صفحة 4 من 5 الأولىالأولى ... 2345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 40 من 49

الموضوع: بربر باشا .. رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

  1. #31
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    9

    قصر ألفونسو في جنوة وقلعة المرقب جنوب بانياس

    في أثناء خروجنا من ميلان مررنا أمام كنيسة القدِّيسة ماريَّا فقال ألفونسو:
    - سندخل هذه الكنيسة لدقائق، فسأري جون لوحة العشاء الأخير الَّتي رسمها دافنتشي هنا.
    قالت كلوديا:
    - ونحن أيضاً نريد أن نراها.
    دخلنا الكنيسة بعد أن قرعنا بابها، ففتح لنا شيخ كبيرٌ كأنَّه كان بواباً أو ما شابه، ودخلنا نتفرَّج على اللوحة.
    قال ألفونسو:
    - تملَّى هذه اللَّوحة جيِّداً يا جون.
    - نعم يا سيِّدي.
    تفقدت اللَّوحة بتؤدة، وحاولت أن أجمع في ذهني صورة دقيقة لها بمختلف عناصرها، من الأشخاص والمنضدة والخلفيَّة، ثمَّ غادرنا الكنيسة إلى العربة.
    كانت الطَّريق بين ميلان وتورتون جيِّدة الرَّصف وفد تمَّ إزالة الأعشاب الصَّغيرة من جوانبها فبدا الطَّريق عريضاً، وكانت الخيول الَّتي بدِّلت في ميلان قويَّة ومرتاحة، فأخذت تطوي الأرض طيَّاً، وقدَّرتُ سرعة العربة بسرعة جواد متوسِّط الجري، وإذا استطاعت الخيول أن تحافظ على سرعتها، فإنَّنا سنصل إلى تورتون بعد خمس ساعات، وبالإمكان المتابعة إلى جنوة إذا سمحت ظروف الرِّحلة بذلك، وقد اقترحت أن نريح الخيول ربع ساعة في السَّاعتين، وهكذا سنزيد الوقت ساعة على الأكثر، وهو وقتٌ يسمح لنا باستراحة قصيرة نتابع السَّير بعدها إلى جنوة، فوافق ألفونسو مع امتعاض أميليا الَّتي قالت:
    - أخشى على كلوديا، ولن يغيَّر يومٌ في مجرى التَّاريخ.
    قال ألفونسو:
    - بل تغيِّر ساعاتٌ في مجراه، وحياة جون في خطر، وفرسان مالطة سيتعقَّبونه، وهم لا يعرفون لماذا، فلا شكَّ أنَّ لويس قد كذب عليهم.
    - لا تخشي عليَّ يا أمَّاه، فإنَّني جاهزة، وسنقدِّمُ الأهمَّ على المهمَّ .
    - على بركة الله يا بنيَّتي إنَّني أشفق عليك من هذه الرِّحلة، والخوف يملأ قلبي منها.
    - يكتب الله ما يريد يا أمَّاه .
    نفّذنا الخطَّة بدقَّة، وقد أفدنا من الاستراحات بأن قمنا بالسَّير الحثيث بعد جلوس طويل، وكان كافياً ليدبَّ النَّشاط في أجسامنا، ثمَّ نتابع مسيرنا، وقد فقدنا الاهتمام بالمناظر من حولنا، وما عاد يهمِّنا إلاَّ الوصول إلى جنوة، وكان الوقت يمرُّ بطيئاً، والمزارع من حولنا حقول حمراء معدَّةٌ للزِّراعة، وكانت السَّماء ملبَّدة بالغيوم الدَّاكنة الكثيفة ممَّا يؤذن بسقوط المطر، ولن يعطِّلنا هطوله ففي مثل هذه الأوقات لا تشكِّل الأمطار سيولاً، بل زخَّات متقطِّعة لن تفعل شيئاً يذكر في الطَّريق المرصوف بعناية وإتقان، كانت همومي أكبر من تعقُّب الفرسان، فأريد أن أعود إلى وطني، وهناك ألمٌ يعصر صدري، ويمسك بجميع حواسِّي، إلى درجة أنَّني فكَّرت بالبكاء، لقد كان ألفونسو أكثر من أب، وأعرف الآن أنَّني أحبُّه أكثر من حبِّي لأهلي الَّذين حرموا منِّي ومن أختي وقضوا دون أن يستطيعوا رؤيتنا، ولكنَّهم ارتاحوا وبقينا أنا وأختي، الَّتي لا أعرف شيئاً عن مصيرها، وليس ما أشعر به قلقاً، لكنَّه إحساسٌ متناقضٌ لا أستطيع تفسيره، لقد أخبرني مرتضى بوفاة والدي منذ سنوات، ولا شكَّ أنَّ والدتي لقيت نفس المصير قبله، ولكنَّ وجود كلوديا وألفونسو غيَّرا مجرى حياتي، ولا أريد أن أقارن بين ما أنا عليه وما سأكون عليه لو بقيت إلى جانب أبويَّ، لقد عركت هنا، وألفت القتال، وتعلَّمت في أحسن المعاهد، وحصلت على ثقافة فريدة في جميع الاختصاصات العلمية والفلسفيَّة والتَّاريخيَّة، فقد كان ألفونسو مدرسة بحالها، لقد كان أديباً وشاعراً، وكان مفكِّراً حُرَّاً، ورغم أنَّني كنت ألومه بقتاله إلى جانب الفرسان إلاَّ أنَّني كنت أقدِّره في أعماقي، وأكنُّ له الاحترام والتَّبجيل، لقد كان ألفونسو ملكاً غير متوَّج، وهو من رفض التَّتويج، وكانت كلوديا أحلى وألطف حبيبة، وقد أعطتني كلَّ ما تستطيع الفتاة أن تعطيه لحبيبها، وهذه أميليا الَّتي تعرَّفنا عليها بالصُّدفة، إنَّها سيِّدة طاهرة، وأمٌّ شفوق، وعلى دراية بالحياة والمنزل، وكانت تعاملنا كأنَّنا ولداها، وكنت أعرف دائماً أنَّنا نحتاجها أكثر من حاجتها إلينا، كانت صادقة حتَّى السَّذاجة، أبيَّة حتَّى الكبرياء، لطيفة حتَّى الخجل.
    كانت أميليا تقول:
    - لعن البؤس، لكنَّه يبقى جميلاً مع الكرامة، ولعن المكر فإنَّه قبيحٌ حتَّى مع الغنى.
    كانت القافلة تجري إلى موعدها، والسَّهل منبسطٌ بين ميلان وتورتون، وأردت أن أشغل نفسي بتتبُّع بعض المناظر، فكم فتنني مناظر الجداول والأنهار الصَّغيرة، وخاصَّة ضفافها المزوقة بزهور الدفلي المتعددة الألوان.
    وكم فتنت كلوديا رائحة الزَّيزفون العطر، ولكنَّنا الآن لم نعد ننشغل بالورود والرَّياحين، ولا بمنظر السًّفوح المزهرة النَّديَّة، إنَّ الهموم تعطِّل كلَّ رقَّة وشعور مُرهف، وتملأ النَّفس بضبابٍ أسود يغطِّي كل الحواس، ويزيح الآمال العريضة والبهجة.
    ولم يكن الخوف عنواني، فقد أزحته منذ مدَّة طويلة، وحلَّ محلَّه نوع من الإقدام والبأس، كنت فتيَّاً أظنُّ أنَّ إغناء شخصيَّتي جيِّداً بالمعارف المتنوِّعة، وتطوير أساليب القتال الفرديِّ كافيان لكي آخذ بثأري، ولكنَّني بعد أن واكبت ألفونسو، وتعلَّمت منه الكثير عن خطا الحرِّ في الحياة، وعن مقاييس الشَّرف والأخلاق، وعن تصرُّف الفارس الحقيقيِّ والسَّيِّد المحترم، فقد تغيَّر الحقد الَّذي في داخلي، وتحوَّل إلى شفقة ورحمة، وصار الظَّالم في نفسي أولى بالشَّفقة من المظلوم، لأنَّه يظلم نفسه أوَّلاً وأخيراً، ويخسر من وجوده كإنسان أكثر مّما يحصِّله من اضطهاده وعبثه.
    وهكذا تغيَّر أفق حياتي، لقد كنت أعيش على أمل الثَّأر، وأتعلَّمُ وأجتهد لكي يكون انتقامي فاحشاً، أمَّا الآن فلو التقيت اليهوديَّ فسأكتفي باحتقاره، لأنَّه خرج من إنسانيَّته إلى الوحشيَّة، وفقد من نفسه أكثر بكثير ممّا حصَّل.
    أمَّا كلوديا هذه الهبة الَّتي أرسلها الله إليَّ لتعزِّيني في مأساتي، وتصرفني عن أحزاني، وتبلسم جراحي، وتفرِّج عن قلبي المنكوب، فإنَّها حلَّت فيه محلَّ كلِّ شيء آخر، وأصبحت الهواء الَّذي أتنفَّسه، والضَّوء الَّذي يملأ عينيَّ بالأمل والرَّجاء، لقد عشنا زوجين غير معلنين، لكنَّنا كنَّا صادقين تماماً في كلِّ الأمور، أوَّلُها حبٌّ شريف طاهر، وكانت كلوديا تعطي ولا تريد ثمناً لما تهبه، وتشاركني في همومي وآمالي، وترقب ذلك اليوم الَّذي نعلن زواجنا فيه، لا لغاية تتعلَّق بها، ولكن لكي نشكِّل أسرة فيها أطفالٌ يملؤون حياتنا، وحتَّى الآن فقد منعني من إعلان الزَّواج أن أكون سُبَّة عليها كرجل لا أصل معروفاً له.
    كانت الخيول تجري، وكان طقس الخريف المتأخِّر البارد والرَّطب يخفِّف من تعرِّقها ولهاثها، وقد راعى الحوذيُّ مسيرها وكان يتفقَّدها باستمرار، ويقدِّم لها أثناء الاستراحة كفايتها من العلف المحسَّن، وصلنا إلى توتون وهي بلدة صغيرة على طريق جنوة، وقد وصلنا قبل الظُّهر، فتجاوزناها باتِّجاه جنوة، وبعد ساعة أو تزيد بدأ الطريق يتسلَّق بعض المنحدرات في هضاب لم تكن مرتفعة، إلاَّ أنَّها كثيرة الوديان، مما خفَّف من سرعتنا، وأتعب الخيل، وكان لا بدَّ من إراحتها مرَّة في السَّاعة، وتقديم الماء والعلف لها، وكانت الرِّيح شماليَّة فنشر الحوذيَّان أشرعتهما على مؤخِّرة العربة لمساعدة الخيول، وما أن نشر الشراع حتَّى أسرعت الخيول بعض الشَّيء، وقد كانت العربات في إيطاليا مجهَّزة بمثل هذه التَّقنيَّة تستخدم في الهضاب والطُّرق المائلة.
    تأخَّرنا أكثر من ساعة، وحينما ابتدأت الخيول تهبط التَّلال طوى الحوذيَّان الأشرعة، واستخدما مكابح الخيول في لجاماتها، وما كاد الغروب يحلُّ حتَّى كنَّا في مداخل جنوة، وتوجَّهنا إلى قصر آخر كالقصور الَّتي شاهدناها في المدن السَّابقة، وقد كان مبنيَّاً على مرتفع قريب، ويطلُّ على جنوة بكاملها، وأمامه مرفؤها الكبير الَّذي يغصُّ بالسُّفن.
    كان ألفونسو يملك هنا أسطولاً تجاريَّاً كبيراً، وكان هذا الأسطول ينقل البضاعة من إيطاليا وإليها، ويجوب أعالي البحار وسواحل أفريقيا والشَّرق الأقصى، وكان يملك رحبة لإصلاح السُّفن ومزلقاناً كبيراً ترفع فيه السُّفن لصيانتها، وحوضاً جافاً يملأ بالماء حين نقل السَّفينة إليه، ثمَّ يفرَّغ بعد أن توضع السَّفينة على حاملها المخصَّص لها، وكان يملأ بالماء بطريقة النواعير المعروفة في الساحل السوري، كما كان في طرف الحوض مصنع سفن، وكانت هذه المنشأة مع منجم الفضَّة في جبال الألب، هما أحب ملكيَّتين لألفونسو، بل أغلى ملكيَّتين له في إيطاليا كلِّها.
    دخلنا القصر بعد استقبال حافل من إدارته، وكان كبير المدراء رجلاً طوَّالاً يبدو عليه أنَّه كان بحَّاراً، وكان يتكلَّم بلكنة إسبانيَّة ويلفظ بعض الكلمات الإيطاليَّة باللهجة الإسبانيَّة، واللُّغتان الإسبانيَّة والإيطالية لهما نفس المنابع، وتشتركان في كثير من الكلمات والجمل.
    - كيف حالك يا وليد، وما هي أخبار الوطن؟.
    قال ألفونسو متودِّداً إلى الشَّابِّ الطَّويل .
    - أنا بخير يا مولاي، والوطن يعاني من حركات تمرُّدٍ على نسيبك، وهناك من يجهر لك بالدَّعوة لتستلم عرش أسبانيا، وقد قامت تظاهرات مؤيَّدة لك من الجيش الإسباني تنادي بك ملكا على البلاد.
    - وما له ابن عمِّي فيليب؟.
    - يقولون عنه أنَّه غبيٌّ وغير جدِّيٍّ.
    - لماذا وهو غير ذلك؟.
    - يقولون إنَّ الغلاء والبطالة، وما يظهره الباسكيّون من المناوشات وطلب الاستقلال قد يؤدِّي إلى تدمير الوطن وتجزئته.
    - إنَّ ابن عمي لا يستطيع أن ينهي الرُّكود الاقتصاديَّ بمرسوم ملكيٍّ أو بإعادة برمجة الاقتصاد.
    - هذا ما يقولونه، ويدَّعون أنَّه يكنز الذَّهب الَّذي تحمله السُّفن من أمريكا الجنوبيَّة، ولا يستفيد منها في المال العامِّ.
    ما هويَّة السُّفن في المرفأ؟.
    - إنَّها سفننا، وسفينة للأمير لويس وصلت عصر هذا اليوم.
    - وما عليها؟.
    - بعض الفرسان يا مولاي.
    وضع ألفونسو يده على خده متفكراً ثم أردف:
    - أريد منك أن تجمع بعض مقاتلينا وتزرعهم حول القصر، ومعهم أوامر بقتل كلِّ من يقترب منه.
    - حاضرٌ يا سيِّدي، وأريد أن تأذن لي بفتح مستودعات الأسلحة.
    - وأريدك أيضاً أن تهاجم سفينة لويس وتعتقل كلَّ الفرسان الَّذين جاؤوا عليها، أليست قواتنا كافية؟.
    - بلى يا سيِّدي.
    - بعد اعتقالهم لا تؤذ أحداً منهم، وأخبرني.
    - أمرك يا مولاي.
    كنا نسمع الحوار الدَّائر بين ألفونسو والرَّجل الطَّويل وليد، ورأيت كلوديا ترتعش وقد أخذ التَّعب منها مأخذه، وزاد عليه تخوُّف امرأة على حبيبها، وعلى ألفونسو وأميليا، لكنَّ أميليا الَّتي أثارتها مطالبة الشَّعب الإسبانيِّ ألفونسو أن يجلس على كرسيَّ الملك الإسبانيِّ ضحكت بعصبيَّة وقالت:
    - ملعونٌ أبي إذا لم تكن أنت ملك أوروبا كلِّها، ولماذا هذا الكلب لويس يستشري عليك ويتطاول، ملعون لويس وملعونٌ من معه.
    - لا تخشي يا سيِّدتي فليس معه أحدٌ.
    قلت أنا:
    - من هو هذا الَّذي تسمِّيه وليد يا سموَّ الأمير؟".
    - إنَّه أخي في الرِّضاعة، وهو من أبناء جلدتك، وبطلٌ من أبطال إسبانيا يا جون. وسترى بعد حين ماذا سيحلُّ بفرسان لويس الَّذين أرسلهم لقتلك.
    بعد زهاء السَّاعتين سمعنا جلبة في ساحة القصر، وبعد قليل دخل وليد وعيناه حمراوان من الغيظ .
    إنَّهم في ساحة القصر يا مولاي.
    قال ألفونسو: سأخرج إليهم يا جون فلا تخرج معي.
    - أمرك يا مولاي.
    ما أن خرج ألفونسو حتَّى تسلَّقت شرفة القصر المطلَّة على السَّاحة وأنا بكل عتادي وعدَّتي، ورأيت كلوديا تتبعني مسرعة.
    - ماذا تريد أن تفعل يا جون.
    - سترين.
    دخلت بسرعة وسحبت ستائر من الغرفة عقدتها في حاجز الشُّرفة وانتظرت.
    كان وليد وجيشه الصَّغير يحيطون بأسراهم من فرسان السَّفينة، وقد توسَّطهم ألفونسو وراح يحدِّثهم بصوت منخفض، ووجدتهم يهزُّون رؤوسهم بالموافقة، وفجأة انبرى أحدهم وأخرج سكِّيناً من حذائه وهاجم ألفونسو، الَّذي زاغ عنه ولم يكد يستدير حتَّى كنت وراءه تماماً أمسك بيده ورقبته، وقد حاول أن يتملَّص فكسرت عنقه وألقيته على السَّاحة يلفظ أنفاسه.
    وأقبل الفرسان يعتذرون.
    - إنَّه ليس منَّا، وقد عيَّنه لويس طاهياً على السَّفينة، وكم عانينا من طعامه، ولم يكن موضع شكِّ. قال كبيرهم.
    نظرت إلى حلقة الفرسان فعرفت بعضهم، فقد حاربنا معاً على ظهر السَّفينة كاميليا، وما أن رأوني حتَّى تقدَّموا منِّي وهم يشكرونني، ويصفونني بالأخ.
    - هذا ما يفعله بنا لويس يا فرسان القدِّيس يوحنَّا. الآن تدركون أنَّه لا يريد إلاَّ قتلي، ولا أدري لأيِّ سبب، وستعودون إلى مالطا وتتدبرون في الموضوع، فهو يريد تدمير منظَّمة الفرسان، وأريد أن تتحرَّوا عنه فلعلَّه يحاول تمزيقنا.
    أبدى فرسان السَّفينة اعتذارهم، وأقرُّوا الولاء لألفونسو، وقال كبيرهم:
    - مولاي أمير أوروبا وقائدها أعاهدك أن ألقي القبض على لويس وأن أقتاده إليك هنا.
    - لا يا ولدي بل ستقتاده إلى روما، وتقدِّمه للبابا، وإنيِّ أعينك باسم ملوك أراغون مكانه، وستجد بين رفاقك من يؤيِّدك في ذلك فلا يحقُّ لمتآمر مأبون أن يقود الفرسان، وسأتبع لك فرقتي في صقلية، فهي مستعدَّة دائماً وجاهزة للدِّفاع عن مقدَّساتنا.
    - أمرك يا مولاي .
    انصرف الفرسان إلى سفينتهم، وأبحروا عائدين إلى مالطة .
    - الآن زالت العجلة ويمكننا أن نستريح.
    قال ألفونسو ثُمَّ أردف:
    - لماذا فعلت ذلك يا جون؟. أتظنُّ أنَّني لم أعد قادراً على الدِّفاع عن نفسي؟.
    - أعلم يا سيدي أنك أقدر مني، ولكن دون قطرة واحدة من دمك كلُّ روحي، لقد تصرَّفت بطريقة انعكاسيَّة، وكان ردُّ فعلي محتَّماً، وأعتذر عن ذلك.
    - هكذا أنت دائماً، وهذه المرَّة الألف الَّتي تعرِّض نفسك فيها للقتل ظانَّاً أنَّك بذلك تسعدني، ولو انتظرت قليلاً لرأيت كيف أقتله بطرفة عين.
    - لا شكَّ عندي يا سيِّدي، ولكنَّ الفرسان موجودون، ولم أشأ أن يروك خارجاً عن وقارك مع مثل هذه الحثالة.
    أنت ولدي حقَّاً يا جون، ولن أستطيع أن أصف لك شعوري الآن، إنَّني أحسُّ بالسَّعادة والتَّعاسة معاً، ولعلَّه من تأثير الصَّدمة، فعندما رأيتك يا ولدي تمسك بالكلب وبيده السِّكِّين، غامت عيناي وطار صوابي، وعندما رأيتك تقتله في طرفة عين عاد لي رشدي، وأحسست أنَّني لن أقوى على المثابرة في الوقوف، سنحلِّل ذات مرَّة هذا الشُّعور، ونعرف عندها ماذا حدث لنا.
    عدنا إلى القصر، فوجدنا أميليا تضع كلوديا في حضنها، وقد أغمي عليها، وأخذت المرأة تحاول إيقاظها، وكان وليد يقف أمامهما واجماَ، وحينما همستُ في أذنها انتفضت وفتَّحت عينيها، وعندما رأتني أمامها حاولت أن تنهض فمنعتها أميليا، فقالت بصوت أجشَّ.
    - ما الَّذي حدث، فعندما قفزت من الشُّرفة أغمي عليَّ.
    - لقد انتهى كلُّ شيءٍ وقتلت الرَّجل.
    قال ألفونسو:
    - ها قد رأيت يا كلوديا بأمِّ عينيك، إنَّه يلقي بنفسه إلى التَّهلكة، وقد كنت مستعدَّاً للدِّفاع عن نفسي، وكنت سأقتل هذا الكلب في رفَّة عين، هذا إذا تركه الفرسان، وهم لن يتركوه.
    - أنتما الاثنان ستقتلانني، إنَّ قلبي لا يتحمَّل كلَّ هذه الصَّدمات، وماذا ستفعل يا سيِّدي الآن.
    - لقد فعلت، وسيعتقل الفرسان لويس وسيحملونه إلى روما ليقدِّموه للبابا.
    - وماذا بعد ذلك؟.
    - سيحكم البابا بول عليه .
    - وماذا بعد؟
    - نعود إلى باليرمو، ومنها سأذهب إلى أسبانيا، فهناك بعض المشاكل فيها.
    - وأنا وجون وأميليا؟.
    - سنتحدَّث بعد عودتنا إلى باليرمو .
    انتحيت بوليد جانباً، فهمس في أذني.
    - علمت أنَّك من لبنان، من صيدا، وتنحدر أصولنا نحن من مدينة حمص في بلاد الشَّام، فماذا ستفعل مستقبلاً؟.
    - سأعود إلى باليرمو ثمَّ إلى صيدا ثمَّ أعود إلى البندقيَّة للإقامة فيها.
    - أليست مرافقة سموِّ الأمير ألفونسو إلى أسبانيا ضمن مخطَّطك؟.
    - هذا عائدٌ له، وإذا طلب إليَّ مرافقته إلى أطراف الدُّنيا فعلت.
    - كلُّنا نفديه، وقد رأيتك اليوم، فأنت بارعٌ حقَّاً ومبادهتك سريعة كومض البرق، لقد اشتهرت أنا بالبأس والسُّرعة، ولكنَّني رأيت اليوم ردَّك الانعكاسي، لقد كنت أسرع من الخيال.
    - لقد تعلَّمت هذا كلَّه من ألفونسو.
    - لقد تعلَّمت وسبقت، وستكون خير راع لقومك في أسبانيا وهنا، إنَّ حياة أسرنا متعلِّقة بسموِّ الأمير.
    - حياتي أكثر منكم، وهو كلُّ شيء لي ولكلوديا، ولكنَّني أريد منك يا وليد أن تعدَّ العدَّة لدخول ألفونسو إلى روما دخول الملوك، في موكب لم تعهده هذه البلاد، فهل أنت قادرٌ على ذلك.
    - نعم وسنصطحب معنا الخيول والرَّايات، وسندخلها في الحديد ولباس القتال الكامل.
    - لا بأس فإنَّني أريد أن نضغط على البابا، ونريه جبروتنا قبل لطافتنا، فقد ساهم في محاولة اغتيال ألفونسو دون أن يدري.
    - أو يدري، إنَّ هؤلاء البابوات أباطرة ولا تغيب عنهم نتائج تصرُّفاتهم

    الصور المرفقة  

  2. #32
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    10


    جون في ثياب القتال

    كانت إقامتنا في جنوة مشوَّشةً بعض الشَّيء، وأدَّى هذا الحادث إلى تحوُّلات غريبة فينا، فإنَّ ألفونسو قد تصرَّف كأنَّه ملك أراغون، وهذا يلقي علينا أعباء جسيمة، فإذا لم نستطع إظهار ألفونسو ملكاً، فشلنا وأفشلناه معنا، وفي هذه الحالة نعرِّض حياته للخطر، فالملك في أوروبا إذا زالت هيبته انقضَّ عليه أعداؤه في كلِّ مكان ودمَّروا سلطانه، وربَّما قتلوه .
    في فترة وجودنا في جنوة نقل ألفونسو ملكيَّته في جنوة إليَّ، بما في ذلك الأسطول، ونقلت ملكيَّة منجم الفضَّة موزَّعة بيني وبين كلوديا وأميليا، حيث أعطيت أميليا ربع المنجم. وكان وليد وقومه أسعد النَّاس بهذا، ولم يخفوا ذلك حتَّى عن ألفونسو، وقال وليد في معرض حديثه :
    - لقد سعدنا يا سيِّدي الأمير بنقل الملكيَّة إلى جون، ومهما احترمناه وأحببناه فلن نعدله بك، ولكنَّنا كنَّا نخشى على عائلاتنا بعدك بأن تشرِّدها يد الورثة، أو البيع والشِّراء، بحيث نبقى جميعاً عرضة للضَّياع والتَّشريد.
    - وهذا يا وليد أحد أسباب نقل الملكيَّة، فليس ألفونسو من يقامرُ بحياة عائلات أصدقائه ورعاياه.
    وقال ألفونسو:
    - هذا المنجم يوفِّر السِّيولة النَّقدية، ويكون بين أيديكم ما يزيد عن حاجات السُّوق وتكاليف الحياة اليوميَّة. كما يستخدم الزَّائد في ترميم وصيانة المباني والمنشآت وأجور الخدمة والموظَّفين، بينما يكفي ريع الأسطول لصيانة السُّفن وبناء الجديد منها، وأجور البحَّارة وعمَّل الصِّيانة والأحواض. وهناك المتاحف والفنادق فيزيد ريعها عن حياة البذخ ومصاريف الهبات النقديَّة، وترميم الضَّائقة الماليَّة الَّتي يمرُّ بها الأقرباء والأصدقاء والموظَّفون والعمال.
    أمَّا بقيَّة الدَّخل فينفق على البرِّ والنَّفع العام وبينها دور الرِّعاية ومأوى العجزة، ونفقات الدَّواء لمرضى المعوزين والفقراء.
    وفي جنوة معالم أثريَّة قديمة، وفيها الكثير من معارض الفنِّ تعرض فيها روائع الرَّسامين في أوروبا .
    عندما علم دوق جنوة بوجود ألفونسو جاء إلى القصر مع كوكبة من فرسان جنوة، وسلَّم بحرارة وقال:
    - أهلاً بأمير أوروبا وسيِّدها، إنَّك هنا بين رعاياك ونتمنَّى أن تقبل ضيافتنا.
    - أهلاً بك يا سلفاتوري، وأنا هنا في بلدي وبين مواطنيَّ، وكما ترى فإنَّ في صحبتي رفاق، وهذا منزلي به كلُّ ما نحتاجه، وأنا أشكر لك هذا الاهتمام.
    - لعلَّك تقبل أن تحضر حفلاً يقام على شرفك في قصرنا، وإنَّنا نطمع ونفخر بذلك.
    - نعم إنَّه ليشرِّفني ذلك. ولكن قل لي يا سلفاتوري، فقد سمعت أنَّكم تتَّصلون بفرنسا لتضعوا أنفسكم تحت تصرُّفها، فما قصَّة ذلك؟.
    - هناك يا سيِّدي دسائس يمكر بها الطَّامعون في القصور من وراء الكواليس ويتآمرون في الظَّلام، وربَّما كانوا موجودين في كلِّ المدن، ونحن نتعقَّبهم، ولكنَّنا لا نشكُّ بأطماع فرنسا عندنا، وفي جميع الأحوال سيبقى ولاؤنا لملوك أراغون ما دامت عائلتي.
    - ولكن يا سلفاتوري، أريدك أن تصدقني القول، فما هو تقصير ابن عمي الملك فيليب تجاه جنوة والمقاطعة بأسرها ؟.
    - يا سيِّدي ليس هناك تقصير أبداً، ولكن يوجد شيءٌ من التَّجاهل لجنوة، ورغم ولائنا الكامل، فإنَّ آخر ملوك أراغون لم يزوروا جنوة ويطمئنوا أهلها على حلفها العريض مع أسبانيا .
    - نعم يا سلفاتوري، وما درايتك فيما يجري في جنوة؟.
    - كيف يا مولاي؟.
    - لقد تعرَّضت عندكم للاغتيال، ونجوت منه بالصُّدفة، فأين أجهزة أمنك؟.
    - ولماذا يحاولون اغتيالك يا سيِّدي؟.
    - هذا ما أريد أن أسألك عنه ؟.
    - والله لم أسمع بالحادثة، وسأعلِّق المشانق.
    - لا يا سلفاتوري، فقد قتل الجاني، ومن وراءه ليسوا موجودين في إيطاليا.
    - سأستوجب مدير الأمن وقد أستبدله، فأن تحدث جريمة بهذا الحجم عندنا، فهذا تقصيرٌ، وأن لا أعلم بها فهذا تجاهل، وأن لا يعلم بها جهاز الأمن فتلك كارثة، فجميع رجال المدينة تحت الحماية، ولا يمكن أن أتغاضى عن ذلك.
    - أشكرك يا سيِّد سلفاتوري، وأتمنَّى أن لا تكون أنت المستهدف في مرَّة ثانية.
    ذعر الحاكم من هذه الإشارة وأرسل في طلب رئيس جهاز الأمن، وجلس هو وألفونسو، أمَّا نحن فقد صعدنا إلى الطَّابق العلويِّ حيث غرف استراحتنا، فوجدت كلوديا غارقة في أحلامها، وما زالت تنتفض، ورأيت أميليا جالسة على السَّرير تراقبها بعينين دامعتين:
    - لن تستطيع هذه الصَبيَّة أن تصمد أمام هؤلاء الذِّئاب، وإنَّكم ستقتلونها في هذه الرِّحلة.
    - وكِّلي الله يا أمَّاه، فإنَّها ستتعوَّد، وهذه حياتها لا تملك أن تفرَّ منها.
    أرسل ألفونسو يطلب أن أنزل إلى الصَّالة، وهناك وجدت ألفونسو وسيلفاتوري جالسين، وأمامهما رجل قصير تشعُّ عيناه مكراً ودهاءً، إلاَّ أنَّه كان في نهاية الرُّعب.
    - نعم يا روبن خبرنا عن الأمن في جنوة؟.
    - الأمن مستتبٌّ يا سيِّدي، ويستطيع الغريب أن يتجوَّل في جنوة ليلاً ونهاراً دون أن يجد ما يريبه.
    - هكذا تقول يا روبن، وماذا عن محاولة اغتيال الأمير ؟.
    - نعم يا سيِّدي، لقد أحطت علماً بذلك، ونحن لا نتعقَّب سفن الأمير لويس، ولم يخطر ببالنا أن يكون فيها من يحاول اغتيال الأمير.
    - هل علمت بقدوم الأمير إلى جنوة؟.
    - نعم فور وصوله يا سيِّدي.
    - ولماذا لم تخبرني كي نجري له استقبالاً لائقاً ؟.
    - هذا ما لم أهتد إليه.
    - وبعد محاولة اغتياله ماذا فعلت؟.
    - لقد أخذنا القتيل ودفَّناه.
    - ولم تخبرني، ما أراك يا روبن إلاَّ شريكاً للويس في هذه الجريمة، وإلاَّ فما سبب تستُّرك وعدم إخباري؟.
    لم يعد الرَّجل يقوى على الوقوف فجلس على الأرض وهو يهذي.
    أمر سيلفاتوري بإلقاء القبض على روبن واستجوابه في السِّجن، ثمَّ إحالته للقضاء المستعجل، وسمعت روبن وهم يقتادونه باكياً يقول:
    - لقد وقع القدر فعمي البصر.
    اعتذر سيلفاتوري بحزن وقال:
    - نضع ثقتنا بالخونة، لن يستلم الأمن بعد هذا اليوم إلاَّ نبيلٌ نعرفه ونعرف عائلته.
    ثمَّ خرج ومعه حراسته ومستشاروه ومضوا.
    - ماذا نقول يا سيِّدي الأمير؟.
    - لا نقول شيئاً، لقد انتهى الأمر، وسيلقى هذا الغبيُّ وأعوانه ما يستحقُّونه، ولم يمض المساء حتَّى شاع الخبر في جنوة، وخرج النِّسوة يتفرَّجن على ألفونسو، بطل أوروبا، وقسمٌ منهنَّ حملن معهنَّ أولادهنَّ، وكتبت الصُّحف عن هذا الاعتداء الأثيم، ممَّا فرض زيادة الحراسة حول القصر، وطلبت عائلة روبن مقابلة ألفونسو لكنَّه رفض وأمر بصرف جميع النَّاس ولو بالقوَّة، وجاءت عاصفة مطريَّةٌ ففرَّقتهم، وعادوا إلى منازلهم يروون الرِّوايات المتناقضة، ويخترعون قصَّة غرام أخرجت لويس من عقله، فعمد إلى محاولة قتل منافسه.
    وكما تكبر كرة الثَّلج كبرت القصَّة، فمنهم من جعل ألفونسو جريحاً، وأن ملوك أراغون سيدمِّرون جنوة، وقوم قالوا: إن أمير أراغون قد مات وكتم موته لتلافي الفتنة، وآخرون اعتبروا الجثَّة جثَّة لويس الَّذي جندله ألفونسو بضربة واحدة.
    واضطرت الحكومة إلى نشر الخبر الصَّحيح، واعتمدَّت الدِّقَّة في الحادثة، وعنونت الصُّحف: لويس وقائد جهاز الأمن روبن يرتكبون جريمة مروِّعة.
    ولم يصدِّق الخبر كلُّ النَّاس فقسمٌ منهم روى الحادثة كما يشتهي، وقسمٌ جعلها موحية كالأسطورة، وكيف أنَّ السَّماء هي الَّتي قتلت لويس في طرفة عين، وابتدأ بعض الفنَّانين يرسمون مقتل لويس ويجمعون به الشَّرَّ كلَّه وأنَّ لويس هو قايين آدم.
    ضحك ألفونسو مليَّاً ثمَّ قال:
    - هكذا تكتب الأساطير، إنَّها من وحي الخيال.
    أفاقت كلوديا من نومها متكدِّرة حائرة، ووقفت أمام ألفونسو قائلة:
    - هذا مصيرنا يا سيِّدي، لعن المال والثَّروة، ففي كلِّ خطوة نخطوها سنجد الموت ينتظرنا.
    - لا تخافي يا ابنتي، لقد تعرَّضنا أنا وجون إلى ألف حادثة أسوأ من هذه، نحن مقاتلان شديدان، وخضنا معارك ضارية، وخذي بعين الاعتبار أنَّ الخطر موجود في كلِّ شيء، في أشعَّة الشَّمس الحادَّة، في برد الشِّتاء القارس، في الأمراض المنوَّعة، في الظَّلام، في البريَّة، في الطَّريق، ولا بدَّ ممَّا ليس منه بدٌّ.
    - ولكن هذا النَّوع من الخطر يملأ تفاصيل حياتك رعباً، ويشكِّكك بكلِّ شيء.
    - الشَّكُّ مفتاح اليقين يا بنيَّتي، ولا بدَّ لنا من شيءٍ من الإيمان، وأنا أعتقد أنَّ قوَّة خيِّرة كبرى تسيطر على الوجود برمَّته، وعلى دقائقه أيضاً بما في ذلك الزَّمان والمكان، وهي الَّتي تتحكَّم بنا، وبالمناسبة فإنَّ قومك هم أكثر من تحدَّث عن هذه القوَّة.
    - لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله يا سيِّدي.
    - نعم يا بنيتي، طيِّبي خاطرك فكلُّنا في حماية الله وحفظة.
    شعرت كلوديا ببعض التَّحسُّن، وقالت:
    - هيا يا جون أريد أن أنام.
    صعدت معها، ولقد كنت أنا تعباً أيضاً، وما أن وصلنا إلى الفراش حتَّى غرقنا في سبات عميق.
    أفقنا صباحاً على جلبة خارج القصر، لقد كانت الجموع تتدفَّق على ساحة القصر وترفع لافتات كتب عليها: ألفونسو أعد لنا شارلمان، وأخرى كتب عليها: ألفونسو ملك الفرنجة، وغيرها كتب عليها: يا ملك أراغون اعتل عرش أوروبا، وأمثال ذلك من العبارات المؤيِّدة، وكانت المظاهرة تضمُّ فعاليَّات جنوة كلِّها، فيها عمال الميناء ومعامل الصُّلب والمطاحن والمعاصر ونقابة العمال الصِّناعيين والزِّراعيِّين، فشكرهم ألفونسو من على الشُّرفة ولوَّح لهم بيديه، فهتفوا له طويلاً، ثمَّ انفضُّوا عائدين إلى أعمالهم، ودخلنا إلى غرفنا، وبعد حمَّام دافئ نزلنا إلى البهو الكبير، قال ألفونسو الَّذي وجدناه قد سبقنا إلى البهو:
    - هناك بابٌ خلفيٌّ للقصر، لماذا لا تخرجان منه وتتسوَّقان وتتفرَّجان على جنوة ميناء إيطاليا الأهمُّ وملتقى بضائع الدُّنيا، وفيها من المعالم الأثريَّة ما يستحقُّ الرُّؤية، وفيها معارض فنيَّة مهمَّة يقدم إليها فنانو إيطاليا وأوروبا، وكم أتمنَّى أن تمرَّا عليها، فلعلَّ فيها ما يفيد فنَّاننا الواعد.
    هزَّت كلوديا رأسها موافقة على الاقتراح، ووافقت أنا قائلاً:
    - سأمرُّ على سفن الميناء وأسأل عن حركة هذه السُّفن ضمن البحار، ووجهة سفرها.
    - لماذا يا جون؟، فلعلَّك تريد أن تسأل عن سفينة متوجِّهة إلى الشَّرق؟.
    - نعم يا سيِّدي، فجنوة مركز الإبحار، ومحور الأسطول التِّجاريِّ في أوروبا، ولعلَّني أصادف سفينة يكون خطُّها التِّجاريُّ مارّاً بباليرمو في طريقها إلى الشَّرق.
    - إنَّ أغلب هذا الأسطول ملكك الآن، وستقِلُّك سفينة من سفنك إلى أيِّ مكان تريده.
    - بل أريد سفينة تجاريَّة أسافر عليها متخفِّياً، فلن أخاطر بكشف هويَّتي أثناء السَّفر، فالأعداء يتزايدون، وهناك من يتربَّص بي.
    - لعلَّه كلام عاقل، ولا بأس أن تطَّلع على حركة السُّفن التِّجاريَّة، فربَّما تجد طلبك. ولكن لا تذهبا قبل أن تتناولا طعام الفطور، فلن تجد في جنوة المطاعم الفخمة الَّتي رأيتها أثناء رحلتك، فهذه المدينة حافلة بالبحَّارة والعمال، وهو ما تعنى به المطاعم الرَّخيصة، والبارات المتواضعة.
    تناولنا طعام الفطور، ثمَّ خرجنا من الباب الخلفيِّ، وما كدنا ندخل السُّوق حتَّى لاحظنا مقدار التَّنوُّع في البضائع.
    قالت كلوديا:
    - سنتسوَّق الكثير من هنا، ألا ترى إلى الحرير الهنديُّ الجميل، ورائحة التَّوابل في كلِّ مكان ؟.
    - دعي ذلك للعودة، فإنَّنا سنزور المعالم الرئيسة في جنوة ثمَّ نعود.
    كان أجمل ما فتن كلوديا نافورة تتوسَّط ميداناً واسعاً، يطوف من حولها الأحباب يتعانقون، وكأنَّها تثير مشاعر الحبِّ والمودَّة، وتحيي الوجد. ولقد كان المنظر موحياً، وهدير الماء المتدفِّق يبعث أحاسيس في النَّفس لا يمكن تفسيرها ببساطة، إنَّها دفقة الحياة في عروق الوجود، وحب التَّكاثر والاندماج، وكنت أحسُّ نفس الشُّعور لدى رؤية شلاَّل متدفق من نهر، أو غرغرة الماء المترقرق من ينبوع غزير.
    أغلب الكنائس والأبراج بنيت على الطِّراز القوطيِّ، وهي لا تخلو من الفخامة، وقد قام فنَّانو أوروبا بتزيين هذه الكنائس بأحلى اللَّوحات الخالدة، وأكثرها مستوحى من الكتاب المقدَّس، ومن حياة يسوع المسيح وحياة تلاميذه الأبرار.
    وفي صالة العرض الفنيَّة شاهدت معرضاً للوحات متوسِّطة الجودة، ومنها ما هو متقن، ولكنَّها تخلو من الوحي والإبداع، لقد نقل هؤلاء الفنَّانون ما رأوه أمامهم بأمانة، دون أن يفلحوا بقراءة باطن الموجودات، أو يتخلَّلوا أعماق الأشياء وجمال أرواحها.
    وقد لفتت نظري لوحة واحدة كنت قد مررتُ بها صفحاً، وعدت إليها ثانية ووقفت أتمعَّن في تفاصيلها، لقد كانت تلعب بالنُّور لعباً وتظهر عناصر الصُّورة وأشعَّة الشَّمس تلهو فوقها، كانت اللَّوحة منارة بلطفٍ، وتحسُّ بشفافيَّة اللَّوحة وبهجتها، وكانت اللَّوحة عبارة عن منظر طبيعي لإحدى المناطق في شمال أوروبا حيث طواحين الهواء، وكانت اللَّوحة حواراً بين الطبيعة والشَّمس والغيوم، كان الرَّسام واقعيَّاً في رسومه، وربَّما أهمل قاصداً التَّفاصيل الدقيقة، لكنَّه أعطى عالماً من البهجة والظِّلِّ والنُّور، مليئاً بالحياة والسَّعادة.
    اقترب مني شاب فتيٌّ قائلاً:
    - هل أعجبتك اللوحة يا سيِّدي؟.
    نعم لقد أبهرتني، وأراني مررت أمامها من قبل فلم أولها العناية الكافية، وأراها الآن عملاً فنيَّاً ممتازاً .
    - أيمكن يا سيِّدي أن تفهمني ماذا وجدته فيها لتقيِّمها ولا أقول إنك تبالغ في مدحها.
    - أرى فيها جوَّاً من الرَّحابة والفرح والسَّعادة. ولكن لم أتعرَّف عليك، فمن أنت؟.
    - أنا راسم اللَّوحة، وأنا هولنديٌّ من أمستردام، اسمي رامبرانت فان ريين .
    - لعلَّك يا سيِّدي ستختصر اسمك في اللَّوحات القادمة؟.
    - هل تقترح عليَّ اسماً أوقِّع لوحات به؟.
    - ستجد لنفسك اسماً غير طويل أو معقَّد، فالاسم مهمٌّ في عالم الفنِّ.
    - وما قيمة الاسم؟.
    - قيمته في معناه، وبالنِّسبة للفنَّان سيكون اسمه متداولاً، ومن الأفضل أن يكون الاسم مختصراً سهل اللَّفظ، على كلِّ حال فأظنَّك ستتربَّع على عرش الرَّسم لفترة طويلة، على أن تطوِّر رسومك، وتحافظ على نورها المشرق، وبهجتها المتألِّقة.
    - أشكرك يا سيِّدي، وأريد أن تقبل اللوحة هديَّة منِّي.
    - لن أقبلها إلاَّ بثمنها، وكنت سأشتريها بدون أن أراك إذا كانت معروضة للبيع.
    - هي معروضة للبيع وثمنها مئة ليرة جنويَّة.
    - لا يا رامبرانت فإنَّها تستحقُّ أكثر من هذا بكثير، وسأدفع بها ألف ليرة جنويَّة.
    - لا يا سيِّدي لن أتقاضى إلاَّ مائة ليرة، وأتمنَّى أكثر لو قبلت أن تأخذها هديَّة.
    - لن أفعل ذلك، فأنا رسَّام .
    وحدَّثته قصَّتي مع كوزيمو بدون أن أذكر أسماء، فقال:
    - أنت جون روزالو أليس كذلك؟.
    - بعينه.
    - لقد تعرَّفت عليك من خلال صحف أمستردام الَّتي تحدثت عنك طويلاً، وقد ذهب مصوِّروها إلى قصر كوزيمو دوق فلورنسا، وأخذوا صوراً لحوريَّاتك، إنَّك الآن يا سيِّدي معروف في كلِّ أوربا. وأنت فيها أعظم عاشق منذ روميو وجولييت.
    ناديت كلوديا الَّتي كانت في ناحية أخرى من المعرض، فأقبلت وفي الطريق قلت له:
    - هذه هي جولييت يا سيِّدي، وهي أعظم ناقدة، وستسمع كلامها .
    أقبلت كلوديا بجمالها الفتَّان وبراءتها الرَّائعة.
    - أعطني رأيك يا كلوديا بهذه اللَّوحة؟.
    تملَّت اللَّوحة جيِّداً ثمَّ قالت:
    - تبارك النُّور وربُّ النُّور، إنَّ هذه اللَّوحة تمجِّده.
    ضحك الرَّسام وقال:
    - أراها تستحقُّ يا سيِّدي سمعتها في أوروبا، وما أراكما إلاَّ وقد خلقتما لبعضكما، وهناك معرضٌ آخر في صالة أخرى به ثلاث لوحات أطلب منها أن تختار واحدة منها هديَّة من رامبرانت كما أسميتني.
    - سنراها ونقرِّر شيئاً ما حيالها.
    بعد جولة في جنوة مررت فيها على إدارة الميناء، وتصفَّحت وجهة سفر السُّفن، فوجدت سفينة تنقل بضاعتها إلى أوكرانيا عبر البحر الأسود، وتمرُّ على صقلية، ولكن على نابولي ثمَّ سراقوصة، ومنها إلى أثينا ثمَّ رودس فإزمير وبعدها استامبول، وتنقل بعض الفواكه والمعادن والتَّوابل. وحينما استوضحت عن تواريخ وجودها في الموانئ المذكورة، فقد أفاد مدير المرفأ الَّذي لم أعرِّفه على نفسي، بأنَّ السَّفينة دقيقة المواعيد، وتبقى في كلِّ محطَّة يومين، وأعطاني تواريخ مرورها مكتوبة على صفحة واحدة، وكانت كلوديا تنتظرني في مخزنٍ خارج الميناء، فمررت عليها وقد تبضَّعت كميَّات كبيرة من الحرير والتَّوابل:
    - هذه سنصطحبها معنا إلى باليرمو.
    أرسلنا العربة مع البضائع، على أن تقلِّنا من المعرض الفنيِّ في شارع بيازا. وتوجَّهنا إلى الصَالة القريبة.
    دخلنا المعرض فإذا الرَّسام قد سبقنا إليه، واستقبلنا باهتمام، وقادنا إلى لوحاته، وهناك أنصت ليسمع تعليقنا على رسومه.
    قالت كلوديا:
    - إنَّها جميلة مضيئة وفرحة.
    قلت :
    - إنَّ روحك مشرقة يا سيِّدي، ولعلَّه الشَّباب، أم هي حاجة هولندا للشَمس، وكم أتمنَّى أن لا تقتصر رسومك على الإضاءة، بل أن تضفي عليها روحاً من شبابك وبهجتك.
    قالت كلوديا:
    - نعم يا سيِّدي لا ترسم إلاَّ وأنت تشتهي الرَّسم، دع روحك كما في لوحة المعرض الأوَّل دعها هي الَّتي ترسم، فالفنُّ في الرُّوح لا في اليدين، هذه لوحاتٌ جميلة متكاملة، غير أنَّ تلك الَّتي أهديتها لنا تحمل إلهاماً ووحياً، ويرقص فيها الضَّوء ببهجة وازدهار.
    عدنا إلى القصر لنجد الجميع ينتظروننا، وقال ألفونسو:
    - سنسافر إلى روما غداً، وقد أمرت بإعداد سفينتي أليطاليا، وهي متوسِّطة الحجمِّ سندخل بها إلى روما.
    - هل ستطول إقامتنا في روما يا سيِّدي؟.
    - لا وذلك يتوقَّف على التَّيسير.
    قضينا ليلة انتظار، بما يعني الانتظار من تثاقل الوقت وبطئه، ونمنا نوماً متقطِّعاً، وفي الصَّباح انتقلنا إلى السَّفينة فوجدناها تعجُّ بالرِّجال والسِّلاح، قال ألفونسو:
    - ما هذا يا وليد؟.
    فنظر إليَّ وليد طالباً العون.
    - نعم أنا من أمر بذلك، وأردت أن ندخل روما في موكب الملوك، ولا أجد طريقة غيرها لإدخال الاحترام والتَّقدير إلى البابا بول.
    - كيف لم أفهم؟.
    قلت:
    - كان على البابا أن يعرف أنَّ كتابه الذي وجَّهه إليك سيغري بك لويس وغيره، وأنا أعرف أنَّ فيليب لو سمع بالحادث فإنَّه سيحتلُّ روما، وربَّما ثارت الفتن في أوروبا كلِّها، فملوك أراغون لن يقبلوا هذه المكيدة.
    - وماذا بعد؟. قال ألفونسو مستغرباً.
    - ستدخل يا سيِّدي روما دخول الملوك، وسنلقي الرُّعب في قلب هذا البابا القاصر.
    سكت ألفونسو، وبدت على وجهه علائم المفاجأة والاستغراب.
    قالت كلوديا:
    - إنَّ جون فارسٌ يا سيِّدي ولن يترك الفاعلين بدون عقابٍ. فأنا أقرؤه، وحينما ألقى بنفسه عن الشُّرفة وقتل ذلك المعتدي، فقد قفز بروحه الجبارة لا بعقله الرَّزين.
    بقي ألفونسو مستغرباً فأضفت:
    - والله يا سيِّدي إنَّ ظفرك عندي أغلى من روما ومن أوروبا، وقد عرفت طبيعة هؤلاء القوم، وستجد نتائج دخولك في موكبك في حينها، وإذا أخذت برأيي فلا تطلب مقابلة البابا فإنَّه سيطلب هو ذلك، ولا شكَّ أنَّه أحيط علماً بما جرى.
    - بدا على ألفونسو التَّفهُّم والارتياح، ثمَّ تبسَّمَ ضاحكاً، وقال:
    - والله يا جون إنَّك لتحسن سياسة الملوك، وكأنَّك أنت الإمبراطور.
    - بل أنا ابنه وظلُّه، ولن يستطيع أحدٌ في الدُّنيا أن يمسَّ شعرة منك يا سيِّدي، ألا ترى إلى أملاكك كلِّها، والله سنستعبد أوروبا بها، وستنفق على جلالتك وعظمتك.
    - ولكنَّني لا أريد ذلك يا جون ولا أرغب به.
    - لو لم يحاولوا قتلك لسكتُّ ولم أنبس ببنت شفة، ولكنَّ من لا يعرف قدرك يجب عليه أن يعرفه، ولن يذري بقدرك أحدٌ بعد الآن.
    - ولكنَّك بذلك تكثر من أعدائي يا جون؟!.
    - لا يا سيِّدي فستجدهم جميعاً يتودَّدون إليك ويطلبون رضاك، فأنا أعرفهم يا سيِّدي.
    - والله إنَّني أفديك يا جون بكلِّ شيء، وأعلم أنَّك تستحقُّ ذلك، وعسى أن تكون مصيباً.
    - سيِّدي لقد خبرتَ وشاهدت، والله أنت إمبراطور أوروبا كلِّها، وهؤلاء قد حاولوا قتلك، وسأجعلهم يسجدون على قدميك.
    - لا تبالغ يا جون، فأنا أكثر تواضعاً يا بنيَّ.
    - نعم يا سيِّدي فللتَّواضع مكانه وللرأي مكانه، ولكن أن تضع التَّواضع مكان الرأي فهذا لا يجرُّ إلا محاولات الاغتيال.
    كانت كلوديا تبكي أمام هذا الحوار القويِّ، وكانت أميليا تنظر باسمة وكأنَّها تريد أن تقول شيئاً ما، ثمَّ تكلَّمت:
    - نعم يا سيِّدي إنَّ هذا الشَّاب مصيبٌ في كلِّ كلمة، وإذا تركته فسيجعل منك أسطورة تتحدَّث عنها أوروبا، وهو في نهاية الغيظ، ويحقُّ له أن يفعل أمام هذه المؤامرة الدَّنيئة.
    أسكتُّموني وما أقنعتموني.



    الصور المرفقة  

  3. #33
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    11

    البابا بول

    أقلعت السَّفينة وكانت الرِّيح هادئة والموج متوسِّط الارتفاع، وقد حاذينا السَّاحل في طريقنا جنوباً، وقبل وقت العصر وصلنا إلى مدخل نهر التِّيفيرا، فناورت السَّفينة ودخلت النَّهر ثمَّ اتَّجهت شرقاً زهاء ساعة، فوصلنا إلى روما والوقت ما زال عصراً، فرسونا في المرفأ، وأخرجت الخيول من السَّفينة، وجهِّزت بدروعها، وصعد الفرسان إلى خيولهم وهم غارقون في الحديد، وألفونسو في حلله المذهَّبة وبلباس القتال الكامل، وكذلك جميع الفرسان، وبعد قليل كانت الجماهير تخرج من أبواب بيوتها، وتتجمَّعُ على شرفات منازلها، فتابعنا السَّير إلى قصرٍ كبيرٍ مجهَّز، ودخلنا إلى حديقة كبرى ثمَّ وقفنا أمام القصر، وانتظمت صفوف الفرسان الَّذين قدَّموا التَّحيَّة لرئيسهم، عاش ألفونسو. عاش ملوك أراغون. النَّصر لأسبانيا.
    كانت الرِّحلة من جنوة إلى روما رحلة تاريخيَّة، ومنذ عهد بعيد والملوك يدخلونها فرادى على خيولهم ومعهم بعض الخدم والمساعدين، إلاَّ أنَّ دخولها باللِّباس الحربيِّ الكامل زلزل روما، واحتار النَّاس في هذا الأمر، وما هي إلاَّ ساعة حتَّى كان موفد البابا يطلب مقابلة الأمير ألفونسو، ويرجوه أن يسرع إلى لقاء البابا، الَّذي بات في حيرة ممَّا يجري، فأجابه ألفونسو، سأذهب إليه غداً فإنَّني بغاية التَّعب من الرِّحلة.
    وحينما ألحَّ عليه الموفد نهره بخشونة:
    - قلت لك أنَّني في غاية التَّعب والإجهاد وغداً سأذهب إليه.
    - هذه إهانة يا سيِّدي؟
    - أتذهب أو آمر بسجنك.
    خرج الرَّجل خائفاً حانقاً ومضى، وما هي إلاَّ ساعة حتى أقبل البابا بموكبه، ومعه رهبانه وبطاركته، فخرج ألفونسو لاستقباله، وقابله على باب القصر، ثمَّ دخلا إلى صالة ملحقة بالبهو.
    وبعد زهاء ساعة خرج البابا ومعه ألفونسو يتضاحكان، وودَّعه ألفونسو إلى السُّور الخارجيِّ، ومضى في سبيله، وقد عرف الجميع بأنَّهما تصالحا.
    دخل ألفونسو القصر فأمر وليد أن يأخذ الفرسان للسَّفينة وأن يخفوا مؤقَّتاً مظاهرهم الَّتي دخلوا بها.
    - تعال يا جون.
    - نعم يا سيِّدي؟.
    كان ألفونسو متمدِّداً على الأريكة يضحك.
    - ـلقد أفادت خطَّتك وأعطت أكلها، فقد جاء البابا بول مذعوراً، وكان قد أرسل في طلب كوزيمو وماريَّا وخاف على الكرسيِّ البابويِّ كما يقول .
    - سيِّدي ألديك من الصَّبر ما يكفي لأن أسمع منك تفاصيل هذا اللِّقاء.
    - نعم يا ولدي. دخل البابا بول وجلس، وجلست مقابلاً له. فقال:
    - ماذا يا سموَّ الأمير، أنا لا أعرفك إلاَّ رجلاً عاقلاً، وخيرة من أعرفه من ملوك وأمراء الفرنجة.
    - ماذا فعلت يا نيافة البابا يخرجني عن عقلي الَّذي عهدته؟!.
    - جميع سكَّان روما الآن يقولون أنَّك ستعزلني عن الكرسيِّ البابويِّ، وهم يتوقَّعون أخباراً في كلِّ لحظة.
    - لماذا يريد ألفونسو أن يعزل البابا؟.
    - هذا ما أردت أن أعرفه ؟.
    - لماذا يريد نيافتكم قتلي؟.
    - أنا أريد قتلك يا بنيِّ ؟!.
    - لماذا يريد الحبر الأعظم أن يغري النَّاس بقتلي؟.
    - أتعتقد أنَّني يمكن أن أفعل ذلك.
    - ألم ترسل لي رسالة ترفض فيها أن أنقل ملكيَّتي إلى ولدي؟.
    - لقد جاءني لويس وشكا إليَّ هذا النَّقل، وأنَّه إلى رجل ليس من جلدتنا.
    - أتدري بأنَّك قد أمرت بقتلي .
    - كيف ؟. لم أفهم.
    - حين عرف ذلك المأبون بأنَّك قد قبلته، وعملت بما أملاه عليك أرسل مأجوراً وتآمر مع رئيس الأمن في جنوة على قتلي، وقد نجوت من القتل بأعجوبة.
    - يا للهول؟.
    تظاهر البابا بأنه لم يسمع بالحادثة.
    - ألا يقرأ البابا الصحف؟.
    - بل أقرؤها.
    - فلماذا تظهر التعجب؟.
    - لم أقرأ أنهم حاولوا قتلك.
    - بل إنك قرأت، ولا يليق بالحبر الأعظم أن يراوغ.
    - ما هو المطلوب مني؟.
    - والله يا نيافة البابا لن أرضى بذلك وأنت تعلم، وأريد أولاً محاسبة لويس، ثمَّ الاقتصاص منه.
    - سيكون ذلك.
    - سيأتي به الفرسان مكبَّلاً إليك، وستقوم نيافتك باستجوابه، والحكم عليه، وسينفذ الفرسان الحكم .
    - سيكون ذلك.
    - وإلى وقتها سنخفي جميع المظاهر المسلَّحة وننتظر، فإذا نفَّذت وعدك انصرفنا كلٌّ إلى سبيله، وإلاَّ فإنَّ الفرسان سيعتبرونك شريكاً له.
    - سينفَّذ وعدي وليبق هذا مكتوماً بيننا.
    والباقي شاهدتموه.
    ضحكت أميليا بملء فيها وقالت:
    - هذا هو حوار الملوك، والله إنَّك يا سيِّدي إمبراطور أوروبا، وأريد أن أشكر جون ووليد فهما صاحبا الرَّأي الصَّائب، والله يا سيِّدي لقد أحسنت بتبنِّي جون، وحبذا لو غيَّرت اسمه إلى جون ألفونسو أراغون.
    - سمعاً وطاعة يا أميليا، فمنذ الآن سيكون اسمه جون ألفونسو فريدريك ألفونسو الثَّاني أراغون.
    أجبت بسرعة:
    - والله مهما كان اسمي فأنا كذلك، ولن أترك أحداً على وجه الأرض ينال منك شعرة واحدة وأنا حي، ودون ذلك تدمير أوروبا.
    - ألا تبالغ يا ولدي؟.
    - والله إنَّه ليملأني الغيظ، وإنَّ صوفيَّتك وكرم طبعك قد أغرى بك هؤلاء المارقين، ولك منِّي عهد الله، إذا لم يستطع البابا أن يفي بعهده، فسأنفِّذه أنا، وسأجلب لك رأس لويس وألقيه أمامك.
    - رويدك يا بنيَّ، فإنَّ وجه الإنسان مقدَّس ولا يحقُّ لنا العبث به.
    صمتُّ ولذت بمقعد وثير تهالكت عليه وأنا أشعر بالغضب من جهة، وأشعر بالنَّصر وبهجته من جهة أخرى.
    حلَّ موعد التَّعرُّف على مدير القصر وموظَّفيه، فطلبهم ألفونسو وكان وليد قد دخل القصر بما يشبه الاحتلال، وأمرهم أن يلزموا أماكنهم.
    وجاء مدير القصر معه عدَّة موظَّفين، فقال ألفونسو:
    - أهلاً بك يا رينيه كيف حالك؟.
    - خادمك يا سيِّدي.
    - ألم تتزوَّج يا رينيه؟.
    - لا يا سيِّدي.
    - ولماذا؟.
    - تعرف يا سيِّدي أنَّني أعيل عائلتي، وأخشى إذا ما تزوَّجت أن يصرفني ذلك عن خدمتهم.
    - لن نحيجهم إليك بعد الآن، وسيصلهم راتبهم الشَّهريُّ، وسيكون كافياً لهم.
    - أشكرك يا ملكي.
    - هذا حقُّ خدمتك الوفيَّة يا أندريه .
    - سيِّدي يقول معظم النَّاس أنَّك ستعزل البابا، وستقود أوروبا كإمبراطور على جميع الفرنجة.
    - هل سمع النَّاس بما جرى في جنوة؟.
    - نعم يا سيِّدي، ونشرت الصُّحف هنا جميع التَّفاصيل، وسآتي إليك بنسخة منها.
    ذهب أندريه ثمَّ عاد مصطحباً معه الصُّحف وطاقم الخدم، الَّذين حيَّوه بجملة واحدة، "يحيا ألفونسو إمبراطور الفرنجة". ثمَّ انتشروا في المنزل.
    انتقلت كلوديا وأميليا بين أرجاء القصر، تتفقَّدان غرفه وأجنحته، وجلت أنا أيضاً أستطلع معالم المنزل غرفة غرفة، وشرفة شرفة، وتفقَّدت السَّطح وما حوله، كان القصر كبيراً جدّاً، يقع على هضبة صغيرة، وتحيط به حدائق وبساتين، ثمَّ سور ضخم له بوَّابة حديديَّة ثقيلة، وقد صرفنا الغيظ والاهتمام بموضوع البابا، عن رؤية هذه المعالم لدى وصولنا، كانت الإضاءة حول القصر جيِّدة، ولاحظت رجال وليد وهم يكمنون في أكثر الأمكنة، كما أنَّ مفرزة منهم حرست الباب الرَّئيس، وحينما عدت إلى الصَّالة التقيت بكلوديا، الَّتي عانقتني وطبعت على فمي قبلة وهي تقول:
    - لقد كنت أنت اليوم سيِّد أوروبا يا جون، لقد ملأتني فخراً واعتزازاً، لقد حسبتك لفترة رجلاً آخر، وقد خفتك كثيراً، وكدت أسجد على قدميك.
    - أنت عمري ومحبوبتي يا كلوديا، كان الأمر بحاجة إلى ما أقدمنا عليه، ولن ينتهي الموضوع عند هذا الحدِّ، وإنَّني أشتمُّ رائحة مؤامرة كبرى مخطَّط لها بدقَّة، ويشترك فيها أكثر من طرف، وقد طلبت إلى فرقة الفرسان في صقلية أن تستنفر وأن تكون على أهبة الاستعداد. وأعتقد أنَّ الملك فيليب سيكون في طريقه إلى هنا، إنَّ ألفونسو مهمٌّ بالنِّسبة إليه، وهو يفضِّله على نفسه، ولن يقف مكتوف الأيدي، وأغلب ظنِّي أنَّ الفرنسيِّين والبابا هم محور هذه المؤامرة الدَّنيئة.
    - لقد أخفتني يا جون، وما أراك إلاَّ وتضخم الموضوع، وعسى أن يكون تصوُّرك له خاطئاً، فإنَّ ذلك سيدمِّر أوروبا.
    - لا تخافي يا حبيبتي فسوف يكون الأمر قيد السَّيطرة، ولن يستفيد المعتدون شيئاً من مؤامرتهم إلاَّ الخزي والعار.
    كان ألفونسو ما يزال متمدِّداً على الأريكة، وانتبه وكأنَّ جرساً قرع في أذنيه . وتساءل:
    - لماذا كذب البابا؟.
    - لقد كان البابا يعرف تفاصيل كلِّ شيء، ولكنَّه على ما أرى يكسب الوقت، وأظنُّ أنَّ الفرنسيِّين قادمون، وأعتقد أنَّها مؤامرة كبرى أبطالها الفرنسيُّون والبابا.
    - لقد بتُّ أعرف ذلك، وآمل أن يكون كوزيمو الحصيف قد أدرك الأمر، وأنَّه سيتصرَّف كما يجب.
    - هل موقع البابا يؤثِّر على كوزيمو.
    - لا فكوزيمو يعرف أنَّ الأمَّة بكاملها مستهدفة، وستقوم البندقيَّة بدورها، ولو كان أرستيد غبيَّاً، إلاَّ أنَّ لارا شديدة الذَّكاء، وستصُّدُّ البندقيَّة أيَّ هجوم من الشِّمال، وتغلق مسارب جبال الألب، ولن يكون للفرنسيِّين أيُّ مجال في البحر، وأعتقد أنَّ ألفريد بات قريباً منَّا.
    لقد كان ألفونسو ملمَّاً بالمعركة من جميع جوانبها، وكنت قد أنذرت فرقة الفرسان في صقلية أن تراقب أيَّ تحرُّك للويس باتِّجاه الشِّمال، فربَّما فكَّر في أن يحالف أحداً من الجنوب ويحاول أن يقوم بشيء .
    وجاء مخبر بأنَّ الفاتيكان يغصُّ بالجنود والدَّوريَّات المسلَّحة، وأنَّ البابا يستنفر أعوانه خارج روما، وكنت أعلم أنَّه لا يملك أعواناً في إيطاليا، أمَّا النَّمسا فإنَّها لن تسمح للفرنسيِّين بالمرور عبر أراضيها.
    نمنا نوماً متقطِّعاً، وأفقنا مبكِّرين، فنزلت إلى الصَّالة لأجد وليد يحدِّث ألفونسو:
    - لقد ملأت سفنهم البحر عند مدخل نهر التيفيرا، وهم ينتظرون إشارة منك.
    - أريد أن يأتي ألفرد بلباس القتال الكامل مع خيرة فرسانه .
    فخرج وليد مسرعاً، وسألت ألفونسو:
    - هل قدم ألفريد؟.
    - نعم وبكامل العدَّة والسِّلاح، ومعه جيش صقلية وسردينيا، ونابولي، وتتبعه كتائب الفرسان، وأخشى أن لا يجد الجيش المؤن الكافية هنا.
    - سيِّدي لن يأتي ألفريد إلاَّ وهو مجهَّزٌ أحسن تجهيز ومؤنه معه.
    - آمل ذلك يا ولدي، لقد كبرت الفقاعة كثيراً، وإنَّني أخشى أن تنفجر فتدمَّر أوروبا.
    - ما هو موقف ألمانيا؟.
    - هم معي، وكذلك كانوا دائماً، ولا أعلم ما إذا كانوا سيتحرَّكون.
    جاء مخبرٌ يقول:
    - إنَّ فرسان مالطا قد أقبلوا يحملون معهم لويس أسيراً، وهم الآن في طريقهم عبر نهر التيفيرا، وسيصلون بعد وقت قصير .
    قال ألفونسو:
    - لعلَّ هذا الوضع سيغيِّر من الموقف، ولا أريد أن يأخذه الفرسان ليسلِّموه للبابا، وما أظنُّهم يفعلون ذلك، فأغلب الظَّنِّ أنَّهم سيسلِّمونه لي
    الصور المرفقة  

  4. #34
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    12



    الملك فيليب

    سمعنا جلبة في الخارج، لقد أقبل فرسان مالطا وهم يقودون لويس مكبَّلاً بالأغلال، ودخلوا روما بعتادهم الكامل، وهم غارقون بالحديد.
    ودخل ثُلَّة منهم يقودونه إلى داخل القصر، وما أن دخل حتَّى خرَّ باكياً ساجداً على أقدام ألفونسو، الَّذي أمر بإدخاله إلى سجن القصر، وأرسل في طلب وليد لاستجوابه.
    - هذا أسيرك يا مولاي، وقد بررنا بوعدنا، ونحن جميعاً هنا على شاطئ البحر، فما هي أوامرك؟.
    - أشكرك يا بنيَّ وسننتظر جميعاً لنرى، وما أظنُّ الفرنسيِّين الطَّامعين إلاَّ وراء هذه المكيدة القذرة. وقد أقبل ألفريد وهو في طريقه إلى هنا، وكذلك إخوانكم في فرقة الفرسان الثَّانية، وأظنُّ أنَّ الملك فيليب قد اقترب من شواطئ روما، وكذلك أعتقد أنَّ كوزيمو يكاد يصل، أمَّا البندقيَّة فستسدُّ طريق الفرنسيِّين من البرِّ، وكذلك الألمان سيشغلونهم على الحدود ويبدؤون مناوشتهم، إنَّ جميع الأمور كما أرى تسير في الاتِّجاه السَّليم.
    - أنت يا سيِّدي إمبراطور أوروبا غير المعلن، وكم أتمنَّى أن يعلنوك فتقودنا من روما، فيبدو أنَّ البابا قد غرق في بركة التآمر.
    - أنتم فرسان القدِّيس يوحنَّا حتماً، وكنتم وستبقون حصن الأمَّة المنيع.
    خرج الفرسان كما جاؤوا بعتادهم وعدَّتهم، وقال الضَّابط وهو يغادر بعد أنَّ قدَّم التَّحيَّة إلى ألفونسوا:
    - سنبقى جاهزين وسنري الأعداء من هم فرسان القدِّيس يوحنَّا.
    - أشكرك يا ولدي.
    ما أن ذهب الفارس حتَّى وصل موكب ألفريد، وكان ألفونسو في استقباله على باب القصر، دخل ألفريد وفرسانه بالحديد والرَّايات، وعليها أسد صقلية، وما أن ترجَّل ألفريد حتَّى تعانقا بحرارة بالغة، وقال ألفريد:
    - الحمد لله على سلامتك يا سيِّدي الإمبراطور، قالها وعيناه مغرورقتان بالدُّموع، ودخلا مشتبكيِّ الأيدي.
    - أهلاً بقدومك يا ألفريد العزيز، لقد سررت كثيراً بلقائك، وقد كنت في طريقي إليك لولا هذه المكيدة الجبانة.
    جلس الرَّجلان يتسامران، وقد علت وجهيهما ابتسامة الرِّضا.
    قال ألفريد:
    - لا شكَّ يا سيِّدي أنَّنا سنحتاج إلى المؤن إذا طال بنا الأمر هنا.
    - لن نحتاج شيئاً وأمامنا خزائن البابا وتموين الفاتيكان.
    ضحك الرَّجلان. في وقت أعلن فيه عن وصول كوزيمو وماريّا وموكبٌ من عائلة مديتشي، وفرسان فينيسيا.
    وما أن دخل كوزيمو تتبعه ماريَّا وبعض مستشاريه، حتَّى عقدت جلسة مغلقة حضرها كوزيمو وماريا، وألفريد وأخوه سرجينيو، وألفونسو وأنا.
    وقد قام ألفونسو بسرد الحادثة كما وقعت، فأصغوا إليه بانتباه:
    قال كوزيمو:
    - ما العمل الآن يا سيِّدي، إنَّ فلورنسا معك وتحت قيادتك، وما أظنُّ إلا أنَّنا سنعلنك إمبراطوراً على أوروبا، ولا أرى من يمانع في ذلك إلاَّ الفرنسيِّين، ولكنَّنا سنشتري قادتهم.
    - اشكرك يا عزيزي كوزيمو فليس هذا بيت القصد، ولكن أريد أن تعرف دور البابا بول في ذلك.
    - لا أعتقد أنَّه يملك الحصافة والشَّجاعة حتَّى يجرؤ على مثل هذا العمل الدَّنيء، ولكنَّنا بحاجة إلى من يوحِّدنا، إنَّ الفرنجة مقسَّمون وضعفاء بانقسامهم، فإذا توحَّدنا جميعاً كنَّا قوَّة كبرى، وتحت لواء إمبراطوريَّة الفرنجة المقدَّسة ستنضوي أوروبا كلُّها تحت لوائك، وتنتهي هذه الفرقة والمكائد.
    - أنت أخي يا كوزيمو، وهذه ماريَّا الَّتي أشتاقها دائماً، وهي أختي وأكثر، ولكنَّ هذا الطَّرح قد تجاوزه الزَّمن، وأنت تعرف أن الفرنسيِّين والإنكليز يتسابقون في السَّيطرة على شمال العالم الجديد، في حين نسيطر نحن الَّذين في جنوب جبال الألب وأسبانيا على القسم الجنوبيِّ من ذلك العالم، ولن يفيد الاتِّحاد هنا إذا بقي الانقسام هناك، وما زال الفرنسيُّون لا يثبتون على عهد أو حال، كما عزلت ألمانيا عن ذلك العالم، وفقدت أملها في إرسال الزِّيادة المتفاقمة من الشَّعب الألماني، وما أراها إلاَّ ستتَّجه إلى الشَّرق، وبالجملة فليست الظُّروف الآن مهيَّأة لمثل هذه الإمبراطوريَّة .
    دخل من يعلن وصول فيليب وحاشيته في أبَّهة الملك وجيش غارق في الحديد، فخرج الجميع إلى خارج القصر لاستقباله، وما أن نزل حتَّى عانق ألفونسو بحرارة، وطال عناقهما، قال ألفرد:
    - من شهد أحبابه نسي أصحابه.
    ضحك فيليب وكان رجلاً مشرقاً في وجهه أمارات البأس والإقدام، ثمَّ قال:
    - لقد ملئت رعباً حينما سمعت بالخبر، وإنَّ الأسطول الآن يقف على أهبة الاستعداد على شواطئ فرنسا، ولسنا بحاجة إلاَّ إلى إشارة من سيِّدي الإمبراطور لنذيق الفرنسيِّين مرارة الجزاء على مكرهم ودناءتهم، وإنَّك يا جلالة الملك ألفريد تعلم مكانتك في قلبي، وفخري الدَّائم بسيِّد صقلية وإيطاليا، أمَّا كوزيمو فهو أخي ومعه سيِّدة أوروبا وفاتنتها ماريَّا العزيزة.
    تعانق الأصدقاء ودخلوا معاً إلى القاعة الَّتي اجتمعوا بها من قبل:
    قال فيليب:
    - آن الأوان لتتَّحد أوروبا تحت راية سيِّدها، وهو الوحيد فيها الَّذي يجتمع حوله جميع رجال أوروبا الَّذين نشكِّل نحن أكثرهم فاعليَّة، وأطولهم باعاً، وإذا وصل الأمر إلى اغتيال سيِّد الفرنجة فهذا يعني أنَّه لا بدَّ من التَّحرُّك في الاتِّجاه الصَّحيح.
    قال كوزيمو:
    - كلُّنا معك يا ألفونسو، وأيّ قرار تتَّخذه سنكون بعض إخوانك، ولن تجد من إيطاليا كلِّها إلاَّ الحبَ والعرفان.
    وقال فيليب:
    - ومن شعبك في أسبانيا وفي العالم الجديد.
    وقال ألفريد:
    - إنَّ الفونسو قائدي منذ نعومة أظافري، وإنَّني أفديه بنفسي ولا أعدل به أحداً.
    ولقد كانت الجلسة مفعمة بالعواطف الجيَّاشة والحبِّ العميق. وشعرت أنَّني أصبحت زائداً على الحضور فقمت أنسحب، لكنَّ ألفونسو أمرني بالجلوس.
    - هذا ولدي جون ألفونسو يا فيليب، انظر إليه ألا يشبهني؟.
    - ضحك الجميع وأجاب فيليب:
    - تماماً يا سيِّدي وإنَّنا جميعاً محتفون به.
    وعلَّق ألفريد:
    - كنت دائماً أعرف أنَّ ألفونسو وجون والدٌ وولد، وكم سررت بذلك.
    وقال كوزيمو:
    - ما تناهى إليَّ أنَ ألفونسو محظوظ بابنه الشَّاب، الذي يملك من المواهب ما لا يملكه أبناء الملوك.
    وقالت ماريَّا:
    - الآن طيبت خاطري يا صهري العزيز، وأنت تعرف تقديري لك واحترامي لوريثك، وما منَّا إلاَّ و يتمنَّى ويفخر بأن يكون جون ابنه، لقد قامت جين من رفاتها الآن وعادت إلى الحياة.
    - أشكركم جميعاً، ولا ينقصنا الآن إلاَّ لارا فلعلَّها تكاد تنفجر غيظاً.
    جاء من يعلم عن وصول أرستيد في موكبه الكامل، فخرج ألفونسو وأنا معه لاستقباله، وقد كان لقاءً حارَّاً بينه وبين ألفونسو، وبدا أرستيد على غير عادته في نهاية الاهتمام والجدِّيَّة، ودخل مسلِّما على ملوك الفرنجة قائلاً:
    - من تطاول على قائدنا أذقناه حرَّ حديدنا ولن نتركه بدون عقاب.
    وسمعنا صوت لارا من خلفه، وقد تقدَّمت من ألفونسو محيِّية وهي تبكي:
    - من طوَّعت له نفسه الاعتداء عليك يا سيِّدي قطعت يده، والله السِّنُّ بالسِّنِّ والعين بالعين والبادئ أظلم. فلا تأخذك بهم شفقة أو رحمة.
    ودخل من يعلن قدوم البابا، فلم يلق أذناً صاغية، فدخل البابا مسلِّماً، فلم يردّ عليه التَّحيَّة أحدٌ، فجلس متهالكاً وهو يقول:
    - يا ملوك أوروبا إلى أين تقودونها؟.
    أجابه كوزيمو:
    - بل إلى أين تقود الفاتيكان يا بول؟. لقد جعلتنا سخرية أمام العالم، أتتآمر لتقتل كبيرنا، والله لست من عائلة بورغيزي الأبيَّة، وما أنت إلاَّ دعيٌّ كذَّاب.
    - لا تبالغوا، فستحدث فتنة بين الفرنجة.
    - ولم تحسب حساب الفتنة قبل أن تتآمر لتدميرنا؟!.
    قال كوزيمو محتدَّاً.
    أجهش البابا بالبكاء فقال له كوزيمو:
    - الآن يا بول، لا رحم الله من رحمك، ستسجن مع لويس، وسننظر في أمركما معاً. وأخبرك أنَّ أصدقاءك في فرنسا تدور بهم الدَّوائر.
    - أنا لم أتآمر لقتل ألفونسو، صدِّقوني، ولقد أردت أن لا يبذِّر ثروته ويعطيها إلى غريب.
    قالت لارا:
    - وعنصريٌّ أيضاً، ألست البابا الحبر الأعظم وسيِّد جميع المسيحيِّبن.
    - وأنا المسؤول الدِّينيُّ عن الفرنجة.
    قالت لارا:
    - أولا ينبغي أن تشاور ملوكها قبل أن تزرع الفتنة بين شعوبها، وتحاول قتل إمبراطورها؟.
    - لم أقدِّر أنَّ الأمور ستتطوَّر بهذا الشَّكل.
    فأجابته
    - كيف تكون قائداً للمسيحيين ولا تحسن تقدير الأمور.
    سكت الجميع وأشار ألفونسو إلى وليد الَّذي كان واقفاً في الخارج أن يصطحب البابا إلى الفاتيكان، وأن يلزم معه نهاية الأدب والاحترام، وأن يشيَّعه بكوكبة من الفرسان المدجَّجين بالسِّلاح.
    فخرج البابا يتعثَّر بخطاه، وعاد وليد معلناً أنَّه قام بمهمَّته، وأنَّه دخل معه إلى ساحة الصَّرح البابويِّ، وأنَّ الجنود في الدَّاخل كانوا يهتفون لألفونسو إمبراطور الفرنجة.
    مضى النَّهار سريع الخطا، وكانت المودَّة والوفاق ظاهراً على الأصدقاء السِّتة، في حين اختلت ماريا ولارا بكلوديا في جناح النَّوم بحثاً عن الرَّاحة.
    وبقيت إلى جانب ألفونسو الَّذي كان يتحدَّث عن التَّنسيق الكامل بين أطراف الفرنجة، وخاصَّة بين السِّتَّة المجتمعين، واقترح تشكيل لجان تجتمع بشكلٍ دوريٍّ وتضع أسساً لوحدة اقتصاديَّة بين بلدان أوروبا، بحيث تشكِّل تكاملاً تامَّاً بين بلدانها، فتمَّت الموافقة على اللجنة واقترح اسمي لإدارتها، فرفض ألفونسو ذلك قائلاً:
    - لا فجون ولدي ولا أريد أن يشغله شيءٌ عنِّي. وأرى أن تختاروا اختصاصيِّين لهذه المهمَّة.
    قال كوزيمو.
    - سيكون ذلك كما تريد.
    أمَّا فيليب فقد اصطحب ألفونسو إلى حديقة القصر، وجرى بينهما حديث مودَّة رقيق، بان ذلك من أسارير وجهيهما، وقد علمت الآن مقدار المعزَّة بين الإلفين القريبين.
    كان فيليب رجلاً جميلاً قويَّاً، وكانت قسمات وجهه توحي بالبأس الشَّديد، ويبدو أنَّهما انهمكا في حديث عن السِّياسة الدَّاخليَّة في أسبانيا، وكنت أرى فيليب تطغى عليه الجدِّيَّة ثمَّ يضحك بمودَّة، ويبدو أنَّه كان يفنِّد الشَّائعات الَّتي سمعها ألفونسو من وليد، ثمَّ انتقلا إلى حديث آخر فاستغرقا في الضَّحك.
    كنت أراقب ألفونسو دون أن أجعله يحسُّ بي، وأتحاشى أن تتلاقى عينانا، فقد خشيت عليه من هذا الإرهاق المتواصل، وحينما دخلا القصر ذهبت أبحث عن كلوديا، وعلى السُّلَّم أعلمتني أميليا بأنَّها نائمة هي وضيفتيها، وأنَّها تبدو متماسكة، وما عادت أميليا تخشى عليها من الحادثة، فهي امرأةٌ قويَّة على الرَّغم ممَّا يبدو عليها من الحسِّ المرهف، والتأثُّر البالغ.
    وعدت بعد أن سمعت صوت ألفونسو وهو يناديني وعندما رآني ضحك قائلاً:
    - سأنقل إليك ملكيَّة البابا فأنت خير من يقوده .
    - مولاي، أرى أن نكون شديدي التَّعقُّل في معاملتنا للحبر الأعظم، ولا تريد أن يتحوَّل الرَّجل إلى صورة، ويفقد إيمانه بكم وبالنَّاس، وما زالت أوروبا بحاجة إلى هذا المنصب، فحتَّى يتفشَّى العلم بين المواطنين، وتخرج الأمَّة من العصور الوسطى، ما زال على هذا الكرسيِّ أن يظلَّ فاعلاً، وليتك تبحث مليَّاً عن أسباب هذا التَّصرُّف الشِّرِّير.
    - قال فيليب:
    - سبحان الله إنَّ هذا الشَّاب الشُّجاع لا ينقصه الدَّهاء، وإنَّه يعالج الموضوع بمنتهى الحكمة.
    - نعم يا سيِّدي، ومن الأفضل أن ترسلوا موفداً إلى فرنسا يبحث معهم هذا الوضع الدَّقيق، فإنَّ أوروبا كلَّها أمانة في أعناقكم.
    قال كوزيمو:
    - والله إنَّك مصيبٌ في ذلك، وأقترح أن أذهب أنا وماريَّا فإنَّ الملك لويس ابن عمَّتي ماريا، وستساهم عمَّتي في إنهاء الإشكال، ولعلَّ الكونت ريشيليو قد يقوم بما عليه في تلافي تفاقم الأمر، إنَّ علاقة فرنسا سيِّئة مع الإنكليز، ولا يجب أن تدمَّر هذه العلاقة مع بقيَّة الفرنجة، لأسباب غير مفهومة.
    قلت:
    - الآن بعد أن أظهرتم مجدكم، أظهروا رأفتكم، وتوجَّهوا إلى الحبر الأعظم وأثبتوا له أنَّه لم يكن مقصوداً بهذه المظاهر، وأنَّ أوروبا بحاجة ماسَّة الآن لإظهار رباطها القويِّ، وقدرتها الكبيرة، وأنَّ هذا سيكون مفيداً على مختلف الصُّعُد.
    تشاور القوم ثمَّ تواكبوا إلى الفاتيكان، وعادوا بعد ساعة أو نحوها، ومعهم كتابٌ موقَّعٌ، تعاقد فيه القوم مع البابا على إنهاء الموضوع، وتلافي حدوثه في المستقبل، وأن يشاورهم الحبر الأعظم في جميع الأمور المهمَّة، قال كوزيمو:
    - سأغادر غداً صباحاً إلى فرساي، ولكنَّنا نتضوَّر جوعاً، فهل هناك من يطعمنا؟.
    ضحك ألفونسو، وتوجهنا جميعاً إلى صالة الطَّعام، حيث كانت المائدة معدَّة، ورائحة الطَّعام المنكَّه تفوح في أرجاء الصَّالة .
    - ولكن أين الحريم؟.
    قال كوزيموا، وكأنَّه لا يستطيع أن ينتظر أحداً، وفي هذا الوقت دخلت النِّسوة وجلسن متلاصقات، وابتدأ ملوك اوروبا يتناولون طعامهم بشهيَّةٍ ومحبَّة
    الصور المرفقة  

  5. #35
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    13

    الحكواتي في المقهى

    حان الوقت ليعود كلٌّ إلى بلاده، وسُلِّم لويس للبابا، وبعد ذلك بساعات طلب البابا أن أقابله، فذهبت إليه، وقد تملَّكتني هواجس من الرَّهبة، فعندما ترى هذا الصَّمت، والرَّاهبات والرُّهبان يمرُّون بخفَّة، وبناء الفاتيكان المصمت الأبيض، يدخلك شيءٌ من الخشوع والخيفة.
    دخلت فوجدت البابا جالساً على كرسيِّه ولدى مشاهدتي نهض وصافحني بمودَّة، وقال:
    - علمت أنَّك قمت بدور حسن في فضِّ هذا النِّزاع، وردِ الاعتبار إليَّ، والحقيقة يا بنيَّ أنَّني قمت بهذا العمل لجعل ملوك أوروبا يجتمعون حول والدك، إنَّنا الآن بحاجة للوحدة أكثر من أيِّ وقت، وكم تمنَّيت أن يعلن ألفونسو نفسه إمبراطوراً على أوروبا، وذلك الشَّخص الَّذي هاجمه كان مرسلاً من قبلي، ولم يكن ليؤذيه، أمَّا لويس فإنَّه بريءٌ من هذا الموضوع برمَّته ولا علم له بما جرى، وأنا من استدعى سفينة الفرسان، وكنت أحاول أن أوقظ ملوك أوروبا ليتوحَّدوا.
    - ولكن يا سيِّدي ألا يجب استبدال لويس وإرساله إلى فرنسا لكي يبقى هذا الموضوع طيَّ الكتمان، إنَّ ثقة النَّاس بالبابا هو أنَّه مثلٌ أعلى، ولا ينبغي أن يضع مثل هذه الخطط، وربَّما كانت تؤدي إلى القتال؟.
    - وقانا الله شرَّها، والموضوع انتهى، وقد استدعيتك لأسرَّ لك ثلاثة مواضيع، أوَّلها ما حدَّثتك عنه، والثَّاني أن أتمنَّى عليك أن تأخذ بيد ألفونسو ليكون إمبراطور أوروبا، والثَّالث لأخبرك أنَّني مسرورٌ لنقل أملاك ألفونسو إليك، وهذه الطَّريقة الوحيدة للمحافظة عليها، ومنع تشريد آلاف العائلات.
    - وهذا رأي ألفونسو أيضاً يا سيِّدي، وقد اتفق الملوك على السَّير في خطا الوحدة، وتشكيل لجان مختصَّة للتَّنسيق، ولا أعرف دور إمبراطور روما المقدَّس وملك فرنسا فلعلَّك يا سيِّدي قادرٌ على ضمِّهم، أمَّا سموُّ الأمير فقد رفض فكرة إعلان الإمبراطوريَّة وقال: لقد تجاوزها الزَّمن، والنَّاس يتطوَّرون إلى الأمام وليس إلى الوراء، وأفضل شيء السَّير على طريق الوحدة خطوة خطوة.
    ودَّعت البابا، الَّذي لاحظت في عينيه الكثير من المكر، وعدت إلى القصر، فوجدت الملوك على أهبة السَّفر، وطلبت الإذن بإعادة الاجتماع، فدخلوا صالة الاجتماعات ومعهم النِّساء وكلوديا، ورويت حديث البابا بتمامه، فأبدوا الكثير من الاستغراب، واتَّفقوا على إلغاء رحلة كوزيمو إلى فرنسا، وعلى إيفاد مندوب شخصيٍّ موثوق لكلِّ منهم إلى بلاط الآخر، يحيطونه علماً بكلِّ التَّطوُّرات .
    سافر الملوك وفرسانهم تباعاً عائدين إلى بلادهم، وحرصت لارا على إظهار الاحترام لأرستيد الَّذي كان في نهاية الانشراح والحبور.
    أخلى ألفونسو القصر من جنود وليد وأعادهم إلى جنوة، وانصرفت الجيوش كلُّ عاد إلى موطنه، وصحب فيليب إلى الشَّاطئ، ثمَّ عقد اجتماعاً مع قادة الجيوش الإسبانيَّة، وقال لي بعد عودته:
    - أمرت قادة الجيوش بالتزام بفيليب، وبتشديد القبضة على إقليم الباسك، وتبادل الحوار مع فعاليَّات الإقليم، ومحاولة كسب ودِّهم ثمَّ فتح معبر للحوار بينهم وبين فيليب، كما وعدتهم بتحسين الحالة الاقتصاديَّة، وأفهمتهم أنَّ ما يشاع عن الأموال القادمة من العالم الجديد ما هي إلاَّ إشاعة افتراها أعداء إسبانيا.
    ************
    كانت الجبال قد انفرجت وابتعدت عن البحر اعتباراً من مدينة طرطوس وحتَّى مدينة طرابلس الشَّام، لتحضن سهلاً واسعاً خصباً هو سهل عكار، يسقيه النهر الكبير الجنوبيّ، وبعد طرابلس عادت الجبال لتلاصق البحر وكأنَّها تحرسه، وتأخذ الأماكن أسماءها من موقعها، وكان الطَّريق وعراً بعض الشَّيء، لقد أحسن الأمير فخر الدِّين الثَّاني إدارة جبل لبنان، وعمل على ازدهاره مستغلاَّ جميع الفرص، فقد تودَّد إلى العثمانيين فلم يعارضوه، وتفاهم مع دول أوروبا وفتح الموانئ لسفنها، فأفاد لبنان من هذا التَّوازن، وأفاد من مهاجريِّ الجبل وأعطاهم حريَّة الملكيَّة والتَّنقُّل، وعقد الاتِّفاقات التِّجاريَّة، فكانت السُّفن الأوروبيَّة المتَّجهة إلى الشرق ترسو في موانئ لبنان، وتجلب له البضائع وتخرج منه فائض المواد المنتجة، وكان عصر فخر الدِّين عصراً ذهبيَّاً بالقياس إلى ما حوله من بلاد الشَّام، وقد أوفد البعثات للدِّراسة في الخارج، واعتنى بتعليم اللغات الأجنبيَّة، وعبَّد الطُّرق، وشكَّل جيشاً قادراً على بسط الأمن في مختلف أنحاء جبل لبنان.
    أخذ الطريق يزداد صعوبة بسبب تسلُّقه بعض الهضاب العالية، إلاَّ أنَّه بقي قريباً من البحر، وما لبثنا أن هبطنا إلى جوار البحر مباشرة مرَّة أخرى، وبقينا نساير الشَّاطئ حتَّى مدينة بيروت، وكنَّا نتبادل الحديث، وسألت مراد:
    - هل بإمكانك أن تذهب معي إلى البندقيَّة؟.
    - وماذا سأفعل هناك؟.
    - بإمكانك أن تكمل دراستك هناك.
    - وعلى أيِّ أساس أذهب؟.
    - على أنَّك واحدٌ من إخواني، الَّذين أكنُّ لهم كلَّ الاحترام والتَّقدير.
    - وهل هذا يكفي؟.
    - لقد سعدت برفقتك وعائلتك، وأشعر بأنَّكم أهلي الأقربون.
    - وغير ذلك؟.
    - لديَّ عمل كثيرٌ هناك وأريد أن أتَّثق بمن سيعمل معي، ونحن ندفع مبالغ ضخمة أتعاباً لمن نعتمد عليهم في أمورنا.
    هزَّ مرادٌ رأسه غير مقتنع بأنَّ هذا سبب كاف ليهجر عائلته ووطنه، فسكتُّ وحاولت تغيير الحديث فقلت:
    - إنَّ شواطئنا بكرٌ، وهناك في أوروبا يعتنون بشواطئهم، ويقومون باستصلاحها وإقامة المنشآت السِّياحيَّة إلى جانبها، وليست الفخامة هي الأساس، وإنَّما البساطة والنَّظافة، وترى أحدهم بنى نزلاً بسيطاً ثمَّ شرفة واسعة أمامه، عليها بعض المقاعد والطَّاولات من الخشب الخام، ومع ذلك يرتاده الزُّوَّار في المواسم، ويدفعون مقابل استضافتهم فيه مبالغ زهيدة، ومنهم من يبيت ويأكل طعاماً بسيطاً، ومنهم من تتَّسع مطالبه فتؤمَّن له.
    قالت أليزا:
    - إنَّ طبيعة العرب التَّاريخيَّة، ثمَّ معتقدهم يحدَّان من ظهور النِّساء على الشَّواطئ، وبالتَّالي تقتصر هذه الأنشطة على الرِّجال فقط، وهذا ما يمنع من تسويق السِّياحة كما في الغرب، إنَّ مسألتنا هي في الحجاب، وأنا لا أعترض عليه، فإنَّ التَّخلِّي عن الحجاب بالشَّكل الأوروبي يهين المرأة ويحوِّلها إلى سلعة من الرَّقيق.
    قلت:
    - لو اقتصر الحجاب على ما كانت ترتديه أمهاتنا لكان لباساً كاملاً، ولكن هذا الغطاء الأسود والملاية السَّوداء الَّذَين ترتديهما نساء المدينة مدعاة للسُّخرية.
    قال مراد:
    - لماذا ؟.
    قلت:
    - إنَّه ضارٌّ للبصر أوَّلاً، ولا نملك إحصائيَّة عن ضرره، كما أننا بلاد الشَّمس، وفي منازل المدينة قلَّما تتعرَّض النِّساء للشَّمس، بسبب تصاميم بناء الحرملك، حيث تسجن النِّساء، والشَّمس ضروريَّة لكلِّ حيٍّ.
    قالت أليزا:
    - وله أضرارٌ سيكولوجيَّة تتعلَّق بالكبت والشُّذوذ، وهما أمران مقلقان في المجتمعات المغلقة، أمَّا نساء الرِّيف فلباسهنَّ كاملٌ، وهنَّ لا يظهرن محرَّماً ولا يحجبن محلَّلاً.
    قال مراد :
    - لا بدَّ لي من الموافقة على ما طرح حول هذا الموضوع، ولكنَّني أعتقد أنَّ الأمر يستحقُّ التَّعمق به أكثر من المظاهر، فقد حاول المشرِّع أن يحدَّ من الفاحشة في مجتمعه، فنظَّم ظهور المرأة في المنزل وخارجه، وغرضه من ذلك ترسيخ علاقة الزَّوجين، واقتصار الجنس عليهما، ونحن في بلاد حارَّةٍ إذا لم يشدِّد الزَّوجان على الحشمة فربَّما أدَّى ذلك إلى ما لا يرضيان عنه، وربَّما إلى انحلال المجتمع.
    كانت القرى المسيحيَّة في لبنان تتوالى، وكانت أسقف القرميد الحمراء تزوِّق الطَّبيعة الخضراء المزهرة بلون إضافيٍّ آخر، وكانت أبراج الكنائس تطلُّ من بعيد وكأنَّها عيون طفل يبحث عن شيء ما. وقد لبس السُّكَّان سراويلهم السَّوداء، وستراتهم المزركشة، وطرابيشهم القصيرة، فبدوا مع هذا النَّسيج المختلط من الألوان حولهم وكأنَّهم يكملون اللوحة.
    وكانت العربة تتقدَّم باتِّجاه بيروت، وبعد زمن بانت مآذن المدينة وكأنَّها أقلام رصاص أوقفت على قطعة قماش مموَّجة، أو رماحٌ تُشير إلى السَّماء، وتذكَّرت أنَّني سأبحث في بيروت عن مخزنٍ يبيع الألوان وعدَّة الرَّسم، وما أن دخلنا المدينة حتَّى توقَّفنا أمام متجر نسأله عن حاجاتنا، فأعلمنا أنَّها موجودة في متجر يسمَّى المخزن الإيطاليَّ، وهو واقع على طريقنا، وفعلاً بعد مسافة قريبة وجدنا المتجر وتسوَّقنا منه ما نحتاج إليه، وعانينا مشكلة في الدَّفع، فقد كنت أحمل عملة فرنسيَّة ذهبيَّة فقال صاحب المتجر أنَّه لا يعرف قيمتها، فقلت له :
    - نحن غرباء ولدينا عملة ذهبيَّة فرنسيَّة وفلورنسيَّة وأسبانيَّة.
    فقال:
    - سأذهب إلى الصَّرَّاف لأعرف أسعارها. فأعطني ليرة من كلِّ عملة.
    أخذ الرَّجل الليرات وغاب بعض الوقت ثمَّ عاد قائلاً:
    - نعم يا سيِّدي، إنَّ هذه الثَّلاث ليرات تشتري أغلب ما في مخزني إذا أردت.
    كان الوقت عصراً، فأخت حاجياتي، وأسرعنا بالسَّير باتِّجاه صيدا، علَّنا نصل قبل الليل، وكانت الخيل قد تعبت وجاعت، لكنَّها بقيت تجري، وبعد ثلاث ساعات أو أكثر وصلنا إلى صيدا، وتوقَّفنا أمام مقهى، نسأل عن دليل إلى حصن البحر، فأجابنا صاحب المقهى:
    - ماذا تريدون من حصن البحر؟.
    - نريده أن يدلَّنا على منزل شفيق العرقوبي؟.
    - ماذا شفيق بيك العرقوبي، لقد مات منذ زمن بعيد، وتوفِّيت زوجته قبله، وذلك بعد غرق ولديه في البحر.
    - نحن ولداه اللَّذان غرقا في البحر.
    - نظر إلينا بإمعان.
    - والله أنت تشبه أباك وأمَّك.
    ونظر داخل العربة فقال:
    - وهذه الفتاة تشبه عمَّتك.
    - يا سيِّدي لقد أخذ منَّا التَّعب مأخذه، ونريد دليلاً يوصلنا إلى منزلنا.
    - لن يفوتني ذلك، وسأسمع القصَّة، وأنقلها إلى حكواتي القهوة، فربَّما تكون قصَّة العمر.
    دخل الرَّجل وتحدَّث مع بعض الرُّواد، ثمَّ نادى النَّادل فأوصاه وصعد إلى جانب الحوذيِّ يدلُّه على الطريق، ومع غياب الشَّمس بدا منزلنا وكأنَّه هو أيَّام الطُفولة، وحينما فتح البوابة ودخلنا وجدنا الحديقة معشَّبة والورود مقلَّمة منسَّقة. ثمَّ خرج رجلٌ عجوز وامرأة متوسِّطة العمر، وحينما رأيا العربة أخذا ينظران إلى بعضهما باستغراب.
    نزلنا، وابتدأ الحوذيُّ والقهواتيُّ ينقلان الحاجات إلى بهو المنزل، والشَّخصان لا ينبسان ببنت شفة، وما أن انتهينا حتَّى تهالكنا على المقاعد من الإعياء والتَّعب، وجلس معنا القهواتي يريد أن يتصيَّد الحكاية.
    - أقبلي يا سيِّدتي.
    جاءت المرأة وكانت سيِّدة كهلة فنظرت إليها بإمعان:
    - فاطمة أليس كذلك؟.
    - نعم يا سيِّدي.
    وناديت الرَّجل فأقبل وعلى وجهه مسحة من الاستغراب:
    - أيُّوب؟.
    - نعم يا سيِّدي.
    - انظرا إلينا، من نحن؟.
    قالت فاطمة:
    - أنت ابن عوني باشا، وهذه الصَّبيَّة ابنة ليلى خانم. أمَّا هذا الشَّاب فلا أعرفه وأشَبِّهه برجل من أصدقاء سيِّدي اسمه بربر.
    قلت لهما:
    - أليس لكما قصَّة أخرى تتخيَّلانها ؟.
    كان أيُّوب يحدِّق بنا طويلاً، ثمَّ يتمتم كلمات لا نفهمها، واستجمع جرأته وحاول أن ينطق، ولكنَّه أشار بيده إلى استحالة ذلك.
    ثمَّ قال:
    - لا لا لا إنَّ هذا غير ممكن.
    ثمَّ اقترب منِّي وكشف عن كتفي. وخرَّ ساجداً:
    - ويلي على سيِّديَّ الَّذين قضيا فرقاً، ويلي على أيُّوب، إنَّهما الولدان يا فاطمة، عماد وزينب.
    نظرت فاطمة إلينا متمعِّنة، ونقلت نظرها بيننا عدَّة مرَّات، وقد بدا الذُّهول على وجهها، ثمَّ قامت إلى أيُّوب وأخذت تعضُّه، فصرخ متوجعاً:
    - ما لك يا امرأة؟!.
    ثمَّ ابتدأت ترقص وتدور في البهو، ثمَّ أغمي عليها.
    نظرت إلى مراد فوجدته يذرف دموع الفرح والتَّأثُّر، أمَّا القهواتي فكان مجهشاً بالبكاء، وكان يشتم القدر ويقول:
    - أين الحكواتيُّ من هذا ؟. والله ستعيش صيدا أيَّاماً لا تنسى على هذه الحكاية.
    وأخذ يمسح دموعه مستأذناً، بينما انشغلت زينب وأيُّوب بالاعتناء بفاطمة، وقد ابتدأت تفيق من إغماءتها
    الصور المرفقة  

  6. #36
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    حذفت للتكرار
    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 01-12-2016 الساعة 07:20 PM

  7. #37
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الجزء الرابع
    1


    خيمة عزاء


    كان الليل قد أقبل، فخرجت إلى خارج المنزل فإذا اللَّيلة مقمرة، وقد اكتمل البدر، وبدت صفحة البحر هادئة رقراقة فاقتربت منه وتبعتني زينب وجلست على الرِّمال وقد بدا عليها التأثُّرُ والحزن، وما لبثت أن انخرطت بالبكاء، ثمَّ تحوَّل بكاؤها إلى عويل، ورأيت أيُّوب وفاطمة يقتربان منها وهما يبكيان، وضمَّتها فاطمة:
    - هونِّي عليك يا حبيبتي، فغداً يومٌ آخر، وما مضى فقد مضى، والحمد لله على سلامتكما.
    قال أيُّوب:
    - الآن وقت الشُّكر لا وقت البكاء، وأرى أن تخلدا للرَّاحة، وسأبدأ بإعداد الطَّعام، وغداً نواصل حديثنا.
    عدنا إلى المنزل، وفي كلِّ ركن منه ذكرى تستوقفني، وقد امتلأت جدران المنزل بالصُّور، ولم يكن القنديل والفوانيس المعلَّقة على الجدران كافية للتَّمعُّن فيها، وكانت أعصابنا مشدودة، وألف منجل يطعن في قلوبنا، وألف رمح يخذ كلَّ أنحاء جسمنا، ودخلنا الحمَّام نطفئ لوعتنا بالماء البارد، ونذهب إلى فراشنا وقد أخذ منَّا التَّعب والإرهاق مأخذه، وبعد لأيٍّ استسلمنا إلى سلطان النَّوم.
    كانت الليلة منفَّرة للغاية، ولم نستكمل أغوار الحزن العميقة بعد، فما زالت تتكشَّف عن أبعاد جديدة محفورة في كهوف الذَّاكرة، وجروح الفجيعة الغائرة، لقد ظهر أنَّنا استبطنَّا المأساة، وغطَّيناها بسحب التَّناسي، الَّتي انقشعت الآن وابتدأ النَّزيف المسعور يدمي كلَّ أنحاء النَّفس باللَّوعة والحرمان.
    طلع الصُّبح فأفقنا على هواء أيَّار الدَّافئ، ونزلت إلى شاطئ البحر حيث مرتع طفولتنا المبكِّرة، فكم لعبنا أنا وزينب على رماله الذَّهبيَّة، وغسلنا أقدامنا بمياهه الطَّاهرة وتمتَّعنا بأفقه الرَّحب.
    وتبعتني زينب بعد وقت قصير ثُمَّ تبعنا مراد.
    لزم مراد الصَّمت وكأنَّه راهبٌ بوذيٌّ يتعبد، وكان يتمتم بما يشبه التَّعاويذ وكأنَّه يدعو، لقد عاد هو الآخر إلى مأساته، وبعد حين عانقني بحرارة وهو يختلج ثمَّ انفجر باكياً، وقال:
    - لقد اشتبكت مأساتانا، واختلطت أحاسيسنا، وكانت نكبتكما أكبر بكثير، لقد ربينا مع أمٍّ حنون وأب شفوق، وغاب والدانا في معركة غياباً يتوقَّعه الجنديُّ، أمَّا أنتما فقد أدّت نكبتكما إلى مجموعة من الأرزاء المتزامرة، لقد جئت معكما مدفوعاً بحبِّ الاستطلاع، ولم أستطع أن أترك الفرصة تفوتني لأشاهد هذِّه المأساة الفريدة، فكان الله في عونكما.
    قالت زينب:
    _ الآن تذكَّرت، وعاد بي شريط حياتي إلى بدايته، وأعرف الآن دقائق حياتينا ونحن أطفالاً، فما زال المنزل وشجراته، وما زالت المناظر نفسها وكأنَّها البارحة، وعادت لي ذكرى أبي وأمِّي وفاطمة وأيُّوب، والشَّيخ يوسف ألا تذكره؟. وعبده المزارع الَّذي كان يجلب لنا سلال التِّين، وعليا أتذكر عليا الَّتي كانت تزورنا ومعها خروف أو ديك، أتذكَّرها وأتذكَّر قمطة رأسها، ومنديلها الحريريُّ المخرَّج المشغول بالصَنَّارة، ووجهها الأحمر المورَّد، وحبَّات العرق النَّديَّة المتدحرجة على جبهتها العريضة، ألا تذكر ذلك يا عماد.
    ضممت زينب وقبَّلتها:
    - الحمد لله على السَّلامة، لقد عدت الآن يا عزيزتي، وأحسُّ بالطَّمأنينة والرَّاحة، وستتغيَّر كلُّ الأمور، نعم يا حبيبتي يا من تبقَّى من أهلي، الآن أنت زينب، وستبقين زينب اللَّطيفة الذَّكيَّة .
    كان مراد مندهشاً وقد علت وجهه صفرة الحيرة والخوف، لقد كان أرقَّ من هذه العاصفة، وأضعف من تلك الدَّوَّامة الجارفة الَّتي تبتلع الأحاسيس والصُّور، وتحبط التَّحمُّل والصَّبر.
    عدنا إلى البيت وقد اختلط في أعماقنا الفرح والحزن، وجاء أيُّوب وفاطمة ليراقبانا نتمعَّن في الصُّور على جدران البهو، وبينها صورة لنا، أنا وأختي وأبوينا، كانت الصُّورة تعود إلى تاريخ اختطافنا تقريباً، قبله بأيَّام فقط، كان التَّصوير الشَّمسيُّ في بداياته، وقد استقدم والدي المصوَّر من بيروت، فجاء ومعه آلته ومعدَّاته، وأوقفنا خارج البيت، وكانت أمِّي تحمل زينب، وأبي يحملني، وقام المصوِّر بأخذ مجموعة من الصُّور، وذهب إلى بيروت على أنَّه سيرسل الصُّور فيما بعد، ثمَّ اختطفنا.
    - تعالي يا زينب، أتذكرين الصُّورة؟.
    تمعَّنت زينب في الصُّورة ثمَّ صرخت:
    - نعم وقد خفت كثيراً في بداية التَّصوير وبكيت، وما زلت أذكر المصوِّر، فقد كان قصيراُ ولعلَّه كان أرمنيَّاً وقال:
    - ليش تبكي يا خبيبي، وأخرج من جيبه منديلاً أحمر ولوَّح به ثمَّ قذفه في الجوِّ، وركض حتَّى تناوله، فوقع في الطَّريق وضحكت أنا.
    - نعم يا حبيبتي، هذا هو ما حصل تماماً.
    اقتربت فاطمة وأيُّوب فسألتهما:
    - اجلسا أيُّها العزيزان وارويا لنا الحكاية؟.
    جلس الصَديقان الوفيَّان وابتدأ أيُّوب حديثه قائلاً:
    - سأحاول أن لا أغرق في التَّفاصيل، وأريد منك يا فاطمة أن تذكِّريني إذا نسيت شيئاً .
    - سأفعل إن شاء الله.
    صباح يوم الحادثة نادتنا أمُّ عماد أن نبحث عنكما ونعيدكما إلى المنزل لتناول طعام الفطور، كان ذلك في بداية الشَّهر الخامس في الأوَّل منه تماماً، فذهبت وبحثت حول البيت، فلم أجدكما، وسألت بيت أمِّ إبراهيم عنكما فقالوا إنَّهم رأوكما تخوضان في مياه البحر وتلعبان، ثمَّ لم يشاهداكما فظنّوا أنَّكما قد عدتما إلى البيت، وأخذت أبحث عنكما في بستان البرتقال فلم أعثر عليكما، فعدت إلى المنزل، فرأتني أمُّ عماد وسألتني عنكما فقلت لها أنَّني لم أجدكما في الخارج، ولعلَّكما في الطَّابق العلويِّ أو في العليَّة تلعبان، وصعدت فبحثت عنكما في كلِّ غرفة في الطَّابق العلويِّ وفي العليَّة فلم أجدكما، ولم أرد أن تهلع أمُّ عماد فقلت لها:
    - سيعودان فلعلَّهما مختبئان في مكان ما.
    - لا يا أيُّوب عدْ وابحث عنهما.
    بحثت عنكما في كلِّ مكان، حتَّى صيدا، وعلى مسافة ميلين في كلِّ اتِّجاه، وكلُّ من رأيته قال بأنَّه لم يركما، وعندما عدت سألتني الوالدة عن سبب غيابي الطَّويل، فأخبرتها بأنَّني لم أركما، ولم أجد أحداً رآكما، وأنَّ أمَّ إبراهيم أخبرتني وأيَّد أولادها كلامها، بأنَّها رأتكما تخوضان في مياه البحر.
    أجفلت أمُّكما عندما سمعت كلامي، ودخلت على والدكما في مكتبه وحدَّثته الحديث كلَّه، فخرج معها إلى البهو واستفهم منِّي ثانية، فرويت له ما اتَّصل بي من أخبار الجيران والنَّاس، وأنَّ أحداً لم يركما، فانشغل باله وأرسلني قائلاً:
    - انزل إلى صيدا وخبِّر أئمة المساجد أن يعلنوا في المآذن عن فقدان الولدين، ثمَّ اذهب إلى مرفأ الصَّيَّادين وخبِّر الرَّيس سليم أن يبحث في البحر مقابل المنزل على مسافة ميلين، ثمَّ عد إلى المخفر وخبر الأومباشي جمعة، ثمَّ عد إلى هنا، امتط الجواد السَّابح فإنَّه سريع.
    قمت بما طلبه منِّي والدك، ولكن الجميع لم يصلوا إلى نتيجة، وقد انهارت والدتك وجنَّ جنونها، ثمَّ أغمي عليها، وجاء أهلك وأقاربك وكلٌّ منهم ذهب باتِّجاه، ومضى اليوم الأوَّل دون أن نجدكما، وفي اليوم الثَّاني جاء الأومباشي جمعة وأسرَّ كلماتٍ في أذن والدك، ورأيته يتهالك على الكرسيِّ ويبدأ بالنَّحيب، وقد اصطحبته بالعربة جنوباً، فوجدنا طفلاَ مسجَّى على الشَّاطئ يحيط به جماعة من الجندرمة، وكان الطِّفل غريقاً على ما يبدو، وقد انتهشته الأسماك، فغابت معالمه، وبحثت عن علامات أعرفها فيك، لكن كان الجسم مشوَّهاً ولا يمكن إحصاء شيءٍ من هذه العلامات في بقاياه، فتهالك أبوك إلى جانبه، ورأيته وقد فقد صوابه، فاحتملنا جثمان الطِّفل إلى البستان فدفنَّاه فيه، وعدنا إلى البيت، فرأينا أمِّك تمزِّق ثيابها وتدقُّ على صدرها ولا تنطق إلاَّ بجملة واحدة، أين ذهب ولداي.
    لبست أمُّك السَّواد وحدَّت حداداً لم نر مثله، ثمَّ انقطعت عن الطَّعام والشَّراب، ولم يفلح جهد الشَّيخ ولا نصيحة الطَّبيب في العودة إلى الطَّعام، ثمَّ مرضت وتوفِّيت رحمها الله.
    أمَّا والدك فقد لازمته عمَّتك ليلى عدَّة سنوات، أصيب خلالها بالهلوسة، وذات يوم دخلت فاطمة غرفته، ثمَّ عادت إليَّ في لهفة:
    - أدرك شفيق بيك.
    - ما به.
    - ادخل وانظر إليه.
    ظننت أنَّه تمادى في هلوساته فأخافها، فدخلت غرفة نومه فإذا هو قد توفِّي.
    - هل نسيت شيئاً يا فاطمة؟.
    - لا إلاَّ أنَّك اختصرت ولم تصف له حالات أمِّه وأبيه وحالتي أنا، فقد متنا ألف موتة وموتة.
    - ومن تولَّى إدارة أملاك والدينا بعد وفاتهما يا أيُّوب؟.
    - أنا يا سيِّدي، فقد زوَّجني والدك من فاطمة، ثمَّ بقيت عمَّتك ليلى تشرف على الأملاك لوقت قصير، ثمَّ قالت:
    - يا أيُّوب إنَّني مضطرة إلى السَّفر والإقامة مع زوجي في الأستانة، وسوف تتولَّى أنت هذه الأملاك ما دمت حيَّاً، ثمَّ يفعل الله بها ما يريد.
    وذهبت عمَّتك ولم تعد، فعمدت إلى غلَّة العام التَّالي فنشرت بها أحد كتب والدك المعدَّة للطِّباعة، وفي العام الذي تلاه نشرت بها كتاباً آخر لم يكتمل فنشرته كما هو، أمَّأ الباقي في الأعوام بعدها فقد خزنته ليستلمه صاحب الحقِّ، وبلغ مجموع ما خزنته ستة آلاف وأربعمائة وخمسين ليرة ذهبيَّة عثمانيَّة، وهي موجودة هنا. وقد تعرَّضنا للسَّطو عدَّة مرَّات لكنَّ السَّارقين لم يهتدوا إلى كنزك الصَّغير. والآن أيمكن أن ترويا لنا قصَّتكما؟.
    - يا أيُّوب إذا رويناك قصَّتنا فإنَّك لن تحتمل سماعها لا أنت ولا فاطمة، ولكنَّ الحكواتي سيأتي وسأروي له ملخَّصاً عنها، فإنَّني أرى أنَّه من حقِّ النَّاس أن يسمعوا أغرب قصَّة عاشوا أحداثها، ولكنَّنا يا أيُّوب سنقيم عزاءً جديداً لوالدينا، اعتباراً من يوم السَّبت القادم ولمدَّة أسبوع، ويولم فيه الطَّعام، وتقرأ الفاتحة على روحيهما فيه عدَّة مرَّات في اليوم، كما يكون العزاء عامراً بآي الذِّكر الحكيم، وأرى أن نعدَّ سرادقاً كبيراً لذلك، وأن نستحضر المؤن والذَّبائح، وأن نبحث عن القرَّاء لاستجلابهم إلى المأتم.
    - سمعاً وطاعة يا بنيَّ، وسأعلن في جميع النَّواحي عنه، وأدعو إليه أصدقاءه وأحبابه، أمَّا المؤن فجاهزة، وأمَّا القطعان فستكون تحت نظرنا في يومين، وسيكون الرَّعاة قريبين، فنأخذ منها ما نشاء، أمَّا الخبز والغدائر فستعمل نساء القرية القريبة على تجهيزها كلَّ يوم، وستكون الملاعق همَّنا، وسأستجلب منها ما أجده في صيدا، أمَّا السُّرادق فسنبدأ في إقامته وسيكون من الخشب والقصب، وأرى أن أستجلب النَّجَّارين من صيدا أو بيروت إذا لزم الأمر.
    - حسناً يا أيُّوب.
    بقي أن أذكر صديقي الوفي آمو الذي لازمنا هنا في صيدا، وكنت أسبح إليه لنؤدي رقصتنا المعتادة بسعادة وحبور
    الصور المرفقة  

  8. #38
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    2

    قصر الفونسو في برشلونة

    عادت بي الذِّكرى إلى روما، فبعد أن انصرف الملوك، وانتهى الإشكال، وقام البابا بإعادة الأمير لويس إلى باريس، حيث استلمه ابن عمِّه الملك، فقد عدنا أدراجنا إلى باليرمو .
    كان الوقت عصراً، فوجدنا الملك ألفريد قد سبقنا وخرج لاستقبال ألفونسو، ومعه حرس الشَّرف ومجلس البارونات بأكمله، ومن حولهم جماهير الصِّقليِّين الأوفياء، وقام بتقديم المراسم المعتادة لاستقبال الملوك، فتفقَّد ألفونسو حرس الشَّرف وسلَّم على الأعيان فرداً فرداً، وأبدى الاهتمام بشؤونهم، وسأل كلَّ رجل منهم عن عائلته، ثمَّ توجَّهنا إلى القصر.
    كان الخدم يصطفُّون أمام القصر، وقد سلَّم ألفونسو عليهم بمودَّة، وفي طريقنا ضمن باليرمو قرأت لافتة كتب عليها بنك فلورنسا، فعلمت أنَّ كوزيمو قد أتمَّ إجراءات افتتاح فروع البنك في أرجاء أوروبا، فعندما يصل الإجراء إلى صقلية فهذا يعني استكمال جميع الإجراءات في البلدان الأخرى.
    دخلنا إلى القصر متعبين، ودخلنا جناح النَّوم نسابق الغفو إلى فراشنا.
    سمعت أميليا وهي تصعد السَّلالم تقول:
    - لعلَّ أيَّام الشَّقاء قد ولَّت، وحلَّت محلَّها أيَّام السَّعادة والهناء.
    وسمعت ألفونسو يجيبها:
    - ألم يأخذك التَّعب والإعياء؟. ادخلي غرفة نومك وانعمي بغفو هانئ مريح.
    لم نستيقظ إلاَّ في العشاء، وكانت باليرمو كلُّها صامتة، وقد أحسست بالإرهاق الشَّديد، وربّما بسبب العناء المتواصل منذ شهر تقريباً، والتَّوتُّر النَّفسيِّ متعدِّد الجوانب، نزلت إلى البهو فوجدت أميليا جالسة، فسألتها عن ألفونسو فأعلمتني أنَّه ذهب إلى القصر الملكيِّ لتقديم الشُّكر للملك ألفريد، وقالت:
    - إنَّني أحسُّ بالتَّبلُّدِ والفراغ، وكأنَّني طالب مدرسة غبيٍّ في امتحانٍ صعب، لا أعرف شيئاً ولا أعلم شيئاً وقد محيت ذاكرتي، ولعلَّ كأساً من الخمر ينعشني.
    - وأنا كذلك، وسألبِّي رغبتينا.
    قمت إلى البار وتناولت زجاجة من الخمر الفرنسيِّ المعتَّق وثلاثة كؤوس، وذهبت إليها فملأت لها الكأس وناولته لها.
    - ملعون أبي فلمن الكأس الثَّالث.
    - ستتفقَّدني كلوديا وتنزل، وهذا الكأس لها.
    وجاءني صوت كلوديا من ورائي:
    - صدقت يا حبيبي، فصبَّ لي كأساً.
    جلسنا نتسامر، وكلَّما ذكرت الرِّحلة قالت أميليا:
    - ملعونٌ أبي لا تذكراها فقد قاسينا فيها الأمرِّين، وكنَّا أشبه بسندباد، فمن محيط إلى محيط ومن جزيرة إلى أخرى، وكلُّها مليئةٌ بالهمِّ والأحزان.
    قالت كلوديا:
    - هيَّا نلغي الذَّاكرة لأيَّام، ثمَّ صبَّ لي كأساً أخرى؟.
    - لا يا حبيبتي، فليس منَّا من يريد أن يسكر الآن.
    عاد ألفونسو ليرانا على ما نحن عليه، فقال:
    - من سيرافقني إلى إسبانيا في الرَّبيع القادم فقد بسط الشِّتاء رداءه العاصف، ولم يعد بإمكاننا مواصلة السَّفر؟.
    قالت أميليا :
    - أنا يا سيِّدي.
    فقلت:
    - بل أنا يا أميليا، فابقي أنت إلى جانب كلوديا أثناء غيابنا.
    - قالت كلوديا:
    - وأنا معكم ولا تفكِّروا بالتَّهرُّب منِّي، فإذا فعلتم قتلت نفسي.
    قال ألفونسو:
    - إذاً فنحن الأصدقاء الأربعة، ولن نترك بعضنا أبداً.
    ثمَّ أردف:
    - لكما خبر جديد، فقد هرب لويس من باريس وتوجَّه إلى مالطة، ومعه جملة من صعاليك باريس.
    قالت أميليا.
    - وما معنى ذلك؟.
    - معناه أنَّني سأرصده غداً وأحضره إلى سجن باليرمو.
    قالت أميليا:
    - ألن تنتهي مغامراتك، ألم يوقفك السِّن والجهد، أم تريد أن تقتل نفسك من العناء والإرهاق.
    في الصَّباح أقبلت كوكبة من الفرسان، فتداولت الحديث مع ألفونسو الَّذي أسرع بارتداء ثيابه، وعندما وجدني مع الفرسان بالعتاد الكامل قال:
    - مهلاً يا جون لقد أرهقت ما فيه الكفاية، وآن لك أن تستريح فترة من الوقت.
    - بل أنت من سيستريح، وسنخرج نحن ونأتي به إليك.
    ثمَّ ذهبنا بدون أن نترك له الفرصة ليجيب.
    في عرض البحر كانت الأمواج عالية والنَّوء يتفاقم، وجدت رفاقي ينظرون إليَّ.
    - ما بالكم يا شباب؟.
    - نريد أن تحدِّثنا عن قصَّة البابا ولويس.
    رويت لهم القصَّة ابتداء من محاولة اغتيال ألفونسو في جنوة وحتَّى عودتنا إلى باليرمو فنظروا إلى بعضهم.
    قال أكبرهم رتبة وكان ضابطاً متوسِّطاً في العمر من نابولي اسمه الكابتن غلوري:
    - إنَّ البابا يكذب، وقد احتال عليكم، إنَّه مع الفرنسيِّين ولويس في حلف قويٍّ.
    - وما أدراك؟.
    - إنّ لديَّ تفاصيل أخرى سأطلع القائد ألفونسو عليها بعد عودتنا.
    كانت السَفينة تتمايل، والموج يعلو ويعلو، والبحَّارة يتمسَّكون بالأشرعة، وكنَّا قد اعتدنا على هذه الحالات، وخطرها لا يتجاوز الجهد الكبير، ودوَّار البحر الَّذي لا أصاب به وكأنَّه يتجنَّبني، وعندما وصلنا إلى مالطة نزلنا على الشَّاطئ، وذهبنا إلى قيادة الفرقة الأولى، فوجدنا قائدها مستنفراً، وقال:
    - عرفنا أنَّ لويس غادر فرنسا، ولكنَّه لم يأت ولن يأتي إلى هنا فإنَّه يعرف ما ينتظره، وربَّما كان يجوب البحار مع أوباشه وبعض الفرنسيِّين الهاربين من الفرسان، وسنلقي القبض عليه إذا جاء إلى مالطة، وهذه المرَّة لا جدوى من الإنكار، ولن يفيده البابا ولا الملك لويس في شيءٍ. ويبدو أنَّ البابا بول قد خدعنا، ولم نتصوَّر أن يكذب البابا ويحتال، فلقد عرفنا أنَّ من البابوات من يرتكب المآثم، ولكن أن يكذب ويحتال على ملوك الفرنجة، فهذا ما لم نتوقَّعه، ولا أدري إذا كان من الأفضل أن نعتقل البابا بدلاً من لويس.
    بعد استراحة قصيرة تخلَّلها غداءٌ سريع عدنا إلى باليرمو، فوجدنا ألفونسو بانتظارنا:
    - هل عدتم بدون لويس.
    أجبته.
    - إنَّه ليس في مالطة، وهو يجوب البحار مع مجموعة من الأفَّاقين، ولن يعود إلى مالطة، فإنَّه يعرف ما ينتظره إذا عاد.
    - حسناً، فليس له خبرة في القتال، وإذا التقى العثمانيِّين فسيتمنى كثيراً لو لم تلده أمُّه.
    مضت أيَّامٌ لم نسمع فيها خبراً عن لويس، ثمَّ جاء قبطانٌ لمقابلة ألفونسو فأعلمه أنَّ لويس قد وقع أسيراً بيد العثمانيِّين، وأنَّ الملك لويس أرسل وفداً ليفاوض على استلامه، ولكنَّ العثمانيِّين وضعوا شروطاً رفضها الملك الفرنسيُّ، وقد انتهى الأمر إلى انتحار لويس، وقد سلِّم جثمانه إلى السَّفير الفرنسي في الأستانة، فأرسله إلى فرنسا حيث دفن بصمت.
    علَّق ألفونسو:
    - لقد قتله العثمانيُّون فهو أجبن من أن ينتحر.
    وقال القبطان:
    - ما زالت بعض سفن أفَّاقيه تجوب المتوسِّط، فتعترض السُّفن وتطلب الأتاوات على ربَّانها وركَّابه، وهم تحت إمرة الكابتن إدجار من فرسان مالطا. ومعه بعض المطلوبين.
    قال لي ألفونسو في اليوم التَّالي:
    - لقد حدَّثني قائد الكتيبة الأولى الَّذي رافقك إلى مالطا حديث البابا بول، وقد كتبت بذلك إلى كوزيمو، وسأنتظر ردَّه، وأقسم بجين لئن لم يعالج كوزيمو الموضوع لأعلِّقنَّ مشنقة البابا أمام الفاتيكان، وأجعل ذكره صفحة من صفحات التَّاريخ البائسة.
    - سيقوم كوزيمو بواجبه يا سيِّدي، وسيبقيه قيد الحظر حتَّى يأتي يومه.
    - هذا ما أؤكِّده يا جون، وهو ما عرفته من خبرتي بكوزيمو وماريَّا، ألا تذكر الكلام القاسي الَّذي وجَّهه إليه كوزيمو في روما.
    كانت كلوديا في الأيَّام القليلة الماضية تأخذ استراحة تامَّة، وقد بدت اليوم نشيطة مغتبطة وقالت:
    - سنذهب جميعاً مع ألفونسو إلى أسبانيا، وسنتفرَّج على بلاد الأساطير، وعلى قصور غرناطة العظيمة، ومنها قصر الحمراء الشهير، وعلى مسجد قرطبة الكبير، فإنَّه يقال إنَّها من عجائب الدُّنيا.
    مرَّ الشِّتاء بدون وقوع حوادث تذكر، إلاَّ أنَّني أحسست بطوله، وكنت أعدُّ الأيَّام، ولقد أدخل الجوُّ العائليُّ على نفسي الكثير من الإحساس بالرَّاحة والتَّفاؤل، لقد أحسست الآن أنَّهم ما بقي من أهلي، وأنَّهم كلُّ ما أملك، ولم يبق في ذهني إلاَّ أختي زينب، فقد كانت هاجسي الأكبر، وكنت عندما أذكرها ينقبض صدري من العجز وعدم القدرة على المساعدة في أي شيء يتعلق بها، وأحسُّ بأنَّ حرارتي قد ارتفعت، وأنَّ شيئاً ما يدفعني إلى الابتعاد عن التَّفكير، فقد كانت كلوديا وأميليا قد غيَّرتا حياتي وحياة ألفونسو، فاليد النِّسائيَّة الودودة لا تقدِّم مزيداً من النَّظافة والطَّعام الجيِّد فقط، وإنَّما الشُّعور الدَّافئ بالرَّاحة والمحبَّة، لقد أشرق وجه ألفونسو مرَّة أخرى، وازداد وزنه قليلاً، ممَّا اضطَّره لممارسة بعض الرِّياضة المحتملة للمحافظة على وزنه بعيداً عن السِّمنة المفرطة.
    في أواخِرِ شهر شُباط وأوائلِ شهر آذار يتنفَّس الرَّبيع في صقلية، ومعه كلُّ آلائه الرَّائعة، بزهوره ورياحينه وعصافيره المغرِّدة، وطيوره المهاجرة، وغيومه البيضاء المختالة في سمائه الزَّرقاء الصَّافية، وكان هدير الماء المتساقط من بعض الشَّلاَّلات الشَّتويَّة الَّتي ما زالت تهدر بسيلٍ من المياه الصَّاخبة الصَّافية. وكنت قد ألهيت نفسي بالرَّسم، وأنتجت لوحات مدروسة جيِّداً، وبينها أسطورة من عدَّة لوحات، تتحدَّث عن قصَة شابٍّ جميل مقتدر جعل غايته الوصول إلى أعلى قمَّة في جبال هملايا الشَّاهقة، فأعدَّ العدَّة لذلك، وسافر إلى مملكة نيبال ففيها أعلى قمم هملايا. وعند سفح الجبل العالي التقى صدفة بأميرة نيباليَّة جميلة فأحبَّها وأحبَّته، وعندما علمت بنيَّته نهته عن هذا العمل الجنونيِّ، فاقترح عليها أن ترافقه إلى القمَّة، ولمَّا كانت متيَّمة به جثت ترجوه أن يمتنع عن متابعة هذه الرِّحلة المهلكة، وعندما سألها فيما إذا كان أبوها سيوافق على زواجهما؟. أجابته بأنَّها لا تتوقَّع ذلك ولا تتخيَّله، فأعلمها بأنَّ حبَّه لها قد تمَّلكه وأخذ بشغاف قلبه، وطالماً أنَّ هذا الزَّواج لن يتمَّ فعليه أن يتابع رحلته، فربَّما يكون الحلُّ فيها، فاقترحت عليه أن يذهب لمقابلة والدها أوَّلاً ثمَّ يتحدَّثان بهذا الموضوع، وأمَّنت له عن طريق توسُّط أمِّها لقاء مع الملك، وبعد أن شرح للملك قصَّته وكيف التقى ابنته بالصُّدفة، وأنَّهما أحبَّا بعضهما وينوي طلب يدها من جلالة الملك، فوافق الملك على أن يكون المهر هو بلوغه القمَّة، وأن يحمل معه الدَّليل على بلوغها.
    - وما هو الدَّليل يا سيِّدي؟
    - زهرة السَّعادة الَّتي لا تنبت إلاَّ في أعالي القمَّة.
    قبل الشَّاب بالشَّرط وخرج فلاقته الفتاة في باحة القصر فأعلمها بالشَّرط، فأخبرته بأنَّ والدها يلقي به إلى التَّهلكة ليتخلَّص منه، وتقترح عليه أن ينتظرها في نفس المكان.
    عند التقائهما رآها تضحك سعيدة فقالت له:
    - لقد احتال أبي عليك، وهو يريد أن تقتل، فليس من زهرة اسمها زهرة السَّعادة، وهو يعرف أنَّ في الصُّعود إلى القمَّة الموت الزُّؤام، وأقترح عليك أن تصعد إلى الجبل ثمَّ تبحث في وديانه وشعابه عن زهرة لم تر مثلها وتنتظر أسبوعاً، وتأتي إلى والدي بهذه الزَّهرة، بادية عليك علائم الإجهاد والتَّعب.
    نفَّذ الشَّاب تعليمات الأميرة، وفي هذه الفترة استولى أحد الأمراء على المملكة، وأودع الملك السِّجن، وعندما عاد وجد ملكاً آخر، فدخل عليه وأخبره بقصَّته وأنَّه حصل على الزَّهرة، فطلب الملك منه الشُّهود، فقال له كبير المستشارين:
    - نعم يا سيِّدي لقد كنت حاضراً وأؤيِّد كلام الشَّاب.
    أمر الملك بتزويج الحبيبين وأقام لهما عرساً لائقاً.
    عندما رأى ألفونسو اللَّوحات ذهل لروعتها وقال:
    - والله لقد أفادتك الجولة في أوروبا، فرسومك صارت أبهج وأدقَّ.
    - أمَّا كلوديا فالمكافأة على كلِّ ما أفعله ويعجبها عناق حارٌّ ومؤثِّرٌ. وقالت:
    - نعم هذه هي الأنوار وهذا ثلج السَّماء وهؤلاء هم ملائكة العرش. لم أر في حياتي أجمل ولا أروع ولا أبهى منها، ألواناً ودقَّة وظلالاً وضوءً، هذا هو المجد.
    في صبيحة يوم من أَيَّام آذار، ولعلَّه في الأوَّل منه غادرنا باليرمو باتِّجاه الغرب، وكنا على ظهر سفينة مسلَّحة من سفن الفرسان تابعة للكتيبة الثَّانية، وقد أمل ألفونسو أن يلتقي بسفينة من سفن الأفَّاقين، وبعد ساعات قليلة، استجيب أمله فقد ظهرت سفينة من سفنهم، وسرعان ما اتَّخذ الفرسان مواقعهم وأصبحوا على أهبة الاستعداد للقاء العدوِّ، وما أن اقتربنا من السَّفينة حتَّى رفعت أشرعتها وحاولت الفرار، لكنَّها أصبحت في مدى مدافعنا، وقد حاول ربَّانها المناورة لكنَّ الأمور كانت قد حسمت، وأصليت السَّفينة بوابل من نيران المدافع، وشبَّت فيها النِّيران، فألقى البحارة أنفسهم في البحر، فتركها ألفونسو مبتعداً باتِّجاه الغرب مخلِّفاً الأفَّاقين لمصيرهم، وما يخبِّئ لهم البحر من كلابه.
    كانت المعركة قصيرة جدَّاً، وكانت السَّفينة تمخر عباب الأمواج المتلاطمة، فنشر الرَّبَّان جميع الأشرعة مستعجلاً الوصول إلى برشلونة، وفي المساء كنَّا نرسو في ميناء برشلونة الكبير، وقد اكتظَّ الميناء بالسُّفن، بحيث راصفت السَّفينة بصعوبة، وبعد برهة وجيزة أقبلت عربة فخمة يقودها حوذيٌّ يلبس الثِّياب الوطنيَّة وفيها شابٌّ وسيم، نزل الشَّاب وعانق ألفونسو:
    - أهلاً بك يا خالي.
    - أهلاً بك يا فرديناندو، كيف أمُك وأبوك؟.
    - هما بخير وينتظرانك في قصرك.
    نقلتنا العربة خارج برشلونة باتِّجاه الجنوب مسافة ميل تقريباً، إلى قصر كبير جدَّاً مبنيٍّ على الطِّراز العربيِّ الأنيق، كان منظره من بعيد رائعاً، وكأنَّ يد فنَّانٍ ملهم قد رسمته، وكانت الأقواس العربية اللَّطيفة تطلُّ بأعمدتها الرَّفيعة المزخرفة، وقد ظهرت النَّوافذ القوسيَّة مرفوعة على أعمدة صغيرة، وقد صنعت على النَّموذج العربيِّ الأندلسي بتعشيقاتها الخشبيَّة الرَّائعة، وحينما وصلنا إلى البوَّابة وجدناها قد فتحت، ودخلنا إلى القصر عبر طريق معبَّدٍ بشكل جيِّد، يتسلَّق هضبة صغيرة، ويبلغ طوله حوالي نصف ميل، وعلى بوَّابة القصر وقفت ثلَّة من الرِّجال والنِّساء .
    نزل ألفونسو وتبعناه، وأخذ يسلِّمُ على المستقبلين، فأوَّل ما عانق سيِّدة متوسِّطة في العمر عليها أمارات الغنى والتَّرف.:
    - كيف حالك يا إيزابيل؟.
    - بخير يا عزيزي ألفونسو، يا أمبراطور أوروبا العظيم، لقد أحزنني خبر محاولة اغتيالك يا أخي، ولولا أن يبشِّرني فيليب بقدومك لسافرت إليك، فلم أرك منذ عهد طويل.
    - مرحباً ليوناردو. وكيف الأمور في إدارة برشلونة.
    - تسير على شكلها المعتاد يا سيِّدي.
    كان الرَّجل طويلاً وجميلاً ورغم أنَّه كان في عمر ألفونسو إلاَّ أنَّه كان يتدفَّق حيويَّة ومرحاً، وتطلُّ من عينيه نظرات مليئة بالحبِّ والمودَّة. وتابع ليوناردو:
    - أهلاً بك يا عزيزي ألفونسو، وأهنِّئك بالسَّلامة، فقد أقلقتنا الحادثة المشؤومة.
    ونظر ألفونسو إلى شابٍّ ثلاثينيٍّ:
    كيف حالك يا بدرو؟.
    - أنا بخير يامولاي.
    - وكيف حال أبيك؟.
    - ما زال حيَّاً يشتمنا بجميع المناسبات.
    ضحك ألفونسو، وتابع تفقَّده للحضور، ثمَّ دخل ودخلنا معه، وفي بهوٍّ تحسُّ برحابته وخفَّة وطأته، حيث الأعمدة تكاد تنتقل معك، وكأنَّها غير موجودة، وتنتصب برقَّة ولطف فتحسُّ بأنَّها تعتذر منك.
    كان التَّعب قد أخذ منَّا مأخذه، وكانت النِّسوة قد تهالكن على مقاعدهنَّ، وكانت إيزابيل تنظر إليَّ بإمعان وتهمس في أذن زوجها كلمات غير مفهومة، وحينما لاحظ ألفونسو ذلك ضحكت:
    - نحن نقيس ولدك جون يا ألفونسو ونقول بأنَّ شبابنا في نهاية الرُّجولة والحسن، ولكنَّ ابنك يفوقهم جميعاً، وقد سعدنا بأن عوَّضك الله يا سيِّدي عن جين خيراً من كلِّ النِّساء.
    - أشكرك يا عزيزتي إيزابيل، ما تزالين أختي الوحيدة، وما يزال لطفك ورجاحة عقلك يغمرانني بالثِّقة والبهجة.
    - قل لليوناردو ذلك، فلعلَّه يتعلم أبياتاً من شعرك العذب. ولكن أخبرني يا ألفونسو أحقَّاً تجري في هذا الشَّاب دماء عربيَّة خالصة؟.
    - نعم يا إيزابيل.
    - وهل يعرف أنَّنا أيضاً تجري فينا بعض الدِّماء العربيَّة من أسرة عبد الرَّحمن الدَّاخل؟.
    - والله لا أدري إذا كنت أنا أو ألفرد قد أخبره بذلك.
    - إنَّ ألفرد يكاد يكون عربيَّاً خالصاً ففي دمائه الكثير من أخواله وأخوال آبائه.
    - نعم يا أختاه وهو يفخر بذلك.
    - كيف حالك يا ولدي جون؟.
    - قمت واقفاً:
    - أنا بخير من فضل سموِّ الأمير يا سيِّدتي الجميلة.
    - هذا لحن العرب وأنا أعرفه؟.
    - بل هو بعضٌ ممَّا يوحي به لطفك الكريم.
    - من يستطيع أن يلحق بشعراء العرب؟، ولكن لماذا وقفت اجلس.
    - لا أوجب من احترام سيِّدة في رقَّتك يا سيِّدتي.
    - أليست هذه معبودتك كلوديا؟.
    - نعم يا سيِّدتي.
    طلبت من كلوديا أن تتقدَّم نحوها ففعلت.
    - سبحان من جعلك آية للعالمين؟.
    قالتها إيزابيلاَّ بالإسبانيَّة، وطلبت من كلوديا أن تنحني لتعانقها، ففعلت، وتعانقت المرأتان كأنَّهما أمٌّ وابنتها.
    - ومن هذه السَّيِّدة المحترمة الأخرى:
    فوقفت أميليا:
    - خادمتك أميليا يا سيِّدتي.
    - أميليا من؟.
    - أمليا فقط، لقد كان والدي رجلاً وكانت أمِّي امرأة على ما أظنُّ، والاثنان لا أريد أن ألوِّث لسانك بذكرهما، وأنَّا مدبِّرة شؤون المنزل يا سموَّ الأميرة.
    - والله إنَّك لعلى خَلْق جميلٍ وخُلُقٍ رائع، وفي لهجتك من الصِّدق ما لا يتمتَّع به أغلب النُّبلاء.
    جاء بدرو معلناً أنَّ الطَّعام جاهزٌ، وكنَّا نتضوُّر جوعاً بعد يوم لم نذق به الطَّعام، فدخلنا إلى صالة طعام واسعة عليها سفرة تفوح منها روائح عطرة لم نعهدها في إيطاليا.
    قالت أميليا:
    - كأنَّه من طعام الجنَّة فلم أشمَّ رائحة طعام مثله.
    أجاب بدرو:
    - سيفصح لك عنه الطَّبَّاخون، ولن يكتموا شيئاً من أمره.
    ضحكت أميليا وقالت:
    - لن يفوتني ذلك.
    ودَّعتنا الأميرة وزوجها وابنها قائلة:
    - غداً ستكونون عندي فإنَّني في شوق لمتابعة الحديث، ولولا أنَّكم متعبون لما تركتكم الآن.
    - نعم يا عزيزتي إيزابيل سنكون عندك على الغداء.
    - أهلاً بك يا سيِّدي الإمبراطور، وأهلاً بابنك وضيوفك.
    - أشكرك يا أختاه.
    صعدنا إلى جناحنا في الطَّابق الثَّاني، وكان القصر مؤلَّفاً من عدَّة طوابق، وكأنَّه قادر على استضافة الكثير من الأشخاص، وكان الخدم هنا أكثر عدداً واختصاصاً من نظرائهم في قصور أوروبا.
    وراحت أميليا تتفقَّد جناح ألفونسو ثمَّ عادت تقول:
    - هؤلاء القوم مكتملون من حيث النَّظافة والتَّرتيب، وإحسان الطَّعام وكلِّ شيء، والحمَّامات هنا عربيَّة، وهناك أنابيب من الرِّصاص تحت المرمر في أرضيَّة الحمَّامات مزوَّدة بالماء السَّاخن لتدفئتها، وجهزت برشاشات للماء، ويمكنك التَّحكُّم بالحرارة أثناء خلط الماء السَّاخن والبارد، فهيَّا ادخلا الحمَّام وانعما بألذِّ استحمام لا يمكن توقُّعه.
    دخلنا الحمَّام فكان كما قالت كلوديا، وخرجنا منه إلى الفراش، وغرقنا بنومٍ عميق.

    قصر ألفونسو في برشلونة
    الصور المرفقة  

  9. #39
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    3

    ليوناردو

    صباح اليوم التَّالي وبعد إفطار سريع خرجنا إلى البهو فإذا هو مكتظٌّ بالموظَّفين، قال ألفونسو:
    - تعالا، للتَّوقيع.
    - سيِّدي لديك هنا أخت رائعة وابن أخت، فلم لا تعطيهما أملاكك هنا، فلا أعتقد أنَّ هذا يرضي شعبك.
    - بل يرضيه، وتملك أختي وزوجها ما يزيد عن حاجتها لألف جيل. ولا يحقُّ لك أن تعاندني في كلّ ِمرَّة، فوقِّع ولا تسأل.
    كان هذا بمثابة أمرٍ عسكريٍّ لا بدَّ من تنفيذه، وكانت أملاك ألفونسو في إسبانيا تفوق تلك الَّتي في إيطاليا.
    - سيِّدي إلى أين ستقودنا هذه الأملاك؟.
    - إلى حيث وجدت، وهي هنا في كتلونيا وأراغون ومدريد وهي في لشبونة بالبرتغال، وأعظمها قيمة موجود في الأندلس.
    - ستطول بنا الرِّحلة إذاً؟.
    - نعم، وأعلم أنَّك في شوق لزيارة صيدا، وسيكون ذلك بعد انتهاء الأمور هنا.
    نعمنا بإقامة رائعة في برشلونة، وكان القصر يجثم على هضبة تشرف على المدينة بأكملها وعلى البحر، وكانت المناظر خلاَّبة، والزُّهور في ريعانها والبلابل والعنادل والعصافير تملأ الدُّنيا غناء وألحاناً، وكان نسيم آذار العليل يهبُّ منعشاً موحياً بالكسل والرَّاحة.
    على مائدة الغداء تخلَّفت عنَّا أميليا في القصر، واحتجَّت بأنَّ لديها أشغالاً كثيرة تتعلَّق بثياب ألفونسو وتحضيرها، وفهمت من نظرتها أنَّ السَّبب الحقيقيَّ يكمن في أنَّها تجد نفسها زيادة على الحضور، وقد استقبلنا على باب القصر المبنيِّ على الطِّراز العربيِّ الأندلسيِّ جميع أفراد العائلة، السَّيِّدة وزوجها وولدها وصبيَّةٌ حسناء تنطق حسناً وجمالاً.
    عرَّفتني عليها الكونتيسة قائلة:
    - هذه ابنتي الكونتيسَّة روزالينا، غادة برشلونة وملكة جمالها.
    - إنَّها كذلك وأكثر يا سيِّدتي .
    - ولكنَّها نمرة مفترسة فاحذر منها.
    قالت كلوديا:
    - بل إنَّها أختٌ حبيبة، وهي أجمل من أن تعجب بمثلنا.
    - هذا كلامٌ مصطنع يا كلوديا، فمنذ وجدت الأشياء كانت ذكراً وأنثى، وعندما يجتمعان تزول الألقاب والحدود، ويبقى بينها ما هو متعطِّشٌ للتَّكاثر والنَّماء.
    قال ألفونسو وأخفى تضايقه:
    - ألا تظنِّين أنَّ هذا الكلام فاحشٌ بعض الشَّيء يا عزيزتي؟.
    - أعيذك يا ألفونسو أن تكون أوروبا قد بدَّلت طبعك الواضح الصَّريح، وغطَّته بملاءة من التَّزييف تحت ستار اللِّياقة وحسن التَّصرُّف، فهما ونحن والنَّبات والحيوان ذكرٌ وأنثى، وهما دائماً في تعطُّشٍ وشوق.
    - بل إنَّهما ولداي يا إيزابيل، يحبَّان بعضهما، ولا أريد لهما الانصراف عن ذلك.
    - والله يا ألفونسو إنَّني أحببتهما وكذلك زوجي وابني، وستكون ابنتي أكثر تطلُّعاً إلى صداقتهما.
    - أنا لا أشكُّ بذلك.
    دخلنا إلى القصر الرَّحب بكلِّ ما في الكلمة من معنى، حدائق وبساتين، ومضمار جري ودور للخدم والحشم، ومفرزة حراسة في ركن قصيٍّ، وحظائر للخيول، كلُّ هذا يشير إلى الإقامة الدَّائمة وإلى غنىً وأصالة.
    في البهو الكبير جلسنا على مقاعد وثيرة تحيط بنا لوحاتٌ لرسَّامين إسبان، تختلف بعض الشَّيء عن أساليب فنَّاني أوروبا، كانت اللَّوحات خالية من الفلسفة والدِّراسة العقلانيَّة، وكانت تتناغم مع الضَّوء وتجعله أداة في يد الرَّسامِّ، وكانت متأثِّرة بالفنِّ العربيِّ وخاصَّة الزَّخرفات والتَّوريقات والأرابيسك من التَّعشيقات والرَّسم الهندسيِّ.
    وعلى طاولة الغداء تكلَّمَ الكونت ليوناردو قائلاً:
    - سمعنا يا سيِّدي بتفاصيل رحلتك في إيطاليا، وما حدث في جنوة ثمَّ روما، وتوقَّعنا من حلمك ولطفك أن تقبل إعلانك إمبراطوراً على أوروبا، وكم هي في حاجة الآن لمن يوحِّد صفوفها، وقد خاب أملنا لرفضك الفكرة.
    - أنت عاقلٌ يا ليوناردو وتعرف أنَّ أغلب حكَّام أوروبا هم من سلالتنا، ففي ألمانيا الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة المقدَّسة، وبماذا هي مقدَّسة؟!. إنَّ هذا يعطيك فكرة عن تطلّعات الألمان وآمالهم، وفي فرنسا عائلة لويس الَّتي جعلت همَّها مناجزة إنكلترا العداء، وفي النَّمسا بلاد أجدادنا نظامٌ مختلفٌ مستقرٌّ، وعلى صقلية قريبنا ألفريد، ونحن هنا نتطلَّع إلى مستعمراتنا في أمريكا الجنوبيَّة، والإنكليز والفرنسيِّون إلى مستعمراتهم في أمريكا الشَّماليَّة، وغداً ستختلف المصالح، وسنعود للقتال في مكان ما، يا معالي الكونت لكي تتوحَّد البلدان وتستمرُّ وحدتها يجب عليها أن تكون مهيَّأة لذلك، وأوروبا ليست مؤهَّلة حاليَّاً، وذلك بسبب تعارض المصالح، أتريدني أن أوحِّد بلاداً، لا تلبث أن تختلف وتنفصل ثمَّ لا تتَّحد أبداً، دع يا ليوناردو الشُّعوب توحِّد بلدانها، لأنَّها وحدها تقدِّم التَّضحيات، فنحن طبقة الحكَّام نتبع مصالحنا وجيوبنا بدلاً من قلوبنا وعقولنا.
    - عفوك يا سيِّدي فقد أوجزت وكانت وجهة نظرك كما يبدو لي محقَّة تماماً.
    قال فرديناندو الشَّاب:
    - نعم يا أبتاه هذا الإمبراطور ألفونسو ولو لم يكن معلناً، إنَّه يختزل الفرنجة كلَّهم في شخص، ويفكِّر في الجميع وعنهم.
    قالت لي كلوديا:
    - لقد انفردت بي روزالينا وأسرَّت بأنَّني محظوظة بك، وقالت إنَّها لمَّا رأتَّك أحسَّت برعشة في جسمها وشفتيها، وأنَّها همَّت بتقبيلك، ثمَّ أنَّها امتنعت من ذلك لشعور داخلها بأنَّ هذا ليس من حقِّها، وأحسَّت بعدها بالخجل والتَّضايق من نفسها.
    - لو أنَّها فعلت لأحرجتني وأحرجت نفسها، ولكان المنظر مضحكاً.
    - إنَّها فتَّانة وجريئة.
    - والله يا كلوديا أنت أغلى عندي وأجمل وألطف من جميع النِّساء، وسرعان ما ستجد روزالينا فتى أحلامها وتعرف سخافة الأحاسيس الَّتي حدِّثتني عنها.
    كنا جميعاً بما في ذلك أميليا نجيد اللغة الإسبانيَّة، فقد كانت أراغون جوهرة أوروبا، وفي صالوناتها لا تتحدَّث إلاَّ الإسبانيَّة، وقد كانت قريبة من الإيطاليَّة مع طابع فنِّيٍّ مميَّز.
    كان الطَّعام شهيَّاً وكانت المائدة عامرة بالأسماك والمحَّار والأعشاب البحريَّة، وأنواع الطَّعام اللَّذيذ الطَّيِّب، وكانت العائلة في تمام السَّعادة والحبور، والسَّيِّدة إيزابيل في أحسن حالاتها، سيِّدة ذكيِّة خفيفة الظِّلِّ، وقد بان عليها الانشراح الكبير في هذا اللقاء، وتحدَّثت مع ألفونسو عن طفولتهما، وذكرى أبويهما، وعن فيليب الأليف الحبيب، وقالت:
    - إنِّني أحبُّه كثيراً وأحبٌّ زوجته تيريزا، كم هي لطيفة ولبقة، وأحبُّ ولديهما ألفونسو ورافاييل، ونجد دائماً فيليب مكتمل الوفاء والمحبَّة، ورغم مشاغله الكثيرة، ورغم المشقَّة والبعد فإنَّه يتفقدُّنا ويخصُّنا كل عام بالزِّيارة مرَّتين، ويتصرَّف وكأنَّنا نحن ضيوفه، ما أروعك يا فيليب.
    - نعم إنَّه نسخة منِّي، وأنا أفدِّيه.
    - لا أحدٌ نسخة منك يا سيِّدي الإمبراطور، وجميعهم يقلِّدونك، فيقتربون منك حسب نظافة قلوبهم .
    كان الحديث ممتعاً بالنِّسبة إلى ليوناردو الَّذي على ما يبدو أنَّه كان من أعزِّ النَّاس على ألفونسو، لقد نطقت عيناهما بالمحبَّة والاحترام، فقد كانا أصدقاء طفولة وشباب وكهولة، وكان ليوناردو رجلاً محبوباً في إسبانيا، ويتمتَّع بثقة مطلقة من ألفونسو وفيليب، وكان معروفاً في أوروبا وقد نشط كثيراً في سفاراته بين الملوك، ولكرامته وجاهه كان يستقبل بشكل رسميٍّ، وتعقد معه طاولة المفاوضات، وتوقَّع الاِّتفاقات وتنظَّمُ محاضر الجلسات، وحينما يختلف حاكمان في أوروبا كان ليوناردو يعمل كوسيط للصُّلح وإزالة الخلاف.
    لقد كانت الجلسة ممتعة، كما كان الطَّعام شهيَّاً، وبعد الغداء نعمنا بحديث ممتع شارك فيه فرديناندو وروزالينا، وفتحا موضوعاً غاية في الأهميَّة.
    قال فرديناندو:
    - إنَّنا نواجه هنا في إسبانيا مشكلاً يجب حلُّه، فرغم مرور زمن طويل على انتهاء الحكم العربيِّ هنا فما زالت البصمات العربيَّة هي الطَّابع المميَّز الغالب على البلاد. وإذا كانوا قد رحلوا، ولنقل انتهى حكمهم، إلاَّ أنَّ الرُّوح العربيَّة ما زالت تسيطر على الوطن وحتَّى النَّاس في بيوتهم وطعامهم وحديثهم.
    قال ألفونسو:
    - وما الضَّير في ذلك يا بنيَّ؟.
    - نحن شباب أوروبا نبحث عن وحدة أقطارها، ونرى في هذا التَّباين مانعاً يحول دون هذه الوحدة.
    - لماذا؟.
    - نحسُّ بالاختلاف في الشَّخصيَّة والسُّلوك، إضافة إلى الأصول واللغة.
    قالت روزالينا:
    - هذا موضوع خلاف دائمٍ بيني وبين فرديناندو يا خالي فافت بيننا به.
    - أنا لا أجد لهذا الَّذي تتحدَّث عنه يا فرديناندو أيِّ تأثير على مستقبل وحدة أوروبا، ولا أراه إلاَّ غنىً في الأقاليم.
    قالت روزالينا:
    - كنت دائماً أقول له ذلك، وسنجد هذا في مختلف الأقطار الأوروبيَّة، ولن تجد قطراً لم تؤثِّر به حضارة ما، وليست الصِّبغة الأوروبيَّة هويَّة ثابته، بل ليس الإنسان إلاَّ مجموعة من التَّفاعلات والتَّجارب، ولن تجد إنسانين قد نسخا على هويَّة ثابتة، وأرى يا خالي أنَّ الحديث بين أقطار أوروبا بلغة المصالح هو الأجدى، ولا يجب أن تستأثر دولٌ معيَّنة منها إسبانيا بالمنفعة دون غيرها، ولكي توحِّد الأقطار وتستمرًّ هذه الوحدة لا بدَّ من التَّوزيع العادل للمنافع بين كلِّ الأقطار الموحَّدة.
    أجاب ألفونسو:
    - يا فرديناندو أنت تريد أن توحِّد الأقطار أو الأشخاص؟.
    - بل الأقطار، ولكنَّ هذا التَباين في الثَقافة سيجعل الوحدة مجزَّأة بشكل ما.
    - يا بنيَّ، لقد زرت مدناً في إسبانيا، ألم تجد أنَّ لكلِّ مدينة طابع مميَّز؟.
    - بلى يا سيِّدي ولهجة مختلفة، وربَّما لغة مختلفة .
    - أليست كلُّها موحَّدة في الاتِّحاد الإسبانيِّ؟.
    - نعم ولكَّننا هنا نعاني من هذا الاختلاف، وكأنَّك في بلد آخر.
    - هذا غنىً يا بنيَّ وليس اختلافاً، إنَّه كالفتيات، ما بين سمراء وشقراء وطويلة ومعتدلة وجميلة وأقلّ جمالاً .
    قالت روزالينا:
    - هذا ما نتحدَّث به دائماً، ويريد فرديناندو أن نعود إلى اللغة اللاتينيَّة العاجزة، وهي لا تفي بمتطلَّبات الحياة والدُّول.
    - جميع اللُّغات الأوروبيَّة لاتينيَّة الأصل.
    لم أحاول التَّدخُّل في الحديث لحساسيَّته، ولكنَّ فرديناندو نظر إليَّ قائلاً:
    - ما رأي ابن خالي في الموضوع؟.
    فأجبته:
    ـ عندنا في بلاد الشَّام توجد لهجات مختلفة يعرف بها موطن المتحدِّث، وهناك مناطق وأنظمة مختلفة ضمن إطار الدَّولة، ولا نجد هذا عائقاً أو مانعاً من بقاء الدَّولة موحَّدة، وأرى أنَّ توحيد الاقتصاد والنَّقد ثمَّ السِّياسات الخارجيَّة كاف لاتِّحاد الدُّول واستمرار هذه الوحدة.
    قال فرديناندو:
    - وكيف تستمرُّ الدَّولة رغم الفروق الاقتصاديَّة بين شعوبها.
    - أعتقد أنَّه في الوطن الواحد توجد مقاطعات غنيَّة وأخرى فقيرة، فليس هذا الأمر من شروط الوحدة ولكنَّه من متمِّماتها، وسيكون همُّ الحكومات المحلِّيَّة والمركزيَّة مساعدة هذه الأقاليم الفقيرة على النُّهوض، وسيكون تحت تصرُّف الدَّولة مقوِّمات ذلك.
    قالت السَّيِّدة إيزابيلاَّ:
    - إنَّك ابنه وتفكِّر مثله، وعقلك منظَّمٌ ومتجاوز للتَّفاصيل، وأعتقد أنَّك قادرٌ على أن ترث ألفونسو في كلِّ شيءٍ.
    - أشكرك يا سيِّدتي وأعتقد أنَّ هذا هو الإرث الحقيقيُّ الَّذي أحرص عليه .
    - والله لا تنقصك اللِّياقة أبداً وحسن الجواب.
    كانت كلوديا تجلس إلى جانبي صامتة، فنظرت إليها فهمست في أذني أنَّها خائفة من روزالينا، وأنَّها تنهشني بنظراتها، ولا تستغرب كلوديا أن تقوم إليَّ وتأكلني، فهمست في أذنها مطمئناً، ولكنَّها بقيت على تشاؤمها وتجهُّمها أيضاً.
    قالت روزالينا الَّتي انتبهت إلى وجه كلوديا وتعبيراته:
    - لا تخافي يا كلوديا، والله لقد استحوذ جون على كلِّ انتباهي، ولكنِّي سعيدة لكما.
    ضحكت كلوديا شاكرة ثمَّ قالت:
    - بل إنَّني في موقف محرج نظراً لكرمكم ولطفكم، وأعتقد أنَّ جون في حرز حريز، وقد رأيت أميرات البندقيَّة حوله يحاولن النَّيل منه، لكنَّه بقي صامداً رغم الإغراءات.
    ضحك الجميع وخاصَّة روزالينا الَّتي حاولت كتم ضحكتها فلم تستطع:
    - والله يا كلوديا أراك وقد أكلتك الغيرة .
    - بل الحرص يا أختاه، وإنَّه وسموُّ الأمير كلُّ ما أملك، ومن دونهما حياتي هباء.
    - لا تخافي على ألفونسو ولا على جون، إنَّهما خيرة فرسان أوروبا، وأكثرهم نبلاً وشجاعة، ولا تلومي الفتيات، فإنَّ أيَّ فتاة تتمنَّى أن يكون جون لها.
    - أشكرك يا آنستي الجميلة وأتمنَّى لك اختيار أفضل شابٍّ في أوروبا فأنت تستحقِّينه.
    - لا تتمنِّي ذلك فربَّما كان جون أفضلهم.
    ضحك الجميع من هذا الحوار الموحي، وقالت الأميرة الأمُّ:
    - ابتعدا من هذا القتال الضَّاري ففي أوروبا من الرِّجال ما يكفي جميع نسائها.
    انفرد ألفونسو وليوناردو ودخلا غرفة مجاورة، وفهمت فيما بعد أنَّ الحديث دار حول البابا بول، وعن المؤامرة المعدَّة بالاتفاق مع الفرنسيِّين، وهدفها الأساس عزل إسبانيا وعائلة هابسبورغ، والهدف النِّهائي فصل إيطاليا عن مجموعة الدُّول المحيطة بها وهي الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة المقدَّسة في ألمانيا ومملكة النَّمسا وإسبانيا، وبالتَّالي تجزئة أوروبا أوَّلاً، ثمَّ الانقضاض على الممالك المتبقِّية
    الصور المرفقة  

  10. #40
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    4

    روزاليتا

    عدنا إلى القصر عند العصر بعد أن اصطحبتنا العائلة في جولة حول القصر، حيث الحدائق اللاَّفتة للنَّظر، وكانت تحتوي أنواعاً نادرة من الزُّهور لم نعتد على رؤيتها، فقد كان القرنفل موجوداً بجميع الألوان، فمنها الأسود والأبيض والكحليُّ والأحمر والزَّهريُّ والأصفر، وفي حوض الزَّنبق لم أر سابقاً زنابق سوداء، ولكنها هنا موجودة وفي غاية الرَّوعة والجمال، وشاهدنا في الاسطبل خير الخيول العربيَّة الأصيلة المنسوبة، وكان منها خيولٌ حمدانيَّةٌ، ملويَّة الأعناق ضامرة البطون.
    صعدت كلوديا إلى الطَّابق العلويِّ فتبعتها، ووجدتها تبكي، وحين سألتها عن سبب البكاء أجابت بأنَّها أرهقت من الغداء، وأنَّ روزالينا كانت تشكِّل لها كابوساً حقيقيَّاً، وقد شعرت بالغيرة الشَّديدة، ورغم أنَّها أنكرت ذلك إلاَّ أنَّها كانت تشعر بشيءٍ ثقيل يجثم على صدرها ويطبق على أنفاسها، بحيث أنَّها كادت تختنق.
    - مهلاً يا كلوديا، أنت حبيبتي، وكلُّ نساء العالمين لا تعني لي شيئاً، فلماذا هذه الغيرة؟.
    - لأنَّني أحسُّ يا جون أنَّك تكبر وأنَّني أصغُر، وقد تطوَّر الموضوع في نظري إلى رعبٍ حقيقيٍّ، فشابٌّ مثلك تتحدَّث عنه الكونتيسَّة بمثل هذه الطَّريقة يترجم ذلك عندي إلى خوفٍ ولوعة، وصرت أعاني من الوجد والغيرة، وكلٌّ منهما لوحده صعبٌ وقاتل فكيف إذا اجتمعا.
    - هوِّني عليك يا حبيبتي، واعتباراً من الآن سيتزايد هذا النَّوع من الإطراء، وربَّما من نساءٍ تفوق روزالينا، ويجب أن تكون ثقتك بي فوق هذا الأمر.
    - كنت صادقة معك تماماً يا جون، وسأحدِّثك بكلِّ ما يدور به خلدي، أو يتجوَّل في أعصابي.
    - حبَّذا يا حبيبتي لو ألغيت هذه الإحساسات وعدنا إلى طبيعتنا، فبعد أن تنهي هذه الجولة سنعود إلى باليرمو، ثمَّ سأذهب إلى صيدا وأعود بعد أيَّامٍ آملاً أن لا تطول.
    - وهذا هاجسٌ آخر، فلن أكون معك وأبقى مطمئنَّة عليك، وأعلم أنَّ البابا بعد وفاة لويس فإنَّه ربَّما سيطاردك، وسيكون خطراً عليك.
    - الله الحافظ يا كلوديا، وهو الَّذي يرعى خطانا، وعليه نتوَّكَّل وإليه ننيب.
    استدعاني ألفونسو قائلاً:
    - معكما يومٌ واحدٌ للتَّعرُّف على برشلونة، فسنغادر بعد غدٍ إلى سراقوسة. وأنتم تسمُّونها سرقسطة وهي عاصمة إقليم أراغون.
    وعدت ثانية لأجد كلوديا نائمة، فخرجت إلى الشُّرفة أراقب الغروب في برشلونة، وأحسست بعد قليل بيد كلوديا على كتفي، وجلست على الأريكة إلى جانبي، ثمَّ أغفت على كتفي، وبقيت ثابتاً في موضعي لكيلا أوقظها، ولكنَّها تحرَّكت ثمَّ قالت:
    - أنا لا أجد الطمأنينة إلاَّ بجانبك، وحين أكون معك أحسُّ بالرَّاحة، وحين تغيب أعود إلى وسوساتي ومخاوفي.
    - غداً سنتفرَّج على برشلونة، وبعد غدٍ سنغادر إلى سرقسطة.
    حينما هوت الشَّمس وراء جبال برشلونة، بدا البحر لامعاً لمدَّة قصيرة، وأشعَّة الشَّمس الباهتة تحوِّل سطحه إلى صفحة قريبة من البياض، وكانت الأمواج الرَّقراقة تصفِّق على صخور الشَّاطئ، وثمَّة صيَّادي أسماك قريبين يغنُّون للبحر، وابتدأ الأفق يظلم شيئاً فشيئاً، وبدا القمر بدراً في شرق البحر، وأخذت أشعَّته الفضِّيَّة ترقص مع أمواجه، وتتلألأ فوقها، ما أجمل بزوغ القمر في برشلونة، على عكس ما يبزغ في صيدا وباليرمو، فهناك يبزغ من وراء الجبال، وتحسُّ بأنَّه هنا أكبر منه هناك، وأنَّه يبزغ من أجلك، ويختصكَ بهذا المهرجان الرَّائع من الأنوار الفضِّيَّة اللَّطيفة .
    وكانت كلوديا تراقب المنظر وعيناها دامعتان من السَّعادة والفرح، قالت وهي ترقب البحر والقمر يلهوان معاً:
    - انظر يا جون إلى الأنس بينهما، كأنَّهما يتحدَّثان بلغة نحسُّ بها ولا نفهمها، وأيُّ حوار هذا الَّذي بين القمر والبحر؟.
    - لعلَّهما يتشاوران ويتساءلان عمَّا إذا كان في الوجود امرأة أجمل أو أذكى أو أحب من كلوديا.
    ابتسمت كلوديا راضية عن هذا الإطراء ودخلنا لنغرق في سبات عميق لم نستيقظ إلاَّ صباح اليوم التَّالي.
    نزلنا وتناولنا طعام الفطور، قالت أميليا:
    - لقد بدا سموُّ الأمير منشغل البال، وكان يتمتم كلمات لم أفهمها.
    ردَّ ألفونسو:
    - لقد أحرجتني روزالينا كثيراً البارحة، إنَّ هذا الجيل لا يعرف ماذا يريد، ولم أجد مبرَّراً لتصرِّفها. ولقد تفقَّدتكما في المساء فلم أجدكما. ويشغل بالي سفر جون إلى صيدا، فإنَّني أخشى عليه من البابا وقراصنته من الفرسان الفرنسيِّين الجوَّالين في عرض البحر، وأعتقد أنَّني فور عودتي إلى باليرمو سأطلب إلى الفرسان تعقُّبهم وتدميرهم في عرض البحر، إنَّ هذا الأمر لم يعد محتملاً.
    قالت كلوديا:
    - لا عليك يا سيِّدي الأمير، إننا نحن النِّساء نحبُّ العبث بمشاعر بعضنا، وإنَّها لفتاة جريئة وجميلة. وربَّما كانت صادقة وصريحة.
    قال ألفونسو:
    - ليس هذا موضع الصَّراحة يا ابنتي، وإنَّني أؤمن بعقلك الرَّاجح، وبإخلاص جون.
    - لا شكَّ في ذلك يا سيِّدي.
    بعد الإفطار تجهَّزنا للخروج نتطلَّع إلى الأماكن الأثريَّة، ونتجوَّل في الأسواق والمنتزهات، وصحبنا معنا أميليا، فقد أرادت كلوديا أن تتسوَّق لها بعض الثِّياب الكتلونيَّة الشَّهيرة، وبعض الحلى المطعَّمة بالعقيق والأحجار الكريمة النَّادرة، والأحذية الإسبانيَّة المصنوعة بحذر وإتقان.
    ولا حظت أنَّ هناك من يراقبني، فاختبأت على طرف زاوية وفاجأت الرَّجل، وقبضت على يده:
    - ماذا تريد؟.
    - مهلاً فإنَّك تكسر معصمي، لقد أرسلنا سيِّدي ألفونسو لنظلَّ قريبين منك.
    - إذهب بدون أن تلاحظ السَّيِّدتان ذلك.
    - أمرك يا سيِّدي.
    في برشلونة توجد كاتدرائيَّة من أهمَّ الكاتدرئيات في العالم، وقد بنيت على الطِّراز القوطيِّ المطعَّم، وكانت العمارة العربيَّة قد تركت تأثيراتها على مختلف المناطق الإسبانيَّة، وحتَّى إذا استقدِم البنَّاؤون من بقيَّة بلدان أوروبا فإنَّهم ما أن يطَّلعوا على العمارة العربيَّة وأنظمتها في المداخل والنَّوافذ والتَّوشية في الدَّاخل، والتَّعشيقات الهندسيَّة المتشابكة، والأعمدة النَّحيلة المقوَّاة بالحديد والرَّصاص، حتَّى يراجعوا تصميماتهم ويدخلوا عليها هذه العناصر الجديدة، وقد بدا ذلك واضحاً جدّاً، وتتمتَّع برشلونة بمنتزهات واسعة جيِّدة التَّرتيب، وقد زرنا القلعة الَّتي بناها الخليفة أبو عامر المنصور، وكانت كبقيَّة قلاع العرب في صقلية وجنوب إيطاليا، وكانت القلعة قد حوِّلت إلى متحف، يطوف به الزوَّار ليتصفَّحوا العصور الَّتي مرَّت على هذه المدينة الجميلة.
    تبضَّعت النِّسوة من سوق القماش والذَّهب، ورأيتهما تضحكان وهما تتطلَّعان إليِّ، ثمَّ عدنا إلى القصر، وأخذت النِّسوة يعددن العُدَّة للرَّحيل.
    حضرت أسرة ليوناردو في المساء، وقد انتحت روزالينا بكلوديا جانباً، ودار بينهما حديث طويل، وبدت كلوديا في قمَّة سعادتها، وكأنَّ روزالينا قد أزالت شكوكها، ثمَّ عادتا إلينا وهما مستبشرتان سعيدتان، وفي جلسة وداع حزين تحدَّثت السَّيِّدة إيزابيلاَّ عن مقدار افتقادها لأخيها، وأنَّها تتطلَّع إلى يوم يستقرُّ فيه لتقيم معه بعض الوقت، وبدا ألفونسو متأثِّراً بهذا اللقاء الحزين، وبعد كأسين أو ثلاثة من الخمر الإسبانيِّ المعتَّق عشرين عاماً، قال ليوناردو الَّذي كان متحفِّظاً بطبعه:
    - ليت العرب بقوا هنا يا ألفونسو، فقد كانت إسبانيا في عهدهم مباركة موحَّدة، والآن ما عاد في إسبانيا مقاطعة إلاَّ وتريد أن تستقلَّ، ولا ماركيز أو كونت إلاَّ ويظنُّ نفسه مؤهَّلاً لحكم العالم، في حين تعاني الشُّعوب من الفاقة والفقر، ويحصد الطَّاعون ما تبقَّى من الأمن والأمل.
    قال ألفونسو:
    - من يستطيع أن يُعيد عجلة التَّاريخ إلى الوراء يا ليوناردو، هذا هو الحال دائماً، حضاراتٌ تنمو وتزدهر، وأخرى تضمحلُّ وتتوارى فيقرأ تاريخها من آثارها، وإنَّ المستقبل لأوروبا إذا تعقَّل حكَّامها. وأحسنوا إدارة الدَّفَّة بالاتجاه الصَّحيح.
    ودَّعنا ليوناردو وعائلته، وغادرت السَّيدة القصر باكية تمسح دموعها، وقال ألفونسو وهو يودِّعها:
    - في الصَّيف القادم سنستقبلكم في البندقيَّة، ولفترة طويلة لا أريدها أن تنتهي.
    قالت روزالينا:
    - على أن أنام في حضن ابنك السَّاحر.
    - تبَّاً لك يا روزالينا، وكأنَّك ستصبحين ملكة في يوم من الأيَّام.
    - آمل ذلك.
    كان الوداع حزيناً، وكان ألفونسو يبدو مستاءً من هذا الفراق، فإيزابيلاَّ أخته الوحيدة، وقد قضت قسماً من وقته معها في بريشتيا عند والديهما، ثمَّ خطبها ليوناردو وأحضرها إلى برشلونة، وأحسَّ ألفونسو بالوحشة بعد زواجها، ولكنَّ مشاغله ألهته، ثمَّ منظَّمة الفرسان، وأقام في صقلية وتزوَّج ماري وأنجب جين، وبعد وفاة جين جاءت إيزابيلاَّ وأقامت معه فترة من الزَّمن، وأعادها إلى برشلونة وأقام عندها أيَّاماً وعاد إلى باليرمو، حيث استدعاني مع كلوديا وأجبرنا على الإقامة معه.
    وها هو الآن ينتقل بين بلدان إسبانيا متنازلاً عن أملاكه لشابٍّ غريب ليس من أبناء جلدته، وكم كان أفضل له أن يكون له شابٌّ مثلي يرثه ويحافظ على أملاكه وتاريخه.
    الصور المرفقة  

صفحة 4 من 5 الأولىالأولى ... 2345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •