صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 49

الموضوع: بربر باشا .. رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

  1. #21
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    4

    قصر الفونسو في البندقية


    وصلنا إلى البندقيَّة في المساء، وتوجَّهنا إلى قصر ألفونسو، وهو واحدٌ من القصور الَّتي يمتلكها في البندقيَّة، وقد تركه بعيداً عن الاستثمار، يبقى جاهزاً لاستخدام الضُّيوف، أمَّا بقيَّة القصور فوضعت في الاستثمار كفنادق ومتاحف ومطاعم ونواد ومستشفيات وغير ذلك.
    وقد تكرَّر المنظر السَّابق في فينيسيا، كان الخدم مصطفين أمام القصر بينه وبين السُّور، ووقفوا على صفَّين أحدهما من الرِّجال والثَّاني من النِّسوة، وهنا ظهرت الخادمات بلباس جيِّدٍ وزينة كاملة، إنَّهنَّ نساء البندقيَّة الأنيقات كما كان يقول ألفونسو، وأقبل مدير القصر يسلِّمُ بحرارة على سيِّده ألفونسو، كان طوَّالاً ذو مسحة إسبانيَّة، وهو خليط بين الفرنجة والعرب .
    - أهلاَ بك يا سموَّ الأمير في قصرك وبين خدمك، وأتمنى لك دوام الصِّحَّة والسَّعادة.
    - أهلاً بك يا غارسيا لقد اشتقتك أيضاً، وأرى فيك بهاء قومي وعفويَّة بلدي .
    - أنا رهن أمرك يا سموَّ الأمير، وخادمك المخلص، وهؤلاء أيضاً أكثرهم من رعاياك.
    وتقدَّم مع العاملين، ليفرغوا حمولة العربة، ثمَّ دخلنا القصر وقد تركت أبوابه مشرعة، ودخلنا الصَّالة، ومنها قادنا ألفونسو إلى الشُّرفة الشَّرقيَّة الَّتي كانت فناءً واسعاَ مكشوفاً، يرتفع عن البحر عدَّة أمتار، وكانت الأمواج تترقرق وتتحطَّم على أقدامه الصَّخريَّة القاسية، فيصل شيءٌ من الرذاذ البارد يدغدغ وجوهنا، وقد توزعَّت على الشُّرفة مجموعة من مقاعد الخيزران المريحة والمشغولة بعناية وإتقان، وهناك بعض الأراجيح الموزَّعة، وقد فتنت كلوديا بالمنظر، وهمست في أذني:
    - ما رأيك بهذا موطن إقامة دائم يا جون؟.
    - إنَّه جميلٌ للغاية، وأستسلم لفكرتك المريحة.
    صعدنا بعد استراحة قصيرة على الشُّرفة، تناولنا بها كوباً من الشَّاي المنكَّه، إنَّهم يستخدمون هنا المنكِّهات في الشَّاي كالقرفة والقرنفل، كما أعلمنا غارسيا، والحقيقة أنَّه أطيب شاي شربته، لقد استخدم العسل الفاخر في تحليته، وقد اصطحب غارسيا ألفونسو إلى جناحه وأشار للخادمة أن توصلنا إلى جناحنا، في حين تردَّدت أميليا في الدُّخول إلى جناح ألفونسو ووقفت على بابه، ووجدت ألفونسو قد عاد واصطحب أميليا إلى الدَّاخل وبعد أن خرج غارسيا أغلق الباب وراءه ومضى، في حين دخلنا نحن لنجد جناحنا في أحسن الحالات من حيث النَّظافة والإطلالة والرَّحابة، وكان الجناح يضمُّ غرفتي نوم بحمَّاميهما، وصالة استراحة كبيرة تتَّسع لمؤتمر صغير، وكان لكلِّ غرفة شرفة كافية تطلُّ على البحر، وقد رغب إلينا ألفونسو أخذ قسط من الرَّاحة أو إغفاءة قصيرة قبل النُّزول للعشاء، وذلك لما شاهده على وجه كلوديا من التَّعب والإعياء، وكان لدى ألفونسو من الذَّكاء ما يكفي لأن يعرف سبب هذا الإرهاق، لكنَّه تحاشى الخوض فيه.
    نمنا نوماً متقطِّعاً، بسبب أنَّ كلوديا كانت ترتعش وتهذي، وكانت تذرف الدُّموع وهي غافية، معبِّرة عن مقدار حزنها وانفعالها. وفي الطَّريق رأيت ألفونسو يحدِّث سائق العربة باهتمام، ثمَّ تركه وهو يهزُّ رأسه وكأنَّه يوبِّخه، فعلمت أنَّه يستفهم منه عمَّا إذا كان قد وشى بزيارة ألفونسو للطَّبيب.
    ما أن نزلنا إلى الصَّالة حتَّى وجدنا ألفونسو بانتظارنا، وكان وحيداً فيها، وبادر إلى القول:
    - غداَ سأصطحبكما بزيارة مهمَّة للغاية، وآمل أن أفرِّج عنكما بها، سنذهب إلى برنار السويسريِّ وهو طبيب شهير يقيم في البندقيَّة، ويملك سمعة مدويَّة في أوروبا، وقد علمت أنكما استجوبتما السَّائق عن الزِّيارة للطبيب في بادوا، وهو أيضاً طبيب مهمُّ، ولكن كلوديا لم تستطع كتم شعورها فانفجرت باكية بنشيجٍ مقهور ثمَّ دخلت في إغماءة، لم نفلح في إيقاظها إلا برشَّها بالماء الممزوج بالكحول، وحينما أفاقت ووجدت نفسها على حضن ألفونسو، عادت إلى النَّشيج ثمَّ انسحبت إلى جناحها دون أن تنبس ببنت شفة.
    نادى ألفونسو أميليا وأمرها بأن تلازم كلوديا ولا تتركها، وسرعان ما عادت أميليا طالبة حضورنا لأنَّ كلوديا قد دخلت في إغماءة أخرى، وبصعوبة استفاقت فوجدتنا إلى جانبها وعادت إلى البكاء.
    تركنا أميليا تعنى بكلوديا ونزلنا إلى الصَّالة، وأخبرنا غارسيا أنَّه منع فعاليَّات المدينة من زيارة سموِّ الأمير إلا بعد يومين، وذلك بدعوى الرَّاحة لبعض الوقت، قال ألفونسو:
    - غداً بكامله لكما، ولن أترككما لحظة واحدة.
    - ماذا وراءك يا سيِّدي؟.
    - أحسست في باليرمو بشيء من ضيق النَّفَس، فذهبت إلى الطَّبيب لكي لا ألفت نظركما، وبعد فحص دقيق ومعاينة طويلة قال لي:
    - أخشى يا سيِّدي أنَّك مصاب بقصور في القلب، وهذا ما لا أستطيع أن أجزم به، ولكنَّني أشير بوجوب مراجعة أطبَّاء مختصَّين ذوي سمعة، ودلَّني على هذين الطَّبيبين، واحدٌ في بادوا والأهم منه هذا الطَّبيب السَّويسريِّ، وقد زرت الطَّبيب سولازيو في بادوا، وبعد التَّدقيق وتعريضي للإجهاد، أكَّد وجهة نظر طبيب باليرمو، ونصح بشيء من الرِّياضة الخفيفة والمشي المتوسِّط، وقال بأنَّه لا يجب أن أقوم بأيِّ عمل مجهد، وغداً سنرى رأي الطَّبيب السَّويسريِّ برنار ونتصرف بناءً على رأيه.
    - أرجو أن يكون ذلك عارضاً نمرُّ به جميعاً، إنَّك كلُّ شيءٍ لنا أنا وكلوديا الأب والسِّيِّد والصَّديق، وإنَّنا نُفدِّيك بأنفسنا يا سيِّدي الأمير.
    - أنتما ولداي حقَّاً وصدقاً، وأتمنَّى يا ولديً أن تتزوَّجا فلعلَّني أبصر أحد أحفادي، ولم أعد أرى مانعاً من ذلك.
    - سأحدِّثك عن هذا لاحقاً يا سيِّدي، فهو حديث طويل.
    - بل حدِّثني الآن فلا أطيق صبراً.
    - يا سيِّدي إذا حدَّثتك فإنَّني أخشى عليك من سماع الحديث.
    - وما هذا الحديث الَّذي تخشى عليَّ منه؟.
    - أيمكن أن نؤجل الحديث إلى ما بعد عودتنا؟.
    - لا فإنَّني أتضوَّر لسماع الحديث.
    - يا سيِّدي أنا لست جون الاسم الَّذي تعرفني به، فأنا طفلٌ تمَّ اختطافه من بين أحضان أمِّه وأبيه، وجلب إلى هنا والباقي تعرف قسماً منه.
    - وما اسمك الحقيقيِّ ومن أيِّ بلدٍ ومكان خطفوك يا ولدي.
    - أنا من ساحل الشام يا سيِّدي من مدينة تاريخيَّة اسمها صيدا، وأصلي من الرِّيف القريب المسمَّى العرقوب، وأحمل اسم هذا الإقليم كنية لي. واسمي عماد ووالدي اسمه شفيق العرقوبي، وهو وجيه من أهمِّ وجهاء لبنان، وعلاَّمة في اللغة والتَّاريخ.
    سردت فصول قصَّتي على ألفونسو، ووجدت عيناه قد اغرورقتا بالدُّموع ثمَّ بدأت تتساقط مدراراً على وجهه، وضمَّني إليه.
    - أيَّ عذاب ساقوه إليك يا ولدي، وأيَّ جناية جنوها عليك، وكيف تحمَّلت هذا كلَّه طيلة السِّنين، ولماذا لم تحدِّثني عن هذا الموضوع سابقاً، لعلَّني كنت سأجد حلاًّ له، ولكن ما علاقة كلوديا بهذا الموضوع.
    - لقد تعرَّفت على كلوديا وأحببتها من كلِّ قلبي، ثمَّ تعرَّفت عليك يا سيِّدي فكنت الأب والأخ والرَّاعي، وأنتما كلُّ ما لديِّ، ولئن هربت إلى دياري سأفقد فيكما ما لا تعوِّضه أيُّ هبة أخرى أو أقرباء آخرون.
    - ولماذا لم تتزوَّج من كلوديا حتَّى الآن؟.
    - لأنَّ لها علاقة باختطافي، ولم أستطع تقييم هذه العلاقة، فأحكم عليها.
    - أنا أؤكِّد لك أنَّ كلوديا لا تقدم على أذيَّتك ولو دفعت حياتها ثمناً.
    - وأنا يا سيِّدي أثق بذلك، وأعرف أننا نحن كلّ ما بقي لها، ومن دوننا حياتها لا شيء، ولم أجرؤ على مصارحتها، وحتَّى الآن لا أحسبني أجرؤ على ذلك .
    - أي ولدي إنَّ الأقدار تسوقنا في غير الطَّريق الَّذي نريده، وعلينا أن نحتال على أنفسنا كي نستمرَّ.
    - أعلم ذلك يا سيِّدي، ولكنَّ أمراً آخر يشغل بالي.
    - ما هو ؟.
    - لقد خطفوا أختي الصَّغيرة معي ونحن وحيدي أبوينا، ولا أعرف ما حلَّ بها.
    - يا للمجرمين القساة، لعلَّ كلوديا تعرف شيئاً عن ذلك.
    - منعتني الشَّفقة عليها من مفاتحتها بهذا قبل الآن.
    - والله لا أعرف ماذا أقول، إنَّ ما فعلوه بك أصعب من القتل، ولا يمكن أن أسامح من تسبَّب في هذا كلِّه.
    - اسمك عماد إذاً.
    - نعم يا سيِّدي.
    - إن المشيئة لله وحده يا بنيَّ، وهو الَّذي يملك مفاتح الغيب، وهو صاحب القدرة الَّتي تدير الكون.
    - ونعمَ بالله.
    انتهى الحديث وصعدت أتفقَّد كلوديا، كانت أميليا تضمُّها إلى صدرها وتقول:
    - لعن الألم، لعن هذا الحبِّ الجنونيُّ، لعن أبي الَّذي لم أجد فيه شيئاً أحترمه، لعن رومانو الكلب الَّذي فعل وترك بي وقضى على شبابي، لعن النَّاس فليس فيهم من يستحقُّك يا حبيبتي.
    قالت كلوديا:
    - أنا لا أهتمُّ لنفسي يا سيِّدتي ولا لما أحتاجه، هناك دائماً من يستحقُّ أن تفرح له وتحزن له.
    - أنا سيِّدتُك؟. أنت سيِّدتي وسيِّدة أبي وسيِّدة بادوا وفرارا والبندقيَّة وكلِّ أوروبا.
    أشرت إلى أميليا أن تتركنا فخرجت، وأسندت كلوديا على ركبتيَّ وأخذت أمسِّد وجهها بيدي، فوجدت ثغرها قد ارتسمت عليه ابتسامة خفيفة، وقالت:
    - أنتما كلُّ ما لديَّ يا جون، ولا أعرف ماذا أفعل، لقد ساقني القدر إلى أحضانك، وأنا لا أعرف غيرك، وقد رعاني ألفونسو أكثر من أبي، ولا أظنُّني أستطيع أن أتحمَّل غيابه.
    - لست وحدك يا كلوديا، فقد حرَّرني وأحسن رعايتي، وهاهو يورِّثني أملاكه كلَّها، وهي ثروة لا تحصى، فكيف أتحمَّل غيابه؟!. وأرى أن نتوجَّه إلى الله برجاء وندعو له، عسى أن يكون الطَّبيب مخطئاً.
    - سأدعو وأبتهل، ولكنَّ حزني عظيمٌ، وفَرَقي شديد، وأملي كبير بأنَّها أزمة عابرة سنتجاوزها معاً.
    - آمل ذلك.
    نمنا في هذه الليلة نوماً متقطِّعاً، ولم تجفَّ دموع كلوديا خلال الليل، ودعوتها في الصَّباح أن تصلح من حالها، وننزل إلى الصَّالة، كان ألفونسو ما زال يقرأ الكوميديا الإلهيَّة، قالت كلوديا:
    - يا سيِّدي يقولون أنَّ دانتي أليجيري قد تأثَّر بالعرب في هذا الكتاب، وسمعت من يقول أنَّه يشبه كتاباً قديماً للفيلسوف العربي المعري، اسم الكتاب " رسالة الغفران "، وربَّما كان قد اطَّلع على خبر الإسراء والمعراج في القرآن الكريم، ولا أدري مقدار صحَّة ذلك.
    - هذا ما يقوله ألفريد أيضاً، وقد نقل العرب فكرهم معهم إلى أسبانيا وصقلية، ولا يمكن لدانتي أن يدَّعي عدم اطِّلاعه على ذلك. هل أنتما جاهزان يا ولديَّ، هيا بنا.
    - إلى أين نحن ذاهبان يا جون؟.
    - إلى الطبيب السويسري المشهور برنار.
    صعدنا العربة وذهبنا باتجاه سوق المدينة في القسم الممتدَّ منها على اليابسة، حيث انعطف سائق العربة ودخل في طريق ضيِّق، ثمَّ توقَّف أمام باب كبير، فترجَّل ألفونسو وتبعناه ودخلنا، وهناك كان خادمٌ ينتظرنا فأدخلنا لعند الطَّبيب، وما أن وقعت عيناه على ألفونسو حتَّى حيَّاه باحترام ومودَّة.
    - أهلاً بك يا سموَّ الأمير وخير الرِّجال على ما أعلم.
    - أشكرك يا صديقي برنار، وأنا الآن أحد مرضاك، وأتمنَّى أن تجري لي الفحوص اللازمة، وتخبرني عن مرضي، دخلا غرفة الفحص فدلفنا وراءهما رغم اعتراض الطَّبيب، وقال ألفونسو:
    - هذا ابني جون، وهذه زوجته. وهي كابنتي حقَّاً.
    أجرى الطبيب الفحوص اللازمة، وأخذ وقته في إعادة التَّدقيق، ثمَّ جسَّ يدي ألفونسو وقدميه، واستخدم سمَّاعة عجيبة لم أر مثلها لدى طبيب، وأعاد الكرَّة مرَّات كثيرة، ثُمَّ انخرط مفكِّراً، ولبس ألفونسو ثيابه وخرجنا إلى غرفة الطَّبيب، فتبعنا بعد برهة، كان الوقت يبدو كأنَّه سنون طويلة، وكانت كلوديا ترتجف وقد جفَّت دماؤها، وارتعشت شفاهها، ولقد كنت في أشدِّ حالات الاضطراب الَّتي مررت بها في حياتي، وحين ابتدأ الطَّبيب الكلام كنَّا نلتقط أنفاسنا ونتابع حديثة كلمة كلمة، سأل الطَّبيب عن حالة ألفونسو الَّتي راجع الطَّبيب بشأنها، فأخبره أنَّه عانى من ضيق في التَّنفُّس، ووهن في الجسم، ودوَّار بسيط.
    - وماذا قال لك الطَّبيب؟.
    - في باليرمو قال أنَّه يشكُّ بقصور في القلب، وأكَّد ذلك الطبيب في بادوا.
    - من طبيب بادوا؟.
    - إنَّه سولازيو.
    - هذا طبيب جيِّد.
    - وقد أكَّد لي ذلك وطلب إليَّ الاهتمام ببعض الرِّياضة والنَّشاط الخفيف.
    ضحك الطَّبيب ساخراً، والتقطنا أنفاسنا، وأحسست بسريان الدَّم في عروقي، ورجوع الرّوح إليَّ، إنَّ في نظرات الطَّبيب ما يبعث على الطَّمأنينة ونفي الخوف.
    - أوَّلاً أطمئنك يا سيِّدي فأنت لا تشكو من شيءٍ في قلبك، وأشخَّص أنَّ الحالة الَّتي جاءتك، كانت مجرَّد التهاب عابر في الأذن الوسطى تعافيت منه، وإنَّني على استعداد يا سيِّدي لأن أحلف لك بجميع القدِّيسين أنَّك أصبحت في أحسن صحَّة وعافية، ولا أكتمك أنَّه نالني بذلك سرور عظيم.
    أغمي على كلوديا، وقد بذل الطَّبيب جهداً في إنعاشها، في حين أخذتني زوارق وعادت بي أخرى، لقد أحسست بأنَّ حياتي أعيدت إليَّ، وأنَّ الله قد تقبَّل دعائي، وأنَّني أدين له بنذر كبير سأولمه في صيدا فور عودتي، وسـأحضر الطَّبل والزَّمر وأوزِّع الكثير من المال على الفقراء والمعوزين.
    أفاقت كلوديا ضاحكة مستبشرة، وبعد قليل قامت فعانقت الطَّبيب، ثمَّ جثت أمام ألفونسو جامعة كفَّيها أمامها، ودموع الفرح تغسل وجهها الجميل وقد عادت له نضارته:
    - أحمد الله وأشكره على سلامتك، وأنا مستعدَّة أن أنذر رهبانيَّتي، لم يتركها ألفونسو تكمل الحديث، فقد وضع يده على فمها.
    - تباً إنَّك حمقاء، أتظنِّن أن الله يرضى بأن تكوني راهبة، هذه الحماقة متروكة لتلك الدَّميمات القُرع، الَّلواتي نشكرهن لاختفائهنَّ عن أعين النَّاس، وإراحة البشر من رؤية وجههنَّ القبيح.
    ضحكت كلوديا وقامت فعانقت ألفونسو، وكانت دموع الفرح تتساقط من عينيها على كتفه، وضمَّها بحنان، وقال:
    لن أمهلكما بعد عودتنا إلى باليرمو، ويجب أن تتزوَّجا فورا، وستريان أنَّني سأعدُّ لذلك اليوم أكبر احتفالٍ أعدَّ في أوروبا.
    - نحن طوع أمرك يا سيِّدي، قالت كلوديا.
    ولمَّا وجدني صامتاً، تمتم بهدوء، وعدنا أدراجنا إلى القصر، فوجدنا أميليا جالسة على عتبة الباب، وكانت الدُّموع تتساقط من عينيها، وما أن اقتربنا حتَّى أقبلت:
    - ملعونٌ أبي ملعون رومانو، ملعونة أنا إذا لم يكن سيِّدي سليماً، إنَّني أرى ذلك في أعينكم، وحينما رأتنا نبتسم انبطحت على الأرض وألصقت خدَّها بها وقالت:
    - مباركٌ سيِّدي يسوع، مباركة أنت يا مريم، مباركون أنتم يا جميع القدِّيسين، مباركٌ أنتما يا ولديَّ، لقد قبل الله رجاءكما ودموعكما الصَّادقة، ما أحلى الفرج، نعم هذا هو الفرج القريب، فشكراً لمفرِّج الهموم ومحيي القلوب .
    دخلنا وجلسنا حول ألفونسو الَّذي كان في تمام الغبطة والانشراح، وطلب أن ينال قسطاً من الرَّاحة، ولم نتركه إلاَّ بعد أن استغرق في النَّوم.
    توجَّهت أنا أتفرَّج على المتاحف وصالات الفنون، وبعد عودتي حدَّثتني أميليا عن حديث جرى في غيابي.
    - أفاق سيِّدي بعد ساعة ثمَّ نزل إلى الصَّالون ونزلت معه، وبعد قليل نزلت كلوديا وجلست إلى جانبه مسرورة ضاحكة فبادر إلى سؤالها عمَّا حدث في موضوع اليهوديِّ جيكوب ؟.
    - لم أبلَّغ شيئاً عن ذلك، ولكن لماذا تسألني يا سيِّدي؟.
    - أريد أن تحدِّثيني عن الموضوع من بدايته.
    - أنت تعرف يا سيِّدي أنَّ جدَّ أبي كان ربَّاناً في رحلتي كولمبوس الأولى والثَّانية، وأنَّه عاد محمَّلاً بالكنوز من الجواهر واليواقيت والذَّهب، وقد عبأه في صناديق معدنيَّة كثيرة، وقد توارثه ابنه ثم حفيده والدي المقيم في البندقيَّة هذه، وكان جيكوب يعمل عنده وكيلاً على أملاكه، وكان في ماضيه شديد الأمانة والإخلاص، وحينما يغيب والدي في رحلاته كان جيكوب يتصرَّف كما يشاء، وذات مرَّة عاد والدي وتفقَّد الصَّناديق فوجدها مسروقة، فأرسل يستدعي جيكوب، فوجده فارَّاً، وعمل والدي على إيجاده وإلقاء القبض عليه، وأودع السِّجن، وفي الاستجواب قال بأنَّه دفن الصَّناديق في منطقة رمليَّة على شاطئ البحر المتوسِّط، وقال بأنَّه ندم على فعلته فذهب لإحضارها فلم يستطع التَّعرُّف على مكانها، لأنَّ العواصف قد غيَّرت معالم الشَّاطئ، وأنَّه قد اصطحب معه ولدين يتيمين من جوارها، لعلَّهما يفيداه في كشف الموضوع، أمَّا أنا فقد توفِّي والدي بعد مدَّة من هذه الحادثة، وكان قد أطلق سراح جيكوب قبل موت أبي بكفالة الأمير لويس بأملاكه في صقلية، على أن يؤخذ ريعها حتَّى تعود الصَّناديق، وكُلِّف الكردينال بهذه المهمَّة، واستدعاني فجلبت من البندقيَّة إلى هناك، وكنت طفلة صغيرة، ثمَّ أعطاني غرفة في الدِّير وقال لي:
    - هناك طفلٌ مثلك في الطَّابق الأرضيِّ، وأرجو أن تصادقيه وتخبريني عن أحواله.
    كنت طفلة ولم أعرف شيئاً عن هذه المهمَّة، وقد تعرَّفت على جون وكبرنا معاً وتوطَّدت العلاقة بيننا، والباقي أنت تعرفه.
    - لم تعرفي شيئاً عن هويَّته؟.
    - لا لقد سألته هو فأجابني أنَّه لا يتذكر اسمه، ولا يعرف قريباً له أو فرداً من عائلته، ولقد سألت الكردينال عنه، فقال:
    - مهلاً يا بنيَّتي أتظنِّين أنَّني أعرف أسماء وأقرباء جميع الرَّعيَّة، لا شكَّ أنَّه ابن رجل وامرأة من أبناء البشر .
    وبقيت أستقصي شيئاً ما عن هويَّته فلم أفلح، حتَّى كبر وتفوَّق في فروسيَّته وثقافته وفنِّه على الكثير، فنسيت ذلك الماضي، واكتفيت بنبوغه وأحببته، وكنت صادقة معه مخلصة له طيلة حياتي، وأنتما يا سيِّدي كلُّ ما تبقَّى لي على هذا الكوكب، فلقد كنتَ دائماً السَّيد والأب والرَّاعي لنا أنا وهو، وإذا غاب أحد من هؤلاء الثَّلاثة، تهدَّم الأمل والرَّجاء، وإنَّني أفديكما في كلِّ وقت.
    - ولم تعرفي أنَّه أحد الطِّفلين المخطوفين يا بنيَّتي .
    شهقت كلوديا، ولم تعد ركبتاها تحملانها، فتهالكت واقعة على الأرض تلهث.
    - ويلي ويلي يا سيِّدي، تمنَّيت تبلعني الأرض وتطويني، ويلي لقد تهدَّمت حياتي يا سيِّدي، ويلي ممَّا جناه جيكوب عليَّ وعليه، لعن الله جيكوب، واهٍ واهٍ واه.
    - هوِّني عليك يا بنيَّتي، إنَّه يحبُّك أكثر ما أحبَّ رجل امرأة، لقد كان دائماً يعرف من هو، وقد امتنع عن إطلاعك لأنَّه خشي أن يكون لأهلك علاقة بهذه الحادثة، فتكوني مصدر شقائه وغربته، وليس جون ابناً يتيماً ملتقطاً كما أخبرك جيكوب، إنَّ والده علمٌ من أعلام العرب ورجلٌ مهمٌّ عندهم كأهميَّة ألفريد عندنا.
    - ويلي على جون يا سيِّدي، أيّ شقاء سقته إليه وأنا الآن أدَّعي حبَّه، إنَّني أخجل من نفسي يا سيِّدي، ولا أعرف إذا كان سيسامحني يوماً ما، لا يجوز أن أطلب منه السَّماح، لعن المال والصَّناديق إنَّه لن يسامحني، وسأبقى أحبُّه ولا ألومه.
    - وماذا بعد يا أميليا؟.
    - سألها ألفونسو عن مصير شقيقته الَّتي اختطفت معه.
    - هل هي أخته؟.
    - ألم تقولي بأن جيكوب قد اختطف ولدين، فالثَّاني أخته الأصغر منه.
    - أخته؟!.
    - نعم.
    - وهذه جريمة مزدوجة، الطِّفل وأخته، ربَّاه لقد تحطَّمت حياتي، وماذا بعد يا سيِّدي؟.
    - وهما وحيدا أبويهما، وربَّما يكونان قد قضياً أسىً على ولديهما.
    - جميلٌ جداً يا سيِّدي، أصبحت الجريمة مثلَّثة أو مربَّعة، ضحايا لا ذنب لهم سوى أنَ جيكوب الكلب قد سرق صناديق، فدفعا من حياتهما مالا يعوِّضه مالٌ أو غيره.
    - كلوديا حبيبتي اسمعيني إنَّ ما فعله جيكوب هي الجريمة المثلَّثة والمربَّعة، لا أنت ولا والدك من ارتكبها ولا علاقة لكما به، لقد سرق الطِّفلين كما سرق الكنز، إنَّه حيوان لئيمٌ بلا قلب .
    - ولكن كيف سيفهم جون الموضوع، إنَّني أموت فرقاً.
    - لقد أعطيته من الحبِّ والحنان ما يصرفه عن ذلك، وقد صارحني بأنَّه لا يشكُّ في براءتك من هذا العمل المشين.
    - حقّاً يا سيدي، والله إنَّني لأدفع عينيَّ وعمري ولا أكون سبباً في ذلك.
    - تحلَّي بالصَّبر يا ابنتي، إنَّه يحبُّك فوق ما يمكن لحبيب أن يحبَّ، وسأحدِّثه عمّا دار بيننا، وستجدينه على ما تتمنِّين.
    - أرجو ذلك يا سيِّدي، ولكنَّني سأبقى خجلة من هذه الحادثة طيلة حياتي.
    - لا عليك وفرِّجي عن قلبك الصَّغير.
    ساقت أميليا الحديث بهذه الدِّقَّة وقالت وهي تبكي:
    - ألن تسامحها يا ولدي.
    - وهل اتَّهمتها ذات مرَّة، إنَّني أعلم براءتها من الحادثة براءة الذِّئب من دم يوسف.
    - لماذا لا تصارحها وقد عرفت، قالت أميليا ثمَّ أردفت:
    - إنَّها لم تعد تستطيع مواجهتك، فاجبر بخاطرها وبادئها، فربَّما ماتت كمداً.
    - سأفعل يا أميليا، وإنَّني أشكرك فأنت امرأةٌ نبيلة فاضلة حقَّاً.
    - انظر يا جون، إنَّ الله اختارني لخدمتكما، واعلم أنِّي سأكون لكما أكثر من مربِّية لأطفالكما، وإنَّما ربَّة منزل أيضاً، ولا أريد منكما سوى شيءٍ واحدٍ.
    - أمرك يا أميليا ما هو؟.
    - أن تكنَّا لي ما أكنُّه لكما من الحبِّ، فأنا لم أر الحبَّ قبل ذلك.
    - والاحترام أيضاً.
    كان هذا حديث أميليا مفصَّلاً للغاية، ولقد حزَّ في نفسي وساءني كيف وصلت الأمور إلى هنا. فصعدت إلى كلوديا وصادفت ألفونسو خارجاً من عندها، فاستوقفني مستوضحاً عمَّا ورائي.
    - أريد أن أطمئنَّ عليها وأراني سأحاول تضميد جرحها يا سيِّدي. فقد حدَّثتني أميليا بالتَّفصيل، ولا أريدها أن تشقى وتتألَّم لحظة واحدة.
    - حسناً تفعل يا بنيَّ، إنَّك فارس حقيقيٌّ يُقتدى بك.
    دخلت غرفة كلوديا، ولما رأتني أخذت ترتجف من أعلاها إلى أسفلها، وأزاحت نظرها لتخفي وجهها كما يفعل الطِّفل المذنب، فاقتربت منها .
    - إذن يا كلوديا فنحن نسيبان، وتجري في عروقنا دماءٌ واحدة، في بلادي من يتزوَّج أجنبيَّة ينظر إليه بحذر، فإذا عرفوا أنَّ أصلها عربيٌّ أعادوا لهما الاعتبار، وأصبحت أكثر تدلُّلاً من المواطنات. فمتى سنتزوَّج يا حبيبتي، ولقد كنت دائماً أعرف أن لا علاقة لك بهذا الموضوع، وكنَّا أنا وأنت طفلين صغيرين، في بلادي إذا لم يبلغ الطِّفل الحلم فلا وزر عليه ولا يناله القانون، فكيف وأنت لا علاقة لك بهذا الَّذي وقع، وإنَّني أشكر الله على ذلك، فلولا اختطافي لم أتعرَّف عليك ولا على ألفونسو.
    جلست متربِّعة على السَّرير ونظرت إليَّ بعينين دامعتين:
    - أي حبيبي أخاف أنَّ ما وقع لا يمكن إصلاحه.
    - أنت مخطئة يا كلوديا فلم يحدث شيءٌ، فلا تكوني سبباً في زيادة الألم في هذه التراجيديا المأساويَّة، وبالنِّسبة لي لا أجد لك أيَّ علاقة بالموضوع، إنَّ الأمر يتعلَّق بجيكوب، وبه وحده، وقد أوصله الجشع إلى أن صار سارقاً وخاطفاً وقاتلاً، وسوف نتبيَّن أين أختي، فهو يعرف ولا شكَّ.
    - لعن الله جيكوب المسخ، وأذلَّه وأهانه، ثمَّ قتله بذنبه.
    - لا تحزني يا حبيبتي، فالله تعالى ينظرنا ومنه الغوث والفرج. ألا يجب يا كلوديا أن ننظر إلى الحادث على أنَّه مرَّ بسلام، وأنَّ مسؤوليَّته تقع على عاتق اليهوديِّ، وحسب علمي فإنَّه يقطن هنا في البندقيَّة.
    - كان كذلك وربَّما ما يزال .
    - هل تعرفين أنَّ أختي كانت طفلاً صغيراً، ربَّما نسيت كُلَّ الماضي، ولا أدري الحال الَّتي آلت إليها .
    - لقد ادَّعى بأنَّكما يتيمان، وأنَّه سيرعاها كما لو كانت طفلته.
    اطمأنَّ قلب كلوديا، وعادت الحياة إلى خدِّها المشرَّب بحمرة الخجل، وقفزت إليَّ تعانقني، ثمَّ استسلمت لقبلاتي الحارة، وسمعنا نقراً على الباب ففتحته ليدخل ألفونسو وأميليا، وعندما وجداها مطمئنَّة تضحك عانقاها بحرارة.
    - ألم أقل لك يا حبيبتي أنَّ زوجك رجلٌّ عظيم.
    - بلى يا سيِّدي وأنا أشكرك وأموت من أجلكما.
    - نحن نريد لك بدلاً من الموت حياة هنيئة دافئة طويلة وسعيدة يا بنيَّتي. وسأزفُّكما فور العودة إلى صقلية.
    نظرت كلوديا من خلال النَّافذة إلى الأفق نظرة حالمة، وخرج ألفونسو وأميليا، فقلت لها: ما رأيك بالجلوس على الشُّرفة نراقب البحر.
    - حبَّذا يا جون، إنَّني أتعذَّب ولعلَّ الهواء المنعش والأفق الرَّحب يخفِّفان عنِّي.
    خرجنا إلى الشُّرفة وفي همِّي تفريج هذا الأسى البادي في عينيها، وأخبرتها أنَّها فتاة صغيرة ورثت القضيَّة عن والدها، وليست طرفاً في هذه المعادلة، ولم تكن في سنٍّ يسمح لها بتحمُّل مسؤولة أيِّ عمل، أو التَّخطيط لمثل هذه الجرائم، وقد تعرَّفت عليَّ في ظروف مصنوعة من أجل هذه القضيَّة، لكنَّهم كتموا عنها التَّعرُّف على مضمونها أو تفاصيلها، ولم يطلعوها عليها في أيِّ وقت، وقد كلِّف الكردينال ستيفاني بهذه المهمَّة، وهو وحده يعرف مضمونها ومراحلها، فقد مات والدها جوزيف ولم يبق من يعرف بالموضوع غير اليهوديِّ والبابا والكردينال، ثمَّ الأمير لويس .
    - كلوديا أنصتي إليَّ.
    - نعم يا حبيبي.
    - أريدك أن تمحي هذا الحادث من ذهنك تماماً، وقد تجاوزناه ولا دخل لنا به، كما أنَّنا سنستمرُّ كما كنَّا، فنحن عربيّان بعد كلِّ شيء، ولنا دينٌ يمنعنا من الظُّلم، وقد اشتُّق الظُّلم من الظلام لضلالته، فأنت عندما تكون ظالماً كأنَّك تكون أعمى، ولست أنا كذلك، ولا أحمل لك في قلبي إلاَّ الحبَّ والامتنان، فلقد كنت بارَّة بي، حفيَّةً بوجودي، لقد أعطيتني كلَّ ما تملكينه، ووقفت إلى جانبي بكلِّ جوارحك، وأحسُّ بك كعضو من أعضاء جسمي، فلا تخذليني يا كلوديا، ولا تحوِّلي فرحنا بألفونسو إلى مأتم.
    - أي حبيبي، سأحاول جهدي أن أبلسم جرحك العميق، وأنت الآن في حلٍّ من زواجي، وهذا يكسر قلبي ويحطِّمني، وعندما ترضى بأن نستمرَّ سأكون بعض تابعيك، وإذا أردت أن أكون زوجتك فأنت حبيب عمري الوحيد وبهجتي وسعادتي، بل أنت نبض قلبي، وما زلت في شوق إليك حتّى أجدك، ثمَّ أظلُّ في شوقٍ إليك حتَّى أجدك ثانية، غير أنَّني أخيِّرك بين أن تبقى أو أساعدك في الوصول إلى قومك، ولا أشترط عليك شيئاً .
    - أي حبيبتي، لا شكَّ أنَّ في أولويَّاتي الالتقاء بأهلي، وقد كنت دائماً كذلك، ولكنَّني أخبرك وأنا صادقٌ بل إنَّه عهد الله من العربيِّ أن أعود إليك لنمضي بقيَّة حياتنا معاً.
    - انظر إلى الأفق يا جون، هاتان غيمتان تقتربان من بعضهما، لا شكَّ أنَّهما ستتَّحدان.
    وبعد لحظة احتكَّت الغيمتان فنتج عنهما وميض اللَّمع والبرق، وسمع صوت الرَّعد خافتاً لبعدهما.
    - أليس هذا هو الحبُّ، وتنتج عنه شرارة الطُّفولة أليس كذلك؟. متى سأحمل منك طفلاً يؤانسني بك.
    - فور عودتي من صيدا، لقد صرت الآن أخشى الفرسان، فرسان لويس الَّذي أثاره امتلاكي ثروة ألفونسو، وأحسبه سيحاول الفتك بي.
    - لن يفعل هذا هنا يا جون فإنَّ ألفونسو سيقتله إذا أحسَّ بأيِّ بادرة منه، وإنَّ ألفونسو في منزلة من الفرسان والملوك على قدر يكفي لقتل لويس في أيِّ إشارة، وعلى الأغلب أنَّ لويس سيحاول ذلك خلال سفرك، فخذ الحيطة وسافر متخفِّياً .
    - أريدك أن تكوني مطمئنَّة في غيابي، وهذا ألفونسو سيكون لك عوناً وظهيراً، ولا أظَّنه سيتركني أسافر قبل أن ينهي معاملاته العقاريَّة، على كلِّ حال فلن يكون السَّفر أهنأ من العيش معكما.
    نزلنا إلى الصَّالة فأخبرنا ألفونسو أنَّه يتعقَّب الآن اليهوديَّ، وعلم أنَّه قد فرَّ برفقة ابنته أليزا. قالت كلوديا:
    - متى كان لليهوديِّ ابنة؟!. إنَّه على حدِّ علمي غير متزوِّج، ولم أسمع بأنَّه كان متزوِّجاً من قبل.
    - هؤلاء القوم متخفُّون، وجميع أمورهم يخطِّطون لها بالسِّرِّ، ولن يعلن اليهوديُّ عن زواجه، بل يكتمه

    الصور المرفقة  

  2. #22
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    5

    زينب

    كانت هذه الذِّكرى كافية لكي تعيدني إلى موضوع كنت غافلاً عنه، فهذا اليهوديُّ الَّذي رافقنا اسمه يعقوب وهو الَّذي اختطفني مع الرَّجل العملاق، وقد اصطحب معه هذه الفتاة التي يدعي أنها ابنته أليزا، الَّتي تكرهه ولا تحترمه، ولو كانت ابنته لما كانت تكرهه إلى هذا الحدِّ وتشتمه .
    نظرت إلى خالي وقلت له:
    - يا سيِّدي من تشبه أليزا.
    - لماذا يا ولدي.
    - أريد أن تشبِّهها ببعض أهلنا.
    - إنَّها صورة عن عمَّتك ليلى، وكأنَّها هي، وما زلت أنظر إليها بتعجُّب.
    سمعت أليزا هذا الحوار فاقتربت منَّا، وهي تستفهم عن سببه.
    - إنَّ لديَّ قصَّة سأروي بعضاً منها أمامك حينما تكوني مستعدَّة لها .
    - يا سيِّدي لقد شغلت بالي وجعلتني لا أستطيع الانتظار.
    - هل تذكرين، أو تحملين أثراً ما عن ماضيك.
    - لا أدري كان هناك قلادة صغيرة أخذت منِّي عندما كنت صغيرة، ولا أدري ما كان بها.
    - إذا أريتك واحدة مثلها هل تعرفينها؟.
    - والله لا أدري، لقد قدم بي العهد وكنت صغيرة جدّاً، وسأرى إذا كنت قادرة على تمييزها.
    - هل تذكرين شيئاً من حياة يعقوب يذكِّرك بها.
    - لقد كانت حياتي معه غموضٌ في غموض، ولقد رعاني وعلَّمني، ودافع عنِّي، إلاَّ أنه كان لئيماً كاذباً في تعامله مع النَّاس، وكان ناكراً للجميل، ويصطاد الفرص لسلبهم أو الاحتيال عليهم، وكان دائماً مسافرٌ، لا يعرِّف أحداً بوجهته ولا تاريخ عودته، وكثيراً ما سمَّوه في لغتهم جيكوب اليهودي، وجيكوب الغامض، وبعضهم يناديه بالكذَّاب وآخرون الغدَّار.
    - كيف تعلَّمت اللغة العربيَّة يا كلوديا.
    - لقد هان عليَّ ذلك من بين جميع اللُّغات في جامعة البندقيَّة، وكان بها قسمٌ خاصُّ باللغة العربيَّة يدرِّس به مجموعة من المستشرقين.
    ثمَّ أضافت:
    أين القلادة يا جون؟.
    دخلت إلى غرفتي وبحثت عن القلادة بين أغراضي فوجدتها، وحملتها ووضعتها بين يدي أليزا، وقد نظرت إليها بإمعان وبدت عليها علائم الدَّهشة والشَّكِّ، لكنَّها لم تتعرَّف عليها بشكلٍ واضح، ولو أنَّها عرفتها لملأتها المفاجأة والانفعال، لكنِّها لم تنكرها بل لبثت تنظر إليها.
    - افتحيها يا بنيَّتي قال خالي وعليه أمارات الانتظار والخوف والجزع.
    فتحت أليزا القلادة، ثمَّ اضطربت وكادت تنطق بكلامٍ، ثمَّ تمتمت:
    - لا تبدو غريبة عليَّ، ولكنَّ الصُّورتين في داخلها قديمتان، ولا أتذكَّر الآن شيئاً يتعلَّق بهما، ثمَّ اضطربت وقالت:
    - أحسُّ أنَّني مرهقة، وأريد أن أستريح.
    ونهضت فدخلت غرفتها متباطئة متهالكة الخطوات، فتبعتها دنيا ثمَّ فاطمة، وجلسنا نحن رجال الرِّحلة نتحدَّث.
    قال بربر:
    - إنَّ اليهوديَّ سجينٌ هنا في إنطاكية، ولا بدَّ من استجوابه وأنا خير من يفعل ذلك.
    نهض بربر وخرج ورفض أن يصطحبَ أحداً منَّا، في حين قال خالي:
    - أخشى ما أخشاه أن تعمَّ الفوضى بيننا لأيَّام إذا ثبت ظنِّي.
    قال مراد:
    - لماذا يا خالي؟.
    وكان يناديه بخالي منذ عرفَ أنَّه خالي .
    - لو كانت أليزا هي زينب أخت عماد لسادنا الوجوم والاضطراب عدَّة أيَّام، ولكان قدراً عجيباً، وقد صدقت فاطمة بتسميتها الرِّحلة برحلة القدر.
    تأخَّر بربر كثيراً في العودة في حين تتقاطع الأفكار وتتضارب بيننا نحن رفاق الرِّحلة، ولأبدأ بخالي فقد عاد به اللقِّاء بنا إلى ذكرى الأبوَّة والعودة به إلى قطار أحداث مرَّت، وقد تمتم قائلاً:
    - سأعود إلى أسرتي فور الانتهاء من هذه التراجيديا، لقد علمت الآن عمق المأساة الَّتي تعرَّض إليها بيت شفيق، لقد اختطف ولداه وماتت زوجته وأصابته الهلوسة والضَّياع لهذه المصائب المتزامرة .
    وقال مراد:
    - إذا صدق حدسي فإنَّ أليزا هي أخت جون، أي زينب أخت عماد، وكان يبدو في غاية التَّأثُّر والانفعال.
    أمَّا دنيا وفاطمة فقد عادتا بعد إغفاءة أليزا، وجلستا متلاصقتين، وابتدأتا تتحدَّثان بهدوء عن هذه المأساة، وهذه الرِّحلة العجيبة المليئة بأحداث متواترة مستغربة.
    أمَّا أنا فلا أستطيع أن أعبِّر عن هذِّه الأنهار من الأحاسيس المتضافرة، منها الغضب والحزن، وهما هاجسان مؤلمان فرادى، ولكنَّهما موجعان إذا اجتمعا، بل هما قاتلان أيضاً، ولعلَّ المجرمين الَّذين نكبت بهم البشريَّة قد أحسوا بالغضب والحزن، وقد تراءت أمامي صورة أهلي كما أذكرها من طفولتي، وما نحن عليه الآن، فإذا كانت أليزا هي أختي زينب، وعدنا إلى منزلنا فماذا سنرى وقد توفِّيت والدتي، ومرض أو مات أبي، وكيف سيكون المنزل والصَّنوبرات هل هرمت وماتت؟، والشَّاطئ الجميل، وآمو هل تركنا عائداَ إلى باليرمو، أم أنَّه ما زال يتبع خطانا، وإذا ما كان اليهوديُّ اختطف أختي وهو موجود هنا في إنطاكية فهل سأتركه على قيد الحياة؟، لست متأكِّداً من ذلك، ولا من عكسه، وربَّما سأترك الموضوع لأليزا تتصرَّف به كما تشاء.
    عاد بربر كالح الوجه عابساً، وكانت عيناه المتوقِّدان تنطقان بالحيرة والألم، وكان القوم يترقَّبون وهم ينظرون وكأنَّهم حالمون.
    - لقد مات الكلب.
    - كيف ذلك؟.
    - نزلت إلى قبو السِّجن ووقفت أنتظر إحضاره، وبعد قليل أحضر، وما أن رآني حتَّى استبق الحارس إلى غدارته فأطلق النَّار على نفسه، وقال وهو يموت:
    - إن أليزا أمانة في أعناقكم، أوصلوها إلى بيتها في صيدا، وجون هو أخوها اختطفناهما معاً، وقد عنيت بها كأنَّها ابنتي، وسجَّلت لها جميع أملاكي في البندقيَّة، وأتمنَّى أن أكون بقتل نفسي الآن وعنايتي بها هناك قد كفَّرت عن خطيئتي، ولقد دفنَّا كنزاً قريباً من بيتهما.
    ثمَّ فاضت روحه. وكان جميع ذلك مفاجأة لنا جميعاً، أنا ومدير السجن والقائم مقام إبراهيم.
    لا أستطيع أنا أو صحبي وصف شعورنا، فقد دخلت في حالة من الذُّهول وكأنني أحلم، في حين زغردت السَّيدة دنيا وأسرعت ومعها فاطمة إلى غرفة زينب، وأيقظتاها وغبن برهة وعدن معها، كانت هي أيضاً قد دخلت في حالة من الذُّهول والضَّياع، وبدا عليها التَّعب والإرهاق، ثمَّ تهالكت على الأريكة وانخرطت في بكاء وعويل، ثمَّ تمتمت:
    - لقد أحزنتني وفاة يعقوب، لقد مات ولم أفهمه، لقد عاملني دائماً برفق، ودافع عنِّي، وقدَّم لي كلَّ ما يستطيع، ولكنِّي الآن ضائعة تماماً وأرجو أن أفيق من الصَّدمة بعد حين.
    ثمَّ نظرت إليَّ:
    - أهلاً بعودتك يا عماد، أنت كلُّ شيء تبقَّى لي.
    نهضت نحوها وضممتها بحرارة.
    - كم تعذَّبنا يا أختي، أنا كنت أعرف وأنت لا، لقد كان عذابي جحيماً، وفي البداية امتلأت حقداً وكراهية، لكنَّني بعد أن تعرَّفت إلى كلوديا وألفونسو تمكَّنت من متابعة حياتي، أمَّا أنت فلم تكوني تعرفين، ولعلَّ معاناتك كانت أقلَّ من معاناتي، فافرحي بي، وها أنا رهن إشارتك، واعتبر من أغنى أغنياء أوروبا، ولي هناك من الاحترام والتَّقدير ما لا يستحقُّه من هم مثلي، فكوني مطمئنَّة وسوف تكونين معي في جميع ما أملكه.
    قالت زينب:
    - أيمكن يا سيِّدي أن نجري ليعقوب جنازة لائقة، وأن يشيَّع ويدفن على طريقة قومه، إنَّني ألتمس منكم أن يعامل باحترام بعد موته.
    - أمرك يا بنيَّتي، سنبحث عن بعض قومه هنا وسيلقى العناية اللاَّئقة. ولكن رفيقه العملاق سيظلُّ في السِّجن ريثما يقدَّم للمحاكمة، وسأدَّعي عليه ليبقى سجيناً مدَّة كافية أعزله فيها عنكما وعن الأذى لكما.
    - حسناً تفعل يا عمَّاه. قالت زينب باكية.
    في صباح اليوم التَّالي خرج بربر باكراً، ولم يعد إلاَّ بعد الظَّهيرة . وقد عاد متعباً لا يخلو وجهه الصَّارم من تداعيات الإرهاق.
    - أي بنيَّتي لقد تمَّ إجراء الدَّفن كما طلبت، وتولاَّه جماعةٌ من قومه ودفن في مقابرهم، وقد اشتريت له الأكفان والعطور، ولم يقبل قومه بزيادة التَّدخُّل في جنازته .
    بقينا في مدينة إنطاكية وزرنا معالمها الرَّئيسة، فهذه المدينة أوَّل مدينة بناها سلوقس قائد الاسكندر، وكان جنرالاته قد تقاسموا الملك بعد وفاته سنة 323 ق.م، فأخذ بطليموس ولاية مصر وغربها، وسلوقس ولاية سوريَّا وحتى حدود الهند وأنتيكون ولاية ما يسمَّى الآن بتركيَّا وأرمينيا، وسَّماها سلوقس على اسم أبيه أنطيوخوس، وهو الَّذي أنشأ مدينة اللاذقيَّة وسمَّاها على اسم أمِّه لاتوديسيا، وقد تطوَّرت إنطاكية في العصر المسيحيِّ تطوراً كبيراً، فقد بشَّر فيها عمالقة المسيحيِّين كالتَّلاميذ الأوائل بطرس ويوحنَّا وبولص، وفي العصر البيزنطي حظيت المدينة باهتمام كبير، واعتبرت مع الإسكندريَّة من أهمِّ مدن بيزنطة، ومن أهمِّ معالمها الأثريَّة بقايا السُّور القديم والأطلال الرُّومانيَّة الَّتي بنيت على الطِّراز البيزنطي، وهو خليط من الطُّرز اليونانيَّة والرُّومانيَّة.
    عندما تقف أمام المعابد والكنائس والمساجد في إنطاكية يتمثَّل لك التَّاريخ برمَّته، فالحضارة اليونانيَّة مثَّلها السّلوقيُّون في معبدي هرقل وزيوس، والوثنيَّة الرُّومانيَّة ويمثِّلها المدرجُّ الرُّومانيُّ والجسور الرُّومانيَّة على نهر العاصي، والمسيحيَّة البيزنطيَّة ومنها أوَّل كنيسة بناها برنابا وبولص، والإسلام الأموي والعبَّاسي والمساجد المطوَّرة فيما بعد ما زالت قائمة، ثمَّ المسيحيَّة الصَّليبيَّة والمملوكيَّة تمثِّلها القلعة الَّتي بناها الفرسان ثمَّ طوِّرت في العصر المملوكيِّ، والعثمانيَّة الأولى يمثِّلها المسجد الكبير الَّذي صمَّمه المهندس المعمار سنان وهو شبيه بجامع الأستانه الكبير، والتَّكيَّة السُّليمانيَّة في دمشق. ومن الصَّعب أن تجد مدينة تجمع كلَّ هذه الحضارات، وتبقى شواهدها دالَّة على عمق تأثير هذه المدينة في التَّاريخ البشريِّ.
    بعد إقامة طويلة في إنطاكية استمرَّت عدَّة أيَّام، قرَّر بربر باشا مواصلة الرِّحلة جنوباً، وذلك بعد أن عزَّز الخيول بأربعة لكلِّ عربة اثنين، وبقيت عربة المتاع على حالها لأنَّ حملها خفيف، ولا تحمل داخلها أنفساً بل حوائج وأمتعة ومقتنيات، وكان لا بدَّ من ذلك لأنَّ هذه العربات ستتسلَّق الهضبة الشَّرقيَّة لجبل الأقرع، ثمَّ الهبوط في اتجاه مدينة اللاذقية. وكان بين إنطاكية واللاذقية مسير يومين بالعربات، ولا بدَّ من أخذ استراحة على الطَّريق والبحث عن نزل للمبيت، وهو ما كان مفقوداً في تلك الأيَّام، ولا بدَّ أنَّه يوجد شيءٌ ما من هذا القبيل.
    لقد أهمل العثمانيُّون منطقة السَّاحل السُّوري ومواطنوه هم سكَّان جبال عالية عصيَّة، فلا مسلك ولا طرق، وكانت بعض الدُّروب عبارة عن خيوط رفيعة تتلوَّى وَتَتَوزَّعُ كالشَّرايين بين الحجارة والصُّخور، وهي طرقات صمّمتها ونفَّذتها قطعان الماعز والرُّعاة أكثر من بقيَّة البشر.
    وكان بعض شجعان الفقراء يكمنون في وسط الطَّريق، فيتصعلكون على السَّابلة المارِّين، وربَّما سلبوهم متاعهم أو أموالهم، ولم تكن أراضيهم تنتج شيئاً يذكر من الحبوب والخضار، وذلك لشحِّ العيون وقلَّة الينابيع، وحصر ملكيَّة السُّهول السَّاحلية بالأترك من الأغوات أو الوجهاء من أعوانهم، والشَّيء الوحيد الَّذي تقدِّمه لهم الدَّولة هو السَّوق للخدمة للقتال في القوقاز واليمن وشمال أفريقيا.
    ولذلك كان لا بدَّ من الحيطة والحذر، وهذا ما سبَّب في أن يرسل حاكم أنطاكية مفرزة من الفرسان ترافق بربر باشا في رحلته عبر المناطق السَّاحلَّية، ومعهم مجموعة من البغال المحمَّلة بالأغذية والمؤن، وكانت اللغة الرَّئيس اعتباراً من أضنة هي اللغة العربيَّة، ممَّا سهَّلَ عليَّ التَّفاهم مع النَّاس، وكنت أحبُّ أن أستقصي عن أحوال النَّاس وأصولهم ومعيشتهم، وفي إنطاكية كنت أتجوَّل في حارتها وأزقَّتها وأختلط بهؤلاء المواطنين الفقراء إلى أقصى حدٍّ، والصَّابرين على فقرهم إلى نهاية الصَّبر، وقد شاهدت بأمِّ عيني الفرق بين الملكيَّة في صقلية وملكيَّة هؤلاء البسطاء الَّذين يتضوُّرون جوعاً، ولا يجدون سبيلاً إلى القوت غير الإغارة والسَّلب.
    ابتدأت القافلة تتسَّلق مرتفعات جبل الأقرع في الجهة الشَّرقيَّة منه، وساد الصَّمت الَّذي يقطعه صرير دواليب العربات وحمحمة الخيل، وعادت لي الذِّكرى فقد تنبَّهت إلى تلك المفارقات الَّتي حدثت لي في الاختطاف والتَّربية والتَّعليم والتَّدريب، والقتال في ساحات الوغى ومن على السُّفن، لقد عشت حياة بحريَّة منفَّرة، وكم أحسست بالغبن والإحباط والعدميَّة، حتَّى احتضنني ألفونسو ذلك السَّيِّد النَّبيل، وآلت أموري مع كلوديا إلى ما آلت إليه، وعندما أحاول أن أضيف عليهما لا أجد إلاَّ أميليا وألفريد وعبد الباري، على أنَّني اكتشفت أنَّ علاقتي بكلوديا هي الأهمَّ، وأراني لا أستطيع أن أحيا بدونها، لقد شعرت بشوقٍ مضنٍ إليها، وخفق قلبي وشعرت بالانقباض لبعدي عنها، ورغم أنَّني كنت أثق بألفونسو وحمايته لها إلاَّ أنَّني كنت أشعر بالوجد والقلق يرعيان قلبي.
    الصور المرفقة  

  3. #23
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    الجزء الثالث
    1

    لارا


    سرح فكري وعاد بي إلى البندقيَّة، فقد خرجت مع ألفونسو وكلوديا نتفرَّج على معالم مدينة الجزر، وخصوصاً الأحياء المائيَّة، حيث تمخرها زوارق الجندول، وفي بعضها عازفون مبهجون يعزفون للعشَّاق ألحاناً عاطفيَّة، وهم يلبسون ثيابهم التَّقليديَّة المخطَّطة.
    وكانت كلوديا تعرف شيئاً ما عن فينيسيا باقٍ في ذاكرتها من طفولتها المبكِّرة، وقد استدَّلت على الشَّارع الَّذي كانت تسكن فيه وعلى بيتها، ووقفت معنا على جسر الآهات وهو جسر قديم وكان النَّاس يقفون على هذا الجسر ويراقبون الجنادل وهو تمرُّ تحته تحمل عاشقين قد تيَّما حبَّاً، يتنهَّدان من البرح والوجد.
    قال لي ألفونسو:
    - في المساء سنذهب في زيارة خاصَّة جدَّاً، فكن جاهزاً.
    تعتبر فينيسيا من أهمِّ المدن في العالم، ليس لأنَّها مدينة الجزر فقط، وإنَّما لأسبقيَّتها في مجال العلوم والاستكشاف والسِّلاح، وقد ساهمت مساهمة فعَّالة في سقوط بيزنطة، ممَّا أفادها بالحصول على كنوز ونفائس بيزنطة، ومنها الثَّقافة المطعَّمة بفلسفة الشَّرق وعلومه، فكانت بيزنطة بموقعها كجارة للشَّرق أغنى وأعمق ثقافة من الغرب، وقد تضـافرت العلوم الَّتي انتقلت إلى أوروبا من القسطنطينيَّة وما حملته الجحافل الصَّليبيَّة بعد عودتها من الشَّرق وعلوم الأندلس وصقلية في إغناء الثَّقافة الأوروبية، ومن ثمَّ تفاعلت لتنتج الحضارة الأوروبيَّة العظيمة، ولتخرج أوروبا من العصور الوسطى، إلى عصر النَّهضة .
    زرنا المعالم الرَّئيسة في فينيسيا، وتهادى بنا الجندول على صفحات ممرَّاتها المائية العجيبة، لنصل إلى ساحة القدِّيس مارك، كما زرنا عدَّة أبنية تاريخيَّة مبنيَّة في العصر القوطي، ومنها قصور فخمة قد زيَّنها الفنَّانون بأهمِّ المناظر والرُّسوم واللَّوحات، كقصر غراسي وقصر غريماتي.
    حينما عدنا إلى القصر وجدنا السَّيد ألونزو بانتظارنا وهو يحمل المال الَّذي أعطاه له كوزومو ميديتشي.
    - وقد بادر إلى القول:
    - لقد بعت لوحاتك الرَّائعات، وبمبلغ محترم، وهذه أمانتك أضعها بين يديك.
    - أشكرك قالت كلوديا، وما المبلغ الَّذي بعتها به؟.
    - مليون ليرة فلورنسيَّة، وهذا يعادل ألف ليرة ذهبيَّة فرنسيَّة بعد حسم عمولتي وهي في هذه الأكياس، وأتمنَّى أن تستمرَّ في الرَّسم يا سيِّدي، إذا لم يكن من أجلك فمن أجلي، وإذا لم يكن من أجلنا نحن الاثنين فمن أجل الفنِّ، وسيصبح اسمك في رأس قائمة المبدعين.
    - لقد شاهدنا اللَّوحات عند الدُّوق كوزيمو، وروى لنا القصَّة، ونقدنا تسعة ملايين أخرى.
    - إذا فعمولتي تبلغ مليونين .
    - أنت مسوِّقٌ وليس مالكاً، وبما أنَّك أخسرت الصَّفقة فيكفيك ما أخذت من العمولة، وسأعتبر مبلغ كوزيمو هديَّة منه.
    - وهو كذلك يا سيِّدي، وأظنُّ أنَّ كوزيمو قد بالغ في الإعجاب بها، ولا تعتقد أنَّني أستهين بعبقريَّتك، وقد اشتراها وكيله هنا، ولم يطلعني على كامل القصَّة.
    - لقد خصَّص لهذه اللَّوحات قاعة كبرى، مقتصرة عليها.
    - إنَّها تستحقُّ الاهتمام والتَّقدير. على كلِّ حال أتمنَّى أن تتابع عملك الجميل، وسأنشر قصَّة كوزيمو بين كلِّ النَّاس، واللَّوحات الجديدة ستباع بسعر أعلى بكثير.
    - أشكرك يا ألونزو، وأعدك بأنَّ علاقتنا ستستمرُّ، وسأكون جارك في يوم ما.
    - أهلاً بك هنا، وإنَّني أدعوك غداً لحضور حفلٍ أقيمه في نادي الفنِّ، وهو حفل تـنكُّريٌّ كما تعلم على عادة البندقيَّة.
    أجابت كلوديا بسرعة:
    - سنكون حاضرين هناك، فلم أحضر هذه الحفلات منذ عهد بعيد، وقد كنت طفلة.
    - أرجو أن لا تأكلك الغيرة يا سيِّدتي.
    - ولماذا أغار؟.
    - أنت تعلمين أنَّ أغلب الفنَّانين دميمو الوجه والخلق، وسيكون جون نجم هذه الدَّائرة، وهم يصطحبون معهم أجمل فتيات البندقيَّة، أتدركين يا سيِّدتي ممَّ تغارين؟.
    - إنَّ علاقتي بجون فوق مستوى الغيرة، وأظنُّ أنَّني لن أكون أقلَّهن كذلك.
    - أوافقك، ولكنَّهن بارعات في التَّودُّد والدَّلال، وغوايتهنَّ يتعلمَّنها علماً، ويعتبرنها ثقافة تختصُّ بها النِّساء، ولا تحدِّثيني عن العفاف والشَّرف، فإنَّك ستفتقدينه في فينيسيا.
    - كأنَّك لا تريدنا أن نحضر، وإلاَّ فلم هذا التَّخويف.
    - لا يا سيِّدتي، وأتمنَّى حضوركما، ولكنَّني كما يقال: أعذر من أنذر.
    - أشكرك يا ألونزو، فلم تكن ما علمت إلاَّ رجلاً صادقاً ذا مبادئ.
    - أشكرك يا سيِّدتي، وأكرِّر الدَّعوة، فسأكون ممتنَّاً، وسنقِّدم فنَّاننا الكبير لكي يتعرَّف على الوسط الفنِّيِّ الرَّاقي.
    - إذا قدَّمت جون فلا تذكر أنَّك اكتشفته، فسيكذِّبك على الفور.
    - لا ينقصني شيءٌ أريد أن أضيفه إلى نفسي بالكذب يا سيِّدتي، فأنا لست أكثر من مسوِّقٍ، ولست راعياً للفنون، ولا صانعاً للأبطال.
    خرج ألونزو باسماً، على الرغم من طيف من الانقباض تلاعبت به عيناه لهذا الحوار القاسي، وقد أشارت كلوديا إلى أنها تعمَّدت بعض ذلك على سبيل الحذر، وقالت:
    - لا يبدو على هذا الرَّجل شيءٌ من اللؤم والمكر .
    - أوافقك الرّأي، وقد أخبرني ألفونسو بأنَّنا سنقوم بزيارة خاصَّة جداً ومهمَّة للغاية، ولا أدري إلى أين، ولا أعرف إذا كان سيصطحبك معنا.
    - هذا جيِّد، وما توطِّد به علاقاتك هنا سيكون مفيداً لنا بالمستقبل.
    - سأرى من هو الشَّخص الَّذي سنزوره، وكم أتمنَّى أن تكوني معنا، فلست أحتمل بعدك عنِّي.
    - سواء كنت معكما أولا أرجو أن تكون في أحسن حالاتك يا جون، وأن تدخل هذا المجتمع من باب عريض، وأن تبقى مؤهَّلاً لما أنت أهل له، ولتتذكَّر بأنَّ هذا المجتمع المترف المعقَّد هو ما سوف نتعايش معه مستقبلاً.
    جاء المساء بطيئاً في تسلُّله وكأنَّه ضيفٌ متكبِّرٌ، أو مدرِّسٌ مغرور، أو خبر جميل يتعثَّر دائماً قبل أن يصل إلى صاحبه، أو لصٌّ ظريفٌ يتسلَّل إلى قصر كبير فيتخفَّى بثوبٍ قاتم.
    وبعد برهة أخبرني ألفونسو أن أكون جاهزاً، وكذلك كلوديا، الَّتي دخلها انشراحٌ كبير لدعوتها، مع نظرة تساؤل وتشوُّق مختلط بشيْءٍ من الخوف، وقد صعدت معها إلى جناحنا وقالت:
    - لقد اشتريت لك ثياباً فخمة عندما اشتريت ثياب أميليا، وأرغب إليك ارتداء واحد منها.
    لم أرد ممانعة كلوديا مع إيماني بأنَّ اللباس لا يحمل مدلولاً كافياً للعناية به أو إعطاؤه هذه الأهميَّة.
    - أرى في وجهك بعض الامتعاض والرَّفض، نحن هنا يا حبيبي في مجتمع مترف مغرور، وأرى أن لا نترك لهم مجالاً لفتح باب الحوار والتَّساؤل.
    لم أجب كلوديا على ملاحظتها، وارتديت الثِّياب الَّتي أحضرتها، في حين لبست كلوديا ثياباً فاخرة، وبدت كأنَّها جنيَّة أسطوريَّة فريدة، بل جوهرةٌ يتيمة في معرض الجواهر والحليِّ.
    صحبنا ألفونسو الَّذي أبدى استحساناً كافياً لمظهرنا، ثمَّ أردف:
    - كأنَّكما تعرفان وجهة زيارتنا؟.
    - لا يا سيِّدي.
    - ولكنَّكما أحسنتما الحدس، فنحن ذاهبان لزيارة دوق البندقيَّة، وهو رجلٌ مغرور متعجرف، ولكنَّ لديه زوجة مهمَّة فريدة، تجعله مثار استغراب زوَّاره، وكأنَّهما نقيضان.
    - ومن هي زوجته يا سيِّدي؟. علَّقت كلوديا باسمة.
    - إنَّها لارا أخت ماري يا ولديَّ، وهي تفوق أختيها ماري وماريَّا جمالاً وثقافة ولياقة، وربَّما تكون سياستها الرَّشيدة هي الَّتي أبقت سيزار حاكماً لفينيسيا، إنَّها تحسن جميع الأمور المشجِّعة، جمالٌ ولياقة وحسن تصرُّف وحميميَّة في التَّعامل، وتعتبر هي حاكمة ولاية فينييتو بل وولاية لومبارديا الملاصقة، فقد وضعتها البندقيَّة تحت إشرافها، ومنها بريشيا وميلان، أمَا زوجها سيزار فواجهةٌ فارغة ليس لها مضمون.
    - ألن تعيدك إلى ذكراك المؤلمة يا سيِّدي؟.
    - لا فأنا مع ذكراي دائماً، ولكنَّها ستنقل لي أخباراً جديدة عن حالة ماري المرضيَّة، وسنستمتع بلقاء الزَّوجين الغريبين.
    وصلنا إلى قصر الحاكم سيزار، وفتحت لنا البوَّابة الرئيسة، فدخلنا إلى باحة القصر الأماميَّة، وعاينَّا القصر، فإذا هو كغيره من قصور قادة أوروبا، محاطٌ بسور يبعد عنه مسافة كبيرة، أتاحت مجالاً لحدائق غناء متنوِّعة، وبساتين فاكهة متعدِّدة، وعلى أطرافه أبنية للحرس والخدمة، وهي منازل مصمَّمة ومرتَّبة بشكلٍ جيِّدٍ، وهناك ملعبٌ للفروسيَّة وحقل للرِّماية بالأسلحة النَّاريَّة، وهناك على أطراف الحديقة بينها وبين السُّور مضمار جري عرضه أكثر من عشرة ياردات ويصل جميع العاملين ضمنه من الفرسان والحرس والخدم والموظَّفين، وأعلمني ألفونسو أنَّ هناك قصراً للحكومة، وقصراً للعلاقات الخارجيَّة وآخر للدِّفاع، وآخر للمال والتَّبادل الاقتصاديِّ، وداراً للشَّرطة والأمن، وغيرها من الدُّور المؤمِّنة لشؤون الدَّولة والعدل والخدمات والمرافق، ولكنَّها جميعاً تحت رعاية هذا الُّدوق البليد.
    اقتربت العربة من القصر، وكان مجموعة من الفرسان والمدنيِّين ينتظرون على الباب، قال ألفونسو:
    - انظر هذا سيزار وحاشيته تنتظرنا، وليس هذا من أصالته، إنَّه من تعليمات لارا الَّتي لا يجرؤ على مخالفتها.
    ترجَّل ألفونسو وتبعناه، وقد استقبلنا سيزار بحفاوة بالغة وصلت حدَّ التَّملُّق، ثمَّ سار أمامنا لنمرَّ عبر صالة أنيقة إلى قاعة أخرى، كانت تنتظرنا فيها امرأة فاتنة حقّاً، سلَّمت بمودَّة ظاهرة وأدب جمّْ.
    - أهلاً بك يا ألفونسو العزيز، يا أمير كُلِّ أوروبا، وأعقل وأشرف من فيها، ثمَّ يا صهري العزيز، كم آلمني أن يحول بك الزَّمن إلى مثل ما فرضه القدر عليك، ويكفيك هذه السُّمعة والشَّرف الكبير.
    - أهلاً بك يا لارا العزيزة، يا أخت حبِّي الضَّائع.
    - إذا سمحتم لي يا سيِّدي أن أذهب فإنَّ لديَّ وفداً أجنبيَّاً، تمَّ تحديد موعده من قبل، فهل أفعل أم أترك اللِّقاء لنائبي.
    - بل تذهب يا عزيزي سيزار، فإنَّ الوطن أهمُّ من كلِّ ما عداه.
    انسحب سيزار بهدوء بعد أن قام بانحناءة خفيفة تحيَّة وداع، ثمَّ خرج .
    - هذا الكلام مخترعٌ يا ألفونسو، وقد سألته أن يجد عذراً ليذهب، فاخترع هذه البدعة.
    تملَّيت هذه السَّيِّدة الرَّائعة، لقد كانت آية في الجمال، وكانت فصيحة اللِّسان قادرة على التَّعبير عن أفكارها بأسلوب متقن، ولطافة بالغة، كانت في أواسط الثَّلاثينيَّات امرأة ناضجة محبَّبة.
    - أنت كلوديا وهذا جون.
    - نعم يا سيدتي.
    - أنتما أشهر عاشقين هنا، وذكركما على كل لسان.
    قالت كلوديا:
    - وأنت أجمل وألطف سيِّدة رأيناها، وكم تشرَّفنا بمعرفتك.
    - هذا إطراءٌ أستحسنه، فما رأيك يا مونسنيور جون؟.
    قلت بعفويَّة:
    - سيِّدتي لقد وضعنا سموَّ الأمير بصورة بعض ممَّا شاهدناه وسمعناه.
    - وهذا الكلام الموحي أجمل من كلِّ سيِّدة، ولعلَّك بسهولة ستفتن نساء البندقيَّة المدلَّلات .
    - أشكرك يا سيِّدتي فإنَّ كلوديا قد فتنتني منذ زمن بعيد، وأنا سعيد بلقائك يا سيِّدتي، ولا أحسب من يلقاك إلاَّ رجلاً محظوظاً .
    جلسنا قليلاً ثمَّ اقتادتنا إلى الطابق العلويِّ ثمَّ إلى قاعة متوسِّطة الحجم تستخدم كغرفة معيشة واستقبالٍ خاصٍّ.
    - وأخيراً كيف حالك يا عزيزي ألفونسو، لقد اشتقتك كثيراً، وإنَّ ذكراك العطرة تجعلني أستمرُّ مع الغبيِّ سيزار، وأشكر الله أنَّني لم أنجب منه.
    - لمذا يا لارا، إنَّه رجلٌ طيِّبٌ، فلا تبالغي في إهانته. قال ألفونسو بجدَّيَّة .
    - إنَّه يسعد بهذه الإهانة، ولو عاملته باحترام لأفسدته، فإنَّ الغبيَّ قد يصِّدق أنَّه مهمٌّ، فيأخذه الغرور، وعندها سيملأ الدنيا إساءات تشقي كلَّ من حوله
    الصور المرفقة  

  4. #24
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    2

    قصر الفونسو في البندقية



    رأيت إحدى لوحاتي الَّتي أخذها ألونزو في باليرمو معلَّقة على جدار الصَّالة، وكانت كلوديا قد قدَّمتها إليه كهديَّة، وقد وضعت في إطار مذهَّب، وقد بدت جيِّدة جدَّاً بالمقارنة مع اللوحات الأخرى في الصَّالة، وعندما رأتها كلوديا قالت:
    - لقد تعرَّفت على جون يا سيِّدتي قبل أن تلتقيه هنا.
    - أين كان ذلك؟.
    - هذه إحدى لوحاته معلَّقة على الجدار، وأشارت إلى اللَّوحة.
    - بالله عليك؟!. إنَّها أحبُّ اللَّوحات إليَّ، وهي تسأل وتجيب عن كثير من المواضيع، وفيها من الألم والصَّبر ما لا أقدر أن أصفه. انظري يا كلوديا إلى الرِّيح الَّتي تلوي أعناق الشَّجر، وتركب أكتاف العشب، وتشتِّت الغيوم، انظري إلى الألوان إنَّها مشبعة بالألم، ومع ذلك يظلُّ كلُّ شيء صامداً، والرِّيح كالقدر العاصف، والشَّجر والعشب هم البشر والنَّاس على اختلافات العرق واللون والنَّسب، إنَّ الرِّيح قادرة على الاستمرار، وإنَّ الخلق صامدون رغم الإعصار المدمِّر، انظري إلى هذه الشَّجرة اليابسة كيف تهاوت أمام العاصفة، إنَّها الكبار والعجائز تحصدهم مناجل القدر، في حين تلوي الأعشاب أعناقها تاركة العاصفة لتمُرَّ، وهم بواكير الخلق من البشر والحيوان والنَّبات، ومع ذلك تظلُّ متألِّقة يانعة، انظري إلى اللون الأخضر وقد شرَّبته الحياة بلون ذهبيَّ واعد.
    - مهلاً يا سيِّدتي الرَّائعة، إنَّك تحمِّلين اللَّوحة ما لا تحملُه، وهذا الحديث يعبِّر عن شفافيِّتك وحسِّك وثقافتك .
    هكذا قال ألفونسو مداعباً، ثمَّ أردف:
    - حدِّثيني عنك يا لارا، إنَّ ريحك العطر فوَّاحٌ في كلِّ أوروبا، ولعلَّه القدر الَّذي كنَّا ضحيَّته، فلو أجرى القدر الرِّيح رخاءً وتزوَّجت ماري من سيزار، وتزوُّجتك أنا، ألا ترين كيف كانا شبيهين، وكنَّا نحن توأمين؟.
    - في هذا الوجود يسود التَّضادُّ يا ألفونسو العزيز، وعندما يقترن الشَّبيهان لا يولِّدان إلاَّ التَّعاسة والألم، وفي التَّضاد حكمة لا ندركها.
    - إنَّ الألم يا عزيزتي مذبحة الوجود، وإن كان من شرارته يبزغ الفجر وتزهر الأشجار وينهمر المطر.
    - ما زلت شاعراً يا ألفونسو، ولكنَّك لم تسألني عن ماري.
    - وماذا يفيد السُّؤال، لقد أخبرتني ماريَّا أنَّها مريضة تحتضر، ولم أرد أن أذكِّرك بها، فأنا أعرف الكثير عن حساسيَّتك وإشفاقك.
    - نعم إنَّني أرثي لحالها، فهي في آخر الشَّوط، ثمَّ أذكر العذاب الَّذي سبَّبته لك، فيخفُّ إحساسي بالألم.
    غيَّرت كلوديا الحديث، وقد أدركته قبل أن تنفجر الأحاسيس وتخرج الألفاظ من حرزها، وقد عرفت أنَّ العلاقة بين لارا وألفونسو ربَّما تفوق علاقة الفتاة بصهرها، وقد لاحظت أنَّ كلوديا أرادت لهذه المسألة أن لا تخرج من الضَّمير إلى اللسان، لكي لا تهتزَّ صورة ألفونسو في خاطرها:
    - سيِّدتي لعلَّنا نحن السَّيِّدتان أولى بهذا الاختصاص، ورَّبما كنَّا قادرتين على فهم الموضوع فسموَّ الأمير بمثابة الوالد لي، وأريد أن أسألك عن هذه اللَّوحة كيف آلت إليك؟.
    - لقد حملها إليَّ ألونزو قائلاً:
    - إنَّ هذه الموهبة المغمورة ستحتلُّ مكانها اللاَّئق في صدر الأعمال الفنيَّة الرَّائعة، وقد أهداني إيَّاها بلا مقابل، وكم أنا شاكرة له على ذلك، وسأدعوكم إلى الغداء ولن أقبل أيَّ عذر لرفض دعوتي.
    نظرنا إلى ألفونسو الَّذي ابتسم قائلا:
    - إنَّه لممَّا يسرَّنا يا لارا العزيزة أن يطول بنا وقت اللقاء بك، ونحن نعرف مشاغلك وازدحام مواعيدك، ونخشى أن نشغلك عن أمر مهمٍّ.
    - لا أبداً، وسأصرف سيزار كيلا يعكِّر الجلسة، وأتمنَّى أن تشتهوا شيئاً آمر بإعداده، وهنا في البندقيَّة يعدُّون أطيب الطَّعام في أوروبا، وفيه توابل الشَّرق ولحوم الغرب، ومعجَّنات إيطاليا المرموقة.
    أجاب ألفونسو:
    - نعم يا سيِّدتي وفي بعض هذا ما يكفينا خاصَّة إذا أضيفت إليه بعض الأعشاب البحريَّة المنتقاة.
    - لقد خفَّفت عليَّ المؤونة يا عزيزي ألفونسو، وسأصحبك الآن في جولة على ظهور الخيل، وكم أحبُّ أن يصطحبنا العاشقان.
    أجابت كلوديا بعفويَّة:
    - نشكرك يا أميرتي الرَّائعة، وإذا سمحت لنا أن نتفرج على حدائق القصر أثناء غيابكما فإنَّنا سنكون في منتهى السَّعادة.
    - خذا حرِّيَّتكما فأنتما في بيتكما، ولقد أحببتكما ونزلتما في قلبي منزلاً حسناً.
    - نشكرك يا سيِّدتي ونتمنَّى لكما جولة موفَّقة في رحاب قصرك العامر.
    خرج ألفونسو مع لارا، وجلست مع كلوديا برهة، ثمَّ اقترحت:
    - لماذا لا نذهب نتمشَّى في حدائق القصر، فقد شاهدت فيها منظراً استهواني.
    خرجنا إلى خارج القصر ومشينا على الطَّريق الَّذي قدمنا منه، وبعد دقائق وصلنا إلى حديقة رائعة التَّرتيب مقسَّمة إلى مربعات تحيط بها ممرَّات بين صفَّين من أشجار الصَّفصاف الحزين، وقد تدلَّت أغصانها لكي تكون مظلَّة رائعة لمقاعد خشبيَّة وزَّعت في الممرِّ بإتقان وترتيب، وفي المربَّعات أحواضٌ من الأزهار الموحَّدة فهنا القرنفل وهناك الأقحوان وهناك الياسمين وغيره، وتزوَّقت الحديقة بعشب مزهر بورود بيضاء وصفراء توشِّي أرض الأحواض، وقد وزِّعت بينها أشجار حراجيَّة مقزمة اتَّخذتها العصافير منابر للصُّداح والتَّغريد.
    جلسنا على أحد المقاعد في حين لفت نظر كلوديا وجود أرجوحة معلَّقة في شجرة صفصاف قريبة، فتوجَّهت إليها وابتدأت في التَّأرجح والغناء، واختلط صوت غنائها بزقزقة العصافير وتغريد الحساسين والبلابل، فبدت حوَّاء مرَّة أخرى في مهرجان الهبوط من الجنَّة.
    كانت كلوديا في منتهى السَّعادة والغبطة، وهل أجمل من المرأة الفاتنة تغنِّي مع العصافير والبلابل وهي في قمَّة الفرح والانشراح.
    اقتربت منها فخفت صوت غنائها ثمَّ قفزت إليَّ تعانقني وتغرقني بقبلات حارَّة، ونظرت فإذا ألفونسو ولارا على فرسيهما ينظران إلينا بانشراح ودهشة.
    - لقد أخذتنا روعة الزُّهور ونشيد العصافير، ووضعتنا في هذا الموقف المخجل. قالت كلوديا وقد تضرَّج وجهها بالخجل.
    - لا بأس عليكم، وإنَّه لتطفُّلٌ محبَبٌ إلينا.
    ثمَّ لويا أعناق فرسيهما مبتعدين.
    - لا تتأخَّرا فإنَّني أشعر بالجوع، قالت لارا وهي تمضي ضاحكة بغواية ودلال ظاهرين .
    عدنا إلى القصر، وفي الطَّابق الأرضيِّ وجدنا غرفة السُّفرة معدَّة للطَّعام، وعليها ألوانٌ موزَّعة من الطَّعام الشَّهيِّ، وبينها أعشاب بحريَّة معدَّة بشكلِّ أنيق، وقد أضيفت إليها التَّوابلُ الشَّرقيَّة فامتزجت رائحتاهما، في تزاوج ممتع بين البحر واليابسة، لا يخلو من الخصوبة والدِّفء.
    قالت لارا.
    - لعلَّ نفوسنا جميعاً مفتوحة للطَّعام، فقد راضت أجسامنا على ظهر الخيل، وتمتَّعنا بمنظركما الفريد، وقد زادني إيحاءً وأيقظ بي أحاسيس لم أألفها منذ عهد بعيد.
    قالت كلوديا:
    - ونحن نتمنَّى لك غداء شهيَّاً يا سيِّدتي، وقد سعدنا بلقائك أشدَّ السَّعادة، وإذا تكرَّمت علينا فسنكون أصدقاء أوفياء فور عودتنا إلى البندقيَّة .
    قالت الأميرة:
    - قال لي ألفونسو أنَّكما ستقيمان هنا فور عودتكما من هذه الجولة، ولولا إحساسي بالجرم لطلبت من كلوديا أن تبقى عندي أثناء غيبتكما. وأراها لا تستطيع أن تفارق جون يوماً آخر.
    - صدقت يا سيِّدتي، إنَّ جون ومولاي ألفونسو هما حياتي كلُّها، ومن غيرهما سأموت كما تموت الزُّهور إذا حبس عنها الماء والنُّور.
    قالت كلوديا بعينين دامعتين.
    فردَّت لارا على الفور:
    - لن أكون سبباً في ذلك، وأطلب إليهما أن يتمهَّلا في الطريق فلا يجهداك.
    - أشكرك كذلك يا سيِّدتي وأرجوهما أن يفعلا.
    قال ألفونسو:
    - أخشى أن يكون ذلك بمقدار، فالخريف يقرع الأبواب وستبدأ مواسم الأمطار، وقد تقطع السُّيول الطرق، فلا بدَّ من إنهاء عملنا الَّذي جئنا من أجله.
    - سمعت أنَّك تنقل أغلب أملاكك إلى جون، وإنَّني سعيدة لذلك، فعلى الأقلِّ لن يقتتل الورثة في التَّنافس عليها.
    - إنَّهما ولدايَ ولعلَّك تعرفين ذلك.
    - نعم أعرفه، وقد حدثَّني الطَّبيب برنار عن لوعتهما عندما أخطأ طبيبا بادوا وباليرمو في تشخيص مرضك.
    جرى هذا الحوار أثناء تناول الطَّعام، وأحضرت الفاكهة المنوَّعة، وبالحقيقة فإنَّنا لم نترك مجالاً لتناول قسم منها، فقد كان الطَّعام شهيَّا، وتناولنا فوق كفايتنا منه.
    بعد استراحة قصيرة استأذن ألفونسو في المغادرة، وودَّعتنا لارا إلى الباب الخارجي وهي تدعو بأن لا يكون آخر عهدها بنا.
    عدنا إلى القصر فوجدنا جمهرة من الموظَّفين ومعهم غارسيا مدير القصر، ومباشرة ابتدأ ألفونسو بتوقيع المستندات، وقد استغرق ذلك وقتاً طويلاً لكثرة ممتلكات ألفونسو في البندقيَّة، وجاء دوري فابتدأت في التَّوقيع وأنجزت كلوديا وكالاتها معي، ولم ننته إلاَّ في المساء، فقد استغرقت المعاملات زهاء ثلاث ساعات متواصلة .
    - حضِّرا نفسيكما فسنذهب إلى مسرح فينيسيا حيث تعرض مسرحيَّة شكسبير تاجر البندقيَّة، وتعرفان أنَّ وليم شكسبير جعل من مدن إيطاليا مرتعاً للعديد من مسرحيَّاته، ومنها هذه تاجر البندقيَّة.
    وصلنا إلى المسرح، وكان صالة كبيرة معدَّة لأن تكون مسرحاً يتَّسع لمئات الأشخاص، وقد ابتدأ العرض سريعاً وظهر الممثِّلون في ثياب عصرنا هذا، وشكسبير حديث الوفاة، وربَّما كان في عمر ألفونسو أو أكبر بعشر سنوات، وقد تعرَّضت مسرحياته لدراسة ونقد، ولكنَّها لم تنل ما تستحقُّه من التَّكريم والشَّرف، لقد كان في مسرحه كبرياء الطَّبقة الحاكمة في أوروبا ودسائسها، وأعطى صورة باهتة لليهود من خلال شخصيَّة شايلوك المرابي، وبالمناسبة فإنَّ أوروبا كلَّها تنظر إلى شايلوك وكأنَّه نموذج عن جميع يهود العالم، فقد كانوا أئمَّة الرِّبا والاحتكار والغشِّ، مع ذلٍّ ونذالة واستهانة بالكرامة والشَّرف، وكان اضطهادهم وتعليم دورهم بعلامة تفرِّقُ منازلهم عن غيرهم وإجبارهم على ارتداء لباس معيَّن يفرِّقهم عن غيرهم قد جعل من حياتهم في أوروبا جحيماً لا يطاق.
    قدِّمت المسرحيَّة بشكل سيِّءٍ، وكأنَّ كلَّ المسرحيَّة مجتمعة في شايلوك الخسيس، وكان العرض والتَّمثيل والحركة على درجة كبيرة من التَّواضع وسوء الفهم، ممَّا جعل ألفونسو يقهقه ضاحكاً:
    - إنَّهم يحقِّرون شكسبير أكثر ممَّا يضعون من شايلوك، هيَّا بنا، وسألفت نظر لارا إلى هذا الموضوع، فهذه فينيسيا مرتع عقول العالم وأقدامه، ولا يجب أن يمسخ فيها مثل هذا العمل الفكريِّ الرَّائع.
    عدنا إلى المنزل متعبين من هذا اليوم الحافل، وصعد ألفونسو إلى جناحه ومعه أميليا الَّتي صحبتنا إلى المسرحيَّة ونامت منذ بدايتها، وعندما أفاقت قالت:
    - ملعونٌ أبي لقد شاهدت مسرحيَّة أحلى منها وأنا نائمة.
    - أرجو أن لا أكون بطلها.
    قال ألفونسو مازحاً.
    - لا أنت يا سيِّدي ولا غيرك، فمسرحيَّتي هي أن أنام بعمق.
    ما أن دخلنا جناحنا حتَّى استغرقنا في النَّوم، يغمرنا شعور بالتَّعب والإعياء.
    صبيحة اليوم التَالي كان علينا أن نعدَّ أنفسنا لحفل المساء، وقد خرجت كلوديا وأميليا للتَّسوُق، في حين جلست مع ألفونسو الَّذي عاد إلى قراءة الكوميديا الإلهيَّة .
    - هل تعتقد يا جون أنَّ هناك جنَّة أو جحيماً بعد الحياة ؟.
    - والله يا سيِّدي لم أجد عبر حياتي وثقافتي جواباً على هذا السُّؤال، إلاَّ في الكتب السَّماويَّة الَّتي تجمع على ذلك، ولا أعرف إذا كان ذكرها يدخل في باب التَّرغيب والتَّرهيب، أم أنَّها واقع يجب الإيمان به.
    - لديَّ مشكلة في الفهم يا جون، وصورة الرَّبِّ لديَّ يتَّصف بالحبِّ والرَّحمة والغفران، ولا أظنه قد خلق الخلق ليعذِّبه.
    - هناك مشكل يتعلَّق بالمجرمين الكبار من القادة والحكام، الَّذين تسبَّبوا في قتل ملايين الخلق وتحطيم سعادة بلدان بكاملها. بل أمم وشعوب، فهل سيبقون بلا عقاب يا سيِّدي ألفونسو؟.
    - ولكنَّ الزَّلازل والبراكين والأوبئة تقتل أكثر منهم، فهل سندخل هؤلاء ضمن المعاقبين، وما معنى خلود النَّفس في الجحيم أو الجنَّة، لتشارك الله في الأبد، إنَّها مسألة معقَّدة لم أجد لها حلاًّ مقبولاً قط.
    - لا أدري إذا كان العقل البشريُّ قادراً على فهم هذه المسألة، وماذا يعني الخلود، وهل يرغب الإله في مشاركة النَّاس له في الصِّفات، وهل يفضِّل النَّاس الخلود أم لا، إن الإنسان بشكل عام يخشى الموت، لأسبابٍ عاطفيَّة في بعض الأحيان، ولأنَّه لا يعرف ماذا وراء الموت من ناحية أخرى.
    - ماذا وراء الموت؟!. هذا هو السُّؤال.
    - يا سيِّدي الأمير ما أظنَّ إلاَّ أنَّ الله يتَّصف بالكمال من حيث الوجود والصِّفات، ولا أحسب فيه شيئاً من صفات النَّقص الَّتي نعرفها، فلا يمكن في المنطق أن يتَّصف بصفة ونقيضها، أو بصفة أقلِّ منها في الحمد.
    - مثال يقرِّب من الفهم؟.
    - خذ يا سيِّدي مثلاً على ذلك الكرم والجود، فهل ينبغي أن يكون بخيلاً أيضاً ؟.
    - لا أظنُّ ذلك، وإن كان يحجب الجود عن المعتدي، فهل ينفعه أن يسامحه يا ترى؟.
    - لا أظنُّ ذلك وهذا يتنافى مع العدل، إنَّ صفة التَّوازن الشَّاملة في الكون تفرض القصاص على المعتدي، وذلك لإيقاف الجنوح ومنع الابتعاد عن الوسط، والقصاص متنوِّع فهو في الأفراد غير ما هو في الجماعات، فالأفراد يعاقبون حسب الجرم وبما يعادله من المصائب أو التَّشوِّه أو نقص الخلقة، والجماعات بالزَّلازل والبراكين والسُّيول والأوبئة والمجاعات، ولا تكون هذه العقوبات للانتقام والغضب، لأنَّهما صفتان ضدُّهما خيرٌ منهما، فالعفو والرَّحمة أفضل من الغضب والنَّقمة، والحلم أفضل من الغضب، فهما تحملان النَّقص، ولا يجوز في العدل أن يتَّصف الباري بصفات النَّقص، أو بصفة عكسها خير منها.
    - أنا أعتقد يا جون واجعلني أقول أظنُّ بدلاً من أعتقد أنَّ الوجود دقيق ومتكاملٌ من جميع الأوجه، وهو في الحركة أو الانتقال كاملٌ أيضاً، فلا بد للشَّيء أن يتحرَّك وينتقل لكي لا يكون ثابتاً وبالتَّالي غير موجود، لأنَّ الثَّبات والجمود من مظاهر الفناء، كما أنَّ زوال الشَّيء أو تدميره يكون جزءً ممَّا لا بدَّ منه، فالحركة لا يمكن أن تكون عشوائيَّة، بل مميِّزة مدركة، فالعفويَّة مظهرٌ من مظاهر البلادة البعيدة عن دقَّة المسارات والأفلاك والرُّؤى .
    - أرى ذلك يا سيِّدي، وأضيف إليه التَّسديد، فإنَّ الوعي لا يستطيع أن يكون كاملاً لدى الموجودات، ولكنَّه يبقى بالتَّوفيق والتَّسديد، فجميع الحركات موفَّقة إلى الالتزام بمساراتها وأفلاكها

    الصور المرفقة  

  5. #25
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    3

    حفل في البندقية

    عادت كلوديا وأميليا من التَّسوُّق، وقد حمل الخادم حقائب من الأمتعة، صعدن بها إلى الطَّابق الثَّاني، وقد جاءت أميليا بعد فترة قصيرة لتصطحب ألفونسو إلى الطَّابق العلوي، ثمَّ سمعت ضحكاً وضجيجاً، ونزل الجميع فكان منظراً فريداً، أميليا في أحلى اللباس، وبدت فاتنة شقراء منمَّشة، وكلوديا كأنَّها حوريَّةٌ عذراء هبطت من السَّماء، كان شعرها الخرنوبيُّ الطويل قد ضفِّر على جدائل تدلَّت فوق ظهرها فلامست أردافها الممتلئة، وكان وجهها الأبيض النَّاعم كأنَّه خدُّ زهرة جوريٍّ نضر، ورقبتها كأنَّها إبريق عاج، وصدرها النَّاهد المكتنز وكأنَّ حمامتين بيضاوين قد جلستا على صدرها الرَّحب، وتحته خصر نحيلٌ طوَّقه زنَّار حرير عريض فزاد في جماله، وتتخطَّر على ساقين مرَّة تحسبهما نحيفتين، ومرَّة ممتلئتين، ولكنَّهما جميلتان دائماً.
    وقد لبست ثياباً جديدة منتقاة بعناية، كانت نِساء البندقيَّة يلبسن تحت ثيابهن سراويل طويلة، وفوقها قفص قويٌّ من الدَّانتيل المنشَّى، فتظهر وكأنَّها مخروطٌ يتدلَّى من الخصر إلى أسفل القدمين، ويجرُّ وراءه ثوباً شفَّافاً، تحمله السَّيِّدة أثناء انتقالها إذا فقدت الوصيفة التى تحمله وراء سيِّدتها عند اللُّزوم.
    ورأيت ألفونسو يلبس ثياباً جميلة موشَّاةً بالذَّهب، وكان الرِّجال الأشراف يلبسون ثياباً داخليَّة كاملة، مؤلَّفة من قطعتين، قميص وسروالٌ طويلٌ، يرتدون فوقه قميصاً من الحرير الموشَّى، وبنطلوناً ضيِّقاً فوقه صدريَّةً من قماش البنطلون، بأكمام طويلة وأزرار مذهَّبة، ثم سترة طويلة في الخلف، وقد يرتدون معطفاً في الشتاء، وكان الرِّجال يرسلون شعورهم ومنهم من يربط شعره وراء رقبته، وبعضهم يسبل لحيته ولكن أكثرهم يحلقونها، بعضهم بشوارب والبعض الآخر حليق اللحية والشَّاربين.
    قالت كلوديا:
    - هيَّا بنا يا جون جاء دورك.
    - ألا يمكن أن نؤجِّل ذلك إلى المساء.
    - لا فقد تظهر عيوبٌ تحتاج إلى إصلاح .
    صعدت مع كلوديا إلى جناحنا، ثمَّ أردت أن آخذ حمَّاماً ساخناً، وبعد خروجي أخذت كلوديا تلبسني ثياباً جديدة أحضرتها، كانت على قياسي تماماً، وبعد انتهائها أخذتني إلى أمام المرآة.
    - انظر يا جون لقد زاد وزنك قليلاً في هذه الفترة.
    - لعلَّ السَّبب طعام أميليا الطَّيِّب، أو هو استقرار وضعنا على ما آل إليه، وسلامة ألفونسو. ما أجملك يا كلوديا؟!.
    - أنت أجمل منِّي يا سيِّدي، وما أنا إلاَّ ظلٌّ لحبِّك وحنانك.
    - من علَّمك هذا الغزل الرَّفيع يا كلوديا؟.
    - المحبَّة الصَّادقة الوفيَّة يا جون، فأنت روحي الَّتي تخفق بين جنبيَّ، وعينايّ المليئتان بنورك.
    - نعم نعم نعم، هذا هو البيان الرَّحب السَّاحر، والكلام الرَّفيع المنقَّى.
    - بعض سحرك يا سيِّدي وصفاء روحك.
    - ومن علَّمك كلمة سيِّدي هذه؟.
    - أنت سيِّد قلبي وضوء عينيَّ وحلُمي يا حبيبي.
    نزلنا إلى الصَّالة فنظر إلينا ألفونسو ضاحكاً:
    - متى سنلبس مثل هذه اللِّباس لنفرح بكما.
    - قريباً يا سيِّدي فبعد أن أسافر إلى صيدا وأعود، ونترك الباقي لك يا سيِّدي.
    - سنترك البندقيَّة في غضون اليوم القادم، وحينما ستذهبان إلى الحفل التَّنكُّريِّ سأعود إلى لارا أودِّعها ونلتقي في البيت، فإذا أحسستما بأنَّكما جاهزان للسَّفر سافرنا صباحاً.
    كان الحفلُ مُملاًّ، ومظهر الحضور الَّذين أغلبهم من رجال الأدب والفنِّ والسِّياسة ظريفٌ بعض الشَّيء، فقد تفنَّنوا في اللِّباس والأقنعة، وكان ألونزو قد قام بالمهمَّة أحسن قيام وأفشى سرَّ شراء كوزيمو للَّوحات بمبلغ فلكيٍّ، وما لبث أن جاء إلينا وسلَّم بودٍّ واحترام، واعتلى خشبة مسرح صغير معدٍّ لمثل هذه المناسبات. ثمَّ قال:
    - أقدِّم لكم فنَّاننا الكبير جون سيباستيان روزالو، وكلُّكم يسمع عنه.
    أشار إليَّ لأصعد إلى المنصَّة فلم أفعل، وتقدَّم الحاضرون مسلِّمين وأقبلت فتاة أنيقة مرهفة أو هكذا ظهر عليها .
    - أنا سوزانا سيزانوفا من روسيا شاعرة وكاتبة، وقد سمعت بك منذ زمن، فإنَّ خالي يعرفك تمام المعرفة. ويسمِّيك جون السَّفَّاح.
    - ما اسمه يا آنستي؟.
    - إنَّه جيكوب برادلي، وقد كان مقيماً هنا في البندقيَّة، وذهب في رحلة إلى باليرمو ثمَّ الشَّرق.
    تدخَّلت كلوديا لتقول:
    - أنا أعرفه وكيف حاله؟.
    - والله بعد أن خرج من السِّجن لا يستقرُّ في مكان، وقد تبنَّى فتاة لا تختلط بأحد، وهي معه في جولته.
    فهمت أنَّ الشَّخص المذكور هو جيكوب اللِّص نفسه، ورأيت كلوديا مندهشة لهذه القرابة بين فتاة روسيَّة ولصٍّ من البندقيَّة، وابتدأت كلوديا تحسُّ بالاشمئزاز لذكرى المجرم الَّذي جرَّ عليها وعليَّ كلَّ هذه المآسي.
    انتهى التَّعارف ولبس الحضور أقنعتهم ثمَّ ابتدأ الحفل بوصلة غنائيَّة للمغنِّية الفينيسيَّة يولينا سيلفاتوري، كانت يولينا تغرِّدُ بعبث لا يخلو من الاستهتار، وأخذت تتلوَّى على المسرح الصغير محاولة إظهار شيءٍ من محاسنها، وقد شفع لها صوتها الصَّادح العذب، وانتهى غناؤها بالتَّصفيق الحاد، ممَّا جعلها تختال زهواً وتلوي رقبتها وهي ترفع شعرها، وانسحبت بخفَّة لتبقى الفرقة الموسيقيَّة تعزف ألحاناً راقية للمؤلِّف الموسيقي جابريلي جيوفاني، هذا المجدِّد العظيم في الموسيقى الإيطاليَّة، وكانت الموسيقى عذبة ومتعدِّدة الإيقاعات مع تحديث في الآلات الموسيقيَّة كإدخال الصَّاجات والمزمار الخفيف، وقد ابتدأ الموسيقيُّون بإدخال تعديلات جذريَّة على الموسيقى الموروثة، والَّتي تعود في أعماقها إلى الموسيقى اليونانيَّة المتأثرة بعمق بالموسيقى المتوسِّطيَّة، وأدخلت إيقاعات جديدة وتغيَّرت المسافات بين النَّغمات، ومهَّدت هذه التَّطوُّرات لإطلاق الموسيقى وابتداء عصر السِّيمفونيَّات الَّتي تحدِّثُ بلغة الموسيقى، لتروي الحكايات العالميَّة كروميو وجولييت وغيرها.
    لقد انسجمت فتيات البندقيَّة مع الأجواء الرَّاقصة وخاصَّة بعد أن تمكَّن منهن الشَّراب، وحاولن التَّمادي في إظهار أنوثتهنَّ الَّتي لا تخلو من الاستهتار والشَّهوة.
    - حان وقت المغادرة كما أظنُّ. قلت لكلوديا.
    - نعم فتكاد الفتيات يخرجن عن حدود الوقار والأصول.
    انسحبنا بهدوء إلى العربة وعدنا أدراجنا إلى القصر، فأقبلت أميليا:
    - ألستما جائعين؟.
    - بلى والله. أجابت كلوديا.
    قلت أنا:
    - ألا ترين يا كلوديا أنَّنا قد اعتدنا على الجوِّ هنا، وها نحن ندخل المجتمع من أبواب مشرعة.
    قالت أميليا.
    - ألا يقدِّمون شيئاً من الطَّعام في حفلاتهم.
    - لا بل مزيداً من الفتيات الشَّهيَّات مع كؤوس منوَّعة من الخمر. قالت كلوديا مازحة.
    عاد ألفونسو متأخِّراً، وقد بدت عليه أمارات السَّعادة والرِّضا، وكأنه شرب شيئاً من الخمر، فتورَّد وجهه ولا أدري أمن نشوة الشَّراب، أم من فرط السَّعادة، وحيَّا وجلس.
    قالت كلوديا:
    - نعم يا سيِّدي كأني أراك في تمام الانشراح.
    - نعم يا كلوديا، فأنا في تمام الانشراح والسَّعادة، ولقد ماتت ماري البارحة، هبطت إلى العالم السفلي، وإنَّني أشعر بالرَّاحة.
    - هل ستذهب لتشييعها يا سيِّدي؟.
    - لا يا كلوديا، وقد طويت صفحتها إلى الأبد.
    - وهل ستذهب لارا إلى فيينا؟.
    - لا، وسوف يجرون لها جنازة صغيرة سريعة، وربَّما يكونون قد دفنوها.
    - والآن يا سيِّدي ألفونسو، ما الحلُّ مع لارا.
    - أيُّ حلٍّ يا كلوديا؟!,
    - لعلَّني مخطئة يا سيِّدي، فقد لاحظت أنَّ ما بينكما أكبر من الصَّداقة.
    - وهل هناك أكبر من الصَّداقة يا كلوديا؟.
    - الحبُّ يا سيِّدي.
    - لا يكون الحبيبان سعيدين إذا لم يكونا صديقين، ألا تعتقدين أنَّ الصَّداقة مشتقَّة من الصِّدق. كأنَّك لا تعرفينني يا كلوديا، لقد ربَّيت لارا في بيتي، وهي تعرفني وتفهمني أكثر من أيِّ أنثى أخرى، ولا تعتقدي يا كلوديا أنَّ أخلاق ألفونسو أو لارا تسمح لهما بأكثر من ذلك.
    - إنَّني أعتذر إذا كنت لم أستطع التَّعبير، ولكنَّني أملت بعد موت ماري أن أراك سعيداً كما رأيتك في بيت لارا.
    - أشكرك يا بنيَّتي، وهذا أمرٌ لا أرغب به على هذا الشَّكل، ولن تكون سعادتي دائمة كما هي في منزل يجمعنا نحن الأربعة، وإنَّ أميليا تخدمني كما يجب، ولا تترك شيئاً إلاَّ وتؤمِّنه من حاجاتي اليوميَّة، وإنَّها سيِّدة فاضلة، وهي أميرة وإن لم يكن المحتد كذلك.

    الصور المرفقة  

  6. #26
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    4

    فارس عربي في الأندلس

    في صباح اليوم التَّالي توجَّهنا غرباً إلى بادوا، وقد قضينا الليل في نفس الفندق الَّذي نمنا فيه في الطَّريق إلى البندقيَّة، حيث كنَّا موضع اهتمام ورعاية من مدير الفندق، ثمَّ تابعنا إلى الغرب باتِّجاه فيرونا.
    كان الطَّريق جيِّد الرَّصف والتَّمهيد، وقد اعتنت حكومة البندقيَّة الغنيَّة بجميع النَّواحي العمرانيَّة والمواصلات والبريد وإدارة شؤون السُّكَّان، فأصلحت الجسور والطُّرق ووضعت مفارز من الأمن على طول الطَّريق، وكانت شؤون الأمن تتعرَّض لخروقات بسيطة من سكَّان سفوح الألب الفقراء، الَّذين يريدون تحسين أحوالهم كبقيَّة نواحي الإقليم، وكان ثمَّة طرقات تمخر جبال الألب وتصل بالنَّمسا، ينتشر عبرها أولئك الثُّوَّار البسطاء، المسلَّحون بالأسلحة البيضاء أو الغدارات النَّاريَّة الَّتي صنعوها بأيديهم، فكانت خطرة عليهم أكثر من خطرها على المستهدفين بها، كما كانت النُّزل تتوزَّع على الطَّريق وتقسمه إلى مراحل كلّ عشرين ميلاً، وقد عانينا من السَّفر المتواصل وخاصَّة كلوديا الَّتي لم تألف مثل هذه الرَّحلات الطَّويلة المجهدة، وكانت أميليا أكثر المسافرين تحمُّلاً، لقد أضافت روحها المرحة وشتائمها المعتادة جوَّاً من البهجة على كلوديا، وخفَّف عنها شيئاً من وعثاء السَّفر، وقبل فيرونا بعدَّة أميال قطع طريقنا بعضٌ من الثُّوَّار ولم نطلق عليهم النَّار، فأقبل أحدهم فتولَّى الحديث معهم ألفونسو:
    - ماذا تريد يا بنيَّ؟.
    - نحن ثوَّار، ونريد تغيير أحوالنا، أليس من حقِّنا هذا.
    - بلى يا بنيَّ ولكن بطرق مشروعة لا تؤذي الأبرياء.
    - سيِّدي ألست الأمير ألفونسو ؟.
    - نعم يا بنيَّ أنا هو.
    انخرط الرَّجل بالبكاء، وقال وعيناه تمتلئان بالدُّموع :
    - أنا أستميحك العذر يا سيِّدي، لقد خدمت معك على سفينة القدِّيس بطرس، ولكنَّنا قوم بسطاء لا نجد ما نأكل.
    - أعدك يا بنيَّ أنَّني سأطرح هذه المشكلة، وربَّما وجدنا حلاًّ لها، ولكن خذ هذا يا ولدي.
    ناوله ألفونسو كيساً من عملة البندقيَّة، فحيَّا بحزن وأدب وانصرف مع جماعته وغاب عنَّا، في حين اقتربنا من مدينة العشَّاق فيرونا، حيث جرت أحداث قصَّة شكسبير الخالدة روميو وجولييت، وتعتبر هذه المدينة معلماً تاريخيَّاً تختزل تاريخ إيطاليا الوثنيَّة والمسيحيَّة والعصور الوسطى وصولاً إلى الرُّبع الأوَّل من القرن السَّابع عشر حيث تدور فصول قصَّتنا.
    دخلنا المدينة وسلكنا طريقاً فرعيَّاً إلى ما يشبه الدَّير، وكان مسوَّراً بجدار عال، فيبدو كالقلعة، وعلى الجدار فتحات لإطلاق السِّهام، وقفنا أمام الباب فأقبل بعض الجنود وطلبوا التَّعريف، وعندما علموا أنَّه ألفونسو وصحبه انتظموا بصفِّ غير مرتَّب وقدَّموا التَّحيَّة ثمَّ فتحوا البوَّابة، فدخلت العربات إلى ساحة القلعة، فإذا هي تشبه الدَّير والقلعة، ولكنَّها تصغر عن ذلك، وخيَّل إليَّ أنَّها معلم أثريٌّ تمَّ تحويله إلى بناء ما، فلم تكن تظهر عليها علامات العمارة القوطيَّة أو الباروك، بل كانت خليطاً من عمارة يونانيَّة ورومانيَّة وعربيَّة.
    - من قام ببناء هذا الحصن يا سيِّدي؟.
    - إنَّهم أجدادك العرب في الأندلس، استقدمهم أحد أجدادي فعمَّروه بيد عاملة محليَّة فبدا خليطاً من كلِّ الحضارات.
    دخلنا من باب خشبيٍّ من الأبنوس القويِّ المحفور والموشَّى إلى بهو واسع وكأنَّه بازيليك، يصعد في طرفه درجان متماثلان يلتقيان في الطَّابق الثَّاني، ومنه إلى صالة متوسِّطة الحجم يتفرَّع منها عدَّة ممرَّات تقسم الطَّابق إلى أجنحة، وما لبث أن حضر شخصٌ أنيقٌ يرتدي ثياباً شبه رسميَّة فحيَّا بأدب وقال:
    - أهلاً بك يا سيِّدي، لا تؤاخذني فلم أتوقَّع أن تصل في مثل هذه السُّرعة، وقد نزلت إلى المدينة أتسوَّق، وتأخَّرت قليلاً لانشغالي ببعض أمورك.
    - لا عليك يا جابرييل، أين لكنتك الإسبانيَّة.
    - ما أن يعيش الإنسان في فيرونا مدَّة حتَّى تصبح لهجته خليطاً من كلِّ اللَّهجات، ولنقل إنَّها الآن لهجة أوروبيَّة يا سيِّدي، فهنا الفرنسيُّون والنَّمساويُّون والألمان والطُّليان بمختلف لهجاتهم ونحن الأسبان، كلُّنا هنا يا سيِّدي.
    - أكلُّ شيء معدٌّ يا جبرييل؟.
    - نعم يا سيِّدي.
    قالت أميليا:
    - بل دع ذلك لي، فأنا خير من يعرف، ولكن يا سيِّدي لماذا هذا الرَّجل يرتدي هذه الثِّياب ويظنُّ أنَّه دون جوان.
    - لماذا؟.
    - لأنَّه يبدو ككلاب سيِّدات بولونيا، بلا ذنب يتدلَّى من خلفه.
    - تبَّاً لك يا أميليا، أأفهم أنَّه أعجبك؟.
    أجاب الرَّجل:
    - مهلاً سيِّدي، إنَّ لسان زوجتي يكفيني، فهو أكثر حدَّة من سيف يوليوس قيصر.
    ضحك الجميع وخرجت أميليا تتفقَّد غرف النَّوم والحمَّامات، وعادت بعد قليل:
    - من رتَّب وحضَّر الأجنحة؟.
    أجاب الرَّجل:
    ـ-إنَّهم مجموعة كاملة من خيرة نساء أسبانيا يا سيِّدتي، وهنَّ العاملات في القصر، وقد قمن بذلك بإشراف زوجتي وابنتي.
    - لعنت فقد أجدن العمل.
    - أشكرك يا سيِّدتي وأتمنَّى لكم إقامة سعيدة .
    ودخل الرَّجل مع ألفونسو إلى جناحه، واصطحبت كلوديا إلى جناحنا، وكانت قد وصلت إلى نهاية التَّعب والإعياء، وقد اقترحت عليها حمَّاماً دافئاً تأوي بعده إلى الفراش، كان الوقت عصراً، وكانت نسائم الجنوب الرَّطبة تدغدغ بعضاً من أشجار الصَّنوبر وراء الجناح فتدندن بحفيفٍ محبَّب بِأنامِلِ النَّسيم العليل .
    خرجت كلوديا من الحمَّام شبه نائمة، واندست في فراشها:
    - تصبح على خير.
    - ما زلنا في العصر يا كلوديا.
    - أظنُّني سأنام حتَّى الصَّباح، فخذ أنت قسطاً من الرَّاحة يا جون.
    نامت كلوديا ونزلت إلى البهو أبحث عن كتاب، فوجدت فتاة هيفاء على وجهها مسحة من الجمال الهادئ تجلس فوق أريكة وكأنَّها صاحبة المنزل. وقد سلَّمت بأدب وقالت:
    - لعلَّك سيِّدي جون؟.
    - نعم أنا هو، ومن أنت يا آنستي؟.
    - خادمتك ماري يا سيِّدي، أنا ابنة جابرييل.
    - أرى عليك ملامح شرقيَّة يا ماري؟.
    - نعم يا سيِّدي، فأبي وأمِّي عربيَّان من غرناطة .
    - وكيف ذلك؟.
    - استقدمنا سيِّدي الأمير منها إلى هنا.
    - وماذا تفعلين هنا يا ماري؟.
    - نسكن هنا، فذلك الباب يؤدِّي إلى ممرٍّ طويل ثمَّ إلى بيتنا، فهو ضمن القصر وخارجه. وإنَّني أنتظر سيِّدي الأمير لأسلِّمَ عليه.
    نزل ألفونسو ومعه غابرييل، فسلَّم على الفتاة بحرارة، وسألها عن حالها وعن خطيبها فأجابت:
    - نعم يا سيِّدي إنَّه مع الفرسان، ولا أراه إلاَّ في أوقات متباعدة، وأحسبه سيعزف عن الزَّواج في النِّهاية.
    - لا أظنُّ ذلك وسأرسله فور عودتي إلى باليرمو ليقيم هنا، ولو رغم أنفه.
    سألتُ جابرييل:
    - أليس ثمَّة مكتبة في القصر؟.
    - يوجد يا سيِّدي، تفضَّل معي.
    دخلنا إلى غرفة المكتبة، وهي تغصُّ بالكتب المنوَّعة، وأعطاني فهرساً بالمحتويات وخرج، فوجدت فيها كتباً كثيرة باللغة العربيَّة ومنها كتاب الأغاني. فتناولت الجزء الأوَّل وخرجت أتصفَّحه، وقد لفت نظري أنَّ الكتب نظيفة تماماً، ولا غبار ولا ذرَّ ورق، لعلَّ هذا الرَّجل فريدٌ من نوعه، فلم أشاهد ترتيباً ونظافة مثلما وجدت في هذا المكان.
    - ماذا معك يا جون؟.
    - كتاب يا سيِّدي الأمير.
    - ما اسمه.
    - إنَّه باللُّغة العربيَّة يا سيِّدي.
    - أتقرأ بالعربيَّة يا جون؟.
    - نعم يا سيِّدي بيسر وطلاقة.
    - أين تعلَّمت العربيِّة؟.
    - في طفولتي يا سيِّدي، ثمَّ في باليرمو.
    - عند من في باليرمو؟.
    - عند رجل عربيٍّ اسمه عبد الباري يا سيِّدي.
    - إنَّك لحصيفٌ يا جون؟.
    - لا بدَّ لي من ذلك.
    فتحت الكتاب، وهو كتابٌ ظريفٌ ولا يخلو من الدّعابة والدّعارة أيضاً، ويعطي فكرة واضحة عن الحياة في المجتمع العربيِّ قبل العصور الوسطى، وكنت قد اطَّلعت على بعض فصوله عند عبد الباري.
    وبعد وقت قليل شعرت بالإعياء والنُّعاس فصعدت إلى الفراش، ولمَّا لم أكن أريد إزعاج كلوديا فقد فكَّرت بالنَّوم في الغرفة الأخرى، لكنَّني عدلت عن الفكرة لظنِّي أنَّ حساسيَّة كلوديا وشعورها المرهف قد يذهبان بها إلى الظنِّ، وهو ما لا أريده، فاندسست في فراشها بهدوء وصمت.
    أفاقت كلوديا قبلي، فانسحبت إلى الحمَّام بهدوء، وعندما أفقت لم أجدها، وسمعت صوت صنابير المياه تتغرغر في الحمَّام، وبعد أن خرجت دخلت لأنعم بحمَّام دافئ أشعرني بالانتعاش، ثمَّ دخلت إلى غرفة النَّوم، واجتهدنا في ارتداء ملابسنا بسرعة، ثمَّ نزلنا إلى الصَّالة.
    أمام جناح ألفونسو كان ضحك أميليا يملأ الجناح، وكانت تبدو مسرورة، وما أن سمعت وقع خطواتنا ونحن ننزل حتَّى أقبلت ونزلت معنا.
    - كنت أظنُّ أنَّني الأفضل في شؤون المنزل حتَّى شاهدت هؤلاء، والله إنَّهم مثلٌ أعلى في ذلك، وسأنتظر الطَّعام، فإذا نجحوا به فهم أعلام إدارة المنازل في العالم، وفي هذه الحالة فإنَّنا سنعود بهم إلى البندقيَّة حين تعلنان زواجكما، انظري إليَّ يا كلوديا جيِّداً. ملعونة أنا إذا لم تكوني تريدين إنجاب عشرين ولداً، إنَّك ناضجةٌ كالتُّفاحة، وكلُّك أولاد. أليس كذلك.
    - ضحكت كلوديا بخجل ثُمَّ قالت:
    - بخٍ لك يا أمَّاه إنَّكن تشعلينني.
    - ما أحلى كلمة أمَّاه من فمك يا حبيبتي، أراهن أنَّك ستسمعينها مليون مرَّة.
    ما ألطف أميليا، إنَّها دائماً موفَّقة في اختيار كلماتها، إنَّ هذه العفويَّة الرَّائعة لا توجد إلاَّ لدى القدِّيسين والزُّهاد، وأولئك المتفانين في سبيل غيرهم، بقلب زكيٍّ نظيف.
    نزل ألفونسو بعد وقتٍ طويل أغفى به بعمق كما قالت أميليا، وذهبت إلى المطبخ لترى ماذا أعدَّ من طعام .
    وقد قال ألفونسو:
    - إنَّني جائعٌ، ومع العمر لا يستطيعُ الكهل أن يصبر على الجوع، إنَّ المرء عندما يهرم تحسُّه قد عاد إلى طفولته في كلِّ شيء.
    وعندما سألته كلوديا عن توضيح ذلك قال:
    - يحتاج إلى المزيد من الرَّاحة والنَّوم والعناية، ويقبل على الطَّعام فتحسبه جائعاً، لكنَّه يكتفي بالقليل منه، وبعد فترة قصيرة يعاوده نفس الشُّعور، ويريد أن يلفت انتباه من حوله للاهتمام به، وإذا لم يفعلوا بكي بكاء الطِّفل الصَّغير، وإذا زادوا الاهتمام به ملَّ ملل الرَّضيع.
    - هذا يعني أنَّك لست هرماً يا سيِّدي، فليس فيك شيءٌ من ذلك.
    قالت كلوديا معقِّبة على حديث ألفونسو.
    ونظرتُ إليه بمكر:
    - لو ترينه يا كلوديا في القتال، وظهره إلى ظهر ألفريد وهما يزمجران كالأسدين، ويقتلان كأنَّهما يشربان.
    - لكم أحسُّ بالخزي عندما أضطر للقتال، وبالمناسبة الآن عرفت لماذا كنت تخالف عاداتك يا جون حينما نلتقي العثمانيِّين، فعندما نقاتل القراصنة والبرابرة، كان جون يعادل جيشاً، لقد رأيت القراصنة بعين رأسي يقفون مشدوهين وهم يراقبون هذا الفارس الَّذي يطير على الحبال وينتقل على الصَّواري ويقفز فوق الصَّناديق، ويمشي على حرف السفينة، وهو في كلِّ ذلك يقتل ويجرح ويصيب، إلاَّ في قتاله مع العثمانيِّين، فقد كان يضرب بقبضة السَّيف لا بحدِّه ويخفُّ نشاطه في كلِّ حركاته، إلاَّ ليتفادى الأذى.
    - أعتقد يا سيِّدي أنَّ فقدان الدَّافع هو السَّبب، فمع القراصنة كنت أحسُّ بأنَّني آخذ بثأري، فهم من اختطفني بعيداً عن أهلي، ومع البرابرة كنت أدافع عن نفسي وعن الحضارة والمثل، أمَّا مع العثمانيِّين فقد كنَّا نقاتل نيابة عن البابا وعن ملوك الغرب، ولا أظنُّ أنَّه من واجبي أن أدافع عن هؤلاء، فكلُّهم لديه الجيوش والمال وما يكفي من الغرور.
    - هل أنا ضمن هذه اللاَّئحة يا جون؟.
    - يا سيِّدي ألا تظنُّ أنَّني أعرف لماذا رفضت الملك، بل أعرف تماماً أنَّك لا ترضى بأن تكون واحداً من مجرمي أوروبا المغرورين، ولا من تلك الحثالة القابعة في روما باسم المسيح.
    ضحك ألفونسو حتَّى سمع صوته بعيداً، وبانت السَّعادة على وجهه.
    - أنت مصيبٌ يا ولدي، مصيبٌ تماماً، فإنَّهم أحقر من أن أكون واحداً منهم.
    قمنا إلى الطَّعام، وعلى المائدة تعرَّفنا على السَّيِّدة حرم جبرييل، وقدَّمت نفسها تقديماً غريباً.
    - أنا أم عبد الله زوجة السَّيِّد غبرييل.
    لم أتمالك نفسي فقلت:
    - هل أفهم أنَّك عربيَّة؟.
    قالت:
    - نعم وزوجي وأولادي وكلُّنا من مسلمي عرب أسبانيا.
    أثارني المنبت، ولم يكن من اللاَّئق الاستجواب، ولكنَّ ألفونسو قال بشهامة:
    - هؤلاء آباء الحضارة وأمَّهاتها، وبنورهم ستستضيء أوروبا والعالم كلُّه.
    - أشكرك يا سيِّدي.
    وانصرفت أم عبد الله، ولقد اعتبرت نفسي غبيَّاً، فقد كان يجب أن أعرفها من لباسها، كانت محتشمة جداً كوالدتي، ولا تظهر شيئاً من شعرها وزنديها، وكانت ثيابها تلامس الأرض، ولم تكن تتصرَّف ولو لمرَّة تصرُّفاً يخرج عن الحشمة والالتزام.
    قالت كلوديا:
    - هكذا تلبس النِّساء العربيَّات في بلادكم؟.
    - نعم كأنَّها ثياب والدتي، ونساء صيدا.
    - لعلَّ والدتي كانت كذلك، أتظنُّ ذلك يا جون؟.
    - نعم بلا شكِّ، فإنَّ العربيَّات محتشماتٌ حتَّى قبل الإسلام.
    أنهينا عشاءً طيِّباً شهيَّاً نظيفاً طاهراً وهذا تعبير أميليا الَّتي أردفت:
    - لقد تعلَّمت وبشكلٍ جيِّدٍ، وسأزيد من التَّعلُّم خلال وجودنا هنا في فيرونا
    الصور المرفقة  

  7. #27
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    5

    صورة شرفة جولييت في فيرونا محج السواح



    دخل جبرييل وهمس في أذن ألفونسو وخرج.
    - قوموا بنا إلى البهو.
    قال ألفونسو ذلك وهو يشير بيده إلى أنَّه جاء وقت التَّوقيع.
    - سيِّدي الأمير والله لا أعرف رجلاً على وجه الأرض أعزَّ عليَّ منك، فاعفني من هذه المهمَّة، وإذا كان لا بدَّ من أن تتنازل عنها فلتكن للفقراء والأيتام وفي النَّفع العامِّ.
    - هذا من ريعها يا جون، ولست أشكُّ بأنَّ ما كنت أفعله سيبقى مستمرَّاً بعدي بك وبأبنائك وأحفادك، وسأريك سجلاَّت تفصيليَّة بما كنت أفعله في مجال البرِّ والخدمة، وإنَّ خزائني مليئة وثروتي لا تُحصى، وسيبقى منها ما يزيد عن طلب جمعيَّات البِّر والرِّعاية.
    كرَّرنا في فيرونا التَّوقيع على الوثائق والوكالة، وانصرف القوم في حين تفرَّقنا نلتمس الرَّاحة، وقد قالت كلوديا وهي في طريقها إلى الجناح:
    - أي حبيبي جون ألا تعتقد أنَّه عليَّ أن أغيِّر زيِّي وأن ألبس ثياباً محتشمة أكثر؟.
    - حبيبتي، إنَّك محتشمة اللباس والقلب، ولا ينقصك شيء، وستبقين كما أنت حتَّى نعلن زواجنا، ولا أرى مانعاً من سؤال أمِّ عبد الله عن مكان صناعة أثوابها، وزنَّار خصرها، ومنديلها الَّذي تغطِّي به رأسها.
    - سأفعل ذلك .
    ومضينا إلى الفراش، وذهبنا في سبات لا تنفِّره الأحلام.
    في الصَّباح المتأخِّر استيقظنا على صوت أميليا وقد دخلت مخدعنا.
    - أفيقا أيُّها البطلان، فهذا صباح يومٍ جديدٌ، وهيَّا معي إلى الشُّرفة وانظرا هذا المشهد الرَّائع .
    قمنا وأخذنا حمَّاماً دافئاً سريعاً، ثمَّ ارتدينا ملابسنا وخرجنا إلى الشُّرفة، لقد كان المنظر رائعاً حقَّاً، كانت الأوراق الصَّفراء المتناثرة تلهو مع النَّسيم وكأنَّها أجنحة فراشات برتقاليَّة، وكانت العصافير تغرِّد وهي تقف على الأغصان الَّتي ابتدأت تتعرَّى وكأنَّها تريد أن تنزل لتستحمَّ في مياه نهر أديجي الَّذي يحيط بالمدينة من ثلاث جهاتٍ، بينما ترقب التِّلال في الجهة الجنوبيَّة المدينةَ الَّتي توسَّدت أحضانها.
    وكانت الأرض ما تزال خضراء، والحشائش ما تزال نديَّة، وهناك فراشاتٌ ملوَّنة تروح وتغدو فوق البساط السُّندسيِّ المخمليِّ البرَّاق، أما جبال الألب فكانت في الأفق الشمالي البعيد وكأنها غمامة زرقاء، ومن فوقها سماء الخريف المضطربة.
    نزلنا إلى الطَّابق الأرضي فوجدنا ألفونسو وجبرييل، وقد سألت جبرييل عن اسمه فقال:
    - في لغة قومي يسمونني جابراً، وهو جبرائيل وهو كبير الملائكة كما تعرف، وهنا يحبُّون أن يسمُّوني جبرييل وهذا سيَّان عندي.
    - أخذتك القربى يا جون، أليس كذلك.
    - والله إنَّني أرى في هذه الأسرة ما لم أره في الكثير من أسر هذه البلاد، وآملُ أن يكون فيها شبابٌ أتألَّفهم.
    - إنَّ أبنائي ثلاثة شابَّان وفتاة، وسأدعوهم لتتعرَّف عليهم، والشَّابان في مثل سنِّك، ويديران أعمالاً لسموِّ الأمير، وهما الآن من رعاياك.
    - والفتاة، الَّتي تعرَّفت عليها ما شأنها؟.
    - إنَّها مخطوبة لابن عمِّها في البندقيَّة، وأنت تعرف غارسيا مدير قصر سموِّ الأمير، هو أخي وخطيبها ابنه يوسف.
    - ولماذا اسمه غارسيا ؟.
    - لقد صرنا نطلق أسماء مشابهة لمواطنينا، تجنُّباً لعنف الجهَّال.
    أثلج صدر كلوديا لهذا الخبر المفرح، فستكون أسرة جارسيا خير عون لها وبوجود أميليا شعرت بالرَّاحة، فقد توفِّي والدها وهي طفلة، وترك لها كلَّ هذه الهموم، ومعه ابتعدت عن حياة الأسرة مثلها مثل اليتيم، أو المخطوف مثلي من أحضان الأمومة والأبوَّة.
    - ستذهبان وحيدين للتَّجوُّل في مدينة العشَّاق والأحباب فهيَّا، أمَّا أنا وأميليا فسنذهب لنزور البطريرك إدغار في الكنيسة فهو أحد أقربائي، ولا أدري لماذا صار بطريركاً، فليس في أفكاره شيءٌ من ذلك.
    خرجنا إلى باحة القصر ولم نر العربة وقالت كلوديا:
    - دعنا نتمشَّى على الطَّريق حتَّى تلحق بنا العربة.
    خرجنا من السُّور الكبير وذهبنا باتِّجاه المدينة القديمة، ولم نصادف أحداً في الطَّريق وعلى مدخل المدينة كان المنظر خلاَّباً، فهنا يقف التَّاريخ على قدميه، وهذه مدينة التَّماثيل الموزَّعة في كلِّ ساحة، بل أمام القصور والمنازل، ووصلنا إلى السَّاحة المحيطة بالمدرَّج الرُّماني الَّذي يتميَّز برحابته وأقواسه، وقد اعتنى الرُّومان بهذه المدينة، وحيثما تحرَّكت تجد الأبنية التَّاريخيَّة القديمة، والجسور المحدَّبة المرفوعة على أقواس عالية فسيحة تسمح بمرور السُّفن الصَّغيرة، وتفرَّجنا على سورها الكبير المحصَّن، ويبدو أنَّ هذه المدينة كانت مركزاً مهمَّاً للجيش الرُّومانيِّ، ثمَّ انتقلنا إلى حيِّ جولييت في المدينة، وشاهدنا منزلها، وشرفته الَّتي كانت تجلس عليها، لتطلَّ على حبيبها المتيَّم، وقد وضعوا تحت الشُّرفة تمثالاً للعاشقة الخالدة، أمَّا روميو فقد ذهبنا إلى أمام منزله، وتخيَّلنا الحبيب خارجاً يتسلَّل بين الزَّواريب الضَّيِّقة، ليصل إلى منزلها فيقف أمام شرفتها مناجياً، وقد انتهت القصَّة بمأساة كبرى خلَّدها شكسبير في رائعته "روميو وجولييت" فصوَّر المأساة وحاول سبر أعماق الحبيبين القتيلين، ملقياً عليها ظلالاً عميقة من الأحاسيس والمشاعر، وفعل كما فعل في مسرحيَّة عطيل وهاملت وماكبث، فقد خلَّد هذه القصَّة الحقيقيَّة وأعطاها بعدها الإنساني، وكانت الفلسفة الإنسانيَّة سائدة في أواخر العصور الوسطى، واعتبر الإنسان هو المحور الأساس للفلسفة، وأنَّ واجب الفلسفة هو إسعاده أوَّلاً وأخيراً، ولذلك كتب الأدباء والفلاسفة والمفكِّرون يخلِّدون ما يستطيعون تخليده من القيم والمبادئ والمثل .
    من يزور فيورنتينا لا بدَّ له من زيارة ينبوعها الشَّهير، ليلقي بعض النُّقود المعدنيَّة على قاعه الصَّافي، ثمَّ يتمنَّى ويطلب من القدِّيسة مريم المسمَّى باسمها هذا الينبوع أن تحقِّق له أمنيته.
    عدنا إلى القصر فلم نجد به أحداً، لقد كان ألفونسو وأميليا في رحلة تسوُّق كما أعلمنا غابرييل، وقد نظر إليَّ بمودَّة وهو يقول:
    - أخبرني سموُّ الأمير ألفونسو بأنَّك من جلدتي، وأنَّك من صيدا في لبنان.
    - نعم وهذه المرأة كلوديا أيضاً من جلدتك وهي من عرب صقلية.
    - إنَّه ليشرِّفني ذلك يا سيِّدي، كما إنَّني أريد أن أعرِّفك ببقيَّة العرب هنا في فيورنتينا، فهم كثر، وأغلبهم من الأندلس، إلاَّ أنَّ واحداً منهم يقول إنَّه من جبل عامل.
    - هذا مما ينشرح صدري له.
    - وأغلبهم يعملون لدى سيِّدي الأمير، وقد صرت أنت ربَّ عملهم.
    - وهذا شيءٌ أشبه بالفرصة لخدمتهم، وسيجدون الأمر كما كان في عهد سيِّدي ألفونسو، وربَّما مزيداً من التَّعاطف.
    - هذا ما يأملونه، وأصبحوا الآن يعلمون من أنت .
    دخلنا جناحنا، وبعد حمَّامٍ منعش نزلنا إلى الصَّالة، وبانتظار عودة ألفونسو عدت للقراءة في كتاب الأغاني، وقد تمنَّيت أن يقرأ هذا الكتاب بروح جديدة، وأن تفرز الفصول المتعلِّقة بالموسيقى عن تلك المتعلِّقة بالشِّعر، وكذلك بالأدب والحوادث التَّاريخيَّة، وأن يحمل الكتاب فهرساً للرِّجال وملخَّصاً عن تاريخ حياتهم، فإنَّ اختلاط المعلومات والتَّاريخ يشوِّش ذهن القارئ، ويبعد المعلومة عن الدِّراسة المستفيضة، وعن إمكانيَّة الخطأ والصَّواب، وإنَّ هذه الموسوعات تقدِّم للقارئ إمتاعاً ومؤانسة، لكنَّ الثَّقافة يجب أن تتجاوز ذلك إلى التَّوثيق والاختصاص في الدِّراسة، بحيث يمكن للقارئ أن يستفيد أكثر من الإمتاع والمؤانسة.
    عاد ألفونسو وأميليا ضاحكين، قالت أميليا:
    - ملعون أبي إذا لم يكن هذا الرَّجل ظريفاً، ولو أنَّه عمل شيئاً آخر ولبس غير هذه الثِّياب المضحكة لكان رجلاً وسيماً، وأحس أنَّه ليس رجل دين، فلا يستطيع أن يكتم روحه الظَّريفة.
    - إنَّه رجل مثقَّفٌ، وأوافقك أنَّه لا يليق لثياب الكهنوت، وقد خلقت لأولئك الأغبياء المتحجِّرين ليختفوا فيها.
    وأردف ألفونسو:
    - سنواصل سفرنا صباح غدٍ، وإنَّ أمامنا محطَّة قبل ميلان، في بريشيا، وهي وميلان أكبر مدينتين في مقاطعة لومبارديا. ولكن حدِّثاني عن جولتكما؟.
    - لقد زرنا المعالم العامَّة في السُّور والمدرَّج الرُّوماني، كما مررنا بينبوع القديسة مريم، وبعض المواضع القديمة، وانتقلنا إلى شرفة جولييت، ثمَّ شاهدنا منزل روميو، وقد قرأت كتاب شكسبير ولا أعتقد أنَّ الحبيبين قد عانيا كلَّ هذه الفلسفات، لماذا يحاول الكتَّاب تعكير الحادثة عبر الإغراق في تعقيداتها، إنَّ الحبَّ الكبير حبٌّ عفويٌّ، ومتى تفلسف زال الحبُّ وحلَّت العقلانيَّة.
    - هذا كلامٌ جميل يا كلوديا، إنَّ هؤلاء العباقرة كمن يحاول إطفاء جميع الشُّموع لكي يتحسَّس طريقه إلى المدينة في الظَّلام، وبالفعل فإنَّه يصبح قادراً على ذلك، غير أنَّه ينشغل بالطَّريق عن المدينة.
    كان ألفونسو يقول لي دائماً:
    - ليس من مسيحيٍّ يفهم المسيح، ولكي يفهموه يجب عليهم أن يعودوا إلى فطرتهم، فالمسيح يقول: ( لن تدخلوا ملكوت السَّماوات حتَّى تعودوا أطفالاً كما ولدتكم أمهاتكم ) .
    قلت:
    - هل هناك من يستطيع أن يعود طفلاً يا سموَّ الأمير.
    - لا، لا أظنُّ ذلك، فيمكن للإنسان أن يخرج من ثوبه أو بيته، ولكنه لا يستطيع أن يخرج من ذاكرته.
    - إذاً لا يدخل ملكوت السَّماوات أحدٌ.
    - هذا هو ظاهر الحديث.
    - فما هو باطنه يا سيِّدي؟.
    - لا أدري فلم أفكِّر فيه حتَّى الآن.
    - هل هناك ما يميِّز الطفل عن اليافع والشَّاب؟.
    - ربما العفويَّة والبساطة.
    - وغير ذلك؟.
    - الإرادة فليس للطِّفل إراده، وجميع أفعاله عفويَّةٌ.
    - وماذا غير ذلك.
    - لا أجد شيئاً غير ذلك.
    - بل يوجد يا سيِّدي، إنَّها القناعة فلا مطالب، وعندما يشبع ينام.
    - أوافقك يا جون.
    - لا يعتمد على حوله وقوَّته.
    - وهذا أيضاً صحيحٌ.
    - يكتفي بطعامه ونظافته.
    - نعم هذا صحيح.
    - وهل يحمل الطِّفل غلاًّ أو ضغينة.
    - لا، ويوصف الطِّفل بالبراءة.
    - ويمكن يا سيِّدي أن نسير على هذا المنوال فيما يتعلَّق بالموضع والحيِّز.
    - ربَّما.
    فإذا جمعت هذا كلَّه يا سيِّدي عرفت ما هو مطلوبٌ من باب الملكوت لكي يدخل منه المستحقُّ.
    - ألا ترى أنَّ هذه الصِّفات صعبة المنال؟.
    - ليست أصعب من غايتها، وهو دخول الملكوت بين الأصفياء الأنقياء.
    _ أراها محاورة أفلاطونيَّة يا جون؟.
    _ إنَّها قريبة من روح المحاورة.
    - أتعتقد يا جون أنَّ مثل هذه المحاورات تفيد في مثل هذه المواضيع.
    - لعلَّها تزيد الفهم وتلقي الضوء على الموضوع. ومع ذلك فإنَّ ملكوت السَّماوات ممتنع على النَّواقص، ولا بدَّ من الوعي وبذل أقصى الجهود لبلوغ هذه الحالة، وعند المسلمين أنَّ الله قال: هذه للجنَّة ولا أبالي، وهذه للنَّار ولا أبالي.
    - أيكون الخلاص وعكسه إجباريَّاً في هذه الحالة.
    - لنقل أنَّه اختلافٌ في العناصر في التَّكوين، ومعلوم أنَّ الطين هو جبلَّة التَّكوين وأنَّ الماء هو العلم، والاختلاف كان في الماء لا في الطِّين، ومادَّة الأجسام واحدة فترى النَّاس متشابهين في الخلق، ومتفاوتين في الذَّكاء والمعرفة.
    - لقد أفدت يا جون، وسنتابع كلامنا في الموضوع فيما بعد.
    انتظر جبرييل حتَّى وجدني وحيداً، فهمس في أذني أن أذهب معه، فقمت معه إلى منزله، فوجدت عدَّة أشخاص مجتمعين، وبينهم رجل وقور هادئ.
    - هذان ولداي وابنتي هذه تعرَّفت عليها سابقاً، وهذا السَّيد هو مرتضى باقر من جبل عامل.
    نظرت مليَّاً إلى الرَّجل، وما زال على هدوئه ووقاره، وعلى ثغره ابتسامة الرِّضا والتَّسليم.
    - أنا مرتضى باقر مدرِّسٌ وأستاذ جامعة.
    - كيف؟.
    - مدرِّس أعلِّم أطفال إخواني اللغة العربيَّة والقرآن الكريم، وأستاذ العلوم الشَّرقيَّة في جامعة فيورينا.
    - أنا من صيدا، فهل أنت حديث القدوم إلى هنا؟.
    - بضع سنوات يا أخي.
    - أنا عماد بن شفيق العرقوبي هل تعرفه؟.
    - نعم يا سيِّدي وأخشى أن يكون قد توفِّي قبل قدومي بفترة.
    الصور المرفقة  

  8. #28
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    6


    صورة من شاطئ اللاذقية


    انطلقت القافلة باتجاه بريشيا، وما زال سهل البو يمتدُّ ويمتدُّ، وما زالت حقول القمح تتلوَّن ببقايا الحصاد، وبأعشاب صغيرة، عدا تلك الَّتي قام مزارعوها بفلاحتها، فبدت من بعيد خدود الأرض المخطَّطة، وقد اصطبغت بحمرة الخجل.
    وكان الطَّريق على حاله مرصوفاً بعناية وصبر، فيظهر كالشَّريان الَّذي تتفرع منه شرايين شعريَّة من الطُّرق الثَّانويَّة الترابيَّة، منها ما خطَّته السيول، ومنها ما علَّمته عجلات العربات، ومنها ما رسمته أقدام السَّابلة، وقد استولى الخريف على ضفاف الجداول، وأوراق الصَّفصاف المتناثرة، فصبغها بلونه الأصفر الشَّاحب، وكانت العصافير والبلابل تتنقَّل بتثاقل بين الأغصان المنكوبة، وتجتمع إيذاناً بالرَّحيل.
    كانت كلوديا تغفو على مقعدها المريح، وقد تبعتها بإغفاءة قصيرة، وكان صوت الحوذيِّ المستجدي يهيب بالخيول أن تسرع خطاها، وصار النَّسيم الرَّطب البارد يتسلَّل إلى العربة لتخفق به شعور النِّسوة كما تهتزُّ ستائر العربة، وسمعت أميليا تقول لألفونسو:
    - سيِّدي إلى أين سينتهي بنا المطاف؟.
    إلى ميلان فجنوة ثمَّ نعود إلى باليرمو، ومن هناك سيذهب جون إلى دياره .
    - ويلي على أميليا وكلوديا إذا لم يعدْ.
    - سيعود فأشرعته مدفوعةٌ برياح الحبِّ يا أميليا.
    - ليسمح لي سيِّدي ففي بلدي كان الرَّجل لا يوصف بالوفاء والإخلاص، وأنَّه كالفراشة تحوم حول الزَّهرة طالما كان فيها رحيقاً، وعندما ينتهي الرَّحيق ينتهي كلُّ شيء.
    - إنَّ رحيق المرأة لا ينتهي، وبالأصحِّ لا يجب أن ينتهي، وهذه الحالات التِّي تتحدَّثين عنها، ليست حبَّاً، بل هي ادِّعاء الحبِّ، وهذا متعلِّقٌ بطبيعة الإنسان الَّذي يدَّعي الحبُّ ولا حقيقة لدعواه، وهو بين الرِّجال والنِّساء، فكم من الغواني وكم من المستهترين.
    - لعلَّ حديثي يا سيِّدي يتَّصل بمعاناتي وتجربتي، وخوفي على جون وكلوديا فهما ولداي، والله إنَّني أحس بهما في كلِّ جارحة منِّي، وأنا أشفق عليهما، وما يخيفني هذه الوكالات الَّتي يوقِّعها، وأخشى أن يكون قد قرَّر في سرِّه أن يسافر إلى الأبد.
    فتحت عينيَّ وقلت لها:
    - إنَّني أسمعك يا أمَّاه، ولعلَّ كلوديا أيضاً تسمعك، وهذا الحديث يؤذيها يا سيِّدتي، ولا أحسبك تعنينه في أعماقك.
    - بل أخاف أن أفكِّر به يا بنيَّ، فأنتما كلُّ أمل ورجاء لي ولسيِّدي الأمير.
    - أنا من قوم يضربون المثل في الوفاء يا أمَّاه، وما تفكِّرين به مستحيل الوقوع، وإذا لم أعد فإنَّ هذا يعني أنَّني قد قتلت أو مُتُّ.
    تدخَّل ألفونسو في الحديث:
    - اسمعي يا أميليا فسأحكي لك عن وفاء هؤلاء القوم:
    كان لي صديقٌ منهم في غرناطة اسمه بن باديس، وكان من عائلة لا تفوقها عائلتي في شيء، وأراد أن يزور المشرق لغرض يتعلَّق بالثَّقافة، فطلبت منه أن يجلب لي في عودته موسوعة لديهم تسمَّى إخوان الصَّفاء، وغاب الرَّجلُ مدَّة طويلة جرت خلالها أحداث هائلة بين عائلته وعائلة أخرى انتزعت السُّلطة منها، وأصبح دمه مهدوراً مطلوباً حيَّاً أو ميِّتاً، وذات يوم بعد أن يئست من عودته قرع بابي، وكنت يومها في قصري بغرناطة، ودخل مجموعة من الفرسان معهم رجلٌ مقيَّدٌ وهو في أسوأ حال، فنظرت إليه مليَّاً فإذا هو صديقي بن باديس، وقال لي كبيرهم وكان معتمراً غطَّى وجهه بحيث لم أعرفه:
    - إنَّ بن باديس عاد ليسلِّمك أمانة، وقد ألقينا القبض عليه متخفِّياً، ونريد أن نتأكَّد يا سموَّ الأمير من كلامه.
    طلبت إليهم فكَّ وثاقه، وأمرت الخدم أن يقوموا بحقِّ الرَّجل من التَّكريم، فغاب بعضاً من الوقت وعاد وقد أصلح حاله، وزالت عنه بعض أمارات البؤس والقلق.
    - هل اصطحبت الأمانة يا صديقي .
    - نعم يا سيِّدي ونحن قومٌ نتَّصف بالوفاء، ومن دونه أرواحنا، وهي معهم.
    - هل يمكن يا سيِّدي أن نعرف ما هي الأمانة.
    - نعم هي موسوعة إخوان الصَّفا.
    كشف كبير الفرسان عن قناعه فإذا هو أميرٌ عربيٌّ أعرفه جيِّداً، وقال:
    - هذا صديقك عندك، وهو سيِّدنا جميعاً، فإنَّ عربيَّاً خاطر بحياته ليوصل أمانة إلى صاحبها، ولم يطلب منَّا إلاَّ أن نوصلها نحن ونفي بعهده، مثل هذا الرَّجل يجب أن يكون ملك العرب، وسنعود عمَّا كنا عليه، ونعيد له سلطانه ونعتذر منه ونكون من رعاياه.
    وذهب القوم وهم يتهامسون.
    - بارك الله فيه، قالت أميليا وأردفت:
    - إنَّه لسيِّدٌ في كلِّ شيء، وبارك الله في هذا الأمير العربيِّ الَّذي أحسن تقدير الرِّجال وتنازل عمَّا هو أهلٌ له لمن هو أحقُّ منه به.
    - هكذا نحن جميعاً يا أميليا، نفي بوعودنا، ودون وعدنا مهجنا وأعناقنا، ثمَّ لا تنسي أنَّنا نرتبط بالحبِّ أكثر من أيِّ شيء، ومنَّا من قضى في سبيل حبِّه، إنَّ روميو وجولييت قصَّةٌ بطلها القدر، أمَّا قصصنا فأبطالها المحبُّون يا أمَّاه، لقد قضوا وجداً.
    يبدو أنَّ كلوديا قد سمعت شطراً من الحديث، وقد بدت عليها علائم الارتياح والرِّضا .
    - أليس عندك حكاية أخرى يا سيِّدي عن هؤلاء القوم، ملعون أبي لقد كان نذلاً، ملعون رومانو لقد كان سكِّيراً حقيراً، ملعونون نزلاء الفندق فقد كانوا شياطين، وملعونة أنا فلم اصطبرت على حياة الفندق وعلى رومانو وأبي. إنَّني أظنُّ أنَّ الجبن والخوف هما بطلاي.
    ***********
    في الطَّريق إلى صيدا نزلنا من جبل الأقرع الَّذي يقع إلى الجنوب من إنطاكية، وصرنا إلى سفوحه الجنوبيَّة، وابتدأت غابات الصَّنوبر المحض، تتوالى متصِّلة بجداول رقراقة صافية، لا يقطعها إلاَّ بعض القرى الصَّغيرة المنتشرة حول الجداول، وكان الطَّريق سيِّئاً هنا، وابتدأت الفاقة تطلُّ علينا بوجهها الأسود المشوَّه، إنَّ هؤلاء القوم يعيشون في فقر مدقع لم نلحظه على طول الطَّريق، لا أثر للحضارة هنا، إنَّهم يعيشون في العصر الحجريِّ، كانت البيوت التُّرابيَّة تبكي من العوَزِ والفاقة، وكانت المواشي تعطي فكرة قاسية عن حياة هؤلاء القوم، فقطعان الماعز المسترسلة فوق التِّلال وفي صدورها تدلُّ على أهميَّة الرَّعي، وكانت الأغصان اليابسة المجمَّعة تدلُّ على أنَّ الرَّجل يجمع والمرأة تنقل، والبيوت الطِّينيَّة المتهالكة تحكي قصَّة سكن الإنسان القديم من سكَّان الجبال، وكانت الصُّخور العالية تخفي بينها قمحاً زرع بينها بالفأس، إذ تستحيل زراعتها بالمحراث، وهناك فلاَّح يسوق أمامه ثورين قد جمعا إلى نير طويل، في حين يضع المحراث على كتفه بانتظار الوصول إلى حقل ما، في مكان ما، كان الفقر يلبس حتَّى الطَّبيعة الَّتي اكتفت بخبز يدها فلم يضف عليها النَّاس أيَّ خبز جديد.
    ما زالت القافلة تسير، ولا يكاد يتغيَّر شيءٌ يذكر على المنظر، وقد مررنا في قرية صغيرة فكانت الثِّياب لا تكاد تستر الأجسام، وربَّما لم يكن هؤلاء البشر قد سمعوا شيئاً عمَّا يُسمَّى النُّقود أو التَّسوُّق، ولم نر أثراً للدَّولة هنا، ولا مخفراً أو غرفة بريد، أو غير ذلك ممَّا يدلُّ على وجود الدَّولة أو خدماتها، كما لم نجد مسجداً أو تكيَّة، كان هناك بعض قبور الأولياء وقد بيِّضت بالتُّراب الأبيض، ووضع عليها غطاءٌ قماشيٌّ أخضر، وتنانير للخبز تتصاعد النَّار من بعضها، وتطلق دخاناً أشبه بالبخار أو الغيوم البيضاء.
    راودتني فكرة ساذجة وتساؤلٌ غريب:
    - أيُّهما أفضل حياة هؤلاء أم حياتي في باليرمو عندما اختطفت؟.
    لقد خطفني القراصنة ونقلوني يتيماً إلى باليرمو، ولكنِّي وجدت دائماً من يتعهدُّني ويعطيني ليس العيش الكريم فقط بل الحبَّ والرِّعاية والكفاية، أمَّا هؤلاء البؤساء فماذا ترك لهم الزَّمن غير العذاب والشَّقاء.
    توقَّفت القافلة على جدولٍ قريب للتَّزوُّد بالماء، ومر بنا رجلٌ فاستوقفته، ونزلت من العربة أسأله عمَّا ورد في خاطري من العوز الَّذي يعانونه، ونظرت إليه مليَّاً، كان الرَّجل عربيَّ القسمات واضحها، وكان شارباه الغليظان يفيضان رجولة وقوَّة، وكان زنداه مفتولان وكأنَّهما جذع سنديان فتيِّ، كانت قامته ميَّالة إلى الطُّول، وسمرته لوَّحتها الشَّمس، وقد ضربت خدَّاه حمرة الصِّحَّة والعافية، وكان في حوالي الأربعين من عمره.
    - على ماذا تعيشون يا سيِّدي؟.
    سألته بأسى.
    أجاب الرَّجل:
    - نعيش على نعمة الله ورحمته يا سيِّدي.
    فقلت:
    - عن ماذا تتحدَّث، أيُّ نعمة اختصصتم بها؟.
    - نعم يا سيِّدي، العفَّة والقناعة والرِّضا.
    - أيُّها الرَّجل تمهَّل، أيُّ عفَّة تطلب ممَّن لا يجد قوت يومه؟.
    - أنت مخطئٌ يا سيِّدي، فالعفَّة هي التَّرفُّع عن ما يسيء إلى النَّفس والغير، وما يؤدِّي إلى البغضاء والكراهية، والقناعة هي أن ترضى بما أوتيت، وأن لا تحسد من يفوقك في دين أو دنيا.
    - وكيف أرضى باللاشيء؟.
    - يا بنيَّ إنَّ نعم الله ليست لا شيء وهي لا تحصى، أوَّلها سلامة القلب والإيمان، وبعدها الصِّحَّة والعافية، وبعدها ما وهبك الله من نعمة النَّظر والسَّمع والذَّوق واللمس والشَّم وهو ما يسمُّمونه الحواسَّ، أمَّا الطَّعام والشَّراب، فهما موجودان في كلِّ مكان من الطَّبيعة، انظر إلى الهوام والعصافير إنَّ الله يرزقها وهي تحيا وتغرِّد وتسير وتتعاون، ولا تخزن من طعامها شيئاً، ومع ذلك يرسل لها الله رزقها، نحن قومٌ بسطاء حقَّاً، وليس عندنا ما يرغب به غيرنا، وإلاَّ ما تركنا الباشاوات وأذناب العثمانيِّين هنا، ولطردونا إلى مكان آخر.
    - ولكن كيف تعيشون وأنتم بلا طعام ولا ثياب ولا مأوى.
    - لا يا سيِّدي إنَّ لدينا مأوى من البيوت الَّتي مررت ببعضها، أمَّا الطَّعام فهو كما تعوِّد نفسك عليه، وهو موجود في الأرض وفي الأشجار، أترى إلى أشجار التِّين هذه، إنَّها كثيرة عندنا، وهي بريَّة ليست بحاجة إلى خدمة، نأكل منها ونخزن ما يزيد بعد أن نجفِّفه، ونصنع منها العرق.
    - وما هو العرق؟.
    - شرابٌ قويٌّ مسكر نحتسيه في الأعراس والمناسبات.
    - وماذا عن الخبز؟.
    - كلُّ شيء يصنع خبزاً القمح والشَّعير والشُّوفان والذُّرة البيضاء، والبطاطا. كما أنَّنا نربِّي الماعز والدَّجاج والإوزَّ، وهو يعطينا كفايتنا من الحليب والبيض واللَّبن الخاثر والزِّبدة واللحوم.
    - وماذا عن اللِّباس.
    - لسنا عراة كما ترى، وتغزل النِّساء لنا ثياباً من الصُّوف تسترنا، وربَّما تبيع البيض وبعض الماشية وتشتري بثمنها ثياباً من الباعة المتجوِّلين. ومن ارتدى رداء الشَّرف والعفَّة فهي أحلى ثياب.
    ثمَّ تركنا الرَّجل بعدَ أن دلَّنا على نبع طيِّب نظيف أمامنا على بعد دقائق، فأشرنا إلى الحوذيِّ والمفرزة المرافقة أن لا يملؤوا القرب إلاَّ من النَّبع القريب.
    عدت إلى العربة وأنا في حيرة من بؤس هذا الرَّجل وبأسه، إنَّه لإنسانٌ فريد، وإذا كان كلامه ينطبق على كلِّ قومه فلا شكَّ بأنَّهم قومٌ سعداء.
    أشرفنا على مدينة اللاَّذقيَّة بعد أن كنَّا قد قضينا الليل في بلدة يقال لها معافاً على الطَّريق، وكان الوقت عصراً، وبدت معه سهولٌ نديَّة من العشب المزهر ونباتات شقائق النُّعمان المخضَّبة بدماء أخيها المغدور، سألني بربر عمَّا دار بيني وبين الرَّجل الَّذي تحدَّثت معه، فرويت له ما جرى بالتَّفصيل، فنظر إليَّ وهزَّ رأسه وقال:
    - نحن الولاة لا يمكننا فعل الكثير في هذه المجتمعات.
    وعاد ونظر إليَّ بعينين حادَّتين ثمَّ قال:
    - لا أدري إذا كنَّا نستطيع أن نفعل شيئاً يساعدهم، إنَّ العثمانيِّين قد توسَّعوا أكثر من قدرتهم، وهذا ما يحتاج إلى كلِّ إمكانات الأمَّة، وبدلاً من أن تكون الدَّولة قادرة على خدمة المواطنين فقد أصبحت بحاجة إليهم وإلى أقواتهم، يجب أن يكون توسُّع الدُّول مبنيٌّ على حاجاتها الدِّفاعيَّة فقط، لا على إجاعة شعوب الدَّولة وإفقار مواطنيها، لقد قتل أخي وزوجته وثلَّةٌ من أصدقائه على الجبهة الأوكرانيَّة، وبأيِّ حقٍّ نهاجم أوكرانيا، وبأيِّ حقٍّ يقتتل مؤمنو محمد والمسيح، إنَّ هذا لشيءٌ عجيب.
    ذكَّرني قول بربر باشا بقول ألفونسو وألفريد، وكان رأيهما موحَّداً بوجوب رفض الاحتلال وإحلال الصَّداقة والتَّعاون مكان القهر والعدوان، وأنَّ الإنسان يفقد في الحروب أكثر بكثير ممَّا ينجز، فالظُّلم أبعد عن الإنسانيَّة والتَّمدن، وأقرب إلى الوحشيَّة منه إلى الحضارة والتَّقدُّم .
    ها هي مدينة اللاَّذقيَّة، وهذه دار الحاكميَّة فيها، وكان حاكمها مصطفى أوغلي ضابطاً في فرقة بربر، وقد وجدناه منتظراً على باب السَّرايا، ومعه زوجته، ونزل بربر أوَّلاً، ثمَّ دنيا فخالي وفاطمة ومراد ثمَّ أختي زينب وأنا. وكان استقبال الحاكم لبربر حارّاً لا يخلو من عبارات التَّودُّد والتَّرحيب، بينما كان سلام دنيا على زوجته أمل عابقاً بالقبلات والدُّموع، ممَّا يشير إلى العلاقة الحميمة بين الأسرتين، ودخلنا جميعاً إلى بهو في منزل الحاكم، كانت الأرائك غير مريحة، وكان السَّفر قد أخذ منَّا مأخذه، وخاصَّة النِّساء، قالت السَّيِّدة أمل:
    - أهلاً بكم في منزلنا، وكم أنا سعيدة بلقائكم، لقد اشتقتكم كثيراً، وتمنَّيت قدومكم، وها قد تحقَّقت أمنيتي.
    أجابت السَّيِّدة دنيا:
    - يكفيكم استضافة النِّساء، أمَّا الرِّجال فيريدون أن يرتاحوا في مكان آخر، ولا أدري إذا كان يوجد فندق في المدينة.
    - بل عندنا دار ضيافة واسع وجاهز دائماً، وهناك الخدم والمؤن فلا ينقصه شيء.
    أحسست بالرَّاحة وقد وافق بربر وخالي على الانتقال إليه، وقالت أليزا:
    - وأنا أيضاً يا سيِّدتي أريد أن ألازم أخي بعض الوقت.
    ذهبنا جميعاً إلى بيت الضِّيافة الكبير ورافقتنا النِّساء وزوجة الحاكم بينهن، فتفقَّدن الرِّياش والفراش والمطبخ، وجهَّزن غرفة الاستقبال، وعدن مع السَّيِّدة أمل، بينما انشغل الخدم بإفراغ حاجاتنا من العربات، وأفردت غرفة لي ولفاطمة تفصلها غرفة خالي عن غرف الضُّيوف، وبعد استراحة قصيرة ووجبة خفيفة كانت كلُّ النِّسوة قد شاركن بإعدادها خلدنا إلى غرفنا، وقد أخذ منَّا التَّعب مأخذه، قالت أليزا:
    - كيف حالك يا أخي، إنَّ بالي مشغولٌ عليك، وأريد أن تكمل لي قصَّتك باختصار.
    - إنَّ بالي مشغولٌ عليك أكثر، وأريد أن تروي لي قصَّتك أنت، أمَّا أنا فقد رويت لكم قصَّتي، وسأستفيض في استكمالها فيما بعد، فحدِّثيني عن قصَّتك؟.
    - لا يوجد شيءٌ مهمٌّ لم أروه لكم، وليس في حياتي أحد، فهل في حياتك أحد يا عماد؟.
    - هناك فتاة أصلها عربيٌّ، وكان أبوها يسكن البندقيَّة، وكنت قد لمَّحت عنها في الحديث .
    - ما مدى علاقتك بها؟.
    - إنَّها علاقةٌ وثيقة، وبيننا عهدٌ مقطوع.
    - فلماذا أغريت فاطمة، حتَّى أغرمت بك.
    - نحن يا عزيزتي رفاق رحلة، ولم تسمع منِّي غير الكلام اللَّطيف النَّزيه، وهي أليست مرتبطة بأحد؟.
    - بلى إنَّ لها خطيباً في بعلبك، وهو ذو شأن، لكنَّني ابتدأت ألاحظ تعلُّقها بك، ولا أريد أن تفعل ما يجرح شعورها.
    - نعم يا أختاه وأنا حريصٌ على ذلك، وما أن تلتقي بخطيبها حتَّى تنسى هذه الأيام الَّتي ساقتني إليهم بالصُّدفة.
    - آمل ذلك، وسأحاول جاهدة أن أصرف نظرها عنك، وإنَّني أخاف عليها فهي مرهفة رقيقة.
    لعلَّ المجتمعات الشَّرقية تختلف عن المجتمعات في أوروبا بموضوع الزَّواج والجنس، فالمرأة هنا منذ تولد تفكِّر في أن تبلغ ما تبلغه النِّساء، ثمَّ تحافظ على عفافها للزَّوج الموعود، وبعد ذلك تختلف النِّساء فيما يتعلَّق بالإخلاص. وفي الغرب عامَّة وأوروبا خاصَّة لا تعني لهم عذريَّة الفتاة شيئاً، ويمكن أن تقوم علاقة طويلة بين الشَّاب والمرأة العازبة، فإذا اتَّفقا تزوَّجا، وإذا اختلفا افترقا وبحثا عن علاقة أخرى بديلة لكلٍّ منهما.
    - أنا أحبُّ كلوديا حبَّاً جمَّاً، ولقد عرفت خلال الرِّحلة مدى تعلُّقي بها، وستكون لي وسأبقى لها ما دمت حيَّاً.
    - لعلَّني سأتعرَّف عليها يوماً ما.
    - هل قامت بينك وبين مراد أيَّة وعود أو علاقة.
    - لا يا أخي، وأراه يستلطفني، ولكنَّني لن أتركك أبداً، مع قناعتي بأنَّه شابٌّ طيِّبٌ ومثقَّفٌ.
    - إذا رضي أن يرافقنا إلى البندقيَّة فسيكون مرحَّباً به، وإذا أراد أن يكمل دراسته في جامعتها، ويبقى معنا في عملنا فأهلاً وسهلاً، وسأحاول اصطحاب ثلَّة من الشَّباب لمساعدتي في إدارة أعمالي، ولن أتركك ما دمت حيَّاً، لقد ماتت أمُّنا ولا نعلم ما صار إليه والدنا، فلم يبق إلاَّ نحن، ولن أفوِّت فرصة لأبقيك بقربي، فقد ذقنا الظُّلم واليتم معاً، واكتفينا من عذاب البعد والتَّفريق، وستكون كلوديا مفتونة بك.
    الصور المرفقة  

  9. #29
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    7

    كلوديا تعزف وتغني على البيانو

    لم تضف اللاذقيَّة على ما شاهدناه من إزمير إلى إنطاكية شيئاً يذكر إلاَّ أمراً واحداً، فأثناء تجوَّلي بجانب البحر فاجأني آمو وهو يطلُّ من بعيد، واضطررت إلى الجري مسافة طويلة حتى أصبحت المياه عميقة تحمله، ووجدته يقترب، فألقيت ثيابي ونزلت إلى الماء الَّذي ما يزال باردأً بعض الشَّيء، ثمَّ بدأنا نحتفل بهذا اللِّقاء المحبَّب على عادتنا في صقلية، أنا وآمو والبحر، لقد رفدتنا هذه الرِّحلة بأشخاصٍ محبَّبين.
    عدت إلى المنزل أتضوَّر جوعاً فرأيتهم ينتظرونني على الغداء، وقد أكلت بشهيَّة لاحظها الجميع، فقال خالي:
    - ما الخبر السَّعيد يا بنيَّ، إنَّني أرى ذلك على وجهك؟.
    - لقد شاهدت آمو على الشَّاطئ.
    قالت فاطمة:
    - أهو نفس الدَّلفين الَّذي رأيته معك في الطريق وأنتما ترقصان معاً؟.
    - نعم، لقد اقتفى أثري من صقلية، وقد التقيت به على شاطئ اللاذقيَّة، ورقصنا معاً كما تقولين.
    - هذا شيءٌ عجيبٌ يا ولدي.
    قال بربر مستغرباً.
    - لقد ربينا معاً يا سيِّدي، وكان خير معين لي، لقد أغرمت بالبحر منذ طفولتي، وكان آمو صغيراً، ونشأنا معاً أنا وهو في هذا البحر الحنون، وها هو قد أصبح حوتاً وأنا شابٌّ، أليس هذا دليل على النُّشوء والارتقاء؟.
    - بل هو دليل على روحك الوثَّابة يا ولدي، إنَّ الَّذي يتبعه الدَّلفين في رحلته الطَّويلة هذه لشخصٌ فريد ؟.
    - وقد أنقذ حياتي عدَّة مرَّات، آخرها مقابل شاطئ إزمير، لقد كاد الفرسان يمسكون بي، فألقيت نفسي من على ظهر السَّفينة، وأخذت أسبح باتِّجاه الشَّاطئ البعيد، ورأيت السُّفن تتبع وجهة سباحتي، والبحارة ينظرون في البحر، فإذا آمو تحتي مباشرة، يغوص ويرتفع، فتمسَّكت به وقادني إلى الشَّاطئ حيث التقيت بسيِّدي بربر وصحبه.
    - هذا حديث عجابٌ يسجَّل للذِّكرى. قالت فاطمة أخت مراد.
    بدا الذُّهول واضحاً على الجميع، والاستغراب والمفاجأة في جميع العيون، وهم يحدِّقون بي وكأنَّني نبيٌّ يظهر معجزة.
    - ما لكم هكذا، إنَّ حياتي بكاملها لا تصدَّق، وقد سارت أموري جميعها وكأنَّ قدراً خارقاً يسوقها سوقاً، ولا أدري إذا كان في هذا خيرٌ لي أم شرٌّ، وإذا كان خيراً فهو من الحكايات الَّتي تروى وتحفظ.
    لم يستطع القوم مجرَّد التَّعليق، وقال خالي:
    - سأقوم بزيارات هنا في اللاَّذقيَّة لبعض معارفي من عائلتي الأزهريِّ، والمفتي، وفيهما بعض الأصدقاء.
    قال بربر:
    - وأنا أيضاً سأذهب مع الحاكم لرؤية الشَّيخ يونس في الحاكميَّة فقد استدعاه الحاكم إليها.
    وقلت:
    - أمّا أنا وزينب فسنتفرَّج على سوق اللاَّذقيَّة، وغيره من المعالم السِّياحيَّة القريبة.
    قال مراد:
    - أتسمحان لنا أنا وفاطمة أن نرافقكما أم أنَّه تطفُّلٌ مكروه.
    - على الرَّحب والسَّعة، فأنتما أخوانا.
    رأيت فاطمة وقد تغيَّر لون وجهها عندما سمعت كلمة أخوينا، ولكن أختي تجاهلت الموضوع ولم تنظر إلى وجه فاطمة، وكأنَّها تقصَّدت النُّطق بهذه الكلمة.
    قمنا بجولة في أسواق اللاذقيَّة، وهو سوق فقيرٌ أيضاً، لا يوجد فيه إلاَّ الأغذية والقماش، أمَّا الأغذية فتضمُّ جميع أنواع الحبوب، القمح والشَّعير والذُّرة والبرغل والرزُّ والذُّرة البيضاء والتَّوابل، والفاكهة والخضار المنوَّعة، وأغلب المشترين من أبناء المدينة الَّذين يتزوَّدون يوماً بيوم، أما محلاَّت بيع الثِّياب فكانت خاوية، وعندما سألنا صاحب الحانوت قال:
    - الآن لا يوجد موسم للبيع، فالفلاَّحون ما زالوا يزرعون التَّبغ ويربُّون القزَّ، وموسم بيعنا في الخريف، وأغلب زبائننا في هذه الأوقات من أبناء المدينة .
    - هل هناك ما يكفيكم من الرِّبح مع هذا البيع القليل؟.
    - أيُّ شيء يكفينا، وقد تعوَّدنا أن نقول الحمد لله.
    - هي عادة أم تقولونها بصدق؟.
    - هي عادة ونقولها بصدق.
    قال الرَّجل ضاحكاً وكأنَّه أنهى الحديث، وصادف ذلك الأذان فترك الأجير معنا وهو ولد يافع وذهب إلى المسجد، ومررنا ببائع لحوم، وقد علَّق ذبيحته داخل دكَّانه، وما زالت كما هي.
    - ألا يمرُّ بك أحدٌ يا سيِّدي؟.
    - لقد بعت ذبيحة عند الصَّباح وهذه سأبيعها عند خروج النَّاس من المسجد، ثمَّ أغلق الدُّكَّان إلى غد .
    - ألا يزيد منها شيء.
    - عادة لا يزيد، وإذا زاد أصطحبه معي إلى البيت فأقدِّده. فهنا يشترون اللحم المقدَّد.
    عدنا في عصر اليوم، فوجدنا بربر وخالي قد رجعا، وكانت السَّيِّدة دنيا قد انتهت من إعداد الطَّعام، وحول المائدة جرى حديثٌ شيِّقٌ عندما سألت بربر باشا عن شخصيَّة الشَّيخ يونس؟.
    - إنَّه من أكبر المراجع الدِّينيَّة ، وهو موسوعة حقَّاً.
    - ولماذا لم تذهبوا لزيارته؟.
    - إنَّهم قومٌ بسطاء، وما أن يروا أحداً من عسكر السُّلطان حتَّى يهربوا إلى المغاور والكهوف في عمق الجبال، فلم يتعرَّف هؤلاء على الدَّولة إلاَّ من خلال الجندرمة والسِّجن، وكانت الدَّولة تنظِّم حملة لاعتقالهم وسوقهم قسراً إلى جبهات القتال، أو ليدفعوا ما لا يطيقون من الغرامات والضَّرائب.
    - وعلى ماذا يدفعون الضَّرائب؟.
    - على كونهم مواطنين، فالدَّولة لم تقدِّم لهم شيئاً، إلاَّ القهر والمعاناة، فلا طرق ولا مدارس، ولا مستوصفات، ولا غير ذلك، إنَّهم رعايا السُّلطان لا مواطنيه.
    - وماذا جرى في مجلسكم مع الشَّيخ يونس ؟.
    - أجابنا على تساؤلات خاصَّة، وأفتانا في مواضيع نجهل فتياها.
    - مثل ماذا يا سيِّدي؟.
    - هذا حديثٌ يطول، وكيف حال سوق اللاذقية؟.
    - إنَّه سوقٌ كئيب أين منه أسواق إيطاليا.
    - كيف فإنِّي لم أفهم؟.
    - سوق بسيط لا يحتوي إلاَّ على الحبوب وقليل من القماش واللُّحوم .
    - هكذا ستجد الأسواق جميعها في مدن السَّاحل، فالرِّيف فقير، والتُّجار يعتمدون على الرِّيف، فبعد الثَّالثة عصراً تقفل الأسواق وتبدو المدينة خالية تماماً.
    ودَّعنا الحاكم وزوجته السَّيِّدة أمل إلى خارج الحاكميَّة، ثمَّ ابتدأنا في التَّوَجُّه جنوباً، كانت السُّهول السَّاحليَّة تضيق وتتَّسع وخاصَّة عند مدينة جبلة فإنَّ السَّهل يصبح واسعاً مترامي الأطراف، وقد نعمت هذه المدينة عبر تاريخ طويل بإدارة ذاتيَّة قبل قدوم العثمانيِّين، وفيها قلعة بيزنطيَّة تضمُّ مدرَّجاً رومانيَّاً قديماً، وإنَّك لتلاحظ القلاع الَّتي بناها فرسان القدِّيس يوحنَّا تنتشر في أواسط الهضاب قريباً من بعض القرى والمزارع الصَّغيرة، ففي موقع الحفَّة القلعة الَّتي تسمَّى قلعة صهيون، إلى قلعة المهالبة إلى قلعة المرداسيِّيَّة الَّتي تسمى قلعة بني إسرائيل، إلى قلعة الفرسان في المرقب، وهو قلعة قريبة من البحر وتشرف على ميناء صغير، وعلى الشَّريط السَّاحليِّ تتدفَّق أنهارٌ قصيرة المجرى، أكثرها يجفُّ في الصَّيف، وكانت الجبال البعيدة الزَّرقاء تنشر جوَّاً من الغموض والرَّهبة خاصة عند وبعد غياب الشَّمس.
    ************
    تذكَّرت رحلتنا من فيرونا إلى بريشيا، هذه المدينة الأثريَّة الَّتي كانت عاصمة للرومان لبعض الوقت، والَّتي استمرَّ تطوُّرها العمرانيُّ في القرون الوسطى وبدايات عصر النَّهضة، كانت كلوديا قد تجشَّمت عناء سفر طويل، وقد أشفقت عليها، وكنَّا إلى جانب غدير يجري، فانتحيت بها جانباً:
    - أي حبيبتي أرى أنَّ التَّعب قد أخذ منك مأخذه، وإنَّني آسفٌ لذلك ولم أتصوَّر أنَّك ستتعرضين لمثل هذه المشقَّة، أتريدين يا حبيبتي أن نطيل المقام هنا؟.
    - لا يا جون إنَّني سأتحمَّل، وما تراه الآن يُلمُّ بالمرأة كلَّ شهر.
    علمت أنَّ كلوديا تكابر، وقد خشيت أن يصيبها مكروه فحدَّثت ألفونسو، فأجاب:
    - أمامنا مرحلة واحدة، بين بريشيا وميلان، وفيها سنأخذ الاستراحة الَّتي تريح كلوديا.
    - بتُّ أخشى عليها من مواصلة السَّفر فإنَّها لم تعتد ذلك.
    - لا تخش من ذلك فأنا أرى أنَّها تعبت، ولكن ليس إلى الحدِّ الَّذي تظنُّه .
    في الطريق مررنا بجانب بحيرة غاردا، وكانت بحيرة نظيفة صافية الماء رقراقته، وتنعكس على سطحها أشعَّة الشَّمس مرتسمة مع ظلال الجبال البعيدة فتبدو لوحة شهيَّة للرَّسم، وقد أخذنا استراحة قصيرة إلى جانبها، لقد كان منظر الطَّيور العائمة والمحلِّقة فوقها رائعاً، يرتسم على صفحتها فتحسبها مثاني، وكان صوت البطِّ يختلط بنقيق الضَّفادع وغرغرة الماء على الشَّاطئ، فيعزف لحناً من ألحان الطَّبيعة الرَّائعة.
    اقتربنا من بريشيا، وبدت أطلالها من بعيد وكأنَّها ثآليل في وجه الأرض، تحيط بها تلالٌ متواضعة، وتحسُّ بشبحٍ لشيء ما يخيِّم فوقها، ولعلَّه تاريخها القديم، لقد كانت هذه المدينة أقدم مدن شمال إيطاليا، وربِّما كانت قد شيِّدت قبل الرُّومان بزمن طويل، هناك من يرجع بناءها إلى هرقل، ومن يرجعه إلى أحد الفارِّين من حصار طروادة، ومنهم من يقول إنَّها أقدم من ذلك.
    وصلنا إلى قصر قديمٍ في بريشيا، وهو كغيره من القصور الَّتي مررنا بها في فينيسيا وفلورنسا وفيرونا، وهو عبارة عن بناء شامخ فسيح تحيط به حدائق غنَّاء يفصلها عن الجوار سور عالٍ حصين، وما أن فتح لنا الباب حتَّى طلعت علينا واجهة القصر الذي يبعد عن مدخل السُّور زهاء مائتي ياردة، وهو طريقٌ مرصوف بالحجارة البازلتيَّة المشغولة والمرتَّبة، وعلى يساره ويمينه حدائق غنَّاء مزدحمة بأنواع الزًّهور والورود، تنشر ضوعها في الهواء فتجعلها أجواء عطرة فاغمة.
    تكرَّرَّ المنظر، فعلى باب القصر يصطفُّ مجموعة من الموظَّفين والخدم، وما أن وصلنا حتَّى سلَّموا بأدب جمٍّ، إنَّ النَّاس هنا يجيدون الاستقبال، وترى البشر في وجوههم وعيونهم وشفاههم، نزل ألفونسو من العربة، فتوجَّه إليه كبير الموظَّفين:
    - أهلاً بسيِّدنا وسيِّد أوروبا كلِّها، وكم أنا سعيد بلقائك يا سموَّ الأمير، ونحن جميعاً كذلك.
    - أهلاً بك يا أميديو، وكيف حال زوجك وابنتيك؟.
    - بخير من خيرك يا مولاي، وصحَّة وعافية من إنعامك علينا يا سيِّدي.
    حمل الخدم الحقائب والأمتعة، ثمَّ اصطحبوا الحوذيَّين والخيل إلى الحظيرة، وغابوا عن الأنظار.
    كان القصر أثريَّاً فخماً، يقع إلى خارج السُّور الرُّومانيِّ القديم، وداخل السُّور الجديد الَّذي بني في العصور الوسطى أثناء حكم شارلمان، وقد دخلنا بهواً واسعاً تزينه أعمدة المرمر الصُّرف والأقواس المحدَّبة العالية، ممَّا زاد في رحابته وسموِّه، شأن الطِّراز القوطيِّ الفريد، وقد امتلأ بالنُّقوش واللوحات المذهَّبة، أما الفرش فكان حديثاً ومنتقى بعناية وذوق، وكان هذا البهو الواسع يضمُّ مسرحاً صغيراً وضع على طرفه جهاز بيانو كبير، وكان خشبه يبدو من بعيد وقد صقل جيِّداً بلونه الخشبيِّ البني المعرق، في حين تتوزَّع على جوانب البهو أدراجٌ متعدِّدة وكأنَّها تقسمه إلى أجنحة منفصلة ولعلَّها ثلاثة أو أربعة سلالم، وما أن استقرَّت الأمتعة في الأجنحة، حتَّى أمر ألفونسو باقتيادنا إلى جناحنا، فصعدنا إلى الطَّابق العلويِّ ومعنا دليلٌ من الخدم، لقد كان الجناح مؤلَّفاً من غرفتين بحمَّامين، ومعهما صالة واسعة وشرفة مريحة فسيحة. وكان ممرٌّ قوسيٌّ يصل بين الأجنحة دون الحاجة إلى استخدام السَّلالم، وعلى جدران غرف النَّوم لوحات هادئة، تضمُّ زهوراً وأشجاراً وعصافير، وقد بدا أنَّ مصمِّم القصر من الثَّقافة بمكان، يضاهيه من أكمله بالفرش والأثاث، واختيار اللَّوحات والمناظر، ويمكن القول: إنَّ هذا القصر مكتملٌ من جميع النَّواحي يدلُّ على ذوق رفيع وعناية امرأة مثقَّفة ومميَّزة.
    بعد حمَّام سريع خلدت كلوديا إلى الفراش، فنزلت إلى الصَّالة لأجد ألفونسو يتحدَّث مع أميديو، الَّذي انصرف محيِّياً، قال ألفونسو:
    - هذا القصر أحبُّ أملاكي إليَّ، لقد عاش والداي آخر أيَّامهما هنا، وهما مدفونان في هذه المدينة، وما تراه فيه من الفخامة وحسن الانتقاء فذوق والدتي الرَّفيع وثقافتها العالية، لقد كانت أميرة سويسريَّة مغرمة بالأدب والعلم، ولدينا في هذا القصر أهمُّ مكتبة في أوروبا، وجميع هذه اللَّوحات أصليَّةٌ ولا تقيَّم بثمن، رسمها أهمُّ فنَّاني أوروبا. ومنهم دافنتشي وأنجلو ورافاييل وجيوفاني ودوناتللو وغيرهم.
    - كم هو عزيزٌ عليك هذا القصر وفيه ذكراك ومجد عائلتك.
    - والله لا يعزُّ عليك، وسأنقل لك ملكيَّته، وأنا أعرف أنَّك ستحافظ عليه وتصونه يا ولدي، إنَّنا لا نملك لنملك، فهذا خلق الوضعاء، إنَّ ما نتركه في عهدتنا فهو أثرٌ قيمته في صيانته والمحافظة عليه، نحن يا بني من صنع تاريخ أوروبا وأمجادها، وسنبقي مخلصين لهذا الإرث الثَّمين. وسأنقل إليك ملكيَّتي هنا ومنها قصور ومطاعم ومتاحف، ومباني أثريَّة وإقطاعات كبيرة، وقرى في الرِّيف، ومداجن، وأحواض أسماك، وعزب وطواحين هواء .
    - والله يا سيِّدي إنَّك لتعلم أنَّ جميع أملاك الدِّنيا لا تعدل في نظري شعرة منك، ولا بسمة من ثغرك النَّبيل، وما أراني إلاَّ سأشقى بملكيَّة ليست من حقِّي.
    - إنَّ روحينا متَّحدتان يا بنيَّ، والله لو كنت من صلبي وأنت على ما أنت عليه لما ازددت سروراً بك، ألستم الَّذين تقولون: ربَّ أخ لك لم تلده أمُّك، وأنا أقول: ربَّ ابن لك ليس من صلبك.
    صعدت فوجدت كلوديا نائمة بعمق، وما زال على وجهها مسحة من التَّعب، فنزلت أبحث عن أميليا، فقيل لي إنَّها في المطبخ، فاقتادني إليه الخادم، فوجدتها مع الطُّهاة تعدُّ الطَّعام، وما أن لمحتني حتَّى أقبلت إليَّ ملتاعة:
    - ماذا حدث يا بنيَّ؟. فلم أعهدك في المطبخ.
    - لقد اشتقتك يا أمَّاه وافتقدتك.
    - يا ضوء عيني، سألحق بكم بعد قليل، فاخرج قبل أن تفوح رائحة الطَّعام من ثيابك، وعندها يكون عليَّ وجبة جديدة من الغسيل والكيِّ.
    - يا أميرتي، يوجد من يعتني بالطَّعام، فلا تحرمينا من أنسك.
    - والله لا أستطيع أن أتركهم يقدِّمون لكم طعاماً لم أشرف على إعداده، وخاصَّة حبيبتي كلوديا، فإذا تضرَّرت من الطَّعام قتلت نفسي.
    - لن يتضرَّر أحد من الطَّعام يا أمَّاه، وإنَّني أخشى عليك من وعثاء السَّفر وتعب المطبخ.
    - لا تخف يا بنيَّ، فهذه مهنتي وأنا أسعد بممارستها، وأراني في وضع يسمح لي بذلك.
    عدت إلى البهو، وكان ألفونسو ما زال جالساً يتصحَّف كتاباً قديماً.
    - لقد حيَّرني هذا الكتاب، وهو عربيُّ الأصل، مؤلفه محي الدين بن عربي، واسمه الفتوحات المكيَّة، لقد وصل الصُّوفيُّون العرب إلى مواضع لم يصلها غيرهم، ولكنَّني أفهم الفناء في الحبِّ الإلهي، ولكنَّني لا أفهم كيف يتمُّ إلغاء الهويَّة بين الخالق والمخلوق، والمطلق والمقيَّد، والكُلِّ والجزء.
    - إلى هنا لا أجد يا سيِّدي ما لا يمكن فهمه، فالمخلوق يدلُّ على الخالق وينفي هويَّته عن هويَّته، فهذا خالقٌ وهذا مخلوقٌ، وهذا صانعٌ وهذا مصنوعٌ، وهذا دائمٌ وهذا فانٍ.
    - إذا كان ذلك كذلك فكيف يكون بهما اتِّحادٌ.
    - يستحيل الاتِّحاد بين الصَّانع والمصنوع، وإنَّما بنهاية العشق والوجد، يتعلَّق المحبُّ بالحبيب، ولا يرى غيره، لدينا محبٌّ اسمه قيس، ومعشوقته اسمها ليلى، وقد هام بها وجداً بما يشبه الجنون، وذات مرَّة التقته فقالت له:
    - مه قيس انظر إليَّ فأنا ليلى.
    فأجابها:
    - انصرفي فقد شغلني حبُّك عنك.
    - هذا شيءٌ رائعٌ يا بنيَّ، كأنَّك تقول بالمثُل.
    - لا يا سيِّدي وإنَّما قد تتعلق الفكرة بالمعنى الكليِّ الشَّامل، فتنمحي الأجزاء، وتسيطر الكلِّيات على الوجود، وهذه حالةٌ نفسيَّة يدخل فيها المتصوِّفون، فينسوا أنفسهم ويلغونها، وهذا ما يسمَّى الفناء الإلهيَّ.
    - لقد فهمت الفكرة، ولم تتَّضح ليَ تماماً، وسأتملاَّها في خلوتي عسى أن أكتشف فيها جديداً ما زال مستعصياً عليَّ.
    - نعم يا سيِّدي فهم يفعلون ذلك ويقضون أوقاتاً طويلة في التَّأمُّل، ويمارسون بعض الرِّياضات الصُّوفيَّة، ويزعمون أنَّهم بذلك يصلون إلى الأسرار.
    - وما هذه الأسرار؟.
    - لا يعلنونها أبداً.
    - لقد زدتني تشويقاً.
    - إذا ساقتنا الأيام إلى بلادي فسأدخلك إحدى جلساتهم.
    نزلت كلوديا بعد أن نامت وقتاً طويلاَ وقالت:
    - أحسُّ ببعض النشاط، والكثير من الجوع.
    أجابتها أميليا من خلفها.
    - الطَّعام جاهزٌ وسيبدؤون بتقديمه. وما أسعدني بأن أراك نشيطة تطلبين الطعام .
    لا يغرنَّك الطَّقس في بريشيا، ورغم أنَّها تقع في منخفض تحيط بها التِّلال، وتحرسها من الشِّمال جبال الألب المرتفعة، التِّي بقيت ممرَّاً للغزاة الأوروبيين والبرابرة والقرطاجيِّين، إلا أن طقسها بارد ورطب، وهواءها نشط وربما يكون قوياً، وهنا مرَّ هانيبال متَّجهاً من الشِّمال إلى الجنوب ليذيق روما مرارة الهزيمة ودفع الجزية لسنوات طويلة، لقد كانت بريشيا تحمل علامات التَّاريخ وتختزل فصوله في إيطاليا، وسترى بقايا من كلِّ الطَّامعين والطَّامحين عندما تنظر إلى الآثار المتبقِّية في المدينة، وقد ازدهرت في عصر النَّهضة تحت ولاية البندقيَّة، ما عدا فترة احتلال الفرنسيين لها في أوائل القرن السَّادس عشر لفترة وجيزة، وحينما تزور بريشيا لا بدَّ لك من زيارة دار الأوبرا لتسمع الموسيقيين البريشيين وهم يعزفون أحلى الموسيقى على الكمان، وقد طوَّروه وأدخلوا عليه تعديلات أدَّت إلى أخذه شكلاً نهائيَّاً، وكانت بريشيا تستقطب المجتهدين من الموسيقيِّين، وتجمع في ربوعها أعظم الملحنِّين والمايسترو.
    في المساء أقبل الموظَّفون بينهم الكاتب بالعدل، وجماعة السِّجِلاَّت العقاريَّة، وتمَّ نقل جميع ملكيات ألفونسو إليَّ، وقد وقَّعت الوكالات الخاصَّة لكلوديا، ثمَّ انصرف الموظَّفون وبعد برهة خلدنا إلى النَّوم بعمق، نوم العامل في الحصاد بعد يوم مجهد.
    لم نستيقظ إلاَّ عند الضُّحى، وسألت كلوديا عن إمكانيَّة مواصلة السَّفر فقالت:
    - غداً صباحاً، ولن نغادر بريشيا إلاَّ بعد أن نتعرَّف على معالمها ونستمتع بتصفُّح تاريخها الرَّحب، فقلعتها الشَّهيرة ببرجها الأسطوريِّ، وكنائسها المزيَّنة برسوم أعظم فنَّاني أوروبا والمدرَّج الرُّومانيِّ، وكلُّها تقصد من بلاد بعيدة.
    أثناء جولتنا في المدينة صباح اليوم التَّالي، وكنا نتفقد المدرج الروماني، تقدَّم منا رسَّامٌ متجوِّلٌ قائلاً:
    - هل تريدان أن أرسمكما معاً، ولا يستغرق ذلك أكثر من ساعتين، فوافقنا وابتدأ العمل، وكان يريدنا أن نظلَّ ثابتين فوق المدرَّج الرُّومانيِّ، فقالت له كلوديا:
    - عندما تحتاج أن نثبِّت وضعنا فعلنا، أمَّا بقيَّة الوقت فسنلتفت، ونمارس رياضة الالتفات.
    - ولكنَّ هذا قد يغيِّر الوضع وبالتَّالي دقَّة الصُّورة، ولا أعرف إذا كنتما ستشتمان الرَّسام أم لا.
    - لا لن نشتمك، ولكنَّني أقول: لسنا موديلاً ولا تمثالاً.
    عاد الرَّسام إلى لوحته، وكانت هيئته تدلُّ على أنَّه مهنيٌّ ملتزم، وبعد لأي انتهى من عمله، وحينما نظرنا إلى الصُّورة دهشنا لدقَّة الرَّجل، وقد كانت الصُّورة خالية من الإيحاء، إلاَّ أنَّها كانت مطابقة لخلقنا، وكان رسم المدرَّج وراءنا في أشدِّ الدِّقَّة، وقد جزمنا بأنَّ هذا الرَّجل إذا لم يكن فنَّاناً أصيلاً فلا شكَّ أنَّه مصوِّرٌ بارعٌ، وقد دهشنا إلى أنَّه لم يتقاض أجراً رغم إلحاحنا، مدَّعياً بأنَّه ثريٌّ ويرسم للمتعة وإرواء موهبته الَّتي يعتدُّ بها، وإنَّ منظرنا أغراه برسمنا علماً بأنَّه عادة لا يرسم الزُّوار.
    لفَّ الرَّجل اللَّوحة القماشيَّة وقدَّمها قائلاً:
    - احفظاها ريثما يجف الطِّلاء.
    ومضى في سبيله، وقفلنا راجعين إلى البيت لنرى جمهرة من الحرس والرَّسميِّين تحيط بالقصر، وعندما دخلنا نادانا ألفونسو:
    - تعالا إلى هنا فعندنا ضيفٌ أريد أن أعرِّفكما عليه. أقبلنا على ألفونسو ومعه ضيفه، وكان رجلاً كبير السِّن ذا بسمة غاية في اللَّطافة والمودَّة، ويلبس ثياب البندقيَّة.
    - هذا هو السَّيّد بدرو ماركوني حاكم مقاطعة لومبارديا ومنها ميلان وبريشيا وهو قادمٌ من ميلان، ولقد تشرَّفت بقدومه وتجشُّمه عناء السَّفر لمقابلتي، وإنَّ ابنه كلاودو في فرقتي في الفرسان، وهو شابٌّ شجاعٌ وعلى خلق، وما زال عندنا في صقلية.
    - ألا يمكن يا سيِّدي أن تقنعه بالعودة إلينا، فقد كبرنا أنا وأمُّه وهو وحيدنا.
    - سأحاول يا سيِّدي، وإنَّني أريد أن أقوم بحلٍّ جذريٍّ لهذا الموضوع.
    قال ألفونسو وغيَّر موضوع الحديث .
    وامتدَّت زيارة الحاكم بعض الوقت، ولم يقبل أن يتناول الطَّعام معنا، بحجَّة أنَّه يحلُّ ضيفاً على أخته في بريشيا، فقدِّمت له أميليا ضيافة لائقة، ودار حديث عاديَّ عن سيزار ولارا، لكنَّ الرَّجل كان من الحصافة واللياقة بحيث لم يترك مجالاً للتَّعليق على أقواله، ثمَّ ودَّعنا وانصرف.
    في المساء ذهبت مع كلوديا إلى دار الأوبرا نستمع إلى أهمِّ عازفي إيطاليا، وكانت المدرَّجات تغصُّ بالرُّوَّاد، وبصعوبة بالغة تمكنَّا من تأمين مقصورة في الدَّار، وجلسنا نشاهد ونستمع إلى أحلى وأفخم الموسيقى.
    كان ألفونسو يقول:
    - لعلَّ الصُّورة تداعب النَّظر والوعي، ولكنَّ الموسيقى تداعب الرُّوح والقلب، وتضعك في أجواء صوفيَّة محضة، إنَّك يجب أن تصغي إلى الموسيقى بروحك، وتتجرَّد عن بقيَّة حواسِّك، فإنَّك عندها تستطيع ولوج محراب الموسيقى المقدَّس.
    وبالحقيقة فإنَّ الموسيقى تنقل المصغي بقلبه إليها إلى أفق لا يتسلُّقه النظر، ولا تحيط به الفكر، إنَّ التَّناغم المسموع يكمِّل الأنغام غير المسموعة، والوجود برمَّته يتناغم مع بعضه وينشد لحن الأبديَّة، وإنَّ الثَّقافة الموسيقيَّة ليست فهماً فقط، إنَّها روح تتجوَّل في الوجود بخفَّة ورشاقة وهدوء، وهي في سرعتها الرَّائعة تقترب من السَّكون، بحيث يختفي الألم وتزول الرَّهبة وتحلُّ النَّشوة في الجوارح، وليس في الأجسام، إنَّها فوق هذه المظاهر الماديَّة وأعلى من جميع الصُّور.
    عندما عدنا إلى القصر صعدت كلوديا إلى المسرح وجلست وراء البيانو، ثمَّ أخذت تعزف ألحاناً هادئة، ثمَّ ابتدأت تغنِّي بصوت رخيم عذب، ثمَّ قامت ترقص وتغنِّي، لقد كانت في نهاية السَّعادة والانشراح، وظلَّت على ما هي عليه إلى أن تهالكت على المقعد:
    - الآن سأنام بعمق وأنا أحلم بالموسيقى.
    الصور المرفقة  

  10. #30
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    8

    قلعة المرقب


    في طريقنا إلى صيدا وصلنا إلى مدينة بانياس عند الغروب، وكانت قلعة المرقب شاخصة إلى الجنوب الشَّرقيِّ على مرتفع يعلو ثلاثة مائة متر عن مستوى البحر وكأنَّها حذاءٌ وضع على منضدة، ما أغنى بلاد الشَّام بالأوابد الأثريَّة، فهنا مرَّت جميع الحضارات، منها ما قصرت إقامته، ومنها ما طالت وكلها تركت آثاراً باقية تشهد عليها، فمن السُّومريين إلى الكلدان والبابليين والآشوريِّين والفينيقيِّين والآراميِّين واليونان والمكدونيين والرومان والبيزنطيِّين والعرب القدماء والتَّدمريِّين والأنباط والعرب المسلمين، والصَّليبيِّين والفاطميِّين والأيوبيين والمماليك والعثمانيِّين، ومن كلِّ من هؤلاء تجد الآثار الخالدة، من مدنٍ وقلاع وطرق وجسور وأبنية تعطي فكرة واضحة عن عراقة هذه المنطقة من العالم، وفيها كلُّ ما تجده في فُرادى الحضارات.
    حتَّى البشر فإنَّك تجدهم منوَّعي الأشكال والألوان، من الأسمر إلى الأشقر إلى الأبيض إلى العيون السَّوداء والملوَّنة، وكلُّهم يقولون: مرَّ جميع البشر من هنا.
    وإنَّه لمن الطَّريف أن لا تجد في هذه البلدة نزلاً فيستضيفك الدَّير، وتخدمك الرَّاهبات بثيابهنَّ المحتشمة، وقبعاتهن المخروطيَّات، وصنادلهنَّ السَّوداء، وكان طعام الدَّير متواضعاً، ورغم أنَّ بربر أرسل الحوذيَّ يتسوَّق بعض اللُّحوم والحاجات الأخرى، لكنَّه عاد فارغ اليدين لأنّه وجد السُّوق مقفلاً.
    بين بانياس وطرطوس يقترب الطَّريق جدَّاً من البحر، وتبدأ الشَّواطئ الرَّملية تحكي قصَّة البحر الأبديَّة، يأكلُ ويطعم ويلقي كلَّ ما هو غريبٌ عنه خارجه، وعلى الشَّواطئ الرَّمليَّة ترى مخلَّفاته من القواقع والأصداف والأخشاب المنوَّعة، وهناك نوارس البحر وحمامه الأبيض النَّاصع الَّذي تأخَّرت هجرته هذا العام، وهدير الأمواج يعزفون جميعاً مع بعضهم لحن البحر المتوسِّط الأبدي .
    وتقترب الجبال من البحر، وتتلوَّن الصُّخور بالأسود إيذاناً بتغيُّر التربة من الكلسيَّة إلى البازلتيَّة، وكانت قرى فقيرة تربض على التِّلال القريبة، عدا قليل منها يبدو عليه الغنى، تعود ملكيَّتها لبعض العائلات الإقطاعيَّة المتنفِّذة، وفي طرطوس أيضاً استضافنا ديرٌ يقع على الشَّاطئ، وهنا تمكَّنا من تسوُّق بعض اللحوم والخضار والفواكه، اصطحبناها معنا إلى الدَّير، وقامت النِّساء بإعدادها فتناولنا وجبة هامَّة لم نذق مثلها بعد رحيلنا عن إنطاكية.
    كنت أحاول إبعاد ذكرى أهلي، وما سأجده في صيدا، وما أتذكَّره وما لا أتذكُّره، إلاَّ أنَّ هاجساً ما كان يراودني، وخيوط اليأس بدأت تدبُّ وتتعاظم في صدري، ولكنَّني أزحت الذِّكرى محاولاً إبعادها عن ذهني، وأخذت أشغل نفسي برحلتي مع ألفونسو وكلوديا وأميليا الَّتي دخلت العائلة من بابها الواسع، وبدت مكملة للصُّورة بحيث لا يمكن الاستغناء عنها في المشهد.
    ************
    وعادت بي الذِّكرى إلى بريشيا، ففي اليوم التَّالي تفقَّدنا المعالم الأثريَّة فيها، وتعتبر مدينة رومانيَّة بشكل أساسيٍّ، ومن معالم المدينة القديمة قلعتها الحصينة، وبرجها العالي الجميل ومسرحها الرُّومانيُّ القديم، وقنوات الماء ثمَّ بعض الحمَّامات هنا وهناك.
    وأضافت القرون الوسطى عليها بعض الرَّحابة وبني سورٌ جديد ضمَّ مساحات جديدة، وزِّعت قصوراً وكنائس، أمَّا الأسواق فقد كانت خارج المدينة وكذلك الصِّناعات الحرفيَّة كالحدادة والنِّجارة وأمثالها.
    لكن عصر النَّهضة والتَّجديد الباروكي خرج من السُّور، وبنيت القصور والأسواق والمتاجر، وفيها كلُّ ما تحتاجه الأسر، أو ما يعين الكتَّاب ورجال الدَّولة، بما في ذلك الطِّباعة والأسلحة، وفي زيارتنا هذه بدت المدينة مكتملة لا تحتاج إلى إضافات، ولا ازدحام في الأسواق أو الشَّوارع، وكانت العربات هي الأكثر شيوعاً في النَّقل، في حين كان استخدام الخيول ينحصر برجال الأمن والجيش، وبعض الوافدين من الأرياف، الَّذين يربطون خيولهم خارج الأسوار.
    كان العسس يبدؤون التَّجوُّل عند المساء، ويبقون في مراقبتهم حتَّى الصَّباح، ويستخدمون الهراوات والصَّافرات في اصطياد اللُّصوص، وكان لديهم تعليمات صارمة بعدم التَّعرُّض للمواطنين, وكانت المتاحف تفتح أبوابها في الضُّحى وتظلُّ مشرعة الأبواب حتَّى المساء، وكان أغلب روَّادها من المختصِّين والدَّارسين، والوافدين إليها من المثقَّفين، وكان المتحف يضمُّ مكتبة كبيرة تفتقر إلى النَّظافة، وكان على المطالع أن يعاني قبل أن ينظِّف الكتاب ويحمله إلى المقاعد، وهناك يبدأ جولة مع السُّعال والتَّفويق والعطاس، من الغبار وبقايا الورق المتعفِّن أمامه.
    أمَّا الحمَّامات فليست كالحمَّامات التُّركيَّة في الشَّرق، كان هناك غرف للبخار، ثمَّ بركٌ من الماء السَّاخن يغتسل بها الرُّوَّاد بعد خروجهم من غرف البخار، فتختلط أوساخهم جميعاً في هذه البرك، وتشتمَّ رائحة التَّعرُّق والتَّعفُّن حتَّى مدخل الحمَّام.
    ولم تكن جولتنا هنا ممتعة، ولم نشاهد شيئاً لم نألفه، إلاَّ بقايا مستحاثَّات في المتحف، وبعض الأبنية الباروكيَّة الحديثة في واجهاتها بعض التَّنوُّع والتَّجديد .
    أمَّا الحدائق فلم تكن بالتَّنظيم والتَّرتيب الملحوظ، وكانت المقاعد فيها مغطَّاة بأوراق الأشجار المتناثرة في فصل الخريف. ممَّا يدلُّ على الإهمال المتنوِّع من قبل إدارة المدينة، أمَّا السَّواقي المشقوقة في أنحاء المدينة فلم تكن تنعم بالصِّيانة والنَّظافة، فبدت كأنَّها بركٌ آسنة، مرتعٌ للذباب والنَّاموس المزعجين.
    وفي بعض المعابد الأثريَّة الوثنيَّة وما يسمَّى البازيليك، فقد كان الإهمال سيِّد الموقف، والبعض الأوَّل تحوَّل إلى كنائس ذات طابع مختلط، بين اليوناني والرُّوماني وبناء العصور الوسطى، الَّذي تلاحظ التأثيرات الشَّرقيَّة والإسلاميَّة فيه.
    لقد كانت هذه المدينة مدينة أثريَّة بالدَّرجة الأولى، لم تولها إدارة البندقيَّة العناية الكافية، فظهر عليها الإهمال من مختلف جوانبه.
    عدنا إلى القصر فوجدنا ألفونسو وأميليا وأميديو يتحدَّثون، وقد صمتوا عندما دخلنا، فانتاب كلوديا القلق وسألتهم عن الصَّمت المفاجئ، فقال ألفونسو:
    - إنَّه أمرٌ غير مهمٍّ، فقد أرسل البابا موفداً وسلَّمني رسالة ها هي.
    عرفت بأنَّ الرِّسالة كانت تتعلَّق بالميراث، وعرفت أن لويس وراء هذه الحادثة، وقرأت الرِّسالة وأعدتها إلى ألفونسو الَّذي أعطاها لكلوديا فقرأتها ولم تبد التَّأثُّر المتوقَّع، بل قالت:
    - من حقِّ البابا أن يتدخَّل بهذا الأمر، ولكن ليس من حقِّه ولا يرضي المسيح أن يعامل النَّاس بعنصريَّة.
    قال ألفونسو:
    - لن أجيب البابا على هذه الرِّسالة وسأمرُّ عليه في روما أثناء العودة، ولكنَّني أطلب من جون الاحتراس الكامل وأن يكون على أهبة الاستعداد للطَّوارئ، فلن يجرؤ أحد على مهاجمة ألفونسو، ولكنَّهم سيتطاولون على جون وكلوديا، وهذا تخطيط لويس لم يتجاوزه.
    - والله يا سيِّدي أنا لا أخاف لويس ولا غيره، ولكنَّني أخشى على كلوديا أن لا تصمد أمام هذه العاصفة القويَّة.
    قالت كلوديا:
    - بل سنصمد معاً ولن أفتَّ في عضدك، وستجدني دائماً إلى جانبك، فإنَّ لويس موضوع يمكن التَّدبُّر به.
    قال الفونسو:
    - سيأتي الحلُّ سريعاً، فالبابا يعرف بأنَّني سأجيبه، ولن يسمح بالتَّدخُّل قبل أن تأتيه إجابتي، إنَّ البابا هنا ملك ويفكِّر مثلنا.
    قالت أميليا:
    - كأنِّي أرى أنَّ الموضوع لا يستحقُّ كلَّ هذا الانشغال، وسيجد سموُّ الأمير له حلاًّ لا يصعب عليه.
    أمَّا أميديو فقد هزَّ رأسه ساخراً ولم ينبس ببنت شفة، وقد نظر إلي وهمس في أذني
    - أنا اسمي أحمد وأنا من عرب أسبانيا.
    صعدت مع كلوديا إلى جناحنا، وسألتها:
    - هل نستطيع أن نترك ميلانو إلى جنوة بسرعة؟.
    - نعم ولو قضينا بها نصف يوم.
    - لا سنبيت بها غداً ونتحرَّك إلى جنوه بعد غد.
    إذاً فلنبدأ بالرِّحلة منذ صباح الغد، فإنَّنا بحاجة إلى كلِّ الوقت.
    أفقنا في الصَّباح الباكر، والجميع على أهبة السَّفر، وشيَّعنا أميدو وعائلته إلى خارج سور القصر، وانطلقنا نحو ميلان، وظلَّت العربات تجري بأقصى سرعتها بدون توقُّف، كانت المسافة بين بريشيا وميلان حوالي خمسين ميلاً، ولم نعد نلوي على شيء أو نتوقَّف لمنظر أو لطعام، وكانت أميليا قد أعدَّت بعض لفائف الطَّعام الجاهز، تناولناها ونحن على مقاعدنا، وفي مرَّة واحدة أريحت الخيول لوقت قصير وقدمَّ لها العلف والماء، ثمَّ تابعنا رحلتنا فوصلنا ميلان عصر نفس اليوم، وربَّما كنا أسرع من أيِّ مسافر آخر، فقادنا الحوذيَّان إلى قصر كبير آخر، وتكرَّر المنظر هنا، نفس الاستقبال وإدارة القصر والخدم، جميعهم مواطني ألفونسو، وأرسل في طلب الموظَّفين معهم كاتب العدل، وقمنا بتوقيع الوثائق والسِّجلاَّت والوكالات قبل غروب الشَّمس، وتنفَّس ألفونسو الصُّعداء وقال:
    - غداً سنتوجَّه إلى جنوة، وعندها سنفترق.
    - قالت أميليا والله لن أتركك خطوة وقدمي على قدمك.
    أمَّا كلوديا فبدت حائرة، أتترك ألفونسو وتذهب معي، أم تتركني وحيداً أمام العاصفة.
    أجبت بسرعة قائلاً:
    - ربَّما سيكون في مدينة جنوة حلٌّ لهذا الموضوع.
    لم يسألني أحدٌ عن الحلِّ، ورأيتهم ينصتون جميعاً وهم يتفكَّرون، فغيرت الحديث.
    - متى سننطلق إلى جنوة؟.
    قال ألفونسو: غداً صباحاً، والمسافة بحاجة إلى يومين، نبيت في بلدة تورتون وسنكون في جنوة في اليوم التَّالي.
    *************
    في الطَّريق إلى صيدا انتحى بي خالي جانباً وقال:
    - حبيبي عماد لا أتمنَّى أن تكون متفاجئاً فيما أقوله لك.
    - ماذا يا خالي؟.
    - والله يا بنيَّ لا أعرف إذا كان قد بقي أحدٌ من أهلك حيَّاً، وقد انقطع عنِّي خبرهم منذ وقت بعيد، بعيد وفاة أمِّك وخروج والدك من المصحِّ، وإنَّنا نضع أمامنا جميع الاحتمالات، ولن أفاجأ بأيِّ وضع سألقاه، وأتمنَّى أن تكون معي في ذلك، فلا تبن آمالاً عريضة يا ولدي.
    - الأمر لله يا سيِّدي، لقد كسَّرت الأيَّام ريشي، وسأبقى صامداً إن شاء الله تعالى.
    - وفَّقك اله يا بنيَّ، ولعلَّك قادرٌ على وضع أختك في صورة الأمر، فبعد يومين نكون في طرابلس، وربَّما فضَّل بربر باشا استلام منصبه فيها، وهذا يرتِّب عليه مسؤوليَّات تمنعه من مرافقتنا.
    - لا ينشغل بالك علينا يا خالي فإنَّ الأمور تجري، وما سبق وقوعه لا يمكن إعادته.
    في صباح اليوم التَّالي توجَّهنا جنوباً وما زال الطَّريق يلازم البحر، وحينما يبتعد عنه مئات الأمتار كان البحر يبدو في الأفق بكلِّ جماله وانتظامه، اقتربنا كثيراً من البحر فرأيت آمو من بعيد، وهو يطفو ويرتفع فوق الماء وكأنَّه يحاول أن ينظر، وكان الشَّاطئ رمليَّاً، ولا سبيل لوصول آمو إلينا، فتابعته من نافذة العربة وهو يسبح بسرعتنا، واعتقدت أنَّ هذا الحيوان يتخاطر معي ومن هذا يعرف موقعنا، ونزلنا عصر اليوم ضيوفاً على أمير عربيٍّ يخيِّم عند قرية صغيرة، وقد أرسل من يوقف القافلة، ثم حضر وسلم وطلب إلينا النُّزول بضيافته، فوافق بربر آملاً أن تؤدِّي العلاقة مع الأمير إلى نتائج إيجابيَّة في ولايته، ونزل الجميع إلى الخيمة الكبيرة، ودخلت النِّسوة إلى قسم الحريم في الخيمة، حيث سمعنا كلمات التَّرحيب بهنَّ من قبل نساء في داخل الخيمة.
    جلسنا على بسط ممدودة، وقد أذن لي الأمير في أن أخرج في رياضة أريح جسمي بها، في حين كان همِّي الكبير أن أجد آمو على الشَّاطئ، وما أن وصلت حتى ألقيت ثيابي على الشَّاطئ، وبدأت سباحة طويلة إلى داخل البحر، وفجأة ظهر آمو وأقبل إليَّ وهو يظهر أصوات الفرح باللِّقاء، تعانقنا ولعبنا معاً بل رقصنا معاً كما قالت فاطمة، وقبل الغروب عدت إلى الخيمة وأنا في تمام السَّعادة والانشراح، فنظر إليَّ بربر بإمعان وقال:
    - هل التقيت ذلك الدَّلفين يا عماد؟.
    - نعم يا سيِّدي إنَّه يتبعنا خطوة خطوة.
    - إنَّ هذا لشيءٌ عجيب.
    لزم الجميع الصَّمت، فلم يريدوا أن يعرف الأمير شيئاً عن الرِّحلة، وكانوا يحتسون القهوة يدور بها فتى يافع، وبالحقيقة إنَّها قهوة طيِّبة ذات طعم ونكهة فريدين، ثمَّ قام بتقديم طعام دسمٍ يسمُّونه الثَّرود، وهو من الأرز المطبوخ باللَّبن الخاثر بعد أن يطبخ اللبن مع خروف فتيٍّ، وكانت وجبة شهيَّة ذكرتني بطفولتي الأولى وولائم أبي.
    نمت فور استلقائي على الفراش، وكان الغلام قد مدَّ لنا فرشاً على أرض الخيمة، ولم أستيقظ إلاَّ بعد أن هزَّني مراد، فانتبهت وإذا القوم قد جهَّزوا أنفسهم للمسير، وعندها عرَّف بربر الأمير عن نفسه كاشفاً عن هويته، وعمله فأجاب الأمير:
    - أنا اسمي رمضان وأنا أمير الحديديين غرب العاصي.
    وبعد أن أخذ بربر باشا عليه عهداً أن يزوره في ولاية طرابلس ركبنا عرباتنا واستأنفنا رحلتنا باتجاه طرابلس الَّتي كانت ظاهرة في الأفق، وما هي إلاَّ أن تجاوزنا نهر الكبير الجنوبي وعبرنا الجسر الرُّومانيَّ المقام عليه حتَّى قال بربر:
    - نحن الآن على عدَّة أميال من طرابلس وسنصل إليها بعد ساعات قليلة.
    سألتني أليزا عن نومي البارحة فقلت:
    - لماذا هذا السُّؤال؟
    - قيل لي أنَّك شاهدت صديقك الدَّلفين ورقصت معه.
    - نعم، وتعبت من السِّباحة فعدت ونمت باكراً كالقتيل.
    - ونحن نمنا باكراً أيضاً، إنَّ هذا الأمير لديه أخت في منتهى الجمال والذَّكاء وحسن المعشر، وهي متعلِّمة وتقرأ القرآن.
    - وما علاقتي أنا بذلك؟.
    - لأنَّها استقصت عنك وسألتنا مرَّات كثيرة.
    - هذا حال النِّساء، فكلُّهن يستهويهن ما خلقت عليه.
    - ماذا تقصد؟.
    - كنت في إيطاليا محطَّ رغبتهنَّ، وبصعوبة بالغة أتخلَّص منهنَّ.
    - ولا دون جوان يا عماد.
    - بل إنَّني شابٌّ خجول، وهنَّ يردن أمثالي ليعبثن بهم.
    - ماذا سنفعل بعد وصولنا إلى طرابلس؟.
    - سنذهب إلى بيتنا ونرى ما نرى.
    - أظنُّ أنَّنا لن نجد أحداً، هناك شيءٌ يأكل من قلبي، وحدسٌ مخيفٌ يظلُّ يتابعني.
    كانت العربات تسير بخطى وئيدة نحو طرابلس، وها هي المآذن والقباب تطلَّ علينا، والشًّوارع الضَّيقة تبدو وكأنَّها خطوط في صفحة كتاب، وما أن دخلنا البلدة حتَّى تبعنا جمهرة من الأطفال يصوِّتون ويهرجون، حتَّى إذا وصلنا إلى دار الولاية ووقفنا أمامها فرُّوا مذعورين.
    دخلنا إلى متصرِّفيَّة طرابلس وعلينا وعثاء السَّفر وفي عيوننا إرهاق المسير المضني، وقد كان في استقبالنا عددٌ من الموظَّفين في أوَّلهم ضابطٌ عرَّف عن نفسه قائلاً:
    - أنا قائد الفصيل يا سيِّدي الوالي.
    لم يكن يعرف أيَّنا الوالي، فدارت عيونه بيننا، وأخيراً تبيَّن أنَّ بربر باشا هو الوحيد الَّذي تبدو عليه أمارات الرِّئاسة، فتقدَّم نحوه.
    - ألست أنت يا سيِّدي بربر باشا؟.
    - أنا هو يا أخي.
    - أهلاً بقدومك إلى طرابلس، وأريد أن أعرِّفك على القوم، فهذا القاضي، وهذا المفتي، وهذا مدير المال، وأنا قائد الفصيل، والبقيَّة من موظَّفي السَّراي.
    سلَّم الوالي الجديد على موظَّفيه، ثمَّ تبع القائد الفصيل الَّذي تقدَّمه إلى منزله المتصِّل بالسَّراي، وابتدأ العساكر بإدخال الأمتعة إلى المنزل، ثمَّ دلفت النِّساء للترتيب، وفي داخل المنزل ثلاث نسوة اعتادت على خدمة الوالي، لذا فقد كان البيت نظيفاً ومعدَّاً بشكل جيِّد، وكان فرشه يحمل الطَّابع المصريَّ الرَّائج في إيطاليا، ورغم أن مصر كانت فقيرة بالأخشاب، إلاَّ أنَّها كانت تستوردها من أوروبا والهند، ثمَّ تصنع منها أجمل فرش في العالم، تعيده للتَّصدير بأسعار منافسة، لقد كان العمَّال المصريُّون يقومون بصناعة الخشب بشكل متقن وأناة بالغة، فيخرج من بين أيديهم تحفة فنيَّة تثير الإعجاب.
    وهنا في دار الوالي نموذج عن الحمَّامات التُّركيَّة الشَّهيرة، حيث ينساب الماء السَّاخن والبارد إلى صنابير نحاسيَّة، ويوقد الموقد من الخارج، وتتدفَّق المياه السَّاخنة من جرن الموقد الفخاريِّ إلى داخل البيت في الحمَّامات والمطبخ، وكان الوقود الخشبيُّ متوفِّراً، يستقدمه الحطَّابون من غابات الأرز المترامية، أمَّا السَّقف فصنع من جسورٍ من الخشب، وأخرى شكَّلت مسنَّماً محدَّباً غطِّي بالقرميد الأحمر القرمزيٍّ، في حين غطيَّت الجسور الخشبيَّة السُّفليَّة الَّتي تمتد بين جدران الغرف بسقف من ألواح الخشب، ثمَّ طليت من قبل فنانيِّ الطِّلاء بلوحات عبارة عن كتابات بالخطِّ الكوفيِّ وحركات التَّشكيل من البلابل والعصافير المغرِّدة.
    هذا الفنُّ استمرارٌ لفنون العصور الوسطى العربيَّة، وازدهر كثيراً في الأندلس وعهد المماليك، حيث حلَّ الخطُّ العربيُّ الكوفيُّ محل الزَّخارف الحجرية المنحوتة في العمارة الأوروبيَّة، ولأسباب دينيَّة امتنع الفنَّانون المسلمون عن نحت التَّماثيل، وكانوا يعتبرونها أعمالاً وثنيَّة، فالصُّورة عندهم ووجودها أمام المسلم هي تشخيص للإله المنزَّه عن ذلك، واكتفوا برسم الحيوانات والتَّوريقات ونحتها في تجميل منازلهم ومعابدهم .
    أخذنا قسطاً من الرَّاحة، وتناوبنا على الحمَّامين وهما واحد للنِّساء وآخر للرِّجال، وقال بربر:
    - أريد ثلاثة أيَّام أدبِّر بها شؤون الولاية ثمَّ نتَّجه جنوباً إلى صيدا، وربما نكون جميعاً بحاجة إلى هذه الاستراحة بعد سفر طويل مضن. وأطلب إليكم الحضور معي في الإيوان عند استقبال الوفود، فلا أريد أن أكون وحيداً.
    كان أوَّل المهنِّئين القاضي والمفتي ودخلا سويَّةً، وكانا موجودين أثناء وصولنا، قال بربر لهما:
    - هل أنتما من طرابلس؟.
    أجاب القاضي:
    - أنا يا سيِّدي من عكَّار.
    - وأنا من بيروت يا سيِّدي الوالي .
    هل تعرف شيئاً عن شفيق باشا العرقوبي؟.
    - مؤلِّف كتاب مستقبل العالم الإسلامي؟.
    أجابه خالي
    - نعم هو .
    - إنَّني لا أعرفه وفي الكتاب نقدٌ لاذع لرجال الدِّين المسلمين، وتحميلهم مسؤوليَّة الانحطاط الَّذي دخل فيه العالم الإسلاميُّ.
    دخلت وفودٌ متنوِّعة من الحرفيِّين والمثقَّفين والمعلِّمين والصَّاغة والفلاَحين وغيرهم، ثمَّ غادروا ليخلو لنا الجوُّ، وبعد انتهاء الدَّوام الرَّسميُّ دخلنا إلى المنزل، وكان السَّفر الطَّويل قد ترك لنا مشاكل هضميَّة لا بدَّ من معالجتها، وكانت أليزا خير من يعرف مثل هذه الحالات وطرق علاجها، فاقترحت التزام أنواع معيَّنة من الطَّعام المعدِّ بدون دسم، واقترحت الإكثار من الحركة، ولم أكن أحتاج إلى هذه النَّصائح ولم أصب بما عاناه رفاق الطَّريق، فقد اعتدت على ذلك، وساعتي سباحة كافية لحلِّ مشكلات سوء الهضم أو الإمساك.
    بعد غداء من الطَّعام المعدِّ على الطريقة الطَّرابلسيَّة الَّتي تمتاز بوفرة اللحوم والبهارات والطَّماطم، وبعد استراحة قصيرة على الكرسيِّ تخلَّلتها إغفاءة قصيرة، كانت الشَّمس تهوي نحو سريرها في البحر، فخرجت أبحث عن آمو، ذلك الفتى الوفيُّ المخلص والحبيب، وقفت على الشَّاطئ الصَّخريِّ أرقب البحر، كانت الشَّمس تمشِّط شعر المتوسِّط بمشطها الذَّهبيِّ، وتفرقه بيديها المتلألئتين، وتضفرُّه بجدائلها البرَّاقة، فيبدو غادة حسناء اعتنت بها مربيَّة حاذقة، وكانت الأمواج تتكسَّر برفق على الشَّاطئ الصَّخريِّ الأخضر، فتصدر أصوات تنهُّداتها المشتاقة، وكانت بعض النَّوارس تروح وتجيءُ مصدرة زعيقها المألوف، وهناك صيَّادون في زوارق صغيرة يجوبون الشَّاطئ ليفردوا شباكهم المأمولة، وكان الأفق قد ابتدأ يدمى بأشعَّة الغروب القريب، ومع هذا كانت السَّحالي تجوب ظهر الصُّخور لتخوض معركة مع السَّراطين المنتشرة في الجرانيف، لا يربحها أحدٌ منهما .
    علمت أنَّ آمو إذا أقبل إلى هذه الشِّباك فإنَّه سيمزِّقها، فقررت أن أسبح بعيداً عن الشَّاطئ، وبعد وقت ليس بالكثير كنت في عرض البحر بعيداً عن شباك الصَّيَّادين البسطاء، وهناك وجدت آمو، لقد كان بطيء الحركة على غير عادته، وغصت أتفقَّده فوجدته جريحاً، وكأنَّه خرج من معركة حديثة، ولم تكن الجروح خطيرة لكنَّها كانت كثيرة، وكان بعضها ينزف .
    نظر آمو إليَّ بعينين شاكيتين، ورأيت دفَّة سمكة قرش كبيرة وكأنَّها تطارده، فعمدت إلى خنجري الكبير الَّذي لا يفارقني، وكان بعض أسلحة عبد الباري، وسبحت باتجاهه ثمَّ غصت تحته وابتدأت أطعنه، كان القرش ينتفض وأنا أتفادى زعانفه، وفي وسطه فتحت فجوة عميقة وأخذت في توسيعها وكأنَّني قصاب، وابتدأت دماؤه تتدفَّق بغزارة، وهو يحاول الفرار فلا أتركه، وما لبثت أن بقرت بطنه ومزَّقت كبده، فخفَّت حركته وابتدأ يلفظ أنفاسه.
    غسلت دماءه عنِّي وعدت نحو الشَّاطئ فوجدت الزَّوارق كلُّها تتَّجه نحوي، وقد شاهدت بعض ما حدث، ودعاني أحدهم إلى الصُّعود إلى زورقه، في حين قطرت الزَّوارق الأخرى سمكة القرش، وعندما اقتربت الزَّوارق من الشَّاطئ الرَّمليِّ إلى شرق الشَّاطئ بانت السمكة فإذا هي حوتٌ محدَّبٌ أسود يزن أطناناَ كثيرة، ووجدت الصَّيَّادين يقفون مشدوهين، وقال لي أحدهم متعجِّباً:
    - كيف أمكنك قتل هذا الوحش.
    - بهذا وأشرت إلى الخنجر الكبير الَّذي أتخصَّره دائماً في البحر.
    - نحن نهرب منه، وإذا أدركنا حطَم زوارقنا وألحق الضَّرر بنا ولو كنَّا كثرة.
    - يجب أن أعود إلى موقعي الَّذي انطلقت منه لأجد ثيابي.
    - سأقلُّك إلى هناك، فهل لديك ضوء يدلُّك عليها.
    - إنَّ الليلة مقمرة وسأستدلُّ عليها.
    أقلَّني الرَّجل نحو نصف ميل إلى منطقة الشِّباك، وخلال الطَّريق سألته عن بلده فقال إنَّ أصله من صيدا ولكنَّه لم يعش فيها، ولا يعرف شيئاً عنها.
    عثرت على ثيابي بسرعة، وعدت إلى السَّراي لأجد الجميع يخيِّمُ عليهم الوجوم، وكانت أليزا تبكي وخالي عيناه دامعتان.
    - ماذا وراءكم، لماذا هذا النَّحيب ؟.
    - لا شيء، سمعنا أخباراً مزعجة.
    - عن ماذا ؟.
    - قالت أليزا وهي في نشيجها:
    - مات أبونا يا عماد منذ عدَّة سنوات.
    - كنت أعلم ذلك منذ كنت في فيورنتينا في شمال إيطاليا، وأخبرني به رجلٌّ من جبل عامل اسمه مرتضى باقر، وقلت لعلَّه مخطئ في ذكراه، رحم الله أبي وأمِّي فقد قتلهما القدر القاسي بواسطة هذا اليهوديِّ المنحوس.
    قال بربر:
    - هل ترى من عجلة يا بنيَّ للذَّهاب إلى صيدا، فلعلَّني أستطيع مرافقتك إليها؟.
    - والله يا سيِّدي لقد غمرتني بإحسانك، وإنَّني آمل أن تمكِّنني من ردِّ هذا المعروف، وأرى أن أنقل إليك ملكيَّة أبي في صيدا، فخالي ليس بحاجة لها.
    - وأنا أيضاً لست بحاجة إليها، فعندي الكثير في بلدي.
    - فلأنقلها إلى ولدي أخيك.
    - هما سيرثانني يا بنيَّ فاكفنيها، ولا تثقل عليَّ.
    - ستموت هذه الأملاك لأنَّني سأعود وأختي إلى إيطاليا .
    - أقترح عليك أن توزِّعها على الفلاَّحين، وربَّما كنت بذلك تنقذ نفوساً مؤمنة، ومن أحياها فكأنَّما أحيا النَّاس جميعاً.
    - نعم يا سيِّدي سأفعل ذلك بلا شكٍّ. وأريد يا سيِّدي أن نستأذن بالذَّهاب إلى صيدا، وربَّما عدنا إليكم أثناء سفرنا إلى البندقيَّة.
    - على الرَّحب والسَّعة يا بنيَّ، وتذكَّرا أنَّنا سنحفظ ذكراكما في سويداء قلوبنا.
    قال مراد:
    - أتسمح لي يا سيِّدي بمرافقتهما ؟.
    - كما تشاء يا بنيَّ، فلعلَّك تخفِّف عليهما وقع الصَّدمة.
    في صباح اليوم التَّالي توجَّهنا إلى صيدا، وبقي خالي في طرابلس قائلاً:
    - لن أكون عبئاً عليكما، وسأغادر إلى زوجتي وأولادي، وربَّما أجد سفينة هنا متوجِّهة إلى استانبول، فقد أرهقتني رحلة العربة، ولقد كسبت من الرِّحلة هذا الدَّرس القاسي الَّذي تعلَّمته ولن أنساه، فيجب على الزَّوجين المسنِّين أن يكملا طريقهما بلا ألم.
    قالت فاطمة:
    - كنت أحلم بمرافقتكم لكنَّني تعبت من المآسي، وآمل أن يحضر خطيبي قريباً فيجدني هنا، على أنَّ لي رجاءٌ ألتمسه من أليزا.
    - ما هو؟.
    قالت أليزا مستغربة.
    - إذا رأيت الفتاة الَّتي اسمها كلوديا فقولي لها: إنَّ الكثير من النِّساء يغبطنها على جون، فإنَّه شابٌّ فريد، وحدِّثيها عنِّي فربَّما التقينا، وقولي لها بأنَّني فشلت في سلبها حبيبها المحظوظ .
    - كيف تقولين ذلك عن فتاة لا تعرفينها؟.
    - لو لم تكن امرأةً فريدة لما أخلص لها عماد هذا الإخلاص المتناهي.
    ضحك الجميع من هذا الحوار المنمَّق، وودَّعونا بدمعات تترقرق في العيون، وشيَّعونا إلى العربة.
    قال بربر باشا:
    - كونا حذرين يا ولديَّ فربَّما لم تنته مكائد أعدائك يا عماد.
    صعدنا إلى العربة وفي نفوسنا ذكرى أيَّامٍ لا تنسى.
    الصور المرفقة  

صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •