقتني بحرارة، مبتهجة بهذا النَّجاح الصغير، وكنت أعرف أنَّ المال لا يعني لها شيئاً، فهي أغنى بكثير من أن تهتمَّ له، ومنذ عهد طويل وهي تنفق عليَّ، لقد كانت دائماً تجعل منظري لائقاً، إلى الحدِّ الَّذي لا يستنكره الفرسان، بل إنَّها في مرَّات كثيرة حينما كانت تصطحبني لحفل رقص أو غناء، أو إلى المسرح الكوميديِّ تجلب لي من الثِّياب الفاخرة ما يليق برفيق كلوديا الجميلة المتأنِّقة.
    كانت حياة ألفونسو قد تحطَّمت بعد وفاة ابنته جين، لقد انتهت بهجته معها، كما أن فلسفته المشرقة قد توارت إلى نوع من الأفكار المتشائمة المهزومة، وكان يقول:
    ـ إنَّ في صلب المسيح عبرة لجميع أولئك المتفائلين، لقد حمل الصَّليب ليس آلام المسيح فقط، بل عذابات البشريَّة المنكوبة، إنَّ الموت يلفُّ كُلَّ موجود بعباءته الرَّماديَّة، ولن تعوِّض عليه الوعود آلامه، ولكن الخروج من الدُّنيا إلى عالم آخر بريء من هذه الذَّاكرة ومن العذاب، أو إلى الفناء سيكون أكثر جدوى.
    كان ألفونسو رجلاً عجيباً، لم يكن مثقَّفاً فقط، ولا نبيلاً أو أرستقراطيَّاً مهذَّباً فقط، لقد كان إنساناً يتمتَّع بعبقريَّة خاصة وسلَّة من المتناقضات، وذك ما جعله شاعراً أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، لقد كانت روحه الشُّجاعة الهائمة تنقله فوق مستوى فكره الرَّفيع السَّامي، إلى جوٍّ مبدع صوفيٍّ بمعنى الإلهام والوحي .
    - الإسلام في القرآن شيء، وفي السِّياسة شيءٌ آخر، إنَّ المسلمين حوَّلوا التَّسامي الرَّائع والتَّفوَّق على الفلسفة إلى آفاق الإيمان المرتفعة عن التَّفكير، حيث تلتغي التناقضات بين المعقول واللامعقول، وحيث تكون فلسفة الحبِّ والعشق المتبادل بين الفكر وموضوعه بؤرة نور مقدَّس تضيء النَّفس والرُّوح، لكنَّ السِّياسة أنزلت الإسلام من أفقه العالي إلى مستويات الطَّبيعة والعناصر والاستقصات، ففقد كالبابويَّة بريقة، وخبا مع النُّجوم الهابطة إلى اللاقرار.
    هكذا كان ألفونسو يقول . ويردف:
    - لم يكن في الإسلام الأوَّل رجال دين، وما أروع الدُّنيا بدونهم، إنَّهم يضحكون على العقول السَّاذجة البسيطة للعامَّة، بأحاجي وضلالات وراءها رغبتهم في التَّحَكُّم والسَّيطرة، لقد كان المسيح ومحمَّد أبسط بكثير من بعض البابوات والخلفاء، وكان لهما من البصيرة ما يكفي لكي يلعنا هؤلاء المنحرفين، ويتبرَّءا من طبائعهم المنحطَّة.
    ولو كان ألفونسو قادراً على التَّغيير لأجراه، لكنَّه كان يقول:
    - سيغيِّر الزَّمن كلَّ ذلك، وسيفتضح أمر هؤلاء المدَّعين وينكشف كذبهم، إنَّ الزَّمن يمضغ جميع الأفكار والتَّطلعات حتَّى المشروعة منها.
    كانت الأشياء الصغيرة والانفعالات العفويَّة السَّاذجة، تعبِّرُ لي دائماً عن حقائق القلوب، وكما قيل: خذوا حقائق القلوب من فلتات الألسن، ولم يكن هناك من هو أبرع مني في استجلاء هذه الخبايا، وفي الوقت الذي كنت فيه شقيَّاً بنفسي حين تنبئ فلتة اللسان عن شيء من الاستصغار أو الهزء، فقد كنت مفيداً لألفونسو.
    كان مجلس البارونات الذي يعقد شهريَّاً برئاسته والَّذي يشكِّل مجلساً للحكم في صقلية المتمتِّعة بالاستقلال الذَّاتيِّ، كان هذا المجلس ينظر لألفونسو على أنَّه المندوب السَّامي الإسباني في صقلية التابعة لحكم ملوك أراغون ميراث فرديناند، الَّذي كان ملكاً على أراغون ونابولي وصقليَّة، وكان ألفونسو حفيداً لألفونسو الَّذي كان ملكا على أراغون حتَّى عام 1516 م، فهو أمير من أمراء أراغون، وكان باستطاعة ألفونسو أن يكون ملكاً، ولكنَّ فلسفته اكتفت بهذه الإمارة، ثمَّ بانضمامه لفرسان مالطا.
    قالت كلوديا
    - هناك ما يشبه النتائج المخالفة للمقدِّمات في شخصيَّة ألفونسو.
    - ما معنى ذلك.
    - إنَّه رفض أن يكون ملكاً أو ما شابه، ورضي أن يكون تابعاً للويس في منظَّمة الفرسان.
    - لماذا جاء إلى صقلية ولم يقم في مالطا؟.
    - إنَّ ألفونسو لا يريد أن يكون تحت سلطة مباشرة، لقد أرسل إليه البابا يقول له بأنَّه مستعدٌّ لدعمه في أيِّ مشروع ملكيٍّ، لكنَّ الفونسو سخر من هذا الاقتراح الَّذي كان دائماً في المتناول.
    - ماذا عن زوجة ألفونسو؟. سألتُ كلوديا.
    - إنَّها تعيش في فيينا، وهي أميرة من أميرات النَّمسا، وقد حدث بينهما خلافٌ تطوَّر إلى الهجر والمفارقة، وبسبب من قانون الزَّواج الأبديِّ يعيش كلٌّ منهما في بلد بعيد عن البلد الذي يعيش فيه الآخر. وعندما توفِّيت جين أرسل ألفونسو رسالة إلى أمِّها في فيينا، فلم يأته ردٌّ على رسالته، وبقي ألفونسو إلى النِّهاية ينتظر ردّاً أو جواباً ما، واستطردت كلوديا:
    قال لي ذات مرَّة:
    - لو أنَّ لي قلب امرأة لذهبت إلى فيينا وقتلت ماري.
    أعلمتني كلوديا أنَّ ماري كانت أميرة نمساويَّة، وأنَّ ألفونسو قد تخلَّى عنها لأسباب سيكولوجيَّة، لقد تمرَّدت عليه، ولم يعد باستطاعته كبح جماحها، لقد أدمنت السَّهرات والكحول، وكانت تحاول جاهدة الإساءة إليه أمام مدعوِّيها الشَّرهين، ممَّا أدَّى إلى ابتعاده عن المنزل، والانشغال بالقتال هنا وهناك، وحينما حملت بجين تحوَّلت إلى امرأة مكتئبة مجنونة، لم يهدئ من جنوحها الحمل، وقد عانى ألفونسو الأمرِّين حتَّى وضعت حملها بسلام، وجاهدت مربية جين حتَّى أبقت على حياتها دون أن تؤذيها أمُّها المتمرِّدة، وذات يوم أعلنت السَّيِّدة أنَّها عائدة إلى فيينا، فلم يعترض ألفونسو على ذلك، وقد أوصلها ألفونسو إلى فيينا فبقيت الزوجة هناك وعاد ألفونسو وحيداً.
    ما أطول الزَّمن عندما تكون على طريق هدفك البعيد، وهل يوجد شخصٌ أكثر شجاعة ممن جعل الحلم هدفاً، ثمَّ سار على طريق تحقيقه بدون يأس، بل كلُّه رجاءٌ وصمودٌ، ماذا يستطيع هذا الجسمُ المثقلُ بهمومه الكبرى أن يفعل أكثر من التَّطلُّع والحذر، كيف انتصر الأبطال وارتفعت الأمم، وحقِّقت المعجزات إلاَّ بالصَّبر والعمل الدَّؤوب، ثمَّ من يتحمَّل هذه العذابات كلِّها إلاَّ فتى صلب المراس قويّ الشَّكيمة، لقد كان ألفونسو يعجب ممَّا أملكه من قوَّة التَّحمُّل، ويقول:
    - إنَّ وراءك يا جون سرَّاً رهيباً، نحن نعرف الكثير من الرِّجال الَّذين حقَّقوا للنَّاس أحلامهم، لكنَّهم لم يستطيعوا تحقيق حلمهم الشَخصيَّ، فهل أنت قادرٌ على ذلك؟، هل تعرف يا جون أنَّ هانيبال عبر مضيق جبل طارق واستولى على أسبانيا، ثمَّ عبر جبال البرينيه واستولى على جنوب غالا، وعبر جبال الألب ومن سهل البو سيطر على الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، الَّتي بقيت لمدَّةٍ طويلة تدفع له الجزية، ولكن من يدري هل كان سعيداً هو في نفسه؟، وإني أحلِّفك بيسوع أن تخفِّف من غلوائك في القتال، وأن تتجنَّب التهلكة، فهذا الشَّباب إذا ذهب فإنه لا يعود .
    لم يكن ألفونسو يتوافق دائماً مع الكونت ألفريد، إلاَّ أنَّه مازال دائماً يكن له الكثير من الاحترام، وكان ألفريد هذا من سلالة جيرار الَّذي كان ملكاً على صقلية بعد انتصار مذلٍّ على العرب فيها، ولم يكن ألفريد هذا رجلاً عاديَّاً، فقد كان بطلاً على المستويين الشَّخصيِّ والشَّعبيِّ، ولم يكن تحفُّظُ ألفونسو تجاهه بسبب يمكن تحديده، فكلاهما يظهر المودَّة لصاحبه، ولكن ألفريد كان يبدو غامضاً بعض الشَّيء، وكان قليل الكلام، كما اختصَّ بوجه جامد وملامح قاسية، وكان خلال المعارك يحمحم ويجول جولان الفحول.
    قال لي ألفونسو مرة وهو ينظر إلى ألفريد يقاتل العدوَّ، وقد هاجمنا سفينة لهم وصعدنا إليها:
    - انظر إلى ألفريد، وكأنَّه يأخذ ثأراً من أحدهم، إنَّ روحه تحبُّ القتال، أفلا يعتبر ذلك شيئاً كريهاً؟!.
    ولكن ألفريد هذا لم يكن كما يراه ألفونسو، على الأقل فيما أدَّعي، لقد خدعه القراصنة مرَّة، وكادوا يقودونه للإفلاس، لولا تدخُّل ألفونسو الَّذي كان كافياً لأن ينسحب القراصنة بهدوء وإشارة واضحة بالطَّاعة والانصياع، مما حدا بألفريد إلى اعتبار ألفونسو متفضِّلاً عليه، وهذا ما كان يمسكه عن التَّصرُّف حيال الانتقادات اللاّذعة من ألفونسو، فيقابلها بابتسامة صفراء مفتعلة تغيظ ألفونسو فيقول:
    - ويلٌ لك ليس لي فضلٌ عليك، لقد حاول القراصنة أن يسرقوك فقدَّمت لك يد العون، وهو ما كنت سأفعله لأيِّ قائد عثمانيٍّ حينما أراه قد ظُلم.
    وكان ألفريد يبتسم بهدوء ثمَّ يمضي في سبيله.
    - هل تعرف يا جون أن ألفريد هذا من كبار مثقَّفي الغرب ؟.
    - لا كيف ؟!
    - إنَّه يجيد اللغة العربيَّة واللاتينيَّة القديمة والإسبانيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة، ويتفوَّق على جميع النُّورمانديِّين بثقافته المنوَّعة .
    - وما سبب انضمامه للفرسان؟.
    - أتعرف أن الفرسان أوَّل ما ظهروا في القدس قبل الحروب الصَّليبيَّة، ثمَّ ازدادوا قوَّة ونفوذاً خلال هذه الحروب، وكانوا يقودون جحافل جيوش الفرنجة، فابتنوا سلسلة من الحصون والقلاع تبدأ في آسيا الصغرى ثمَّ سوريّا، وأغلبها تسمى حصن الفرسان أو قلعة الفرسان وما إلى ذلك، ثمَّ بعد هزيمة الصَّليبيِّين عادوا واحتلُّوا جزيرة قبرص، ثمَّ انتقلوا إلى جزيرة رودس بعد أن افتتحوها، ولمَّا طردهم منها العثمانيون انتقلوا إلى جزيرة مالطة، وهم الآن يُسمُّون " فرسان مالطا " كما تعلم.
    - وما علاقة ذلك بألفريد؟.
    - لقد رافق أجداد ألفرد جميع هذه التَّطوُّرات، وكانوا سلسلة من القادة في فرسان القديس يوحنَّا، ومنهم الملك روجر الأوَّل وروجر الثَّاني وفريدريك، وقبلهم آباؤهم وأجدادهم، كلُّهم كانوا قادة في الفرسان.
    - وأيُّ ثقافة يملكها ألفريد.
    - سآخذ الثَّقافة العربيَّة على سبيل المثال، وأنت تعرف تأثيرها على تطوُّر المجتمعات الأوروبيَّة، بحيث كانت هي المسبِّب الأوَّل للنَّهضة، إنَّ ألفريد يجيد اللغة العربية أكثر من كثير من مثقَّفي أبنائها، ويحفظ الكثير من الشِّعر العربيَّ عن ظهر قلب، كما أنَّ لديه مكتبة جدِّه روجر الزَّاخرة بالنَّفائس الفكريَّة العربية، من الكندي إلى ابن سينا إلى الفارابي وابن رشد والإدريسيِّ وغيرهم، ولو دخلت معه في جدال فلسفيٍّ لكنت خاسراً، أنت أو أنا أو غيرنا، فلا تبتئسْ.
    هكذا كان ألفونسو عادلاً تماماً في تقييمه المنهجي للأشخاص بل والحوادث أيضاً، وكان منطقه مقنعاً، وحين تتفحَّصه تجده منفعلاً مع وجهة نظره متحمِّساً لها، وقد كان دائماً صادقاً، إلاَّ عندما يجيب على انضمامه للفرسان، فقد كان يبرر ذلك بالوقوف بوجه العثمانيين والقراصنة والبرابره، وكان يقول:
    - بقي بحر الحضارات مركزاً لإشعاع الفكر وإشعال الخيال، ولا يجب ترك هؤلاء الهمج يغيِّرون صفاءه، أو يزوِّرون هويَّته.
    من المستغرب أن يجتمع الكثير من قادة أوروبا على مائدة الفرسان، ومن الأكثر غرابة أن يُقاتل الفرسان تحت راية واحدة في حين تبتعد أفكارهم أميالاً عن بعضها، لقد كان ألفونسو وألفريد أيضاً يعتقدان بأنَّ المسيح من لحم ودمٍّ، وليس ذلك الإله المزعوم، وأنَّه أحد متصوِّفيِّ السَّامرة، وأنَّ قصَّة قتل الأطفال خوفاً من النَّبيِّ المنتظر مكرَّرةٌ في أغلب الشُّعوب، وهي من بقايا الأساطير الوثنيَّة، وكثيرٌ مثلها من بدع الإمبراطور قسطنطين، الَّذي وثَّنَ العقيدة الجديدة على مستوى الفكر واللباس والكهنوت انسجاماً مع عقيدته الوثنيَّة المتأصِّلة.
    وكانت أفكار ليوناردو دافنتشي رائجة لديهم، قال لي ألفونسو مؤخَّراً:
    - إن دافنتشي هذا عبقريَّة خاصَّة لا تنسجم مع الطَّاقة البشريَّة العاديَّة، وما أحسبه ينتمي إلى عالمنا .
    - لماذا؟.
    - انظر إلى جميع لوحاته وقد صحبتك إلى ميلانو وفلورنسا والبندقيَّة وشاهدنا قسماً منها سويَّة، إنَّها رغم إبداعها غامضة وكأنَّها مرمَّزة، أرأيت لوحة العشاء الرَّبَّانيِّ والشَّخص الجالس على يمين المسيح، وقد مال على أحد التَّلاميذ يسمع كلامه، وقد جلسوا جميعاً إلى مائدة كتلك الموائد الَّتي يقيمها الملوك، ويتحلَّق حولها الوزراء والأعيان، وقد لاحت على هذا الشَّخص ملامح أنثويَّةٌ واضحة، كيف وتلاميذ المسيح معدودون معروفون، وجميعهم ذوو لحية على عادة السَّاميِّين من اليهود والكنعانيين وغيرهم، عدا ذلك الشَّخص، وقد افتقدت هالة النور من اللوحة
    الصور المرفقة  

  4. #14
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    14

    ألفونسو وألفريد في رحلة صيد

    - لقد ساد اعتقادٌ راسخٌ في الأوساط الفكريَّة حينها أنَّ السَّيِّد المسيح ما كان إلاَّ واحداً من بني آدم البشر، ولم يكن إلهاً ولا يوجد فيه شيءٌ من الآب. وأنَّه تزوَّج من مريم المجدلانيَّة وأنجب منها، وما زالت سلالته من ابنته سارة موجودة حتَّى الآن، كما أنَ تاريخ 25 كانون الأوَّل هو تاريخ عالمي لميلاد كلٍّ من أوزيريس الإلهة المصريَّة، وأدونيس الإله الفينيقي، وكريشنا الإله الهندي ومثرا الإله الفارسي.
    - ما أهميَّة ذلك؟.
    - إنَّ ذلكَ ينعكس على الدِّين كلِّه، ويؤدِّي إلى صفاء في توحيد الذَّات الإلهية، ومزج ُالأقانيم الثَّلاثة أهبط الذَّات من علياء التَّجريد إلى دنيا التَّجسيد، وبالتَّالي تنوُّع الطُّقوس، والدَّعوة إلى الرَّهبانيَّة، وتعدُّد المناصب الكهنوتيَّة، إنَّ منصب البابا نفسه من بدع هذه النَّظرة، فالمسلمون لا يعترفون بطبقات رجال الدِّين بسبب من عقيدتهم التَّوحيديَّة، وما كلمة خليفة رسول الله إلا بدعة إسلاميَّة برر فيها الخلفاء استئثارهم بالسُّلطة، وأعطوها صفة دينيَّة، لتحوِّلهم إلى حكَّام فرديين، ولكنهَّم لم يتملَّكوا ثلث أراضي أوروبا، على العموم فإنَّ البابا بسبب ألوهيَّة المسيح المزعومة ادَّعى لنفسه القداسة، وأصبح الفاتيكان قلعة للاستغلال والتَّسلُّط، ولا بدَّ من العودة إلى الدَّولة والخروج من قمع الكنيسة إلى فضاء الإنسانيَّة المبدعة الخلاَّقة.
    - لقد جاء في قرآن المسلمين قوله:{ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ } وجاء فيه { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }
    - إنَّ الخلافة هنا لله وأوامره ونواهيه وهي بمعنى النَّبيِّ. وإنَّ جميع البشر خلفاء لله في عمارة أرضه وتنفيذ مُثُله، ولم يكن الرُّسل جبابرة أو طغاة أو مجرمين، بل كانوا على جانب كبير من الخلق، بحيث ضربوا المثل، وصاروا قُدوةً للنَّاس.
    كان ألفريد أوضح بهذا المجال، فقد كان يحفظ القرآن الكريم، وقد كنت أتجاهل معرفتي باللغة العربيَّة، ومع أنَّ ألفونسو كان يفهم الحديث بالعربيَّة إلاَّ أنَّه لم يكن يستطيع أن يُطلق لسانه بها كألفريد، فكانا يتحدَّثان بالإسبانيَّة، وكان الأعيان في تلك الأيام لا يستخدمون العاميَّة الإيطاليَّة الَّتي ثبتها دانتي أليجيري فكتب بها، وكانت أمَّ اللغة الإيطاليَّة، بل يتكلمون بالفرنسيَّة أو الإسبانيَّة، وكانت تدور بين الصَّديقين اللَّدودين أحاديث شيِّقةٌ حول مواضيع تعتبر محرَّمة على النَّاس، كالخلق والقضاء والقدر، ثمَّ الرِّسالات والأسطورة، كان ألفريد يقرر:
    - إنَّ أكبر معجزة في الوجود هو الإنسان بحدِّ ذاته، وهذا الفيض من العبقريَّة والإبداع، وأنا لا أرى ضيراً في أن يكون الرُّسلُ كذلك، بل إنَّه ليشرِّفهم أن يكونوا قادة لهذا الخلق الكامل الَّذي هو الإنسان.
    - لو كان البشر روحانيين فماذا يشرِّفهم في ذلك، هل الرُّوحانيُّون أقدر على الخير من البشر، أم أكثر اتِّصالاً بعالم المثل منهم؟. { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } هكذا يقول الرَّسول العربيُّ، { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً }. وهكذا قال المسيح.
    وبعد أن سكت قليلاً أردف:
    - من جعل من المسيح إلهاً؟. أليس قسطنطين وحلفاؤه من مهرِّجي نيقية، ألم يخترع إنجيلاً جديداً ويحرق الأناجيل الباقية الَّتي كانت تتحدَّث عن بشريَّة المسيح.
    ثم تابع:
    - وحتَّى الأناجيل المزوَّرة من يجد فيها كلمة يقول فيها المسيح أنَّه إله، نعم فقد كان ينادي الذَّات بكلمة أبي أو أبانا، ولكنَّ الذّات هي الأب لجميع المخلوقات وليست للمسيح وحده، إنَّ الأب يبذر بذرة الحياة في الرَّحم، وكذلك الله يوجد الوجود وهو باذرُ بذرته، وهو أبوه من جميع زوايا الوجود، فهو أبو النُّجوم والكواكب والمجرَّات وأبو الحركة والسُّكون، وأبو الزَّمان والمكان .
    ما أكثر أحاديث ألفونسو وألفريد في هذه المواضيع وتفرُّعاتها، ولم يكن إيمان أحدهما مهزوزاً، ولكنَّهما كانا بشريِّين بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى.
    تحدَّث ألفونسو عن رحلته إلى شمال إيطاليا في معرض ذكر ليوناردو دافنتشي، وكان قد صحبني وكلوديا معه، وزرنا كنيسة القديسة ماريا في ميلانو، حيث لوحة العشاء الأخير أو الوليمة، وكانت فريدة من نوعها، إنَّ لوحات الرَّسام تعبر عنه أكثر ما تعبِّر عن موضوعها، لقد كانت هذه اللوحة مبنيَّة بناء مدروساً من حيث المكان والأشخاص، وقد بدت الأصالة المعماريَّةُ الفنِّيَّة على اللوحة، وهي تمثِّل المسيح وحوله تلاميذه.
    بحثت عن سبب المناكفة بين ألفريد وألفونسو فوجدت أنهما عاشا معاً فترة طويلة، وقاتلا معاً دائماً بشراسة، فسألت ألفريد عن سبب هذه التَّصرُّفات :
    - إنني أمتُّ بالقرابة لماري زوجته، وهذا سببٌ كافٍ لمعاندته، ولكنَّني على ثقة من أنَّه يبادلني الودَّ الَّذي أكنُّه له، لكن العيب في لسانه وليس في قلبه، إنَّه يحاول أن يستقرئ الوجود بالكلام، وهو حوارٌ لا ينتهي، أنا أعرف أنَّه كان يحبُّ ماري بجنون .
    - فما الَّذي غيَّر هذا الحبَّ.
    - لم يتغيَّر وما زال، لكن ألفونسو لم يستطع فهم ماري وحاجاتها، لقد أوصلها ذلكَ إلى الجنون، تبقى المرأة امرأة وليست بحاجة لأن تكون فيلسوفاً، هكذا هُنَّ نساء البلاط الإمبراطوريِّ النِّمساويِّ، نساء بحاجة إلى الاهتمام، وتلبية الرَّغبات الأنثويَّة في كلِّ شيء، حتى السَّخيفة منها، هذه هي المرأة، كانت وستبقى ملهِمة على الرَّغم من مواضيعها التَّافهة.
    - طالما تعرف ذلك يا ألفريد فلماذا لم تتزوَّج؟.
    - من الصَّعب عليَّ يا بنيَّ أن أشرح لك ذلك، لقد أحببت حتَّى الهيام، فوقف القدر حائلاً بيننا، لقد ماتت وتركتني ضائعاً في ضباب الفجيعة والحزن.
    - أنا آسفٌ، ولعلَّني قد نكأت جرحاً قديماً مندملاً.
    - لا إنَّه لم يندمل ولن يندمل، ولكنَّني أحاول دائماَ أن أبعده عن فكري كي لا يثير أشجاني.
    كانت التَّعاسة تملأ وجه ألفريد وكانت نظراته الحادَّة الصَّارمة قد تحولَّت إلى مزيج من الضَّعف والاستكانة، وقد تابع:
    - لو كان ألفونسو حاضراً لأشفق عليَّ الآن، إنَّني أدرك هذه المسحة من الكآبة والاستسلام، ليس للفقد وإنِّما للقدر الَّذي يأخذنا حيث يشاء، إنَّنا في زورق يتيمٌ في لجَّة هائجة مضطربة، ولا نتحكَّمُ بشيء، لذلك لجأنا إلى الإيمان بما لا نستطيع إثباته، وعلى العلم أن يثبت الحياة الأخرى، لكي يكون الاعتقاد بها كافياً.
    لقد كانَ ألفريد يملك الشَّجاعة الكافية لكي يُقرِّر مثل هذه النَّتائج، شجاعة لا يمتلكها الكثير من النَّاس، ولا البابا نفسه، لعلَّ الشَّجاعة الحقيقيَّة هي في الفكر، وعبره يمكنك اقتحام وعى الإنسانيَّة، بكلِّ ما تعنيه من مخاطر. قال لي ألفريد ذات مرَّة:
    - لقد احتلَّ العرب هذه الجزيرة فترة طويلة، لم يؤذوا فيها أحداً، وظلُّوا يحكمون دون اعتراض يذكر من أهل الجزيرة، لقد أقرُّوا جميع النَّاس على أرزاقهم وأديانهم، بل ملَّكوهم حصَّة الكنيسة من الأراضي، وهذا ما لم ينعم به العرب بعد سقوط حكمهم، فقد أجبروا على تغيير دينهم، أو الجلاء عن الجزيرة، أما أنا فإنَّ دماء العرب تتدفَّق من قلبي إلى جميع أنحاء جسمي، وأفخر بذلك.
    لم أنتبه في وقتها إلى ألفريد وهو يمتدح العرب إلى هذه الدَّرجة، ولم أستطع أن أستشفَّ قصده من وراء هذا التَّمجيد المعلن، وكان هذا رأي ألفونسو أيضاً المنحدر من دماء ملوك أراغون وقشتالة، فقد كان ألفونسو يقرِّر دائماً :
    - العرب هم الفاتحون الوحيدون في التَّاريخ الَّذين لم يجبروا أحداً على شيء، سواء الهجرة أو تغيير الدِّين، وشاركوا شعوب الأقاليم حتَّى في الحكم فكان منهم الوزراء والأعيان، وهذا ما لم يفعله الأسبان، لقد ادعَّت المسيحيَّة التَّسامح والمحبَّة، ولكنها ارتكبت أفظع الجرائم، لقد اعترفت الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة بالآخر، لكنها قمعته بقسوة عند نهاية الأمر، ولم يكونوا متعصِّبين دينيَّاً ولكنَّهم كانوا في أشدِّ التَّحجُّر لدولتهم، أمَّا العرب الَّذين لجؤوا إلى الفتوح على أساس الدَّعوة والدِّين، فإنَّهم لم يعرفوا التَّعصُّب، وهناك حالاتٌ فرديَّةٌ لا يمكن الدِّفاع عنها، وهي في غالبيَّتها من صنع الشُّعوبيِّين لا العرب.
    في الرِّحلة الَّتي أشرنا إليها سابقاً من باليرمو إلى البندقيَّة كانت أوَّل رحلة لي إلى شمال نابولي، لقد كنا سابقاً نبحر في جميع الاتِّجاهات، ونلتقي سفن القراصنة أو العثمانيين، ولكنَّ هذا لم يحدث بالقرب من سواحل البندقيَّة أو جنوة.
    الصور المرفقة  

  5. #15
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    15

    شجرة زيزفون


    كانت السَّفينة في اليوم الثَّالث تقترب من خليج كاستانو، وابتدأت بالمناورة لتدخلَ في مصبِّ نهر أرنو، وبعد ساعة أو تزيد دخلت السَّفينة مجرى النَّهر واتَّجهت شرقاً في مسار متعرِّج عبر أراض طينيَّة خصبة، كان فصل الخريف قد ابتدأ يلقى على الحياة شبحه الباهت، وكانت رياح أيلول الباردة المشبعة بالرُّطوبة تهز أشرعة السَّفينة برفق، ومن حولنا كانت الأراضي الزِّراعيِّة المنوَّعة الَّتي تحضِّر نفسها للبدء بقيلولة الشِّتاء، كانت السَّفينة تحمل اسم ألفريد، فقد كانت إحدى سفن أسطوله الخاصِّ، وقد امتنع عن مرافقة السَّفينة لأسباب لا أذكرها، ولعلَّها تتعلَّق برحلة موازية إلى إسبانيا، أو ما شابه.
    وقفت على ظهر السَّفينة أشاهد بقايا الحصاد في سهول القمح، وإذا بيدٍ تلامس كتفي، لقد كانت كلوديا .
    - ما أجمل خريف إيطاليا؟.
    - هذا مثيرٌ للدَّهشة، أن يكون الخريف من الفصول الجميلة يا كلوديا.
    - بل إنَّني أقول الحقيقة، فللخريف حلاوته وهدوؤه، إنه كالكهولة في العمر، مليءٌ بالتَّجربة والانفعال، إنك تراه يحضِّر الطبيعة لفصل الشِّتاء.
    - سمعت شعراً لأحدهم يقول: أنا لا أهوى الخريف، كيف أهواه وقد كسا أوراقي الخضراء باصفراره الحزين. ونضارة وجهي بشحوبه، ودفقة عاطفتي ببرودة يأسه.
    - ما هذا الشِّعر المُتشائم يا جون.
    - هو لأحدهم وليس لي، فإنَّ الأمل يحدوني دائماً لتحقيق أمانيَّ.
    - هكذا ينتصر الإنسان على المحن.
    كان جرس صوتها دافئاً عذباً، وكانت كلماتها تشير إلى إحساس عميق، وأملٍ منفتح، ولم تكن كلوديا عاقلة إلى درجة الجمود، ولا هي منفتحة إلى حدِّ الاستهتار، لقد كانت شيئاً من هذا وشيئاَ من هذا، فحينما نكون وحدنا كانت تحاول إثارتي وإغرائي بشكل دائم، وحينما نكون أو تكون ضمن مجتمع كانت تظهر الرَّصانة والمسؤوليَّة، إنَّ المرأة بطبيعتها خليطٌ متناقضٌ من المشاعر والأحاسيس، وكنت معجباً بشجاعتها وقدرتها على تجاوز المواضيع أثناء الحوار، وكانت ماهرة بتوجيهه حيث تريد، وكنت أنظر إليها لأعلن انتصارها ببسمة ضاحكة، ثمَّ أنسحب بهدوء، وكانت تتبعني بعد قليل إلى شرفة أو ظلِّ شجرة، وتنظر إليَّ باهتمام وحبٍّ:
    - إنَّ تهذيبك هذا يثير مشاعري، ويدعوني إلى مطارحتك الغرام.
    - ومتى كنت لا تريدين ذلك ؟.
    - سأكون صادقة معك وقاسية أيضاً يا جون، أنت وجودي كلُّه، وإذا كنت غائباً كانت روحي معك، وإذا كنَّا معاً أحسُّ بروحي تتغلغل في نفسك وتتَّحد معها، لقد بتُّ أخشى أن يقتلني هذا الحبُّ.
    - الحبُّ يا حبيبتي يبني ولا يهدم، يحيي ولا يميت، يسعد ولا يشقي .
    - سأبرهن لك عندما تحتاجني أنَّني أفديك، ولو كان الأمر يتعلَّق بي فقط، ذهبت معك إلى أقصى حدود الأرض، حيث أخرجك من هذه المحن الَّتي تفرض عليك، وسيأتي اليوم الَّذي أفعل فيه ذلك، وما أظنُّه ببعيد.
    ما زالت السَّفينة تمخر عباب النَّهر الملتوي الجميل، وما زالت أشجار الصَّنوبر والصَّفصاف تتناثر على ضفَّتيه، تاركة فجوات قليلة في جوانبه تتيح للمراقب إطلالة سريعة على ما وراء الضِّفَّة، وهذه رائحة الزَّيزفون العطرة تعبق في الأجواء، لقد ابتدأت صفوفٌ متشابكة منه تملأ ضفَّتَي هذا النَّهر الجميل، وكانت كلوديا تحاولُ أن تظلَّ على سطح السَّفينة قدر الإمكان، وكأنَّ أريج الزَّيزفون قد أثار عواطفها وأجَّج مشاعرها .
    - ليس كالزَّيزفون نبات يفتِّح أزهار المحبَّة ويحيي آلام الوجد، انظر يا جون إلى هذه الشَّجرة الَّتي تزهر ولا تُثمر، تعطي ولا تأخذ، إنَّها كالأمِّ بل كالفتاة العاشقة المحبَّة، بل هي كماء المطر المنهمر من أكفِّ آذار، بل كالأيدي الضَّارعة الواهبة. بل كالحبِّ البريءٍ الجامح.
    - هذا شعرٌ جميلٌ يا كلوديا يصلك بأجدادك العرب .
    - أتعرف يا جون شيئاً عن شعرائهم؟.
    - نعم وفيها بعض الغزل؟.
    - أسمعني .
    - هناك شاعرٌ اسمه امرؤ القيس يقول بما معناه: أيتها الحبيبة كفى دلالاً، وإن أردت إنهاء حبنا فافعلي بلطف، لقد اعتمدت على حبِّي المتين، وعلى أنني سلَّمتك قلبي تفعلين به ما تشائين، فإن أردت أن تهجريني فإنَّ لديَّ ما يكفي من الشَّجاعة لكي أحيا على ذكرى حبِّي الخالد.
    - هذا كلامٌ موحٍ، وإن كنت أخالفه الرَّأي، فالمحبُّ يستطيع أن يتحمَّل دلال ملهمته، لأنَّه يعطي ولا يأخذ، يبني ولا يهدم، وعلى الحبيب أن يصبر ويستمرَّ، أليس هذا من قولك .
    - ولكنَّ هذا الشَّاعر كان ملكاً، ولا يستطيع أن يحني هامته.
    - ما من محبٍّ إلاَّ ويستطيع أن يحني هامته يا جون، وإلاَّ سيكون محبَّاً لنفسه فقط، أو صاحب رغبة بعيدة عن الحبِّ .
    - لعلَّك ستكتبين الشِّعرَ مستقبلاَ عندما تتقنين اللغة العربيَّة، ولقد وعدتك بأن أتعلَّمها معك يا كلوديا.
    - ولكن ما معلوماتكَ عن الحبِّ عند العرب؟.
    - يقال أنَّ لديهم أروع المحبِّين، هل قرأت شكسبير ؟.
    - نعم، أتقصد روميو وجولييت؟.
    - بل أقصد عطيل. وهو أمير عربيٌّ أحبَّ زوجته، ولكنَّ الغيرة جعلته يقتل زوجته ثمَّ ينتحر.
    - لا أرى حبَّاً في الغيرة، بل نوعاً من الأنانيَّة المفرطة .
    - وهناك في تاريخ العرب رجالٌ ونساءٌ أحبُّوا حتَّى الموت، منهم قيس وغيره.
    - ولماذا مات هذا العاشق ؟.
    - لقد كبر حبُّه على الوصال، لقد كانت ليلى محبوبته تعوده وهو هائمٌ على وجهه في البراري، فتقول له: أي قيس ها أنا ليلى، فيجيبها بلطف:
    - اغربي عني فقد شغلني حبُّكِ عنك.
    - أعد عليَّ ذلك يا جون، فهذا هو الحبُّ، نعم فإنَّ الحبَّ عندما يكبر خارج الحدود الإنسانيَّة يتحول إلى هيمان مطلق، وعندها يلتصق بمعناه، ويكون أقرب إلى اللامحدود. رائعٌ هذا الحبُّ، إنَّه بحاجة إلى أبطال لكي يقدروا عليه.
    كان ردُّ كلوديا مؤثِّراً، في حين كانت السَّفينة تتهادي على صفحة النَّهر المترقرقة بمويجات خفيفة، لقد كانت الأعماق كافية على الرَّغم من الغضار الذَّائب فيه، وكانت رائحة النَّهر بعيدة كلَّ البعد عن رائحة البحر، فليس كالبحر من رائحة تعبق بالتَّنوُّع، وتزخر بالخلق المتعدِّدِ الباحث عن وجوده، ورائحة هذه الحيوانات والحشائش البحريَّة تختلط برائحة الملوحة، لتشكِّل واحة من الرَّوائح المختلفة، والبحر دائماً نظيفٌ، كقلب الطِّفل، وصاف كبشرة العذراء، كما قالت كلوديا.
    بدا مرفأ بيزا الصَّغير من بعيد، ضئيلاً إلى درجة ظننت أنَّه غير جاهز لاستقبال سفينة متوسِّطة الحجم كسفينتنا، ولكنَّه مع اقترابنا منه توضَّحت معالمه، وبدا أنَّ سفناً أكبر من سفينتنا قد راصفت عليه، وبعد وقت قصير كانت سفينتنا تدخل المرفأ، ثمَّ ترسو على رصيفه.
    سمعت صوتاً يناديني أنا وكلوديا، إنَّه ألفونسو يطلب مني أنا وكلوديا أن نصحبه، وعندما نزلنا على الرَّصيف وجدنا من ينتظرنا بعربته غير بعيد، وسرعان ما صعد ألفونسو إلى العربة فتبعناه، وبعد قليل وصلنا إلى منزل تبدو عليه علامات الثَّراء، ووجدنا خادماً ينتظرنا على الباب، وما أن دلفنا إلى داخل المنزل حتى استقبلنا رجلٌ كهلٌ وسيمٌ، وأدخلنا إلى بهو واسع حيثُ يوجد ثلاثة رجالٍ جلوس على مقاعد وثيرة تحيط بموقد متَّقد، ولدى وصولنا وبعد سلامٍ عجولٌ، دخل خادمٌ يحمل حزمة من الوثائق، وضعها أمام ألفونسو، وقام أحدً الرِّجال وتقدَّم من ألفونسو:
    - هل يمكن يا سيِّدي أن يحلف سعادتكم على الكتاب المقدَّس ؟.
    - نعم يا سيِّدي .
    وبعد أن أدَّى ألفونسو اليمين القانونيَّة، قام بالتَّوقيع على وثيقة مطوَّلة جمعت على شكل نسختين في كتابين، وشهد الرَّجلان الآخران على كلَّ صفحة من هاتين الوثيقتين، ثمَّ تقدَّم منِّي رجل القانون ذاك وقال لعلَّك أنت جون سيباستيان روزالو .
    - نعم أنا هو، أجبت وكان هذا اسمي الَّذي سجلَّه الفرسان في سجلاَّتهم .
    تفضَّل يا سيِّدي وقِّع على هذه الوثائق.
    - أيَّة وثائق؟.
    - إنَّ سموه ينقل أكثر أملاكه هنا إليك.
    - ما هذا يا سيِّدي ألفونسو.
    - نعم يا جون فأنت ولدي، وبعد وفاة جين لم يبق لي سواك.
    - شكراً يا سيِّدي ولكنَّني لن أقبل بذلك .
    قالت كلوديا وهو تنظر إلى ألفونسو:
    - ألم تخبره قبل ذلك.
    - لا ولكنَّه قراري النِّهائيِّ يا كلوديا .
    - كان من الأفضل إخبار جون، وكنت أدرك أنَّه لن يتقبَّل هذه الهبة.
    - سيَّان أقبلها أم لم يقبلها، فهي الآن ملكه، وهذا التَّوقيع هو لأخذ العلم فقط .
    - هذا كثير ولا أريده يا سيِّدي ألفونسو، ولا أستطيع أن أقبله، وأنت تعرف يا سيِّدي أنَّ حاجاتي القليلة تلبَّى وبشكل مشروع من قبل الفرسان.
    - لا تقلق يا بنيَّ فقد تركت لنفسي ما يفوق حاجتي بكثير، وأرجو أن تعتبرها هديَّة والدٍ لولده، وهي كذلك، فقد كنت مخلصاً معي وفديتني بنفسك مرَّات كثيرة، ولن أترك ماري وأقرباءها ينعمون بجميع أملاكي.
    - جميع النَّاس يا سيِّدي أولى منِّي بأملاكك، فأنا رجلٌ غير منتم.
    - بل أنت أكثر النَّاس انتماءً، فأنا أعرف أخلاقك الرَّفيعة، ولا أعرف أصلك وفصلك، لكنك تنحدر ولا شكَّ من محتد كريم، وسواء أمهرت هذه الوثائق بتوقيعك أو لا فإنَّها الآن ملكك، شئت أم أبيت.
    - وقعها يا جون قالت كلوديا مصرَّة.
    تقدَّمت بخطى مضطربة وقمت بتوقيع الوثائق المطلوبة، وبسرعة خطر بذهني خاطر وهو أن أوَّكِّل كلوديا وكالة غير قابلة للعزل، فسألت ألفونسو الَّذي أجاب بالإيجاب، وأمر الكاتب أن يعدَّ الوكالة، وبعد وقت ليس بالكثير أنهينا توقيعها والشُّهود، ثمَّ خرجنا في شوارع بيزا الضَّيِّقة واستقلينا عربة مكشوفة لنتفرَّج على برج بيزا.
    لم أكن أستطيع أن أتبيَّن المشاعر بالتَّفصيل، فقد كانت بحراً هائجاً من النَّقائض، ولم أشعر بالفرح وحتَّى الغبطة لهذه الهبة السَّنيَّة، الَّتي هبطت عليَّ من عالم الغيب.
    ولم يكن هذا التَّصرُّف غريباً على ألفونسو الَّذي لم يكن يحس بالانتماء إلا لإنسانيَّته، لقد كان شخصيَّة عجيبة من النَّقائض، ما عدا الخلق القويم، لقد كان ألفونسو يدرك تماماً مقدار التَّحوير الَّتي خضعت له البشريَّة في إنسانيَّتها، وكيف أنَّ الإنسان يقتل أخاه الإنسان في سبيل إرضاء دوافع غريزيَّة بعيدة عن الأخلاق، ويعتقد أنَّ التَّزوير الَّذي تعرَّضت له الأخلاق أدَّى بالبشريَّة إلى السُّقوط في الهاوية المنتمية إلى الأطماع والغرائز.
    كان يقول لي:
    - بالله عليك ما هي مبرِّرات الحروب الصَّليبيَّة، وماذا حدا بالإسكندر لإسقاط الإمبراطوريَّة الفارسيِّة، أليس هذا هو الجنون، لقد كان الإسكندر مجنوناً ولا شكَّ، فلا أحد عاقل يقدم على هدم هذا الصَّرح الحضاري العظيم، من دون سبب إلاَّ جنون العظمة. ولماذا ضحَّى أوكتافيوس بأنطونيو وكليوباترا، وقتل شعلة الحبِّ المقدَّس فيهما، وماذا يختلف عن هولاكو أو جنكيز خان أو نيرون، لا بدَّ من أنَّها المصالح والمطامع، وعلى الإنسان ومن واجباته أن يتناسى ميكافيللي وجنونه، إنَّ البشريَّة يجب أن تكون متضامنة متوادَّة، فالمسيحيون ينادون بالتَّسامح في الوقت الَّذين يكونون فيه أكثر شدة وجبروتاً من المغول، ويقولون إنَّ الله خلق الإنسان على مثل صورته في الوقت الَّذي يحطِّمون فيه هذه الصُّورة، بجبروت وقسوة.
    أمَّا كلوديا فبعد توقيعي على الصُّكوك والوثائق، واستلامها الوكالة بالملكيَّة الجديدة، فقد وضعت الصكوك والوكالة في حقيبتها، وبدت شاردة تبحث في الفراغ عن أمر ما، وتتمتم بألفاظ مبهمة غامضة، ويبدو أنَّها كانت تبحث عن مخرج أو نهاية أو حلٍّ ما لعلاقتنا القديمة، وكنت أعرف أنَّها في النِّهاية لن تقدم على الزَّواج بسبب الغنى الوافد، وربَّما كانت بصدد إعادة تقييم الوضع، على أسس جديدة وغير منتظرة.
    الصور المرفقة  

  6. #16
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    16

    كوزيمو وماريا

    وفي شمال نهر أرنو وقريبٌ من ضفَّته أقلَّتنا العربة إلى برج بيزا المائل الشَّهير، الَّذي يتألَّف من نواة تحيط بها العمدان المرمريَّة، ويشرف على أرجاء المدينة من خلال سبعة طوابق يعلوها البرج، وكان قد ابتدأ بناؤه في القرن الحادي عشر واستمرَّ حتَّى القرن الرابع عشر، وعظمته في صموده رغم ميلانه، وبعد جولة في أنحاء المدينة وتناول وجبة طعام في أحد المطاعم الشَّهيرة عدنا إلى السَّفينة، فوجدنا سفينة صغيرة بانتظارنا، فأمر ألفونسو بالإقلاع إلى فلورنسا.
    وما هي إلاَّ ساعات حتَّى أشرفنا على المدينة الجميلة، وابتدأت العمارة المنظَّمة والمنسَّقة على جانبي نهر آرنو تتوالى مع تقدُّم السَّفينة، وأغلبها عمارة باروكيَّة حديثة مبنيَّة على قاعدة من العمارة القوطيَّة الشَّهيرة، وعلى الشَّاطئ وجدنا عربة أخرى في انتظارنا، وعلى مقربة من العربة الَّتي كانت تنتظرنا تقف كوكبة من فرسان فلورنسا تنتظر مواكبتنا إلى قصر كبير مسوَّر بسورٌ عال يجمع إليه حديقة واسعة، وكان الخدم ينتظرون على باب القصر، وما أن ترجَّلنا من العربة حتَّى أقبلوا يبدون ترحيبهم وطاعتهم.
    نزل ألفونسو من العربة وتبعناه:
    - كيف حالك يا ألبرتو.
    قال ألفونسو موجِّهاً الخطاب إلى كبير الخدم الَّذي هبَّ يحاول تقبيل يده .
    - هل المنزل جاهزٌ يا ألبرتو؟.
    نعم وقد أجريت بعض التَّغييرات لعلَّها تعجبك يا سيِّدي، والقوم بانتظار وصولك.
    - أرسل في طلبهم يا ألبرتو.
    أومأ ألبرتو لواحد من الخدم فهرول مسرعاً ومبتعداً عن القصر ثمَّ تبعته العربة، وذلك بعد أن أفرغها الخدم من الحقائب .
    انظر ما أجمل هذا القصر يا جون، وكأنَّه قصر الملك شارلمان. قالت كلوديا غير مستغربة.
    دخلنا إلى البهو الكبير من الباب الرَّئيس، وإنَّهُ لصالة واسعة تتسع إلى مئات المدعوِّين، كان البهو مرفوعاً على صفَّين من العمدان التُّوسكانيِّة العالية وكانت المسافات متناسبة بين العمدان وبين الجدران الَّتي حجزت الصَّالة، بزخارفها البديعة من التَّماثيل والمنحوتات المرمريَّة الرائعة، أمَّا الأعمدة فقد كسيت تيجانها كذلك، في حين استقرت قواعدها فوق قواعد مرمريَّة مزخرفة، فوق أرضِّيَّة من الرُّخام الزَّاهي المتألِّق، وحين صعدنا السُّلم المرمريَّ الموشَّى بتماثيل الحوريات العارية المتشابهة، والَّتي أقعت على ذيلها السَّمكيِّ المصدَّف في حين حملت على يديها ورأسها متكأً من الخشب المصنوع من الأبنوس المهذَّب بإتقان، وكان كلُّ ما في القصر يوحي بالثَّراء الفاحش، والفنِّ الرَّفيع العالي.
    صعدنا السَّلالم، وقد نظرت إليَّ كلوديا مبتسمة:
    - هل فاجأك هذا الثَّراء، فهذا ألفونسو يا جون، إنَّه ملك غير متوَّج.
    - نعم إنَّ هذا القصر آيةٌ في الإبداع من حيث تصميمه وتنفيذه، ولا أفاجأ إذا قيل لي أنَّه من تصاميم دافنتشي أو مايكل أنجلو.
    التفت إليَّ ألفونسو:
    - نعم لقد صمَّمه لجدي دافنتشي وأشرف على تنفيذه.
    - ومتى كان ذلك ؟.
    - منذ أقلّ من قرنٍ مضى. لقد كان دافنتشي وأبي من منظَّمة السُّيونيِّين يا جون، وإنَّني قد أكتشف سرَّاً مرمَّزاً في داخل هذا القصر.
    - ربَّما إذا بحثت مليَّاً، واستخدمت عقل جون المتفتِّح. قالت كلوديا مداعبة.
    كان الطَّابق العلويُّ مؤَلَّفاً من عدَّةِ أجنحة، في كلِّ جناحٍ غرفتا نومٍ وحمَّامان، وقد أمر ألفونسو الخادم أن ينزلنا في الجناح الملاصق لجناحه الملكيِّ، وقد لاحظت شيئاً لم أعتده من كلوديا، لقد بدت ساهمة منشغلة البال، وتوجَّهت لغرفتها، ثم استلقت على السَّرير وأجهشت بالبكاء.
    - ما وراءك يا كلوديا ؟.
    - أفكِّرُ في أنَّ أوقات السَّعادة لا تدوم.
    - لماذا هذا التَّشاؤم يا كلوديا؟.
    - يخطر لي أحياناً أنَّك ستهجرني في يوم من الأيَّام.
    - لن يحصل ذلك يا كلوديا من جون، وطالما بقيت حيَّاً فإنَّني سأبقى وفيَّاً للَّتي قدَّمت لي يد العون، وأنقذتني من شبح العبوديَّة والذُّلِّ، هذا إلى جانب حبِّي الأكيد والَّذي لم أدَّخرْ وسعاً في تأكيده.
    - إذا فكَّرت في تركي يوماً يا جون فإنَّني سأموت. وهل هناك طائرٌ يستطيع أن يعيش وحيداً إذا هجره حبيبه ـ
    - مهلاً يا كلوديا لعلَّك تعرفين الجواب، إنَّ حبِّي لك لا تشوبه شائبة، ولم أنظر إلى غيرك منذ تعرَّفت عليك، وكنَّا حينها طفلين.
    عادت كلوديا إلى البكاء بعصبيَّة وصوت مسموع، وسمعت ألفونسو يناديني من الخارج معلماً عن وصول ضيوفٍ يجب أن نجلس معهم، فرجوت كلوديا أن تجد حلاًّ لهذه الدَّموع وأن تلحق بي إلى الصَّالة، ثمَّ هبطت السُّلَّم فوجدت أربعة أشخاص ينتظرون، ورأيت أمامهم كثيراً من الوثائق، وكانت ملامحهم تدلُّ على أنَّهم من الموظَّفين، ومرّة أخرى علمت بأنَّ الأربعة هم كاتب العدل والشّاهدان والمحامي، وكانو جميعاً يشربون النَّبيذ ويتسامرون، وقد هبُّوا واقفين للسَّلام، وبعد حين هبطت كلوديا وقد أصلحت بعض حالها وشعرها، وحاولت أن تخفي بقايا دموعها .
    - ماذا هناك يا سيِّدي الأمير؟.
    - إنَّه نفس ما حدث في بيزا، ستؤول إليك جميع أملاكي في فلورنسا، وهي كبيرة للغاية، ومن ضمنها هذا القصر.
    - هذا كثيرٌ يا سيِّدي، ولا أعرف ماذا أقول.
    - لا تقل شيئاً فقط تعال ووقعْ.
    - سأوقِّعها واعتبرني وكيلاً لك عليها، وسأوِّقع وكالة لكلوديا لأنَّها تعتبرك أباً لها.
    - إنَّني أوصيك خيراً بالخدم ومزارعي الأراضي وعمال التِّجارة وسماسرة البيع، وكانوا جميعاً يعتمدون عليَّ في لقمة عيشهم، إنَّ الرَّيع كافٍ للجميع .
    - لا توص حريصاً يا سيِّدي، سأكون عند حسن ظنك ولن أخذلك.
    بعد انتهاء التَّوقيع، وتوكيل كلوديا، انصرف الضُّيوف، وأخذت كلوديا الوثائق والوكالة وأضافتهما لغيرهما في حقيبتها.
    أقبل الخادم يعلن عن أنَّ الطَّعام جاهز في غرفة الطَّعام، فتبعنا ألفونسو إلى الغرفة، وكانت صالة واسعةً تضمُّ وليمة كبرى، وكانت طاولات الطَّعام فيها تتسع لمئات المدعوِّين، وكان صفٌّ من النَّادلات قد وقفن عند مدخل الغرفة، وحيَّين ألفونسو بجرس لطيف وصوت واحد، وكأنَّهنَّ قد تدربن على استقباله.
    - عم مساءً يا سموَّ الأمير، حماك يسوع ورعاك.
    وبعد أن جلسنا قدَّمن لنا وجبة فاخرة من الطَّعام الطَّيب، لقد كان ألفونسو يحسن اختيار كلِّ شيء، بما في ذلك الطَّعام الشَّهي والثِّياب الفاخرة، والموسيقى المميَّزة، والفرش الأنيق، والعطور الفاغمة الآسرة.
    ولأسباب لا أعرفها خطر لي أن أسأل ألفونسو عن ألفريد فقال:
    - بقي في باليرمو وإن كنت قد دعوته، واعتذر بمشاغل، وأنا أعلم سبب اعتذاره، فقد أخبرته بأنَّني سأذهب إلى ميلانو، وفيها قبر الحبيب، ولا يتحمَّل ذلك الرَّجل الَّذي يتظاهر بالقسوة أن يقف على قبر محبوبته ولو لدقائق فقط، وقد سبق أن صحبته ذات مرَّة إليها، وظننت أنَّ رؤيته للقبر يمكن أن تساعده في تجاوز هذه الذِّكريات المريرة، وعندما وصلنا أغمي عليه، ثمَّ بعد أن أنعشته دخل في حالة ذهول وهذيان لازمته أيَّاماً عديدة.
    - ولا روميو وجولييت، قالت كلوديا.
    فضحك ألفونسو وقال:
    - ولا جون وكلوديا .
    تلونَّ وجه كلوديا بالخجل اللَّطيف، وقالت:
    - ماذا سنشاهد في فلورنسا يا سيدي ألفونسو.
    - سأذهب أوَّلاً مع جون لرؤية صديق، ثمَّ نعود لنكون تحت تصرُّفك.
    وبعد قيلولة قصيرة وحمَّام منعش، سمعت صوت ألفونسو يناديني .
    - جهِّز نفسك يا جون، لقد حان الموعد أو يكاد .
    صعدنا العربة يحيط بها مجموعة من الحرس، وسلكنا الطَّريق المرصوفة بالحجر البازلتيِّ المسوَّى، وبالحقيقة فإنَّ فلورنسا مدينة نظيفة، ولم تكن الطًّرقات تكتظُّ بالمارَّة، فقد كانوا فرادى يتجوَّلون بعفويَّة وأمان، ولكنَّ الأبنية الجميلة المنسَّقة الغنيَّة الَّتي بنيت على الطِّراز القوطيِّ مع بدايات العصر الباروكيِّ المنفلت من قيود الرَّتابة كانت تجعلك تحس بثراء أصحابها، وكانت فلورنسا من أشهر مدن العالم، وعائلة مديتشي الغنيَّة الَّتي تحكم المدينة على جانب كبير من الثَّقافة والاهتمام بالعمارة والفنون والعلوم، وهنا نشأ مايكل أنجلو النَّحات والرَّسام الفلورنسي المشهور، وجوليو وميكافلي الفيلسوف المصلحي التّبريري المشهور، ولا بدَّ من الثَّناء على عائلة مديتشي حينما يتفقَّد الزَّائر هذه المدينة العظيمة، وتقدير جميع الفنَّانين الَّذين شاركوا في إشادة وتجميل هذه الصُّروح والكنائس والمتاحف والميادين العامَّة.
    وصلنا بعد قليل إلى قصر مديتشي الشَّهير في شارع كافورفبا، وهو عبارة عن صرح فسيح عامر يحيط به سور عال محصَّن، ومن الخارج يمكنك أن تسمع حمحمة الخيل، وقعقعة العربات، وجلبة الفرسان، وما أن وصلنا حتَّى فتح الباب وأذن للعربة بالدُّخول، وعلى بوابة القصر وجدنا ثلاثة رجال واقفين بانتظارنا، وبينهم رجلٌ شابٌّ وسيم، يبدو أنه سيد القوم، وما أن رآنا حتَّى أقبل نحونا وعانق ألفونسو بحرارة، ثمَّ صافحني قائلاً:
    - لعلَّه وريثك يا سيِّدي الأمير، هل اسمه جون أليس كذلك.
    - نعم يا سيِّدي الدُّوق إنَّه جون سيباستيان روزالو .
    - هل هو من عائلة روزالو في قشتالة؟.
    - إنَّه ولدي يا سيِّدي بكلِّ معنى الكلمة.
    - وإنَّه ليشرِّفني أن أتعرَّف عليه. إنَّ منظره بهيٌّ جدَّاً، ولكن لماذا لا ندخل إلى صالة الاستقبال.
    - شكراً يا سيِّدي.
    توجهنا معه إلى الصَّالة، والحقيقة أنَّ بناء هذا القصر يثير الإعجاب، فاللمسات الباروكيَّة الموحية بالسُّموِّ، والعلوُّ الشَّاهق للسُّقوف بحيث تحسُّ بالرَّحابة المزدوجة، كما أنَّ نظام الأقواس ألغى الكثير من العمدان الَّتي كانت تزدحم بها الصَّالات اليونانيَّة والرُّومانيَّة، لقد جاء عرب الشَّرق بالأقواس والفتَّحات الواسعة، لكنَّ أبنيتهم في إسبانية وصقلية كانت أكثر فناً من حيث الفخامة والرَّشاقة وتقسيم الأجنحة بشكلٍ مدروس.
    - لماذا لم تصطحب كلوديا معك يا جون؟.
    - بل إنَّها هنا وبقيت بالقصر يا سيِّدي .
    نظرت أتَّفَقَّد الجدران فوجدت إحدى لوحاتي معلَّقة عليه، وحينما نظرت إليها، قال كوسيمو وهو اسم الدُّوق:
    - نعم يا جون، وإنَّ لديَّ مفاجأةً أخرى لك، قم وافتح باب هذه الغرفة وانظر جدرانها.
    قمت إلى الغرفة الَّتي أشار إليها ودخلت، لكنَّ المنظر فاجأني، فقد وجدت لوحات الحوريَّات والبحر معلَّقة على جدران الغرفة، ولا شيء غيرها عليها، وقد عرضت بشكلٍ زاد من جمالها وتألقِّها.
    عدت مسرعاً:
    _ إنَّه لشرفٌ كبيرٌ لي يا سيِّدي، ولو عرفت ذلك لكانت هديَّة متواضعة منِّي .
    - وهي كذلك يا جون، لقد اشتريتها بمليون ليرة فلورنسيَّة وهذا سعرٌ زهيد.
    - إنني أشعر بالعار وبالخجل يا سيِّدي الدُّوق.
    - وأنا أحسُّ بالفخر والاعتزاز وسوف أدفع السِّعر الحقيقيَّ لها، فنحن عائلة مديتشي يجب أن نقدِّر العبقريَّة ونشجِّعها، هكذا كان أجدادي مع دافنتشي وأنجلو وبوتيشيللي قبلهما وغيره. إنَّنا نحسُّ باقترابنا من عصر يتغيَّر فيه العالم ويتطوَّر بالعلم والتَّشجيع، فلا حدود لإمكانيَّة الإنسان ذلك الإله الصَّغير.
    علَّق ألفونسو
    - هذا كلامٌ من الشِّعر يا كوزيمو كما أظنُّ.
    - لأنَّه مليءٌ بالإيمان وصادرٌ عن القلب، أليس الشِّعر كذلك.
    - وهذا شعرٌ آخر يا سيِّدي، إنَّنا جميعنا نقدِّرٌ عالياً الجهود الَّتي بذلتها ومازالت عائلتكم المجيدة في تقدير العلوم والفنون وتشجيعها، وهذا حديث على كلِّ للسان.
    - أشكرك يا سيِّدي الأمير وأقدِّر لسموِّكم وجلالة الملك الاهتمام بشؤون فلورنسا ورعاية مصالحها لديكم، وإنَّني جدَّ ممتنٍّ لذلك، ألا تعلم يا سيِّدي أنَّنا ابتدأنا بإنشاء مؤسَّسات ماليَّة نسميِّها البنوك، الغاية منها تمكين المواطنين من إيداع أموالهم في مكان أمين بعيد عن السَّرقة والضَّياع، ومقابل مبلغ زهيد .
    - وماذا عن الاقتراض من هذه المؤسَّسة مقابل ربح مقبول؟.
    علَّقت على الحديث، فنظرَ إليَّ الدُّوق بدهشة.
    - نعم إنَّه كذلك أو سيكون، وسأخبر الماليِّين بهذا الاقتراح على أن يوافق عليه البابا.
    - وهل يتدخَّل البابا بمثل هذه الأمور .
    قال ألفونسو الَّذي بدا مندهشاً .
    - إنَّ البابا يا سموِّ الأمير قد ينظر إلى الموضوع من خلال الحلال والحرام فقط.
    - أنت تعرف أنَّ البابا بول عاقلٌ ونزيهٌ، ولكنَّه لا يدرك التَّطوُّرات الحاصلة في المجتمع الأوروبيِّ، إنَّ سلطة الكنيسة قد ابتدأت تتهاوى تحت مطارق العلم والتَّقنيَّة والتِّجارة، ولم يعد باستطاعة الكنيسة التَّرويج لصالح طبقة النُّبلاء، أو إرسالهم لحروب صليبيَّة جديدة، إنَّ العالم الآن يتخاطب بغير اللهجة القديمة، ويتعاطى بغير المنطق الدِّينيِّ، لقد رأيت في نابولي تجَّاراً عرباً وهنوداَ وأفارقة، والتقيت علماء وفلاسفة منهم، إنَّهم أكثر اطِّلاعاً وأوسع خبرة، إنَّ النَّظرة إلى العالم على أنَّنا وحدنا المؤمنون والباقي كفرة مباحون هو محض جنون، أتوافقني الرأي يا سيِّدي ؟.
    - أوافقك وأخالفك.
    - كيف ؟.
    - العالم يتطوَّر نعم وبسرعة غير متوقَّعة، أن نحارب العالم الآخر وننتصر لمصالحنا لا عقيدتنا هذا واجب النِّظام الأوروبيِّ، الَّذي دفع الكثير من دمائه وثروته لتلبية طلبات الكنيسة.
    - هذا في الإجمال، ولكن هذه الميكافلليَّة الرَّديئة يجب أن يسيطر عليها احترام الإنسان، والرَّفاهية يجب أن لا تمرَّ في نهر من دماء البشر، ألا تعتقد أنَّ القتل ونهب الثَّروات يتعارض مع المسيحيَّة؟.
    - أعتقد أن المسيحيِّين في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة قد دفعوا من دمائهم ما يكفِّر لهم هذه السَّيِّئة .
    - أنا لا أعتقد أن الأضاحي تعتبر فداءً إذا كان ثمنها سيدفع مستقبلاً.
    - دعنا من هذه الفلسفات يا ألفونسو، ألا تعرف أنَّ البابا قد استدعى غاليليو غاليلي وطلب منه عدم الانجراف وراء كوبرنيكوس، ومخالفة الرؤية المضادَّة للفكر المسيحي.
    - وما علاقة كرويَّة الأرض ودورانها حول الشَّمس بالفكر المسيحيِّ.
    - هذا سؤالٌ يُسألُ عنه البابا .
    دخلت في هذه الأثناء صبيَّةٌ طويلة شقراء، ثمَّ اتَّجهت إلى ألفونسو وعانقته بحرارة، وبقيا متعانقين مدَّة من الوقت، ونظرت إليَّ فحيَّت بأدب جمٍّ، وقالت:
    - لعلَّ هذا الشَّاب الجميل وريثك يا ألفونسو؟.
    - إنَّه كذلك، وإنني أحبُّه كأنَّه ولدي .
    - لا شكَّ ولكنَّك لم تسألني عن ماري.
    - إنَّ أختك لا يهمُّها تفقُّدي لها.
    - كم هي مخطئة في هذا، وإنَّني أرثي لها وأتعاطف معك.
    - أشكرك يا سعادة الدُّوقة، وأشكر للأمير الدوق كوسيمو أيضاً، وهو صديقٌ عزيز يا ماريَّا كما تعلمين، وقد اشتقتكما فعلاً، وأنا سعيدٌ للالتقاء بكما هنا.
    - نحن أشدُّ سعادة، وإنِّني أرجوك أن تقبل دعوتي للعشاء الليلة، فإنَّني أريد أن أسامرك في موضوع مهمٍّ، وأتمنَّى أن تلبِّي دعوتي وأن تصطحب معك جون إذا أراد ذلك.
    علمت أنَّه استثناء وليس دعوة، ولم أكن لأتطفَّل على هذا الجوِّ الحميم، وكنت أريد أن أقضي الأمسية مع كلوديا على ضفاف نهر أرنو، وأن نتفرَّج سويَّا على مدينة فلورنسا الأسطوريَّة في اللَّيل.
    - سألبِّي دعوتك يا عزيزتي ماريّا الغالية، ولا أريد أن آخذ الآن منكما أكثر من هذا الوقت، وأتمنَّى أن أتعرَّف على أطفالك حينها .
    - سيكونون بانتظارك يا ألفونسو العزيز.
    الصور المرفقة  

  7. #17
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    17

    قمر فلورنسا


    غادرنا القصر بعد أن ودَّعنا الأمير كوزيمو والأميرة ماريا إلى مدخل السُّور، ووصلنا في السَّاعة الخامسة إلى قصر ألفونسو، وصعدنا السَّلالم إلى جناحنا، وهناك في غرفة كلوديا وجدتها نائمة، فأمعَّنت النَّظر إلى هذا الملاك الغافي، لقد كان جمال كلوديا رائعاً، وكان وجهها النَّاعم النَّضير تعلوه كعادته مسحة من السَّلام المطمئن، وكأنَّها انتبهت إلى من يراقبها، ولكنَّها حين رأتني عادت إلى إغفاءتها السَّعيدة. وضعت كرسيَّاً إلى جانب سريرها وجلست، ثمَّ تداعت إلى فكري ذكرياتي المريرة، من طفولتي المحبَّبة إلى اختطافنا أنا وأختي، ثمَّ هذه السَّنوات الشَّوهاء من الحبِّ والحرب، والخوف والمتعة، والصَّمود والتَّحدِّي، وقد تتالت هذه الأيام أمامي كصفحات الكتاب، وأحسست بالانقباض والحزن، وسمعت كلوديا تقول: - هوِّن عليك يا حبيبي فإنَّ الأمور تتغيَّر دائماً، ولعلَّها تتحسَّن. - عن أيِّ منها تتكلَّمين يا كلوديا، ليس في الكون ما يشغلني عنك، ولكنَّني أحنُّ في بعض الأحيان إلى حضن أمٍّ دافئٍ، أو إلى نظرة أبٍ شفوق، أحسُّ أنَّني أفتقد الشَّجرة أو الجدار الَّذي يحمي ظهري أثناء القتال، لا يمكنك يا كلوديا أن تتصوَّري مدى حاجتي إلى الأسرة، ولا مدي شقائي في افتقاد الأصل. - هوِّن عليك يا جون فأنا أبوك وأمك وأسرتك، وأنت كهفي الَّذي آوي إليه، وأماني الَّذي أفتقده . - إنه كذلك يا كلوديا، ولكنَّني سأكون سعيداً بأن تنضمي إلى أسرتي حين يحين الوقت، فأنت أهمُّ ما تبقَّى لي، أتظنِّين أنَّهم سيتركونني أتنعَّم بثروة ألفونسو . - لم يغب عن بالي ذلك، ولكن تغييبك الآن لن يفيدهم في شيء، فقد آلت الملكيَّة إليك، وحتَّى لو أزاحوك فلن يفيدهم ذلك. - ليس الطَّمع وحده هو الدَّافع يا كلوديا، إنَّ الَّذي لا يحقِّق مطامحه يلجأ في كثير من الحالات إلى الانتقام، والانتقام أعمى كما تعرفين. - ليس لدينا إلاَّ الصُّمود يا جون، ومتى يئسوا مضوا في حال سبيلهم. أخبرت كلوديا بتفاصيل مقابلتنا لكوزيمو وزوجته، وقد استغربت كلوديا حينما أخبرتها أن ماريا أخت ماري، وأنَّ ألفونسو وعديله كوزيمو صديقان حميمان . - هذه معلومة مهمَّة يا جون ولم يحدِّثني عنها ألفونسو أبداً. - وهل تعرفين أنَّ كوزيمو ميديتشي قد اشترى اللوحات جميعها من ألونزو وبمليون ليرة فلورنسيَّة . - وماذا أيضاً؟. - وقد وضعها كوزيمو في صالة واحدة فبدت في غاية الرَّوعة. - إنَّه خبر الموسم وهو أطيب خبر سمعته، لقد كنت دائماً أؤمن بك يا جون، وسأبقى. - وقال كوزيمو عنها أنَّها من أروع التُّحف الفنيَّة، وأنَّها نالت إعجاب الفنَّانين الكبار في فلورنسا. ولذلك فإنَّه سيدفع قيمتها الحقيقيَّة الَّتي لم يسمِّها. - هذا الكلام أغلى من أيِّ ثمن يدفعه يا جون، وأرى أن تنتهز هذه الفرصة ونأتي إلى فلورنسا لاحقاً حيث تتفرَّغ إلى هوايتك، وإنَّني سأحدِّث ألفونسو وأرى رأيه أيضاً. كان لا بدَّ من جولة عناق على عادة كلوديا في إظهار مشاعرها، وكان لا بدَّ أيضاً من خروج مبكِّر من القصر، لنتفرَّج على معالم المدينة قبل الغروب، فأسرعت كلوديا في تجهيز نفسها وأعد لنا ألبرتو عربة التَّنقل، وفي الطريق إلى الجناح الخاصِّ بألفونسو وجدته يضحك بملء فيه ثمَّ قال: - لعلَّه وقت الزَّواج يا جون، ولن تحبك امرأة كم تحبك كلوديا. - لكل شيء وقته يا سيِّدي الأمير، ولا أحسبني أمتلك الشَّجاعة على إيقاف شبابها حاليّاً . - فكِّر في الموضوع بجدِّيَّة فإنَّ كلوديا تستحقُّك، وإنني أريد أن أرى أحفادي يا جون. - بارك الله فيك وأطال بعمرك يا سيِّدي وعسى أن تشاهد أحفادي أيضاً. ضحك ألفونسو بسخرية، وقال: - لقد ماتت جين ومات معها ألفونسو منذ زمن، ولا أحسبني سأطيل البقاء، فهناك هاتفٌ يهتف بي أن أستعدَّ للرَّحيل. - كن متفائلاً يا سيِّدي ومثلك لا يليق به هذا العبث. - معك حقٌ. وعاد أدراجه إلى جناحه وهو يتمتم: - اذهب وتمتَّع بنزهة ستظلُّ تذكرها، إنَّني أذكر أوَّل رحلة إلى فلورنسا وفيها التقيت ماري. هبطت مع كلوديا إلى الصَّالة ومنها خرجنا إلى الطَّريق أمام القصر، وامتطينا العربة في جولة على نهر أرنو، كانت العربة مكشوفة والزَّمان أوَّل الخريف، والوقت بعد العصر، وكان النَّهر هادئاً تماماً حتَّى لتظنُّه راكداً، وكانت كلوديا في أحسن حالاتها، مستبشرة مضيئة كأنَّ وجهها البدر في تمامه، وكانت تظلُّ مبتسمة دائماً، ولم أجدها غاضبة منِّي في أيِّ وقت، وإذا غضبت فكانت تغضب من أجلي، وإذا فرحت فإنَّها تفرح لي، وحينما يجمعنا الفراش كانت تحاول إسعادي وتنسى نفسها، ولم يكن لدينا نحن الاثنين أي ثقافة في هذا المجال، لقد كنا نتمتَّع بعفوية تغطِّي على ما ينقصنا من تجربة، وكانت تتوسَّد زندي وتقول: - متى سننجب أولاداً يا جون ؟ . فأقول لها: - قريباً يا كلوديا بعد أن أصبح جاهزاً . - وكيف ومتى ستكون؟. - قلت قريباً وقريباً جدَّاً. - سأنتظرك إلى آخر العمر. تمشينا على ضفاف النَّهر الهادئ وبعض الجنادل تتهادى على سطحه، وعليها بحارة قد شمَّروا عن زنودهم وسيقانهم، واعتمروا قبَّعاتهم البيضاء، يمرحون ويغنُّون، وكانت شجيرات الصَّفصاف الصفراء الأوراق تدلِّي أغصانها فوق النَّهر فتبدو كماردة تمشِّط شعرها بعد حمَّام دافئٍ. - هل استحمَّيت يوماً يا جون بأشعَّة القمر. قالت ذلك بشاعريَّة الهوى، وهي تنظر إليَّ نظرة حالمة، وكنت أتابع أشعة القمر المتساقطة كحبال المطر فوق خدِّها الورديِّ المتألِّق، وكان الحوذيُّ يبتسم أمامنا محاولاً أن لا يلتفت إلينا. - انظري أليس هذا مطعمٌ صيفيٌّ يا كلوديا؟. - إنَّه كذلك، هل تودُّ أن نجرِّب طعام فلورنسا؟. - أجل فإنَّني أحسُّ بالجوع والحاجة للطَّعام . نزلنا إلى المطعم الواقع على ضفَّة النَّهر وقد كان مكتظَّاً بالزَّبائن، وبعد أن رحَّب بنا الخادم بحث لنا عن مكان منفرد تحيط به حواجز من القصب المحبوك . قالت كلوديا: - بماذا يشتهر مطعمكم يا أخي، ما اسمك. - أنا روبرتو يا آنستي. ونحن نقدِّمُ هنا الأسماك المتنوِّعة البحريَّة والنَّهريَّة، وبعد ذلك ما اشتهر من أصناف التَّوابع. - هل لديك شيءٌ من السَّراخس البحريَّة. - نعم يا سيِّدتي والكثير من أعشاب البحر، واتركي لي ذلك ستكونين مرتاحة. - نريد سمكاً رمليَّاً مشويَّاً، وسنرى. - أمرك يا سيِّدتي. ومضى النَّادل ليسألنا إذا كنا نحبُّ أن يضيف إليه شيئاً من التَّوابل والمنكِّهات، فأجابته بالنَّفي، قائلة : - لا فلا نريد أن تذهب بطعمه التَّوابل، ولكن ضع على المنضدة شيئاً من الفلفل الحار وعصير الطَّماطم المنكَّه. - أمرك يا سيِّدتي. وما لبث أن جاء مدير المطعم إليِّ، وهو يقول: - أهلاً بك يا سيِّدي في مطعمك، إنَّه من بعض أملاكك، لقد أخبرني ألبرتو بانتقال الملكيَّة إليك من سيِّدي الأمير. إنَّ ألبرتو أخي يا سيِّدي وجميع عائلتنا تعيش من خيرك، اسمي برناردو. - إن الأمير ألفونسو سيِّدنا جميعاً، والخير خيره هو، وهذه وكيلتي السَّيِّدة كلوديا وقد طلبنا من النَّادل ما نريد، فشكراً لك. قالت كلوديا ونحن نخرج من المطعم: - كانت وجبة شهيَّة من السَّمك البحريِّ الطَّازج المشويِّ، ومعه سلطاتٌ منوَّعة من الأعشاب البحريَّة والخضار أنت لا تأكل السمك؟. - لا ولكن الأعشاب البحرية كانت سلطة ممتازة. وقد أحسَّت كلوديا بفيض من الحنان فنظرت إليَّ بجدٍّ وإمعان: _ متى سنتزوَّج يا جون ؟. - ـقريباً عندما أكون جاهزاً يا كلوديا، وبعد أن نعود إلى باليرمو. كان هذا الحوار تمام إقامتنا في فلورنسا، وعندما عاد ألفونسو من الدَّعوة عند كوسيمو جلس في الصَّالة وجلسنا معه، كان يبدو سعيداً، ويضحك ملء فيه ويقول: - ما أجمل أولاد ماريَّا وكوزيمو وأشدَّ تهذيبهم، وتبّاً لك يا ماري، إنَّها تحتضر، ولعلَّ غيابها سيطفئ بعض النَّار المتَّقدة بين جنبيَّ، إنَّني أشعر ببعض الأسى والكثير من الرَّاحة، وأعتبر أنَّ موتها جزءٌ مهمٌّ من الحلِّ. - حلُّ ماذا؟. سألت كلوديا. - سيحرِّرني من ذكراها الكئيبة، وإن نزل إلى القبر معها جزءٌ من جين وبالتَّالي منِّي، ولماذا يأتي القدر دائماً بالحلول؟. لقد كان ألفونسو يكذب فإنَّ كلَّ جزء منه ينطق بآلامه، إنَّ ألفونسو شاعرٌ حسَّاس، ويزدحم في مشاعره فيضٌ من الأسى. وقد وافقتني كلوديا بإيماءة موحية بعد أن قرأت الكلام في عينيَّ، لكنَّها كانت تتألَّم هي الأخرى، وكان الخوف يزداد في كلِّ ساعة في أعماقها، وحينما أفقنا في اليوم الثَّاني كانت شاحبة مرهقة، وحينما نزلنا إلى الصَّالة قال ألفونسو: - ما لك يا كلوديا؟، إنَّك تبدين وكأنَّك قد سقطت من أعالي السَّماء، هل من جديد بينك وبين جون؟، هيا بنا تتفرَّجان على معالم فلورنسا فغداً سنذهب إلى ميلانو في رحلة متعبة
    الصور المرفقة  
    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 12-11-2016 الساعة 02:32 AM

  8. #18
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الجزء الثاني

    1

    صرنا على مشارف إنطاكية، وبدت مدينة الحضارة والأساطير ببيوتها وعمدانها وجبلها الأقرع العالي، وكانت المدينة حاضرة الشَّام منذ العهود القديمة، لقد كانت مرتعاً للحضارات المتنوِّعة، الفينيقيين اليونان والرُّومان والعرب، وكانت روما تعتبرها مع الإسكندريَّة نظائر لروما، فأقاموا فيها المنشآت المنوَّعة، وجرُّوا إليها الماء، وكانوا يوصلون المياه السَّاخنة إلى داخل المنازل، بحيث تستطيع السَّيِّدة أن تستحمَّ ثلاث مرَّات في اليومين، في حين كانت المرأة تستحمُّ مرَّة في اليوم في الإسكندريَّة، ومرَّتين في اليوم في روما، وقد شهدت هذه المدينة سيطرة الصَّليبيِّين عليها، وربَّما كانت آخر المدن الشَّاميَّة تحرُّراً منهم، وللمسيحيَّة في إنطاكية طريق رئيس فقد بشَّر فيها تلامذة المسيح بطرس ويوحنَّا وبولص أيضاً، وقامت بها أقدم الكنائس المسيحيَّة منذ البدايات، وحينما افتتحها العرب حافظوا على آثارها اليونانيَّة والرُّمانيَّة، وأحسنوا إلى مسيحييها، ولم يضغطوا عليهم ولو لمرَّة واحدة في التَّاريخ، وكان نهر العاصي يقع شمال المدينة ويحيط بالسُّور الشِّمالي لها، وبقي في العهود القديمة صالحاً للشُّرب، ترفده ينابيع غزيرة في ضفافه تنساب إليه من الجبال المحيطة بإنطاكية من جهتين.
    وكانت الرِّفقة حميمة بين المسافرين، لقد بدت أليزا متشوِّقة لمواصلة سفرها الَّتي لم تعرف له سبباً، وقد أجادت تعلُّمَ اللغة العربيَّة في البندقيَّة، ممَّا سهَّل عليها التَّخاطب معنا، وكانت ذكيَّة ومهتمَّة، كما روت أنَّها حصلت على عدَّة جوائز تفوُّقٍ أثناء دراستها، وبعد حين قال لها بربر:
    - أي بنيَّتي لقد انقطع حبلنا جميعاً مع اليهوديِّ، وبقيت أنت أمانة في أعناقنا، وسنعتبرك أنا ودنيا ابنتنا، وعندما تكتشفين أمرك سيكون لك الخيارات كلُّها، ولن نقف في وجهك أو نمنعك من تأدية واجباتك.
    - شكراً لك يا عمَّاه، لقد نعمت بصحبتكم بالطَّمأنينة والرَّاحة الَّتي افتقدتها في صغري، وربَّما لن أكون عالة عليكم، فإنَّني أجيد الكثير من المهن واللغات، إنَّ هؤلاء المغضوبون يحصِّنون أنفسهم بأشياء متعدِّدة خوفاً من التَّشرُّد والضَّياع.
    بدا أنَّ هذا الحوار يناسب مراداً، ولمعت عيناه بالسَّعادة والرِّضا، لكنَّ بربر بدا في عينيه سؤال مزعج، لعلَّه يتعلَّق بهويَّة الفتاة.
    وكان تذكُّري لكلوديا قد أثار في نفسي الشَّجا، لقد اكتشفت أنَّ كلوديا كانت تنزل من قلبي منزلاً لا يشغله عنها شيءٌ آخر، وآليت أن أكفَّ عن محاولات التَّقرُّب من فاطمة، فأحسست بالرَّاحة لهذا القرار، وتمثَّلت صورتها أمامي، والتصاقها بي كلّ تلك السِّنين، لقد أعطتني جميع ما لديها بما في ذلك قلبها الشُّجاع الوفيَّ، لقد كنَّا طفلين وكبرنا معاً، وتوطَّدت العلاقة بينا إلى درجة تحدَّثت عنها، وأصبح واجباً ملزماً لي أن أفي لها بكلِّ ما عاهدتها عليه.
    كانت إنطاكية تبعد عن البحر كيلومترات قليلة، وقد اختيرت لهذا السَّبب كمدينة يمكن الدِّفاع عنها، ولا يمكن مفاجأتها من البحر، وتقع على طريق محصَّنٍ بالجبال جنوباً وشرقاً، فلا تهاجم إلاَّ من الشِّمال، لقد وقفت إنطاكية عبر التَّاريخ شاهداً على تمازج الحضارات وحسن تفاعلها.
    وصلنا إلى المدينة وتوجَّهنا إلى دار الحاكميَّة، فدخل خالي وبربر وعماد وبقيت مع النِّساء ننتظر، وبعد قليل عادا معهما رجلٌ طوَّالٌ ذو مهابة فسلَّم بأدب، ثمَّ اصطحبنا إلى منزل واسع خالٍ إلاَّ من بعض الخدم، وانحنى بأدب وعاد أدراجه فدخلنا وقد أخذ التَّعب من النِّساء منتهاه، في حين مازال الرِّجال يتمتَّعون ببعض الهمَّة، وما أن وصلن إلى غرفة نومهن حتَّى استلقين في ثياب السَّفر، وابتدأت السَّيِّدة دنيا تعزف لحن الشَّخير المعتاد، وقد ارتفعت النَّغمة بسبب التَّعب والإعياء.
    كان ألفونسو قد أخبرني بأن كوزيمو قد أودع باسمي تسعة ملايين من الليرات الفلورنسيَّة في بنك فلورنسا، اعتبرها قريبة من السِّعر الرَّائج للَّوحات، وقال ألفونسو إنَّهم سيفتتحون فرعاً له في باليرمو فوراً، وسيمكن عندها سحب المبلغ منه، وقد كان الخبر سعيداً لكلوديا، لا لقيمته ولكن للتَّقدير الكبير لموهبتي، وهو ما لم أكن أثق به إلى الحدِّ الَّذي يجعل اللوحات كنزاً يستحقُّ مثل هذا الثَّمن الباهظ، ولكنَّ ألفونسو نهاني عن الاستهانة بموهبتي، قائلاً:
    - إذا أفتى أولو العلم بموضوع ما فعلى الأشخاص أن يصدِّقوا الفتوى، ولا أجد سبباً لهذه الاستهانة.
    زرنا المناطق الأثريَّة في فلورنسا، وتفرَّجنا على تمثال داود الشَّهير، وهو ينتصب عالياً في ميدان أمام كنيسة القدِّيسة ماريا، ورأينا الكثير من الأبنية الفخمة الحديثة، ولوحات مايكل إنجلو، ودوناتلو وتمثال موسى الشَّهير، والكنائس الفسيحة الواسعة بطرازها القوطي المعروف، حيث تشير الخطوط الشَّاقوليَّة إلى السَّماء في سموٍّ مميَّز، كما شاهدنا الحدائق الغنَّاء المخطَّطة المنسَّقة.
    عدنا إلى القصر لنجد ألبرتو قد جهَّز لرحلتنا إلى ميلانو، واصطفَّت العربات أمام القصر، في حين ذهب ألفونسو لوداع عديله كوزيمو وزوجته ماريا .
    ابتدأت الرِّحلة نحو ميلانو بحديث طريف أدلى به ألفونسو عن حوار دار بينه وبين كوزيمو تفاصيله:
    - وصلت إلى قصر عائلة ميديتشي في شارع كافورفيا، دخلت لأجد كوزيمو وماريَّا في انتظاري، وكانا فرحين مستبشرين، وهما ينظران إليَّ بمحبَّة، قال كوزيمو:
    - خبرٌ جيِّدٌ يا سيِّدي الأمير.
    - ماذا وراءك يا كوزيمو؟.
    - لقد أعلن ألفريد نفسه ملكاً على صقليه.
    - وما الضَّير في ذلك، لقد كان أجداده ملوكاً على صقلية لوقت طويل.؟.
    - لم يهيئ نفسه لذلك، ومثل هذه المواضيع يجب أن يُعدَّ لها بصبر وعناية.
    - لا أعتقد ذلك يا كوزيمو، إنَّ الأنظمة الأوروبيَّة لا تقدر على شيءٍ، حتَّى البابا فقد تآكلت سلطته على المجتمعات، وها أنتم هنا عبارة عن مدنٍ تحكمها أنظمة محلِّيَّة، لقد كانت صقلية سبَّاقة في ذلك، كما أنَّ مجتمعاتها بحاجة إلى عودة الملكيَّة.
    - هل شاورك ألفريد يا ألفونسو؟.
    - لا ولكنَّه يعلم أنَّني أدعمه في جميع الظُّروف، اعلم يا كوزيمو أنَّ ألفريد ملك غير متوَّج، بكل المصداقيَّة.
    - إنَّك صديق حقيقيٌّ يا ألفونسو، وإنَّ دماء فرديناد ما تزال دفَّاقة فيك.
    - أشكرك يا كوزيمو، لقد كنَّا أخوين وسنبقى كذلك.
    تقدَّمت ماريَّا لتلقي عليَّ تحيَّة الوداع.
    - أتمنَّى أن نشاهدك بين الحين والآخر، أما آن أن تتقاعد من الفرسان يا ألفونسو، لقد قذفتك السِّنونُ بعيداً، وأخشى عليك من مشقَّة الفرسان ومخاطرهم.
    - أشكرك يا ماريَّا الصَّديقة المخلصة الوفيَّة، بل الأخت البارَّة.
    غادرنا فلورنسا وفي نفوسنا الكثير من الاحترام لعائلة مديتشي العريقة ولكوزيمو الرَّجل الحكيم، وشقَّت العربات طريقها شمالاً في هدوء ودعة، وفي مسلك مرصوف بعناية وإتقان.
    عبر الجبال كان الطَّريق يمرُّ فوق بعض التِّلال، وكان يتَّبع مساراً حلزونيَّاً في بعض الأحيان، ومع صعود أعلى التِّلال كانت المناظر تتنوَّع، فمن بساتين اللوز إلى حقول السُّمسم والخضار وبساتين الفواكه، ثمَّ إلى الغابات البكر، وقد نعمت إيطاليا بالمياه المستفيضة عبر أنهار متدفِّقة بعضها صالحٌ للملاحة، والآخر ينعم بمياه عذبة نقيَّة، وقد طبقت شهرة نهر تيسينو ميلانو الآفاق بمياه الباردة الخفيفة، المتدفِّق من جبال الألب العالية.
    كانت كلوديا تتصَّفح هذه المناظر بشغف، وتشير إلى أشجار الزَّيزفون الفوَّاحة لافتة النَّظر إلى روعة الشَّجرة الضَّحيَّة، وتستوقفنا لدى كلِّ جدول نمرُّ به لتتذوَّق مياهه، وتحكم عليها بالخفَّة والثِّقل، بالبرودة أو الدِّفء، بالنَّظافة والعذوبة، وقد جعل الطَّريق الممهَّد جيِّداً من الرِّحلة أمراً محتملاً مقبولاً، وقد وصلنا إلى بولونيا بعد يومين من السَّفر المتواصل خلال النَّهار، وما زالت النُّزُل الرُّومانيَّة تجزئ مراحل السَّفر، وتمتاز بخمورها الرَّائعة وشوائها اللذيذ، وأسرَّتها المريحة، وكان على ألفونسو أن يغيَّر من هندامه ليكتم هويَّته وهو ما فعله، بحيث بدا مرافقاً أكثر منه أميراً، وما عاد يلفت النَّظر كما كان عند دخوله فلورنسا، وفهمت أنَّه أراد أن يجاري عديله كوزيمو بحسن الهيئة، وربما كانت هذه عادة العدائل في الأسر العريقة من أمراء أوروبا، لقد كان ألفونسو مميَّزاً، ويتفوَّق ثقافة وأصالة وممارسة على الكثير من ملوك أوروبا، وكان يحظى لدى الأوساط الملكيَّة بكامل الاحترام، وكان ملكا إسبانيا والبرتغال يرعيان خُطاه، وينظران إليه بالكثير من الاحترام والتَّبجيل

  9. #19
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    2

    اميليا

    حدَّثنا ألفونسو في الطريق عن مأساته مع ماري، لقد أحبَّها حبَّاً جامحاً، وظنَّ أنَّ حبَّهما سيظلُّ أبديَّاً، وأنَّ حياتهما ستتكلَّلُ دائماً بالسَّعادة والاستقرار، وأنَّهما سينجبان ككوزمو وأختها ماريَّا الكثير من الأبناء، إلاَّ أنَّ ماري لم تكن معدَّة لتتزوَّج بطلاَ من أبطال الفرسان، بل أميراً متفرِّغاً لها، يصطحبها إلى الحفلات والولائم، ويبقي على حيويَّتها بتلبية رغباتها، وهذا ما لم يكن ألفونسو قادراً عليه، لقد كانت تقيم الحفلات والولائم، وتحتسي فيها أفخر أنواع الخمور، وما لبثت أن أدمنت الشَّراب، وابتدأت طباعها تسوء، وأخذ موعد الهجر يقترب، وكانت حاملاً، وكلَّما ازداد حملها كلَّما ساء طبعها، وقد اضطرَّ لملازمتها حتَّى وضعت طفلتهما جين، وبعدما أبلت من مخاض الوضع عادت إلى الشَّراب الَّذي كانت قد أقلعت عنه عند ابتداء الحمل، وأخذت تتصرَّف بعصبيَّة وحماقة، ممَّا جعل المربِّية تطلب مساعدتين لها على مراقبة الطِّفلة، ثمَّ تفاقم الإدمان وأدَّى إلى الهجر، ثم سافرت مع ألفونسو إلى فيينا ولم تعد.
    كان ألفونسو يحدَّثنا قصَّتهما وتتغيَّر ألوانه مع كلِّ فصل من فصول القصَّة، لقد بدا في نهاية الشَّقاء، وأخذت الزَّفرات تأخذ مكانها في عباراته، وتهدَّج صوته بعض الشَّيء، وغاب عنه منظر الفروسيَّة والإقدام ليحلَّ محلَّه منظر الإشفاق والأسى، كان يتألَّم للذِّكرى، وتضطرب في نفسه المشاعر المتعاكسة، وربَّما جحظت عيناه وبرقت فيها دمعات الحزن على وحيدته، وربَّما على زوجته وحبِّه الضَّائع .
    - لا يقاس الحبُّ بالعواطف ومظاهرها، فهي مشتركة بين الحبِّ والمتعة، ولكنه يقاس بالتَّضحية، وإذا كنت محبَّاً فيجب عليك أن تقدِّم ما يحتاجه الحبُّ من الأضاحي .
    - وماذا فعلت يا سيِّدي الأمير للدِّفاع عن حبِّكَ الضَّائع؟. قالت كلوديا .
    - ماذا يمكن أن أعمل، لقد رفضتُ المُلك، لأنَّه مسؤوليَّة لم تكن ماري جاهزة لها، ولأنَّها بحاجة إلى تفرُّغ لرعايتها فقد كانت مريضة، ثمَّ حاملاً، وبعد أن وضعت حملها أصبحت بحاجة إلى المزيد من الرِّعاية والانتباه، وقد قمت بأكثر بكثير ممَّا يطلبه الإخلاص، لقد كنت دائماً إلى جانبها، وعندما قرَّرت العودة إلى فيينا فقد رافقتها إليها وأقمت معها حتَّى تحسَّن وضعها، ولكنَّها عادت إلى الإدمان، وقال لي أبوها:
    - لا أرى عليك شيئاً من اللَّوم وقد أساءت إليك يا عزيزي ألفونسو، وضيَّعت عليك الفرص الكبرى، وأرى أن تصطحب ابنتك وتضعها تحت الرِّعاية، ولا أائتمنها عليها، ولا أريد أن تعيش معها وهي على ما هي عليه .
    وهكذا اصطحبت جين إلى باليرمو والباقي تعرفونه.
    - يجب أن تحرِّر نفسك من ذكراها يا ألفونسو، فإنَّها لا تستحقُّ مثل هذا الإخلاص.
    - نعم يا كلوديا وأظنُّ دائماً أن الحلَّ قادم، ولن أتدخل به فقد تولاَّه القدر.
    - لا تكن متشائماً يا سيِّدي فلعلَّ القدر يحمل إليك ما يسرُّك .
    - نعم كيفما كان الحلُّ، فقد سلَّمت القدر زمامي فليفعل بي ما يشاء.
    كان ألفونسو مقهوراً، وكان صوته يوحي بمقدار يأسه وكآبته، وكانت شفتاه ترتجفان في بعض الأحيان، وربَّما غامت عيناه خلف ضباب من الحزن، ولكنَّه بقي ذلك البطل الشَّهيد، لقد كان ألفونسو على خلق قويم ومواقف رائعة، وكان أمامه مجموعة من الحلول المتنوِّعة، إلا أنَّه دائماً كان يختار أشرفها، وفي مرَّات يكون ذلك الموقف صعباً ومأساويَّاً .
    حين وصلنا إلى بولونيا قرَّر ألفونسو أن يجري تعديلاً على خطَّة السَّفر، وفضَّل أن نزور البندقيَّة أوَّلاً ثمَّ نذهب منها إلى ميلانو، ونعود منها إلى جنوة ومنها نبحر عائدين إلى باليرمو.
    وكانت كلوديا قد أخذ منها التَّعب مأخذه، فطلبت أن نطيل الإقامة في البندقيَّة فترة من الزَّمان كافية لتستعيد راحتها، وفيها بيتها وأغلب أملاكها، وطلبت إلينا النُّزول في منزلها ضيوفاً عليها، ولكنَّ ألفونسو قال لها بلطف:
    - لقد أعدُّوا قصري في البندقيَّة، وستتمتَّعان بإطلالة فريدة على الشَّاطئ، وسيكون القصر ملككما قريباً، فلا تعتبرا ذلك غريباً .
    توقَّفنا في بولونيا لفترة وجيزة، ولم يكن لألفونسو عملٌ في بولونيا أو أملاك، فقد كانت مدينة علوم وفنون، وكانت الطرق الرُّومانيَّة المرصوفة قد أصلحت، ورمَّمت الجسور، حدث ذلك منذ بداية إشراق عصر النَّهضة، وكانت المدنُ الكبرى شبه مستقلَّة يديرها نظامٌ مختلف عن غيرها من المدن، وكانت تتبع للمدن الرَّئيسة مقاطعات محيطة بها.
    كما كانت فلورنسا عاصمة إقليم توسكانا، فكذلك كانت البندقية عاصمة إقليم فينيتو، وهي مقاطعة سهليَّة واسعة من سهل البو الخصب، تسقيها عدَّة شرايين غزيرة من أنهار متشعِّبة، وتمتد على مساحات واسعة تحيط بالمدينة من ثلاث جهات. ولن ترى في هذه المقاطعة جبالاً أو تلالاً، فجميعها أراض تكاد تكون منبسطة تماماً، وتكاد تكون البندقيَّة المدينة الوحيدة الَّتي قامت على جزر صغيرة منفصلة، وأغلب شوارعها يوصل إليها عن طريق الزَّوارق والسُّفن الصَّغيرة، وقد امتازت البندقيَّة بنوع منها أكثر ضيقاً وانسياباً يسمُّونه الجندول، يصل به مواطنوها إلى منازلهم وحوانيتهم وممتلكاتهم. كما تنقل الزُّوار والمسافرين ومواد البناء والحاجات الأخرى بسفن أكبر من البرِّ وإليه.
    يبدأ الطَّريق الرُّومانيُّ من بولونيا إلى البندقيَّة، فيصل من بولونيا إلى فيرارا الواقعة على نهر البو إلى الجنوب منه، ورغم أنَّ هذه المدينة كانت مركزاً حضاريَّاً مهمَّاً للقرنين المنصرمين فهي من النَّاحية الاقتصاديَّة مدينة زراعيَّة تظهر على سكانها أمارات التُّخمة والسِّمنة، وذلك بما يتناولونه من الغذاء الدَّسم والنَّشويَّات نتاج أرضهم الخصبة، ومزارع الدَّجاج والخنازير الموزَّعة في كلِّ مكان، ومع وجود أسماء لامعة مثل ديلا فرانشيسكا، وبيليني، وأندريا، وهم الَّذين أبدعوا في تزيين قصر أستي .
    خلدنا إلى نزل صغير بها وقضينا ليلة غير نظيفة، لم تخل من البراغيث المنفَّرة الحاقدة، وكانت صاحبة النُّزل امرأةٌ حمقاء، تصرخ في وجه جميع الرُّوَّاد بجنون، ولا تنطق إلاَّ ويسبق السُّباب تعابيرها القويَّة الصَّاخبة.
    قالت:
    - لعن هذا النُّزل ومعه أبي الَّذي ألقاني إلى هذا النَّذل رومانو، فأحياني خادمة لكلِّ هؤلاء الهمج المتوحِّشين، ماذا تريدون.
    - نريد غرفتين نبيت بهما يا سيِّدتي.
    - الغرف كثيرة، والصَّراصير والبراغيث اللعينة أيضاً، ولا تعتبرها إهانة فإنَّني أخبر جميع النُّزلاء بضراوة هذه الوحوش المتضائلة، إنَّ لها أسناناً كأسنان النُّمور، وحينما تعضُّك فكأنَّها تنتقم منك لجريمة ارتكبتها، انظر إليَّ.
    كشفت المرأة عن بطنها فبدت موشومة برشاش متَّصل من لسع البراغيث.
    - نحن نريد أن نقضي الليلة فقط، وستؤمِّنين الخيول والسَّائقين حيث يتَّسع لهم، وهذا لك، وأعطيتها ثلاث ليرات ذهبيَّة، وما أن رأتها حتَّى قالت:
    - عفوك يا سيِّدي الدُّوق وإنَّني أعتذر إليك عن قلَّة أدبي وسوء خلقي، فهي الطَّريقة الوحيدة الَّتي تجعلني أستمر مع رومانو بلا منزل .
    تقول ذلك وهي دائماً تظهر الجدِّيَّة.
    - انظر إلى ابن اللَّعين الَّمحروم من الأولاد، لقد غشَّني ابن الحرام، لو تراه يا سيِّدي تظنُّه إبليس تقمَّص بشراً، إنَّه لا يحبُّ شيئاً غير الخمر يا سيِّدي. يشرب حتى ينام وإذا أفاق شرب ثانية حتَّى ينام، أتظنُّه يهرب مني يا سيِّدي؟. ولكن هل أعجبك بطني، إنَّني شهيٌّة كالغزال المشويِّ على نار هادئة.
    مشيت أمامي وهي تشتم وتلعن وتبصق، وفتحت غرفتين كلٌّ منهما تحوي سريرين، وأخذت الأغطية لاستبدالها، وعادت بعد قليل تشتم كالعادة:
    - ملعون صاحبك، لقد طعن مؤخَّرتي وذهب.
    - ولماذا تشتمينه؟.
    - لأنَّه ذهب، أليس عنده شيءٌ من الرُّجولة أو البِرِّ، وقهقهت ضاحكة ثمَّ استبدلت الأغطية وذهبت قائلة:
    - نومٌ هادئ مع تلك النُّمور المجرمة.
    كانت تقصد البراغيث، ولقد رأيت في هذه السَّيِّدة شيئاً من الدُّعابة والمرح، لعلَّها تستعين بها في هذه المهنة المضجرة، والحياة الفارغة المملَّة.
    وجاء ألفونسو وكلوديا يتمازحان، لقد أفضت المرأة بمكنون شعورها لهما، مع أصناف الشَّتائم والدُّعابة.
    نمنا ليلة متوحِّشة فعلاً، وكنا قد ألفنا البراغيث في السُّفن وتعايشنا معها، إلاَّ أنَّ هذه البراغيث كانت حاقدة فعلاً، وفي الليل سمعنا صراخاً فهبطت إلى الصَّالة، فوجدت السَّيدة تبكي ومن حولها بعض النَّاس يُعزُّونها.
    وحين نظرت إليَّ لم ألحظ دموعاً في عينيها، بل صراخاً فقط .
    - مات رومانو يا سيِّدي الدُّوق، مات ابن الكلب الوضيع، شرب حتَّى مات، ثمَّ نظرت إليِّ وهمست في أذني:
    - أليس هذا أفضل عمل قام به ابن الكلب في حياته، لا ينجب ولا يضاجع ولا يعمل، إنَّه ميِّتٌ وهو حيٌّ، تباً له ولأبيه.
    عدت إلى الغرفة أحاول النَّوم، فوجدت كلوديا وهي نصف نائمة تسألني عن سبب الضَّجَّة، وعندما أخبرتها عادت إلى النَّوم، في حين ظلَّ ألفونسو نائماً، وقد استغرقنا في النَّوم إلى الضُّحى، وكان النُّزل فارغاً، والجميع يحضرون جنازة رومانو، وحاولت أن أجد شيئاً نطعمه في النُّزل فلم أوفَّق، وعندها قرَّرنا مواصلة السَّير إلى مدينة بادوا .
    لم يختلف الطريق بين فرارا وبادوا في شيء عن الطريق الموصل من بولونيا إلى فرارا، فالأرض مستوية تماماً، والسِّمنة غالبة على المواطنين، كما أنَّ الأراضي المزروعة بالبطيخ والشَّمَّام وأنواع الخضروات هي نفسها، وكذلك بساتين الفاكهة وعرائش العنب الإيطاليِّ الشَّهير تتوالى بشكل متواتر متكرِّر، وما زالت الاستراحات الرُّومانيَّة المؤلَّفة من سور عالٍ بباب كبير قويِّ وفي الدَّاخل إسطبلات ومرابط للخيل وغرف لاستقبال النُّزلاء، وغرف للمؤن، ملحقٌ بها قسم خاص يستعمل كمفرزة للحراسة مؤلَّف من بضعة جنود ورئيسهم صفُّ ضابط متخمٌ دائماً وكسول.
    وكانت هذه الاستراحات تقسِّم الطَّريق إلى مراحل بحيث تتوزَّع على مسافات واحدة يفصل بين واحدة والَّتي تليها حوالي عشرين ميلاً، ويقدَّم بها للزَّبائن مبيتٌ مجانيُّ مع طعام أو شواء لذيذ يدفع النُّزلاء ثمنه، والباقي تتولَّى المدن وبلديَّاتها دفع تكاليفه.
    من الصَّعب جدَّاً على الطَّبقة الرَّاقية في إيطاليا أن تسافر هذا السَّفر المتواصل دون أن تؤمِّن الزَّاد في طريقها، وربَّما كانت استضافة بعض العائلات الإيطاليَّة أفضل من التَّضوُّر جوعاً، ولكن وضعنا وألفونسو بالذَّات كان يمنعنا من التَّعرُّض للمهانة في حال امتنعت إحدى الأسر عن استضافتنا.
    في الطَّريق بين فرارا وبادوا مررنا بالقرب من غابة كبيرة، فقال لي ألفونسو:
    - تعال نجرِّب حظَّنا فلعلَّنا نحظى بصيد ما.
    اصطحبنا قوسينا معنا وذهبنا باتجاه الغابة، وبعد مسافة قصيرة من طريق ترابي صغير يمخر الغابة كمنَّا لعلَّ صيداً ما يمرُّ من أمامنا، ولزمنا الصَّمت، وبعد برهة كانت بعض الأغصان تهتزُّ أمامنا، فأوتر ألفونسو القوس ثمَّ وجدته ينظر إلى اتِّجاه معيَّنٍ ويسدَّد باتِّجاهه، ثمَّ يهمس:
    - سدِّد أمام هذا المكان ذراعين ثمَّ أطلق.
    وقد فعلت ما أمرني به وتبعني بالرَّمي، وسمعنا حركة متواترة، تبعها اهتزاز الدُّغل الَّذي صوَّبنا نحوه، فذهبنا إليه فوجدنا فريسة تتمرَّغ بدمها وأمامها على بعد ذراعين أخرى مصابة، لقد كانا زوجاً من الأيائل، وقد صنعنا ببعض جذوع الأشجار وبنود قوسينا محفَّتين بسيطتين، حملنا عليهما الفرائس، وعدنا قافلين إلى العربات، فتولَّى الذّبح والسَّلخ قائدا العربتين، وإذا المرأة صاحبة النُّزل تمرُّ بنا، فعرفتنا وهي تقول:
    - لقد هجرت فرارا اللعينة وارتحت من رومانو الكلب، وأنا الآن حرَّة، فمن منكم يتزوَّجني.
    - أنا أفعل، قال أحد السَّائقين.
    - لعنت أنت، ماذا أفعل بك أيُّها العجوز، وبرائحة روث الخيل الَّتي لا تفارقك.
    - ألم تسألي ذلك؟.
    - أنا سألتك أيها اللعين، ولا تدري أيُّها السَّافل أنَّني امرأة من أصل جيِّد، وأنَّ لديَّ من المهن ما يصرفني عن أمثالك.
    - ما هي المهن الَّتي تجيدينها يا سيِّدتي؟. سألها ألفونسو المتنكِّر في ثياب مسافر عاميٍّ من الشَّعب.
    - تفحَّصته جيداً، وكأنَّها استشفَّت نبالته.
    - أراهن أنَّك سيِّدُ القافلة، وأنت متخفٍّ في هذه الثِّياب، إنَّني أجيد المضاجعة وإذا كنت تريد ذلك فعليك به، وإذا لم تكن تريده فإنَّني أجيد العمل كطبَّاخة وربَّة منزل، وإلى ذلك أجيد الغزل والغناء وصنع الملابس.
    - إذا صحبناك معنا يا سيِّدتي فهل تستطيعين كتم السُّباب والشَّتائم.
    - لعن السُّباب ولعنت الشَّتائم، نعم يا سيِّدي أستطيع ذلك، ولكنَّني بحاجة إلى الوقت.
    - هل يمكن يا سيِّدتي استثناؤنا نحن وكبار معارفنا منها اعتباراً من هذا التَّاريخ؟.
    - لعنت إذا لم أستطع فعل ذلك.
    - إذن ستكونين في عداد حاشيتنا.
    قال ألفونسو ضاحكا ًثُمَّ أردف هامساً:
    - أخشى أنَّ خير ما في هذه المرأة الشَّتائم.
    - لا يا سيِّدي إنَّ سمعي حادٌّ، وقد فهمت قصدك، أتعلم يا سيِّدي إنَّني أدخل المزاح والشَّتائم لكي أتحمل الحياة ونكدها. فهل يا سيِّدي ستجد لي زوجاً أشتمه، تصوَّر يا سيِّدي أنَّني مازلت عذراء بكراً، فرومانو لم يكن سكِّيراً لعيناً فقط، بل كان عنيناً أيضاً، لم ينبت الشَّعر على لحيته اللعينة، فزادته دمامة، أيعتبر الشَّيء الحقيقيُّ سباباً، ألا يجب أن نكون صادقين مع الحقيقة يا سيِّدي؟.
    - ما اسمك؟. قال ألفونسو.
    - خادمتك أميليا ماركوني اللَّعينة يا سيِّدي.
    - لقد اصطدنا زوجاً من الأيائل كما ترين يا أميليا، فهل بإمكانك إعداد شيء منهما، فإنَّنا نتضوَّر جوعاً.
    - لعنتُ يا سيِّدي إنَّ معي الكثير من الطَّعام، كلُّ ما في هذه العربة طعام وقليلٌ من الثِّياب .
    - أشكرك إذا أعددت شيئاً من الغزالين، وسنتذوَّق طعامك .
    - إذا سمحت لنا أن نصل إلى الجدول القريب فسنجد هناك ما يعيننا.
    تقدَّمنا ميلاً أو يزيد، وقد علَّق السَّائقان الأيلين على شباك العربة، حتَّى وصلنا إلى جدول يؤدي إليه فرع صغير من الطَّريق، وبسرعة أوقدت أميليا النَّار، وساعدها السَّائقان في تقطيع الذَّبيحتين ووضع بعضهما في وعاء ممَّا حملته على عربتها، وأحضرت بعضاً من الخضار، ثمَّ اختارت قطعاً من الذَّبيحتين، فغسلتهما جيِّداً على الجدول.
    - تعالوا املؤوا أوعيتكم بأعذب ماء شربتموه، فهذا الجدول شهير، ويقصدونه من البندقيَّة وبادوا ليشربوا ويتزوَّدوا من مائه.
    فعلاً كان الماء عذباً زلالاً وبارداً، ينساب في مجرى من الحصى النَّظيف، حيث لا أثر للطِّين فيه.
    وبسرعة أعدَّت أميليا شواءً شهيَّاً، مع صلصة خضار وبصل مشويٍّ وطماطم مشويَّة. ووضعته في طبق ممَّا لديها، وقدَّمتها بأدب جمٍّ .
    - تفضَّلوا يا سيِّدي، ولعلَّ اللقمة سائغة وهنيَّة.
    تقدَّم ألفونسو وتناول شيئاً من الطَّعام وذاقه، ثمَّ أقبل عليه:
    - هذا طعامٌ طيِّبٌ يا أميليا، ومن أين أضفت إليه المنكِّهات؟.
    - يا سيِّدي لا تسأل أميليا عن أسباب الطَّعام وحوائجه، والله لقد كنت أجمل فتاة في بلدتي وكنت هيفاء ممشوقة، إنَّ طولي ستَّة أقدام، وإنَّ بشرتي كلحم السَّمك، أليس تعبيراً جيِّداً يا سيِّدي، وسيتمتَّع جيِّداً ذلك اللعين الَّذي سيتزوجني، إنَّني أعتبره محظوظاً ومنحوساً.
    - ولِمَ ؟. قالت كلوديا.
    - سيأكلُ جيِّداً وينام جيِّداً فهو محظوظ، وسيأكل فوقه ما لا يتحمَّلُ من السُّباب والشَّتائم، فهو منحوس، أليس كذلك.
    كانت وجبة شهيَّةً من لحم الأيل الحامض الزَّكيِّ، فعلاً إنَّ هذه المرأة طاهية ممتازة، وكانت كلوديا تنظر إليها وتتمنَّى أن تكون في حاشيتها في المستقبل، ولكنَّ ظلاًّ بائساً ارتسم على وجهها المشرق الجميل. فهمت أنَّه ألفونسو، لقد كانت تكنُّ له الاحترام والتَّعظيم، وتجلُّه إجلال الفتاة لوالدها، وكان هو يرعاها الرِّعاية غير المعلنة، ويحرص على سلامتها، لقد كان هذا الرَّجل على خلق نبيل، وحسب معرفتي به كان يحمل المزايا الَّتي يتمنَّى أن يتشرَّف بحملها أغلب الملوك والأمراء، ولم يكن يضاهيه إلاَّ ألفريد الِّذي كان ألفونسو يفوقه في البِشْر والمؤانسة، وهو ما يتَّصل بحسن العشرة أو قل رحابة الصَّدر .
    - ما هي أخبار ألفريد يا سيِّدي الأمير؟.
    - سمعت أنَّه صار ملكاً على صقلية وسرعان ما سيمتدُّ ملكه إلى جنوب إيطاليا ونابولي، ولا أظنُّه صار سعيداً أكثر.
    - هل تعتقد يا سيِّدي أنَّه آن لأمراء الفرسان أن يخلدوا للرَّاحة؟.
    - لا يا جون حتَّى تقوم في أوروبا دولة قويَّة تستطيع أن تلغي دورهم.
    - سمعت يا سيِّدي بدون كيشوت؟.
    - نعم والكاتب من مواطنيَّ اسمه ميجيل دي سرفاتس، ولديَّ نسخة من الكتاب المذكور، أتعرف موضوعه يا جون؟.
    - نعم يا سيِّدي لقد قرأته، وقد طلب إليَّ الكردينال قراءته وتلخيصه، وقد فعلت.
    - أتعتقد يا جون أنَّ في كلِّ شخصيَّة شيئاً من دون كيشوت؟.
    - نعم وأعتقد أنَّ أولئك الَّذين يطلبون إعادة الأمجاد إلى ما كانت عليه في الماضي ما هم إلاَّ حالمون حمقى.
    - لقد أجدت التَّعبير تماماً، ولقد طبَّقت شهرة الكتاب الآفاق، لأنَّ شيئاً من بطله موجودٌ في كلِّ النَّاس.
    - أظنُّ أيضاً أنَّه يدعو إلى التَّجديد، وخلع الصِّلة مع الماضي إلاَّ لأخذ العبرة.
    - فهل تعتقد يا جون أَّنَّ الفرسان تحوَّلوا إلى دون كيشوتيِّين، وأنَّهم يبحثون في الفراغ.
    - نعم يا سيِّدي الأمير.
    - ما أذكى فهمك يا جون.
    - أشكرك يا سيِّدي.
    لقد حسَّنت أميليا من ظروف السَّفر، وألقى مرحها ظلاًّ محبَّباً على النُّفوس، جعل ألفونسو يقول:
    - عجباً لهذه المرأة التي قضت شطراً من حياتها في هذا النُّزل البغيض، وكان يجب أن تقضيَّه مربِّية في أحد القصور المهمَّة.
    قلت:
    - على الرَّغم من شظف العيش وقذارة النُّزل أعتقد أنَّ هذه المرأة سعيدة، إنَّها تلغي البؤس والقذارة بالسُّباب والشَّتائم والضَّحك، ولعلَّ الضَّحك أكبر ماسح للبؤس.
    - لم أعرف من يقدر على التَّعبير عن أفكاره بالبساطة والعمق الَّذي تفعله، سنصل قريباً إلى بادوا، وفيها من أملاكي ما يفوق أيِّ أمير آخر في أوروبا، وأريد أن نقضي بها بعض الوقت يكون كافياً لنقل ملكيَّتها.
    - أرى يا سيِّدي أن تكتفي بما فعلته سابقاً، وأن تترك الباقي للورثة.
    - لا يا جون، إنَّني لم أجد من يستحقُّه غيرك، وسأنقل أغلب أملاكي إليك، وأرجو أن لا تراجعني في هذا الموضوع ثانية إذا كنت تكنُّ لي نفس الودِّ الَّذي أؤمِّله


    الصور المرفقة  

  10. #20
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    3

    وصلنا إلى مشارف بادوا مدينة حوادث رواية شكسبير في روايته [ ترويض النَّمرة ] وقد جمَّلت تلالها المسمَّاة تلال يوغاني قصائد عمالقة شعراء إيطاليا .
    يعتبر نهر باكليوني من الأنهار المهمَّة للملاحة في إيطاليا، يمخر قلب المدينة، ويحيط بأسوارها ممَّا يجعلها حصناً حصيناً، ويقع نهرٌ آخر اسمه برينتا إلى الطَّرف الشَّمالي من المدينة العريقة. وبعد جولة سريعة في المدينة نزلنا في فندق أنيق يستقبلون به كبار الضيوف، وما أن وصلنا حتَّى ابتدأت زيارات كبار أعيان المدينة وحكامها، ممَّا استدعى استقبال هؤلاء السَّادة، وقد تبيَّن أنَّ للسَّيِّد ألفونسو من السُّمعة والتَّكريم ما لم يكن قد اختبره، لقد جاءه هؤلاء ليسو مكرِّمين ومحتفين فقط، وإنَّما خاضعين موالين.
    ما أن انصرفوا حتَّى جاء الحاكم ومعه كوكبة من الموظَّفين الكبار، وبعد التَّحيَّة اللائقة، انصرف وصحبه متمنِّين الإقامة السَّعيدة للأمير وحاشيته.
    قالت كلوديا:
    - لقد أخبرتني أميليا بأنَّ الجناح الَّذي ننزل فيه أصبح معدَّاً، وقد نقلت إليه المتاع ووضعته في الغرف، وأعلمتني أنَّ الجناح مزوَّدٌ بالماء السَّاخن النَّظيف.
    بعد قيلولة قصيرة وحمَّام دافئ مريح بقيت كلوديا في غرفة النَّوم معلنة حاجتها لأن تنام يوماً أو يومين متواصلين، ونزلت إلى صالة الاستقبال فوجدت ألفونسو يجلس مع رجل دحداح قصير القامة صغير العينين، يفصح وجه عن دقَّة في التَّعامل، وكثير من اللُّؤم والصِّدق.
    - هذا السَّيِّد سلوفاني وكيلنا في المدينة.
    - أهلاً.
    قام الرَّجل وحيَّا بأدبٍ، وبعد أن زانني من شعري إلى أسفل قدمي، أطلق تنهيدة عميقة وقال:
    - أهلاً بك يا سيِّدي الجديد، سوف أتشرَّف بخدمتك بإتقانٍ وإخلاص، ومقابل أجرٍ مقبول اعتاد سيِّدي ألفونسو أن يتفضَّل عليَّ به، وهو كافٍ لي ولبناتي الثَّلاث وهن كلُّ همِّي.
    - أهلاً بك يا سيِّد سلوفاني، وإنَّني أقرأ على وجهك الدِّقة والاهتمام، وآمل ألاَّ تكون بخيلاً، فإنَّ ما تتقاضاه من سمو الأمير يسمح لبناتك بحياة هنيَّة.
    - نعم يا سيِّدي وإنَّني رجلٌ بخيلٌ حقَّاً، وهذا شيءٌ في دمي من الصَّعب تجاوزه مع أنَّني أعدك بأن ينلن ما يكفيهنَّ من الرِّعاية .
    كان ألفونسو مستغرقاً بالضَّحك وهو يتابع هذا الحوار المحسوب.
    - إنَّك رائع يا ولدي، والسَّيِّد سلوفاني أيضاً، ولم أجد منه إلاَّ الأمانة والإخلاص.
    كان سلوفاني قد قطَّب حاجبيه، فبداً كأنَّه شيطان مايكل إنجلو في الهبوط من الجنَّة.
    - لا تبد مكتئباً كذلك يا سيِّد سلوفاني، انظر إلى الحياة بمرح وحبور، وقبول وتسليم.
    - لا تسأل محاسباً عن مثل هذه الأمور، إنَّ الدِّقة واجبة في كلِّ شيءٍ يا سيِّدي .
    ودَّعنا سلوفاني عابساً كعادته.
    - سأعود مع الوثائق والكاتب والشُّهود.
    ومضى لا يُلوي على شيء، فبادر ألفونسو:
    - بقيَّة اليوم للرَّاحة يا جون، وسنجتمع مساءً هنا لننهي ما جئنا من أجله. وصعد السُّلَّم إلى جناحه ليجد أميليا بانتظاره على باب الجناح.
    - سأدخل معك يا سيِّدي إلى الجناح وأبقى إلى جانبك، فلن أتركك وحيداً.
    - أشكرك يا أميليا، ولكن لا تأملي أن تجدي ما يرضيك من عجوز هرم.
    - لا تخطئ فهمي يا سيِّدي إنَّني أعتبرك أباً، ولا أرضى بأن أفسد عليك شيئاً لا أحسنه أنا.
    - هذا من أجمل الكلام يا أميليا، ولقد سعدت بلقائي بك، وستبقين أمانة مع جون تلازمينه ولا تنفصلين عنه.
    - وأنت يا سيِّدي.
    - لقد أصبحت عجوزاً يا أميليا، ولا أعرف متى ألتحق بالرَّفيق الأعلى.
    - لماذا هذا التَّشاؤم يا سيِّدي، إنَّك ما زلت في أحسن حالات الكهولة، لعن التَّشاؤم فأنا أكرهه.
    - خفِّفي من السُّباب يا أميليا.
    أقعت أميليا على الأرض إلى أسفل قائمة السَّرير في حين طلب ألفونسو أن يحضروا كلوديا إذا لم تكن نائمة، وسرعان ما أقبلت كلوديا تنفض النَّوم عن عينيها، فطلب إليها اصطحاب أميليا إلى السُّوق وشراء ما تحتاجه سيِّدة مجتمع من الحوائج واللباس، وإظهارها بمظهر حاشية الأمير.
    - لم يفتني ذلك يا سيِّدي، وكنت سأصطحبها فور أن أرتدي ثيابي. ما أظنُّها إلاَّ سيِّدة فاضلة يا سيِّدي.
    - إنها كذلك وأكثر، وأتَّمنى أن تحظى برعايتكما كما تستحقُّ هي وأرغب أنا.
    - سوف ترعانا جميعاً أنت يا سيِّدي، خلال عمر طويل مليءٍ بالسَّعادة والهناء.
    لم يجب ألفونسو، وبعد قليل اصطحبت كلوديا أميليا ونزلتا إلى السُّوق، في حين أخذت حماماً دافئاً واندسست في فراشي أحاول أن أنام.
    كلُّ ما يجري لم يكن مقنعاً بالنِّسبة لي، فكيف سأرث ألفونسو الأمير المشهور، والَّذي يحقُّ له بموجب القوانين والعرف الإسباني أن يعتلي عرش أسبانيا وراثة عن جدِّه ألفونسو الملك، ولمَ ذلك وأيُّ سخرية تجعل طفلاً عربيَّاً مختطفاً يحصل على كلِّ هذا المجد والثَّروة، فهل هو القدر والإرادة الإلهيَّة ؟. لعلَّه ليس للصُّدفة مكانٌ في هذه الحوادث، ولعلَّ القدر لم يكن دائماً بالقسوة التِّي يصوِّرها سوفوكليس في أوديب، أو شكسبير في عطيل وهملت، إنَّ يد القدر قويَّةٌ بشكل لا يمكن الإفلات من قبضته، لكنَّه قدرٌ رحيمٌ كما هو قاس في تناوب حالاته، وفي مثل مأساتي في الخطف واليتم، عَوَّض باالرِّعاية والنُّموِّ والجاه والثَّروة، ولا أستطيع أن أقرر أنَّ ذلك جاء خبط عشواء عن طريق المصادفة، بل هو شيءٌ فوق العقل، ولا يمكن استكشافه أو التنبُّؤ به.
    خلدت إلى النَّوم، وكان التَّعب قد أخذ منِّي مأخذه، وقرَّرت التَّوقُّف عن التَّفكير.
    عادت كلوديا قبل أن أستيقظ، ووجدتها تهزُّني برفق حتَّى أفقت.
    - هل أضررت بك، لقد حلَّ المساء ويجب أن تستيقظ وتعد نفسك للنُّزول إلى الصَّالة، فقد يصل الزُّوَّار في أيِّ وقت .
    عند حوالي السَّاعة الثَّامنة أقبل الوكيل ومعه الكاتب والشُّهود، وابتدأ ألفونسو يوقِّعُ الوثائق، ثمَّ استدعيت لتوقيعها، ثمَّ أقبلت كلوديا لتوقِّع الوكالة، وقد تمَّ ذلك بسرعة قياسيَّة بحيث كنَّا قد انتهينا من ذلك في تمام السَّاعة التَّاسعة، وذهب الضُّيوف لتنزل أميليا إلى الصَّالة بهندامها الكامل وقبَّعتها البيضاء فبدت كأنَّها أميرة اسكندنافيَّة رائعة، والآن أصبح يمكن الحكم على هذه المرأة السَّفيهة، فقد كانت رائعة الجمال تتدفَّق حيويَّة وبهجة، لقد نضَّر المرح وجهها الورديَّ فأعطاها صفات المرأة النَّاضجة.
    - كم هو عمرك يا مدام أميليا؟.
    - لعلَّه فوق الأربعين يا سيِّدي الأمير، وإذا كنت أعجبك فقل ستِّين أو عشرين يا سيِّدي.
    - وكيف ستصبرين على العزوبيَّة يا سيِّدتي ولديك كل هذه المغريات؟.
    - بصبر وحكمة يا سيِّدي، لقد تجاوزت سنَّ الإنجاب ولا أريد أن أكون عبدة لمثل رومانو أو غيره يا سيِّدي.
    - لماذا؟.
    - والله لقد استرحت بانضمامي إليكم، وجلُّ اهتمامي ينحصر في تربية أبناء جون وكلوديا، وسيكونون بديلاً محبَّباً عن أبنائي الموهومين، أحقِّق بهم أمومتي يا سيِّدي.
    لم يكن في الفندق نزلاء غيرنا، فبدا كأنَّه منزلٌ لا فندق، وكنا نسهر بالصَّالة، وكانت أميليا تطهو طعامنا في المطبخ، وتأمر الخدم بغسل ثيابنا، وأغطية الفرش، وتشرف على عملهم خطوة خطوة، وبذلك حلَّت الطمأنينة محلَّ الحذر المعتاد في الأماكن العامَّة .
    أفقنا صباحاً على جلبة في الصَّالة، وعندما نزلت مع ألفونسو إليها شاهدنا صفَّاً طويلاً من قوم متوسِّطي الهيئة واللِّباس، يتقدمهم مسيو سلوفاني .
    - هؤلاء يا سيِّدي هم رعايك ومدراء أملاكك، هذا مدير معمل النَّسيج، وهذا مدير المطاحن، وهذا مدير المصابن، وهذا الآخر مدير المعاصر، وهذا مدير مصنع الخمور، أمَّا هذه السَّيِّدة فهي مديرة إعداد العاملين، وهذا مدير هذا الفندق، وذاك مدير فندق ناسيونالي، وهذا الآخر مدير مصنع الزُّجاج، وهذا مدير مصنع الحديد، وهذان يديران المتجر الكبير، وهذا كبير الصَّاغة، وأخذ يقدِّم الحضور بوظائفهم دون أن يسمِّيهم، ووقف أحدهم ينشد شعراً يمتدح فيه الأمير، وقد بالغ بالمديح حتَّى حسبت أنَّ ألفونسو سينقضُّ عليه ليضربه، ومعهم فتاة في الثلاثين أو تقل قليلاً كانت مديرة الرِّعاية، تحدَّثت باحترام وإيجاز مع الكثير من الأدب الجمِّ والكلمات المختارة.
    قال ألفونسو:
    - شكراً لكم جميعاً، وإنَّني ممتنٌّ لكم، واعتباراَ من اليوم سيكون ولدي جون من يحل مكاني في ملكيَّة جميع المهن والمعامل والأراضي والأبنية التي أملكها، وأوصيه بكم خيراً مع معرفتي بأنَّه حريصٌ لا يحتاج إلى التَّوصيَّة .
    انصرف القوم يتهامسون، وأعددنا أنفسنا لجولة قصيرة في أنحاء بادوا، وانطلقنا إلى البلدة القديمة الَّتي يحيط بها نهر باكليوني، ويشكِّلُ حلقة مغلقة حول سور البلدة، وعدنا إلى الفندق، بينما خرج ألفونسو لزيارة صديق، وما لبث أن عاد وعلى وجهه علامات الاضطراب والأسى، وحين شاهدنا تضاحك مفتعلاً الانشراح، ثمَّ صعد إلى جناحه، فخرجت أسأل سائق العربة إلى أين أقلَّ ألفونسو، فقال إنَّه كان عند الطَّبيب، وعدتُ لأنقل الخبر إلى كلوديا الَّتي زمَّت شفتيها، واختلج وجهها وانخرطت بالبكاء، وبعفويَّة قالت :
    - كنت أشكُّ في سبب استعجاله بنقل الملكيَّة، إنَّه مريض ويتفاقم مرضه، وما أحسبه إلاَّ سيتركنا يا جون.
    - لا تكسري قلبي يا كلوديا، فإذا صدق حدسك فإنني سأموت معه، إنَّه كلُّ أصدقائي يا كلوديا، وهو الوالد والسَّيِّد والمنعم، وأرى أن لا تظهري شيئاً من أحوالك هذه، وأن لا نسأله أبداً، دعينا ننتظر لنرى، فعسى أن يكون حدسنا خاطئاً، ولله المشيئة والبداء.
    لم تفهم كلوديا ما معنى المشيئة والبداء، لكنَّها ظهرت في نهاية الشَّقاء، لقد تغيَّرت ملامحها وحلَّت غمامة الأسى محلَّ كلِّ ألوان البهاء والنَّضارة، وشاهدتها يغيض الدَّم من وجهها المتورِّد وتحلُّ محلَّه صفرة الوجل.
    أصبحنا متأكِّدَين من مرض ألفونسو، الَّذي استيقظ في صباح اليوم التَّالي مشرقاً تبدو عليه الرَّاحة والنَّشاط، فنزل إلى الصَّالة، ودلفنا وراءه فنظر إلينا قائلاً:
    - ما لكما مرهقان ساهمان، هل حدث بينكما ما يجعلكما في هذه الحال من التَّعب والإعياء.
    - لا يا سيِّدي ولعلَّ السَّبب أنَّنا تأخَّرنا في النَّوم البارحة، ولعلَّنا نستعيد نشاطنا بعد قليل.
    - اصعدا وتمِّما نومكما يا ولديَّ، فليس أنفع من الرَّاحة ولا أفضل من النَّوم للصحَّة والعافية .
    صعدنا ثانية في حين خرج ألفونسو إلى حديقة الفندق يحاول أن يتريَّض بقليل من السَّعي الحثيث.
    وسرعان ما غلب علينا النَوم، ولم نستيقظ إلاَّ بعد الضُّحى، فدخلنا نأخذ حمَّاماً دافئاً، ثمَّ نزلنا إلى الصَّالة فوجدنا ألفونسو يتصفَّح كتاباً، فقلت له:
    - ماذا تقرأ يا سيِّدي ؟.
    - إنَّها الكوميديا الإلهيَّة لدانتي أليجيري، وهنا يتعصَّبون له.
    - إنَّها جديرة بالقراءة والاهتمام يا سيِّدي.
    - بماذا تراها كذلك يا جون ؟.
    - إنَّها ليست شعراً جميلاً فقط، إنَّها تحمل في طيَّاتها أفكاراً تدلُّ على سعة الثَّقافة والاطِّلاع.
    - كيف؟.
    - إنَّ يوم الحساب وما بعده من الجحيم والجنَّة كانت مفاهيم متداولة في الشُّعوب القديمة، وأنت تعرف يا سيِّدي أنَّ مفهوم العالم السُّفلي، والإسراء من الأرض إلى السَّماء، ويوم الدَّينونة والحساب، وهو يوم ينتهي الإنسان على الأرض، أو يبدأ، إنَّ البداية والنِّهاية مفهومان متداخلان.
    - أنا أفهمك جيِّداً يا جون.
    - نعم يا سيِّدي، فإنَّ دانتي قد لامس قشرة الحقيقة ولم يدخل إلى لبِّها، إنَّ إلهه قاس، وغير رحيم، وإنَّ خلقه البشر للثَّواب والعقاب أمرٌ مضحك، وأرى أنَّه خلق آلهة على صورته، ولم يخلق كوناً هملاً.
    - ماذا تريد أن تقول يا جون؟.
    - أقول يا سيِّدي إنَّ مفهوم الزَّمان والمكان يجب أن يكون نسبيَّاً، ومتغيِّراً أيضاً. ولا يمكنك أن تنظر إلى سرعة العدَّاء وتقارنها بسرعة الشُّهب. ولا إلى حجم أرضيٍّ وتقايسه بالمجرَّات والفضاء، وهما أمران مترابطان، ولكن ليس بشكل ثابت، إنَّ الثَّبات يعني الجمود، وهو شكلٌ من أشكال الفناء.
    - ولماذا لا يحاسب الله النَّاس يا جون؟.
    - إنَّ أداة الجزاء هي القدر يا سيِّدي، وجميعهم محاسبون في كلِّ عمر، بل في كلِّ يوم، بل في كلِّ لحظة.
    - ألا تظنُّ أنك ألبست دانتي ثوباً أوسع منه، وحمَّلت الكتاب ما لا يحتمله؟.
    - لا يا سيِّدي، أتذكر عبثيَّة زينون في المسافة والمكان والسُّرعة؟.
    - نعم يا جون ولكنَّ المكان والزَّمان ليسا حقيقيَّين .
    - نعم يا سيِّدي كمفهومين، ولكنَّهما من حيث وجودهما في الوجود اللَّحظة يجب علينا فهمه.
    - هذا بحرٌ واسع لا يمخر عبابه إلاَّ الحالمون يا جون.
    - قد يكون كذلك يا سيِّدي، وإنَّ دانتي أحسَّ بتضادِّ مشاعره وقدرته على الإبحار.
    - وهل استطاع أن يبحر يا جون؟.
    - إنَّه يظنُّ أنَّه أبحر، ويكتفي بهذا الإنجاز الَّذي يراه كبيراً وكافياً، وهو ليس مُرضياً ولن يكون، فالمفاهيم النِّسبيَّة المتغيِّرة لها ألف وجه للفهم، وتتقلَّب هذه المفاهيم في الذِّهن وتمنعه أن يقتنع بها على أنَّها نهائيَّة، بل أقول إنَّها متطوِّرة متغيِّرة.
    - لقد أبحرت أنت يا جون ولا أحسبك قد زدت الأمر وضوحاً، لقد أطلقت الزَّمان والمكان، وما أراهما إلا مقيَّدين أشدَّ التَّقييد.
    - كأنك يا سيِّدي خدعت بالشَّكل، فأنت تنظر إلى الأرض على أنَّها مقيّدة بالفلك بقوى محسوبة، وكذلك كلُّ الكواكب والنُّجوم، ولا تصدِّق أنَّها في ذاتها متغيِّرة وفي حركتها أيضاً، ولو كان الأمر كذلك تماماً أي ثابتة مقيَّدة لكانت فانية وغير موجودة، ولتوقَّف الزَّمان الَّذي هو شكلٌ من أشكال تغيُّرها في بعض الحالات.
    - كم هذا الكلام بحاجة إلى برهان، ولكن دعنا نعدُّ العدَّة لاستئناف سفرنا.
    تابعنا المسير بعد ساعات قليلة، ولاحظت أنَّ أميليا تبدو منشغلة البال، ولم أستطع أن أسألها سبب انشغالها وتفكيرها بسبب وجود ألفونسو معنا، وسأنتهز أيَّ فرصة سانحة لكي أستفهم منها عن هذه الكآبة.
    أمَّا كلوديا الجالسة إلى جانبي في المقعد المقابل لمقعد ألفونسو وأميليا، فقد حاولت جاهدة أن تظهر شيئاً من المرح، فبدا مفتعلاً إلى درجة أنَّ ألفونسو قال لها:
    - ما لك يا بنيَّتي؟.
    - ماذا يا سيِّدي.
    - لا شيء لا شيء.
    كانت المسافة الَّتي تفصل بين بادوا والبندقيَّة تفوق العشرين ميلاً إلى الخمسة والعشرين، وتقطع على مسيرتين، بينهما استراحة، وقد صمَّم ألفونسو أن نواصل السَّفر بعد استراحة قصيرة في النُّزل، ولم يتغيَّر شيءٌ في سهل البو والأنهار الجارية كعروق الدَّم في الجسد، وكانت القرى الصَّغيرة الَّتي يمرُّ بها الطَّريق لا تعطي تبدُّلاً كبيراً على المشهد، وإن كان الطَّريق بين بادوا والبندقيَّة يبدو أكثر تعهُّداً، والبناء الموزَّع في القرى أفضل تنظيماً وأكثر أبَّهة، ممَّا يدلُّ على بحبوحة واضحة في العيش، وشيءٍ من الثَّراء المرتسم على كلِّ المنطقة

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •