صفحة 5 من 5 الأولىالأولى ... 345
النتائج 41 إلى 49 من 49

الموضوع: بربر باشا .. رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

  1. #41
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    5


    قصر الجعفرية في سراقوسة

    كان الطَّريق إلى سرقسطة طويلاً يمتدُّ إلى مائتي ميل، وكان يجب أن نسير بمعدَّل سبعين ميلاً كلَّ يوم، وقد اختار بدرو الخيول من الفصيلة الإسبانيَّة الجبليَّة ذات الشَّعر الكثيف، وهي بين الخيول الأصيلة والبغال، وانتقى الحوذيَّين من خيرة رجاله، كما كانت العربتان جديدتين وقد صنعتا بشكل جيِّدٍ مريح، وكان فرشهما مميَّزاً وقال بدرو وهو يودِّعنا:
    - أتمنَّى لكما رحلة موفَّقة، وقد أخبرت إبراهيم بأن يكون جاهزاً لاستقبالكم.
    - أشكرك يا بدرو.
    كان بدرو هذا غرناطيَّاً واسمه بدر، وهو من أصولٍ عربيَّة ارستقراطيَّة، وكان ألفونسو يختار مواطنيه الغرناطيِّين، ويفضِّلهم على غيرهم في العمل لديه، وقال لي مرَّة:
    - إنَّهم مخلصون في عملهم وشجعانٌ جدّاً إذا اقتضى الأمر، ولديهم تمسُّكٌ بالشَّرف والكلمة والوفاء بالعهد، وهي شروط تقلُّ أو تكثر في غيرهم، لكنَّهم يبزُّون الجميع بمجموع تلك الصِّفات، وتذكُر وليد في جنوة وإيطاليا، لعلَّ عرب إسبانيا أفضل العرب، فقد تركوا صحراءهم وأوغلوا ضاربين في الأرض معهم سيفٌ وحصان وكتابٌ وعلمٌ وفصاحةٌ، حتَّى وصلوا إلى الأندلس، بل عبروا البيرنيه إلى فرنسا ولو تمَّ لهم استكمال النَّصر في معركة بواتييه لتغيَّر وجه أوروبا والعالم.
    - هذا هو التَّاريخ يا سيِّدي، تحمل أمَّة ما مشعل الحضارة لفترة تطول أو تقصر، ثمَّ تضعف الأمَّة وتتهاوى، لتحمل المشعل أمَّةٌ أخرى، هذه حتميَّة التَّاريخ يا سيِّدي.
    ما زلنا في بداية شهر آذار، وأنفاس الرَّبيع المبكِّر تموج بها التِّلال، وقد أزهر السِّنديان مبتدئاً رحلته الجديدة لتشكيل ثماره، وأخذت أوراق البلًّوط تنمو لتكتسي أشجارها بأوراق نديَّة خضراء، تتخذها العصافير منابر للغناء، ومكاناً عالياً لأعشاشها، وهناك بين جذوع الأشجار بعض بنات عرس تروح وتغدو وتصعد أعالي الشَّجر وتهبط منها، وجداول الماء الهابطة من جبال البيرينيه ومجاري الأنهار المتدفِّقة عبر شلاَّلات صغيرة أو كبيرة تهدر في سرير الوادي.
    كانت النُّزُل هنا في أسبانيا أكثر رحابة من تلك الَّتي في إيطاليا، ولم تكن قديمة جدّاً، وكان سقفها مغطَّىً بالقرميد، وسقوفها منخفضة نسبيَّاً، وكانت مؤلَّفة من طابقين، الأرضي يحتوي على مطعم وساحة أمامه وفي الخلف إسطبل للخيول أمامه موقف للعربات، أمَّا الطابق الثَّاني فقد كان فندقاً نظيفاً نوعاً ما.
    وكنَّا نسير كلَّ النَّهار ونتوقَّف كلَّ الليل، وبعد أربعة أيَّامٍ وثلاث ليالٍ وصلنا إلى سرقسطة، كان الوقت قبل المغيب، وبدت سرقسطة وكأنَّها صورة علِّقت على جدار، أو حلم يشمله الضَّباب، وقد دغدغه النَّدى المتشكِّل عند الغروب.
    نزلنا في فندق متوسِّط الضَّخامة كان قصراً فيما مضى، وقد استقبلنا مدير الفندق بالتِّرحاب باسم الثَّغر طلق المحيَّا، وعليه أمارات الرَّفاه والشَّرف:
    - أهلاً بإمبراطورنا الحبيب، وسيِّد أوروبا كلِّها، حللت أهلاً ووطئت سهلاً.
    - أهلاً بك يا إبراهيم، وكيف حال عائلتك؟.
    - بخير من خيرك يا مولاي.
    - وكيف مريم؟.
    - بألف خيرٍ يا سيِّدي، وما زالت تحمل وتنجب.
    - ما عدد أولادكما الآن يا إبراهيم؟.
    - أربعة ومريم حامل.
    - هذا جيِّدٌ يا ولدي. وما حال أبيك الأمير سليم؟.
    - إنَّه بخير وما زال يصيب قلب الرُّقعة من السَّهم الأوَّل، ويروِّض الحصان البريَّ بيوم واحد.
    - هذا ممتاز.
    تقدَّم بقيَّة العاملين في الفندق يسلِّمون على ألفونسو بصوت واحد:
    - يحيا إمبراطور أوروبا ألفونسو العظيم.
    دخلنا القصر وكان إبراهيم قد اعتذر عن استقبال الزُّوَّار منذ عدَّة أيَّام، فقد أخلى الفندق، وكنَّا نزلاءه الوحيدين، وصعدنا إلى جناحنا لننعم بقسط من الرَّاحة، وكانت كلوديا مستبشرة ضاحكة رغم إرهاق السَّفر، وكأنَّها اعتادت عليه.
    قالت:
    - أنا يا جون بحاجة لأن أنام في حضنك عدَّة ساعات، وإَّنني أحسُّ بجوع عاطفيٍّ، وشبق مدغدغ.
    - هذا جيِّد، ولكنَّني جائع، وعصافير بطني لا تكفُّ عن الزَّقزقة، فدعينا نأخذ حمَّاماً دافئاً أوَّلاً .
    - دخلنا الحمَّام، ثمَّ اقترحت النُّزول إلى البهو، لكنَّها قالت:
    - دعنا نتمهَّل بعض الوقت، فربَّما ارتسم الحمَّام على وجوهنا، ونحن لا نريد أن تعلِّق أميليا على ذلك.
    بعد ساعة تخلَّلتها إغفاءة قصيرة، نزلنا إلى البهو، وقد كان خالياً، وأقبلت نادلةٌ فتيَّة تسألنا عمَّا إذا كنَا نرغب بتناول كأس من خمر أراغون المعتَّق.
    - نعم ونكون شاكرين.
    استدارت النَّادلة ذاهبة، فقلت لكلوديا:
    - انظري يا كلوديا، إنَّ هذه النَّادلة تشبهك، وبشكلٍ غير مألوف.
    - نعم لقد لاحظت ذلك.
    عادت النَّادلة تحمل زجاجة من النَّبيذ، وعدَّة كؤرس وضعتها أمامنا، في حين سمعنا خطوات أميليا وراءنا تهبط السُّلَّم.
    قالت كلوديا للنَّادلة:
    - ما اسمك أيُّتها الصَّبيَّة؟.
    - أنا فرانشيسكا يا سيِّدتي .
    - فرانشيسكا من؟.
    - فرانشيسكا لوبيز.
    - ووالدتك ما اسمها؟.
    - اسمها داليا يا سيِّدتي.
    - أليس لديك أقرباء؟.
    - كانت والدتي تقول: إنَّ لها أختاً في البندقيَّة اسمها ناريمان، وزوجها اسمه جوزيف وهو ربَّان سفينة.
    - وما هو موطنك؟.
    - أنا من غرناطة.
    - أليس لك فيها أقارب.
    - كانت والدتي تقول بأنَّ أقربائنا هاجروا إلى المغرب.
    - وأين والدتك الآن؟.
    - ماتت منذ زمن.
    - هل لديك إخوة؟.
    - نعم فأخي وليد يدير الأسطول البحريَّ لمولاي ألفونسو في جنوة.
    - ولماذا تعملين نادلة.
    - أنا أعمل هنا محاسبة للفندق، ولم أجد نادلة في خدمتكم فلبست هذه من المكتب وجئت ألبِّي طلباتكم.
    - ألم تحدِّثك والدتك عن خالتك أبداً.
    - قالت إنَّها رزقت بفتاة سمَّتها كلوديا، ثمَّ بعد ولادة الفتاة توفِّيت خالتي.
    ثمَّ ذهبت فرانشيسكا، وفي طريقها وجدت النادلة قادمة:
    قالت النَّادلة:
    - عفواً يا آنستي، لقد دخلت الحمَّام مجبرة، وتأخَّرت.
    - في المرَّة القادمة أرسلي بديلاً عنك إذا أردت الخلوة.
    قالت أميليا:
    - ملعون أبي إذا كانت هذه الفتاة لا تمتُّ لك بصلة القرابة يا كلوديا.
    كنت أراقب كلوديا وهي تبتسم، ووجدَّتها تذهب من الممرِّ الَّذي دخلت منه الآنسة المحاسبة، وعلمت أنَّ كلوديا تريد أن تتعرف أكثر على نسيبتها الجديدة، وأنَّها لم ترض لها أن تكون محاسبة في هذا الفندق أو غيره، وربَّما بعد أن تتعارفا ستقترح عليها أن تلحق بها في البندقيَّة بعد أن تكتب لها في تاريخ لاحق.
    نزل ألفونسو إلى البهو بعد استراحة مهمَّة، وقال: سيكون علينا أن ننهي معاملاتنا هنا، لنتوجَّه بعد غد إلى مدريد.
    قالت أميليا
    - أرجو أن تراقبوا حالة كلوديا، وإنَّني أخشى عليها من المرض، فمن الصَّعب على فتاة في سنِّها أن تبذل هذا الجهد المتواصل، أم تريدون أن لا تنجب أطفالا.
    - بل نريدها أن تنجب الكثير من الأطفال يا أميليا. علَّقَ ألفونسو
    قالت أميليا:
    - هل تعلم يا سيِّدي أنَّ لكلوديا قريبة هنا، تعمل محاسبة في هذا الفندق، وأنَّها نسخة عن كلوديا.
    - من فرانشيسكا أليس كذلك؟.
    - هي بعينها وكأنَّها ابنة خالتها.
    - هذه أخت وليد، كيف ذلك أخبريني؟.
    - ووليد ابن خالتها أيضاً.
    أقبلت كلوديا مع الفتاة تتضاحكان، وقالت كلوديا:
    - ابنة خالتي فرانشيسكا يا سيِّدي الأمير.
    - لقد أحطت علماً بذلك، وإنَّني سعيدٌ لكما.
    - أشكرك يا سيِّدي، كما أن وليد ابن خالتي أيضاً.
    - علمت ذلك الآن.
    - ما رأيك يا جون؟.
    - أنا سعيد بذلك وأتمنَّى لها السَّعادة والهناء. كما أهنِّئك على وليد فإنَّه من أفضل الرِّجال الَّذين لقيتهم.
    جلست الفتاة خجلة، وقد رأيت سؤالاً في عينيها، وتكاد شفاهها تنطق.
    - ماذا وراءك يا فرانشيسكا؟.
    - خطر لي أنَّكما جون وكلوديا حبيبا أوروبا الشَّهيران.
    - نعم نحن هما، فحدِّثينا عنك؟.
    - إنَّني مازالت تأخذني المفاجأة السَّعيدة، وإنَّه ليشرِّفني أن أكون قريبة كلوديا وجون، فأنتما هنا علمان وعلى كلِّ لسان.
    قال ألفونسو:
    - نشكرك يا فرانشيسكا، ونحن جميعاً سعيدون بهذه القرابة المفاجئة، ونتمنَّى أن تصطحبي كلوديا إلى باليرمو ثمَّ ترافقينها إلى البندقيَّة كواحدة من أفراد العائلة.
    - إنَّه ليشرِّفني ذلك يا سيِّدي الإمبراطور، ولكنَّني أسألك أن تسمح لي بأن أعلم أخي، وبإمكاني أن أسافر إلى باليرمو إذا وافق، ولا أظنُّه إلاَّ ويكون سعيداً بذلك.
    - أهلاً بك يا فرانشيسكا في أسرتك الجديدة.
    بعد قليل جاء الموظَّفون وابتدأنا التَّوقيع على إجراءات نقل الملكيَّة، وبعد انصرافهم، نادى ألفونسو:
    - أين الطَّعام أيُّها البخلاء؟.
    أقبل إبراهيم مسرعاً.
    - إنَّه جاهزٌ يا سيِّدي فتفضَّلوا إلى غرفة الطعام.
    لاحظت أنَّ ألفونسو يستخدم العرب في أغلب أملاكه، وليس ذلك فقط، بل بالدِّفاع عنه، وقد رأيت وليداً في الرِّحلة بين جنوة وروما، وشاهدتهم وهم غارقون في الحديد، وعيونهم حمراء ووجوههم كأنَّها فلق الصُّبح، وقال لي ألفونسو:
    - إنَّني أفضِّلهم للأمانة والإخلاص، ولأنَّ فيهم شجاعة الصَّحراء وصدقها ووضوحها.
    وفي اليوم التَّالي تجوَّلنا في سرقسطة، وقد ارتكبت في إسبانيا جرائم بحقِّ الآثار العربيَّة، وحوِّلت المساجد إلى كنائس، والقلاع إلى حصون، والقصور إلى متاحف لا تحمل أيَّ إشارة إلى تاريخها وميِّزاتها، كان الأثر العربيُّ الوحيد الَّذي ما زال يحمل بصمات عربية في سرقسطة هو الجعفريَّة، وهو قصر كبير يقع في وسط المدينة إلى الجنوب من نهرها الكبير المسمّى نهر إبرو، وقد بنى هذا القصر المقتدر من بني هود، وهو أحد ملوك الطَّوائف.
    وكم شعرت بالأسى على انهيار هذا الصَّرح العظيم وتدمير حضارته، لقد كان الفرنجة أسوء الجناة على عظمة الأندلس الَّتي راعت حرمتهم، وكانت سبباً رئيساً في تقدُّمهم وتطوُّرهم .
    عدنا إلى القصر فوجدت ألفونسو وأميليا ينتظراننا في البهو، قال ألفونسو:
    - هل زرتما الجعفريَّة؟.
    - نعم.
    قالت كلوديا:
    - لقد شعرت بالحزن والأسى يا سيِّدي.
    - إنَّه كما تقولين وأشاركك الرَّأي، إنَّه التَّعصُّب الَّذي وراءه هذه المأساة، ومن المعيب ما فعله الفرنجة بهذه الحضارة الرَّائعة، لقد تصرَّفوا كهمج وغوغاء، والأدهى أنَّهم ما زالوا كذلك.
    الصور المرفقة  

  2. #42
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    6

    كلوديا في اسبانيا



    في صباح اليوم التَّالي توجَّهنا إلى مدريد، وإنَّ المسافة بين سرقسطة ومدريد مثل المسافة بينها وبين برشلونة، ولكنَّ الطَّريق هنا به الكثير من المنحدرات والهضاب المرتفعة، وبالحقيقة أنَّه شاقٌّ استغرقنا في تجاوزه خمسة أيَّام، ووصلنا في ظهيرة اليوم السَّادس، وكان بعض الفرسان ينتظرون على الطَّريق على مسافة ميلين من مدريد، وقد سبقنا اثنان منهم إلى مدريد، بينما رافقنا البقيَّة، وتقدَّم أعلاهم رتبة وسلَّم على ألفونسو بإجلالٍ بالغ، ثمَّ قال:
    - أرجوك يا سيِّدي أن تتوجَّه إلى القصر الملكيِّ، فجلالة الملك ينتظرك.
    وصلنا إلى القصر الملكيِّ وما أن وطئت قدما ألفونسو الطَّريق حتَّى أطلقت المدفعيَّة طلقات الاستقبال والتَّرحيب، وعلى باب القصر كان ينتظرنا الملك فيليب ومعه زوجته الملكة تيريزا وطفليهما، وكبار النُّبلاء والأعيان، وقد فرش الطَّريق بالرَّياحين والورود، وأقيمت فيه أقواس النَّصر المكلَّلة بالغار.
    كان العناق حاراً بين القريبين الأليفين، وأبدت الملكة كلَّ ترحيب ولياقة، وكانت امرأة جميلة وقورة، ثمَّ أدَّى الحرس الجمهوريُّ التَّحيَّة، وتفقد ألفونسو حرس الشَّرف الَّذي حيَّاه باسم إمبراطور أوروبا العظيم، ثمَّ صافح ألفونسو مستقبليه، وظهر أنَّ أغلبهم من أصدقائه الخلَّص، وأصفيائه ومحبِّيه، وبعد ذلك دخلنا إلى القصر. وفي ردهة واسعة جلس الجميع. قال فيليب:
    - نحن نعرف يا أخي أنَّ التَّعب قد أخذ منك مأخذه، ونريد أن تخلد إلى الرَّاحة.
    قالت تيريزا الملكة:
    - أهلاً بك يا إمبراطور أوروبا وسيِّدنا جميعاً، وسنكون سعداء بطول إقامتك، ونريد أن نستضيفكم خلالها.
    قال ألفونسو:
    - أشكركم فأنا أنتم وأنتم أنا. ونادى الطِّفلين فقبَّلهما بحرارة كأنَّهما ولداه، وقال:
    - ما زال في عائلتنا من يرث ملكنا ويكون كفئاً له. لقد اشتقت إليكم كثيراً، وأرجوكم أن تقبلوا عذرنا بالتَّوجُّه إلى قصرنا، فإنَّ رفقتي متعبون, وكان السَّفر شاقَّاً، وربَّما كان النُّزول في قصرنا أكثر راحة لهم.
    قالت تيريزا: لن أدعكم تذهبون حتَّى أتعرَّف على جون وكلوديا، فقمنا وتوجَّهنا إليها وعيون الحضور مسمَّرةٌ علينا، فسلَّمت بحرارة، واستقدمت بعض الموسيقيِّين وكانت قد أحضَّرتهم مسبقاً، فعزفوا أنشودة الحبِّ لأحد كبار موسيقيي أسبانيا.، وقالت:
    - أنتما أشهر حبيبين في أوروبا بعد روميو وجولييت، وستجدان في مدريد من يتتبَّع خطواتكما، فكونا على حذر.
    ثمَّ وجَّهت كلامها إلى كلوديا فقالت:
    - لعلَّك أجمل فتاة في أوروبا يا كلوديا، وإنَّ جون محظوظ بحبيبته الفاتنة.
    - أشكرك يا مليكتي على هذا الإطراء الَّذي سيدفعني لأن أستحقَّه.
    - هذا جواب السَّيِّدات الرَّاقيات، وكم أتمنَّى لكما التَّوفيق.
    ثمَّ نادتني الملكة فاقتربت منها، فقالت:
    - أنتما يا جون محظوظان، وقد سمعت عن بسالتك في غارات الفرسان، وقيل لي بأنَّ ثقافتك هامَّة، وأنَّك مضرب المثل في أوروبا، وأنَّك عربيُّ الأصل، وأنت يا ولدي تعرف أنَّ لنا تاريخاً مع العرب هنا، مليئاً بالهزائم والانتصارات، ولكنَّه أيضاً مليءٌ بالشَّرف والإباء والوفاء، وستحكم الأجيال القادمة على مأساتهم، لقد كانوا بنا أرحمَ بكثير مما كنّا بهم.
    - لستِ يا جلالة الملكة من أساء إليهم، وكذلك لستُ أنا من احتلَّ إسبانيا.
    ضحك الجميع من هذا التَّخلُّص، فقالت الملكة:
    - أنتم شعراء الدُّنيا ومتحدِّثوا آدم، فماذا أقول.
    - وأنا يا سيِّدتي صناعة ألفونسو العظيم إمبراطور أوروبا.
    - والله هذا هو الحوار المهذَّب والحديث الشَّيِّق.
    - أشكر جلالتك على لطفك الذَّائع الصِّيت.
    - لن أستطيع أن أباريك يا ولدي، ولا أعجب أن تهيم بك كلوديا.
    خرجنا من القصر الملكيِّ، وودَّعنا الحضور إلى باب القصر، حيث كانت العربة الملكيَّة في انتظارنا، تحيط بها كوكبة من فرسان أراغون الشُّجعان، وكانت أميليا قد سبقتنا مع العربات، وقد تسلَّقنا هضبة مرتفعة شمال مدريد حيث يجثم قصرٌ كبير وكأنَّه نسرٌ على جرف.
    كان في استقبالنا على باب القصر مجموعة من الموظَّفين تتقدَّمهم سيِّدة أنيقة تبدو عليها أمارات الثَّقافة والاحترام، وما أن نزل ألفونسو حتَّى أقبلوا عليه وحيَّوه فسلَّم عليهم بمودَّة ودخلنا إلى البهو لنجد أميليا في انتظارنا والتَّعب قد أخذ منها مأخذه، وظهرت عليها علائم المرض، فأسرعت إليها كلوديا وقالت:
    - كأنَّك مريضة يا أميليا، هيَّا معي نلتمس بعض الرَّاحة في جناحك.
    حاولت أميليا النُّكران لكنَّ كلوديا أجبرتها على الصُّعود معها، وبقينا نحن في البهو، وأقبلت مديرة القصر وقالت:
    - لقد أخذ منكم التَّعب مأخذه، ولعلَّكم يا جلالة الإمبراطور بحاجة إلى كثير من الرَّاحة أوَّلاً، وسيكون الطَّعام جاهزاً اعتباراً من هذه السَّاعة وقتما تريدون.
    - أشكرك يا فاتن وسنأخذ قسطاً من الرَّاحة أوَّلاً فجميعنا يحسُّ بالإرهاق.
    صعدنا إلى الطَّابق العلويِّ، ودخلت أعود أميليا فوجدتها قد نامت، وقالت كلوديا:
    - لعلَّه التَّعب وما أن تستريح حتَّى يعود لها نشاطها، فلا حرارة وقد ألمَّ بها ما يلمُّ بالنِّساء، وهي في نهاية الإرهاق.
    عدنا إلى جناحنا، ثمَّ دخلنا إلى الحمَّام لنعود بعده ونغرق في سبات عميق.
    استيقظت عصر اليوم أو بعده بقليل، وكانت كلوديا ما تزال في سبات عميق، ورحت أستطلع أجنحة القصر، ودخلت أعود أميليا فلم أجدها، وكذلك دخلت جناح ألفونسو فلم أجده، ثمَّ بحثت في الطَّابق الثَّاني الَّذي يضمُّ أجنحة متعدِّدة وفي كلِّ جناح مجموعة من غرف النَّوم في كلٍّ منها صالة متوسِّطة الحجم تقع في آخر الرِّواق، ويخرج منها إلى شرفة واسعة تتَّسع إلى حفل صغير، وبها مقاعد ومناضد وأرجوحات ومنصَّة عليها منظار مكبِّرٌ .
    وفي الطَّابق الثَّالث تتكرَّر الأجنحة تماماً كما هي في الطَّابق الثَّاني، وكان الخدم جوَّالين في هذه الأجنحة، كلٌّ في عمله الموكل إليه، وصعدت إلى السَّطح وهناك شاهدت المدينة تحتي وكأنَّني أنظر إليها من السَّماء، وبدت تفاصيل المنشآت القريبة، وباستطاعة المشاهد أن يرى كلَّ الأحياء والقلعة والسُّور ومجرى نهر مانزاناريس شريان مدريد الرَّئيس، وأن يراقب حركة الفرسان في القصر الملكيِّ منه وإليه.
    نزلت إلى البهو فوجدت الجميع قد سبقوني، كانت أميليا بحالة جيِّدة وما أن شاهدتني حتَّى قالت:
    - أراهن أنَّك كنت تتفقَّد القصر.
    - ربحت الرِّهان. ولعلَّ بعض الطَّعام ينعش ذاكرتنا، وأقول لك أوَّلاً الحمد لله على سلامتك.
    قال ألفونسو:
    - لا بدَّ لنا من السَّفر القريب، فإنَّ الدَّولة هنا ستنشغل بي، وستضجُّ أوروبا بذلك، وبما أنَّني لا أريد شيئاً من السُّلطة، فإنَّ مغادرتنا يجب أن تكون قريبة وبهدوء دون إعلان، وسأذهب إلى قصر الملك وحيداً، فإنَّني أخشى من تمتين صداقتكم مع تيريزا العزيزة، فتجبرنا على إطالة الإقامة، وأريد أن يذهب جون إلى صيدا ويعود، وآن الأوان أن أرى أحفادي وأقضي ما بقي من عمري مع من أحبُّ .
    قلت:
    - من الأفضل يا سيِّدي أن لا نرهق أنفسنا، ولعلَّنا قادرين على الذَّهاب بعد ثلاثة أو أربعة أيَّام، فإنَّ كلوديا بركتي ومناي، ولن نتسبَّب في مرضها وإرهاقها، وإن كان شوقي إلى صيدا يجمح بي ويأكل قلبي.
    - ما رأيك يا جون أن أذهب معك؟.
    نطقت كلوديا بهذه الكلمات الَّتي أثارت شجونها، فانفرطت دموعها حبَّات لؤلؤ على وجهها السَّاحر المورَّد.
    - لوحدي سيكون سفري آمن وأسرع، وستكونين في مأمن مع سيِّدي، فأتحرَّر في الحركة والتَّخلُّص، فإنَّني أخشى من مكائد البابا وهؤلاء الأفَّاقين الَّذين يجوبون عرض البحار.
    - قال ألفونسو:
    - إنَّ جون مصيبٌ تماماً، ولولا من معرفتي بأنَّ حياته لن تستقِّر حتَّى يتفقد أهله لمنعته من الذَهاب فأنا أخشى عليه من عيون البابا المندسَّة في كلِّ مكان.
    قالت أميليا:
    - إنَّها لمسألة معقَّدة لا يحلُّها إلاَّ العقل الرَّاجح والصَّبر.
    كنَّا متعبين، ونمنا نوماً عميقاً، استمرَّ حتَّى صباح اليوم التَّالي، فنزلنا إلى الصَّالة فوجدنا ألفونسو وأميليا ينتظران.
    بعد فطور خفيف تركنا ألفونسو قائلاً:
    - لا تنتظروني على الغداء فسأتناوله مع فيليب وعائلته، ولكن لا تخرجوا اليوم، فلدينا عملٌ كثيرٌ في المساء.
    كانت هذه إشارة لنقل الملكيَّة هنا، وقد تخمت بتوقيع الوثائق والأوراق، وكرهت هذا الشَّيء، فقد كنت أحبُّ البساطة ويكفيني القليل من كلِّ شيء.
    وقد قرأت كلوديا الامتعاض من هذا الشَّيء الكريه، إنَّ الغنى لوحده موبقٌ، فكيف الثَّراء الفاحش، وهو ما اعتبرته نقيصة في النَّاس. لكنَّ كلوديا صمتت ولم تنبس ببنت شفة، في حين قالت أميليا:
    - والله إنَّني أفهمك يا جون فأغلب الأغنياء أشقياء، وأغلب الفقراء أغبياء، وخير الأمور أوسطها.
    تجاهل ألفونسو تعليق أميليا، وخرج ممتطياً جواداً إلى القصر الملكيِّ، ولم يكد يخرج من القصر حتَّى حفَّت به كوكبة من فرسان الملك ورافقته إلى القصر الملكيِّ.
    وفور خروجه قالت كلوديا:
    - إنَّك يا جون لتزعج ألفونسو بدون أن تدري، وقد أفهمنا أنَّ الملكيَّة بالنِّسبة إليه أمانة وليس مكسباً، إنَّه مسؤول عن حياة الآلاف من النَّاس، وهو وليُّ نعمتهم وضمنهم الكثير الكثير من العرب، وهو بحفاظه على هذه الملكيَّة يؤمِّنهم ويمنع تشرُّدهم، إنَّ ألفونسو يقنع بالقليل، بل إنَّه صوفيٌّ زاهدٌ، وهذا الَّذي تراه في هذه الرِّحلة فرضته الظُّروف، وأراقبه في طعامه وملبسه، فلا أجد إلا رجلاً يكفيه أيُّ شيء.
    قالت أميليا:
    - أؤيِّدك وأشدُّ على يديك.
    نظرت إلى أميليا وكلوديا ثمَّ ضحكت.
    - تتحالفان عليَّ؟. فإذا كنتما كذلك فخذا أملاكه ولا تبلياني، فأنتما تعرفان أنَّني عشت متقشِّفاً أيضاً ويكفيني القليل، وإنَّ هذه مسؤوليَّةٌ كبرى لا أعلم إذا كنت أقدر على تحمُّلها فأفيها حقَّها.
    قالت كلوديا عابثة:
    - لا تهرب يا حبيبي فقد قضي الأمر وانتقلت إليك أملاك إمبراطور أوروبا العظيم.
    لم يعد ألفونسو طيلة النَّهار، وقد خرجت مع كلوديا نتنزَّه في حدائق القصر، والحقيقة أنَّني لم أكن سعيداً في مدريد، واعتباراً من هنا وباتِّجاه الجنوب سيكون الأمر مؤلماً، فقد تساقط هذا الصَّرح العظيم بسبب من رعونة الشَّخصيَّة العربيَّة، وانعدام التَّفكير الجمعيِّ، لقد لقد كان هناك خلافتان، الخلافة العبَّاسيَّة في بغداد وخلافة عبد الرَّحمن النَّاصر صقر قريش الأموية في الأندلس، ثمَّ تجزَّأت المملكة شأنها شأن الإمبراطوريَّة العربيَّة في المشرق، ووصلت إلى حكم ملوك الطَّوائف المستقلِّين، مما أدَّى إلى مزيد من الضَّعف والتَّمزُّق، فكانت لقمة سائغة بيد ملوك إسبانيا المتَّحدين، المدعومين من البابا وملوك الفرنجة.
    وسقطت الأندلس ومعها حضارتها العظيمة، الَّتي تحوَّلت إلى تراثٍ ثقافيِّ مترجم، أفادت منه أوروبا كلُّها، ومقابل ذلك عانى العرب من تزوير تراثهم، وحوِّلت المساجد إلى كنائس والقصور إلى متاحفٍ لغير الحضارة العربيَّة، وقتِّلوا وشرِّدوا.
    طالت إقامتنا في مدريد بعض الشَّيء بسبب ارتباطات ألفونسو في مدريد، ومنها مراجعة دخل أملاكه مع وكيله ومقارنتها باللَّوائح المعدَّة من قبل وكلائه في المدن، وكان وكيله العامُّ رجلاً كريها بكلِّ معنى الكلمة منظراً وحديثاً، وكانت حركاته المفتعلة مدعاة للاشمئزاز.
    كما أنه راجع الموقف السياسي مع قادة الجيوش واتفقوا على تدعيم سلطة الملك فيليب، ومراجعة المواقف الخاطئة السابقة، والإحاطة بالجنود الإسبان في أمريكا اللاتينية وبث روح الوطن الأم في الفرق الموجودة هناك.
    حينما عدنا إلى القصر كان ألفونسو يجلس مع إميليا على كرسيِّين متباعدين، فجلست كلوديا إلى جانبها وبقيت واقفاً.
    قال لي إلفونسو:
    - ما بالك يا جون؟.
    - ماذا يا سيِّدي؟.
    - أراك وكأنَّك قد مللت، وهذا ما لم ألاحظه عليك في مدن إيطاليا.
    - نعم يا سيِّدي، ولا أكتمك أنَّني حينما رأيت الجعفريَّة في سرقسطة احتقرت نفسي والعرب والإسبان.
    - لماذا؟.
    - عندنا في بلاد العرب صروح مسيحيَّة مهمَّة وأخرى رومانيَّة ويونانيَّة ومكدونيَّة وبيزنطيَّة، ومع ذلك بقيت كما هي لم يعتد عليها ولم تزوِّر معالمها، بل بقيت ينظر إليها النَّاس بالاحترام والتَّقدير، ولم أجد صرحاً عربيَّاً هنا إلاَّ وقد تمَّ الاعتداء عليه، وزوِّرت معالمه، رغم أصالته.
    - نعم فعلوا ذلك.
    - أنا يا سيِّدي أعتقد أنَّ جميع الحضارات تكمل بعضها، فليس هناك حضارة لأمَّة ما تعتبر صرفة، وإنَّما سلسلة مرتبطة بعضها ببعض، وهذا يكمِّلها ويغنيها.
    - أوافقك الرَّأي تماماً.
    - يا سيِّدي لا بدَّ لي من الاعتذار عمَّا بدر منِّي، فأنا أعرفك وأعرف فكرك الحرَّ، فأنا أعتذر أشدَّ الاعتذار.
    - والله يا بنيَّ إنَّ اعتذارك مقبول، ولكنَّني لا أجد سبباً له، فلم تقل إلاَّ الحقيقة، وقد زرت جامع قرطبة الكبير ولاحظت التَّشويه الَّذي أصاب هذا الصَّرح الخالد، وعلمت أنَّ رجال الدِّين هم وراء هذا العمل الشَّنيع، وأنت تعرف يا ولدي محاكم التَّفتيش وغباء البطاركة الكاثوليك، إنَّهم بعيدون عن الإنسانيَّة بُعْدَ زُحَل. لذلك فأنا لا ألومك، وأعلم أنَّ هذه الصُّروح لو كانت مسيحيَّة وتمَّ تشويهها من قبل العرب لكان لك نفس الموقف منهم، فأنا أعرفك تمام المعرفة. على كلِّ حال فإنَّك وكلوديا مدعوَّان معي هذا المساء، فقد طلب إليَّ فيليب وتيريزا اصطحابكما، وقالا بأنَّهما قد اشتاقا إليكما، فهل أنتما جاهزان.
    نظرت إلى كلوديا وقد ابتسمت، وكادت تجيب فقلت:
    - نحن طوع أمرك يا سيِّدي، وإنَّنا لا نريد أن نفترق عنك دقيقة واحدة.
    - إذاً جهِّزا نفسيكما .
    كنت أنا جاهزاً، وصعدت كلوديا وتأخَّرت في النُّزول ثمَّ هبطت السُّلَّم ومعها أميليا. كانت كلوديا تبدو غاية في الرِّقَّة والجمال، وكانت تلبس ثياباً تسوَّقتها من برشلونة، وقد اختارتها بألوان الزُّهور والفراشات، فبدت وكأنَّها ربيعٌ آخر.
    قال ألفونسو:
    - ما هذا يا بنيَّتي وكأنَّك فينوس هبطت من السَّماء.
    - أشكرك يا سيِّدي، فعندما أراكما أنت وجون أحيا كالزُّهور عندما يسكب عليها الماء، وعندما تغيبان عنِّي أكون أشقى وأبشع امرأة.



    الصور المرفقة  

  3. #43
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    7

    قصر ألفونسو في مدريد

    خرجنا مستقلِّين العربة إلى القصر الملكي ترافقنا كوكبة من الفرسان، وحينما دخلنا تلقتنا الملكة تيريزا بالتّرحاب وقالت:
    - أهلاً بك يا سيِّدي وبولديك الفاتنين، سيكون فيليب هنا بعد دقائق.
    قال ألفونسو:
    - أهلاً بمليكتي الجميلة، لعلَّنا جميعاً نحس بالرَّاحة معكم، وكم أتمنَّى أن تكون إقامتكم قريبة من إقامتي، فتجدونني بينكم دائماً.
    - هذا لطفٌ مشكور منك يا سيِّدي الإمبراطور، وحيثما كنت فإنَّك في قلوبنا، وسنبقى ندعو الله لك بالتَّوفيق والسَّعادة، فأنت كبيرنا وسيِّدنا. وكيف حال الحبيبين الرَّائعين؟.
    قلت:
    - نحن بخير من خيرك ولطفك وكرمك يا مولاتي.
    قالت كلوديا:
    - لقد اجتمعنا في هذه الرِّحلة وغيرها بأجمل وأحبِّ النِّساء، لكنَّهنَّ بالنِّسبة لك يا مليكتي كالنُّجوم من البدر.
    - أهلاً بكما يا ولديَّ، إنَّ النِّساء يرضيهنَّ الإطراء، ولكنَّني أقول بصدق أنَّني أشعر حيالكما بشعور لا يعدله إلاَّ شعوري نحو ولديَّ.
    بكيت كلوديا وهي تقول:
    - حفظ الله لك ولديك يا مولاتي وجعلهما ملكين بعد عمر طويل لمولاي فيليب، وإنَّني أرقُّ من أن أصمد أمام هذا اللُّطف الكبير.
    - بارك الله بك يا بنيَّتي وحقَّق أمنياتكما، فأنتما خير ولدين لسيِّدي الإمبراطور.
    دخل جلالة الملك فيليب في هذه الأثناء وصافح ألفونسو بحرارة ثمَّ سلَّم علينا قائلاً:
    - كيف حالكما يا ولديَّ؟.
    قلت:
    - نحن تحت رعايتك يا مولاي، وبحفظ من أنسك وهيبتك.
    قال:
    - كم أتمنَّى أن تكون سفيري إلى الملوك يا جون، وما أظنُّ أحداً يبزُّك بالتَّهذيب واللِّياقة، وأنت ابن ألفونسو وتربيته، وأحقُّ بأن تكون ملكاً من أن تكون سفيراً.
    - بل إن الكونت ليوناردو خير سفير.
    - لعله من أحب الناس إلينا.
    عادت كلوديا إلى البكاء، فقال لها فيليب:
    - ما لك يا ابنتي؟.
    - إنَّها دموع السَّعادة بلقائكما يا مولاي، وأحسُّ عندكما بالشَّفافية والألم مختلطاً بالفرح والتَّقدير، ولا أدري إذا كنت قد عبَّرت جيِّداً عمَّا يجيش في صدري.
    - إنَّك نبيلة يا كلوديا، وأنتما تليقان لبعضكما، فالصِّدق ينطق في كلِّ حرفٍ وحركة منكما.
    جلسنا جميعاً، فقال فيليب:
    - علمت بأنَّك يا ولدي فنَّانٌ أصيلٌ وسيكون لك شأنٌ عظيم .
    - والله يا سيِّدي سيكون الشَّأن العظيم لرسَّام قابلته في جنوة صدفة، اسمه رامبرانت، ورأيت لوحة له في معرض الفنِّ فيها، وقد كانت آية في الجمال.
    - لم أسمع به .
    - سيسمع العالم كلُّه به.
    - ألم أقل لك يا ولدي، كم يذكر النَّاس اسم ملك منذ العصور القديمة، ولكنَّ بعض الفنَّانين والموسيقيِّن أشهر منهم، وحتَّى شارلمان فإنَّ دافنتشي أشهر منه في أوروبا. ولو كان النَّاس يعلمون اسم المهندس الَّذي صمَّم الأهرامات لكان أشهر من الملوك الَّذين أمروا ببنائها.
    قضينا سهرة ممتعة مع أسرة الملك، وكان ألفونسو يراقب ذلك بسرور، وبعد لأي تركنا الملكان نعود إلى القصر، وفي الطَّريق قال ألفونسو:
    - لقد نعمت اليوم بسهرة العمر، وشاهدتكما تضاهيان ملوك أوروبا حضوراً وأدباً، وأعلم أن فيليب وتيريزا سيذيعان هذا اللِّقاء، وسيكون ذكركما على كلِّ لسان بعد حين.
    قلت:
    - والله يا سيِّدي لا نريد إلاَّ الهدوء والرَّاحة، وقد تصرَّفنا أمام العاهلين الكريمين بعفويَّة ومحبَّة، وهذا كلُّ ما في الأمر.
    - لا تقل ذلك يا جون فلم يبق موضوع في الثَّقافة لم تتحدَّثا به، من سيرفانتس إلى شكسبير إلى دانتي وغيرهم، وفي الفنِّ كنتما سابقين، وفي الأزياء يا جون حتَّى في الأزياء؟!.
    - يا سيِّدي إنَّ المرأة جوهرة الوجود، ولا يجب أن تظهر الجوهرة إلاَّ في عقد منظوم محلّى بالذَّهب، ومرصَّع بالأحجار الكريمة، كذلك المرأة، فإنَّ ثيابها مع العفَّة إذا كانت مدروسة وجميلة زادت من تألُّقها وبهائها، أليس ما أقوله جيِّداً يا سيِّدي؟.
    - إنَّه ذلك وأكثر.
    في ضحى اليوم التَّالي حضر الموظَّفون وقام ألفونسو بالتَّنازل عن أملاكه، وبتوقيع الصُّكوك والشَّهادات، وتبعته أنا وكذلك كلوديا، وسيتكرَّر ذلك في أغلب مدن إسبانيا، وخاصَّة في بلاد الأندلس ولشبونة.
    خرج الموظَّفون، فقال ألفونسو:
    - نسيت أن أخبركما عن كوزيمو، فقد وضع البابا بول قيد الإقامة الجبريَّة في الفاتيكان، وغيَّر حراسته فخصَّ بها كوكبة من فرسان فلورنسا، كما زار فرساي وعقد اتِّفاقاً مع لويس يقضي بوضع فرنسا تحت اللواء الأوروبي، معترفاً بقيادتي لأوروبا.
    - هذا خبرٌ جيِّدٌ يا سيِّدي.
    - والله سيَّان عندي أن يعترف لويس بي أو بغيري، فهذا لن يجدي في شيء، ويبقى الاتِّفاق بين أركان أوروبا محبَّباً إليَّ.
    أقبلت قافلة من العربات المحمَّلة بالهدايا من الملك فيليب وتيريزا، وبعد أن أفرغت حمولتها عادت إلى القصر، وانشغلت أميليا بترتيبها وقالت:
    - هل بقي شيء في إسبانيا لم يرسله جلالة الملك؟.
    كانت الهدايا في أغلبها تخصُّ كلوديا، وهي ثيابٌ ملكيَّة للعرس والمناسبات، وكنز من الجواهر والحليِّ، وكثيرٌ من المتمِّمات كالخزف العربيِّ الأندلسيِّ وما تحتاجه العروس من ثياب النَّوم، والأغطية الموشَّاة بالذَّهب، والفرش الرَّفيع في ذوقه ومادَّة صنعه.
    قال ألفونسو:
    - سنرسل هذه بالنَّقل البحريِّ إلى غارسيا في البندقيَّة، وسيتولَّى فرش جناح العروسين، اسمعا لقد بلغ مجموع دخل الأملاك في إسبانيا والبرتغال أكثر من سبعة ملايين ليرة ذهبيَّة إسبانيَّة للعامين الماضيين، وهي تعادل نفس العدد من الليرات الذَّهبيَّة الفرنسيَّة، وهو أكثر من ميزانيَّة دولة أوروبيَّة متوسِّطة الحجم، فماذا ستفعلان بهذه النُّقود؟.
    - لن نفعل بها شيئاً يا سيِّدي، وستظلُّ أنت المتصرِّف بها، وسنبقى نحن خادميك.
    الصور المرفقة  

  4. #44
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    8


    من طليطلة للفنان الغريكو


    غادرنا مدريد إلى طليطلة وتبعد نحو أربعين ميلاً إلى الجنوب من مدريد، وهي مسيرة أقلِّ من يوم، فسرنا هوناً باتِّجاهها، وكنَّا ننزل من العربة لنتفرَّج على المناظر الَّتي نمرُّ بها، أو لنشرب من الغدران والجداول ونملأ قربنا منها، أو لنقف على قمَّة وننظر الوديان وما يحيط بها، أو لكي نتريَّض سيراً على الأقدام.
    واقتربنا من طليطلة بعد تسلُّق منحدرات وهبوط أخرى، فظهرت المدينة القديمة عاصمة القوط، وأهمُّ أكبر المراكز الرُّومانيَّة في إسبانيا، وكانت تقع بين سلاسل جبليَّة محيطة بها من الشِّمال، بينما يدور حولها نهر تاجة في ثلاث جهات منها، فزادت منعة.
    دخلنا طليطلة، ويبدو أنَّ ألفونسو لم يعلن عن قدومه، وسارت بنا العربات إلى هضبة مشرفة على المدينة، فوصلنا إلى قصر منيف، ولم نجد من يفتح لنا البوَّابة، وبعد انتظار لم يأت أحد، فتسلَّقت البوَّابة وفتحت البوابة من الدَّاخل، ومرَّت العربات، وبحثت حول القصر فوجدت فلاَّحاً يعمل في تقليم الزُّهور، فسألته عن مدير القصر فقال:
    - لقد توفِّي أبوه اليوم، وهو منشغل بالعزاء، وليس من أحدٍ هنا.
    قلت له:
    - هل من طريقة ليحضر طاقم القصر؟.
    - يمكن أن أخبره فماذا أقول له؟.
    - أخبره أنَّ صاحب القصر هنا، ولا يستطيع الدُّخول إلى القصر.
    - هل أنت سيِّدي الإمبراطور؟.
    - لا فأنا أحد مرافقيه، وقد وقف منتظراً أمام المدخل حتَّى تسلَّقت البوَّابة وفتحت الباب من الدَّاخل .
    - ويلي يا سيِّدي، سأطير إليه فهو يسكن قريباً من هنا. وركض الرَّجل حتَّى غاب عن النَّظر.
    وبعد قليل أقبل المدير وسلَّم على ألفونسو بحرارة، وقد ارتسم الخجل على وجهه، وقال:
    - عفوك يا مولاي، وليس لي عذر، فقد كان يجب أن أكون موجوداً، ولكنَّ والدي توفِّي في الظَّهيرة، وأنا وحيده.
    أقبلت عربات بلديَّةٌ تحمل موظَّفي القصر والعاملين فيه، وفتحت الأبواب، وقالت أميليا:
    - سيبين من أحوال القصر إذا كان صاحبكم صادقاً .
    دخلنا إلى القصر وراحت أميليا تتفقَّده، ولم يبدُ أيُّ إهمال أو غبار على الفرش والأرضيَّات، دليلٌ على أنَّه جرى تنظيفه اليوم، وعادت اميليا لتقول:
    - كلُّ شيءٍ جاهزٌ، وينبغي أن نذهب لعزاء هذا الرَّجل، فرغم أنَّنا فاجأناه على غير موعد إلاَّ أنَّه قام بما يجب عليه.
    كان المساء قد بدأ يخيِّم على المدينة، وكان القصر مضاء بثريَّات كبيرة من الفوانيس، والشُّموع الموقدة، تربط الثُّريَّات بسلاسل، وتدلَّى للصِّيانة أو تغيير وإضاءة الشُّموع، وكانت السَّلالم مغطَّاة بالسَّجاد الأحمر، أمَّا الأرضيَّة فكانت من المرمر الشَّفَّاف، وكذلك أعمدة البهو المستديرة الَّتي جمعت بين العمارتين العربيَّة والقوطيَّة، ولم يصل شيءٌ من عصر الباروك إلى هنا، فقد بدت الزَّخرفات على الكرانيش هندسيَّة، فإذا تمعَّنت بها جيِّداً وجدت أنَّها كتابة كوفيَّة لآيات قرآنيَّة، آيات من آيات الإجلال والتَّعظيم، كقل هو الله أحد، أو آية الكرسيِّ وغيرهما.
    حاول ألفونسو جاهداً أن يتذكَّر اسم مدير القصر فلم يفلح، فناداه:
    - ما اسمك يا بنيَّ؟.
    - خادمك زياد يا مولاي.
    - زياد من ؟.
    - زياد بن عليٍّ.
    - فأنت ابن المدير؟.
    - نعم يا سيِّدي، فقد مرض والدي وأرسلني مكانه حتَّى يشفى، لكنَّه توفِّي اليوم ودفنَّاه.
    - أنا آسف له وأعزِّيك يا ولدي، وستحلُّ محلَّه هنا، ولعلَّك في دراية بالقصر.
    - لقد نشأت مع أبي، وكان جلالتكم قليل المرور بنا، فكنت ألعب في الحدائق طفلاً، ثمَّ عندما كبرت كنت أساعده.
    - إذاً أنت مكانه منذ الآن، وأنا آسفٌ لوفاته.
    - أشكرك يا سيِّدي وأتمنَّى لك طول العمر.
    - ارجع إلى عزاء أبيك يا ولدي.
    هذه طليطلة، وللأدباء والشُّعراء فيها الملاحم والقصائد، وفيها اندمج العرب والإسبان فأنتجوا جيلاً من المولَّدين كانوا نموذجاً فريداً لتمازج الحضارتين.
    تقع طليطلة على ارتفاعات متفاوتة تزيد فروقها عن مائتي ذراع، فتبدو المدينة متدرِّجة وتظهر الأبنية فوق بعضها وكأنَّها طوابق إضافيَّة، وكان قصر ألفونسو يقع فوق هضبة مشرفة على المدينة، فكانت شرفاته الموزَّعة على أغلب الجهات تطلُّ على المدينة من فوقها، وتتقرَّى تفاصيل أبنيتها وبعض أسواقها، وكانت أملاك ألفونسو فيها قصوراً ومزارع أبقار وخنازير، ومعملاً لصناعة الألبان والأجبان وأراض شاسعة تحيط بالمدينة.
    قال ألفونسو وهو يشير إلى المدينة:
    - هذه المدينة ضربت المثل في التَّعايش، وفيها اندمج العرب والإسبان واليهود، وشكَّلوا سلالات جديدة منفتحة، ولو حذت جميع المدن حذوها لكانت إسبانيا أعظم وأمنع وأغنى، ولكنَّ ملوك الشِّمال أبو إلاَّ أن يقضوا على هذه الصِّلات، ويجعلوا دماء الشّعوب قرابين لتمزيق الأمَّة وتدمير الحضارة الَّتي فجرت عصر النَّهضة من ظلام العصور الوسطى، وأضاءت أرجاء أوروبا بالعقول المنفتحة الأصيلة، وكم تساءلت عن سبب اعتبار البرابرة مواطنين، وهم الَّذين غزوا الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة واحتلوا أصقاع أوربا، في حين اعتبر العرب الجيران معتدين ومستعمرين، لقد أدَّت هجمات البرابرة إلى تدمير الإمبراطوريَّة الرُّومانية العظيمة، ولم يدمِّر العرب شيئاً لا في إسبانيا ولا جنوب إيطاليا وصقلية، وكانوا أمَّة حضاريَّة لا كالبرابرة الهمج.
    وقال معقِّباً:
    - انظر إلى هذه المدينة الَّتي تجدها ملعباً لجميع الحضارات، ومكاناً اتَّحدت به إرادة شعوب متحابَّة ومتفاهمة.
    في المساء تمَّ توقيع صكوك وأوراق نقل الملكيَّة، وبعد الانتهاء ذهب ألفونسو إلى كاتدرائيَّة طليطلة، فلديه فيها كاهنٌ ضرير كان بينهما مودَّة وعلاقة حميمة، وقد قال لي قبل أن يذهب:
    - أتريد أن تتعرَّف على البطريرك غاستينو الَّذي حدَّثتك عنه سابقاً، وإذا لم تفعل فاذهب مع كلوديا إلى مسجد باب المردوم، ثمَّ إلى معرض فنيٍّ فيه أكثر لوحات الفنَّان إل غريكو، وأنهيا ذلك اليوم، فغداً سنتابع رحلتنا.
    لاحظت من كلام ألفونسو أنَّه ملَّ من السَّفر الطَّويل، وأنَّه متضايقٌ من شيء ما لعلَّه ما نراه في كلِّ مدينة من الآثار المزوَّرة، والانتهاكات لحرمة الأمم الَّتي كانت في هذه البلاد. وهو يعرف أنَّنا كلَّما تعمَّقنا في الأندلس فسنجد أعمالاً عظيمة قد زوِّرت لإزالة هويَّتها.
    لم نذهب إلى المسجد أو المعرض، وأملنا أن يمهلنا ألفونسو يوماً آخر نتعرَّف فيه على طليطلة، فلن تتكرَّر هذه الرِّحلة كثيراً، ومهما يكن الأمر فإنَّ تزوير الآثار لن يلغي وجودها، ولن يتجاهلها التَّاريخ لأنَّ متعصِّبي الكنيسة يريدون أن يحكموا.
    خرجت مع كلوديا إلى الشُّرفة، وتبعتنا أميليا، وقالت:
    - ما لكما يا ولديَّ، إنَّني ألاحظ قلَّة كلامكما، وأنَّكما تبدوان غير مرتاحين.
    قالت كلوديا:
    - إنَّني أحسُّ بالانقباض، وإنَّ هذه الأيَّام الَّتي نضيِّعها تخرج من عمرنا، كما أنَّ ما نشاهده من تزوير الآثار وتسلُّط رجال الدِّين شيءٌ غير محتمل.
    قالت أميليا:
    - ألا تملكين شيئاً من الصَّبر، كلُّ شيء يزوِّر، في البيت والشَّارع والبيع والسِّياسة، لقد ابتدأ التَّزوير منذ وجد الإنسان، شعوبٌ مهزومة، وشعوب منتصرة، وصراع أبديٌّ، إنَّ هذا الوحش الَّذي في كلِّ إنسان لم يتوقَّف ولن يتوقف، ولا يجلب للإنسانية إلاَّ الألم والفقد والفقر، ألستُ فيلسوفة يا كلوديا؟.
    - بلى، وهذا شيءٌ كثير.
    - لماذا؟.
    - لأننَّني أعتقد أنَّك تتحدَّثين عن موضوع حقيقيٍّ، ولكنَّني أيضاً أعتقد أنَّ السِّياسة يجب أن ترتفع فوق مستوى الوحشيَّة.
    - لن يستطيعوا ذلك لأنَّ الوحش فيهم، ولن يتركهم ينعمون بالسَّلام. فهل تركني والدي اللعين وذاك الكلب رومانو أنعم بشبابي؟. لم يفعلوا ولن يفعلوا، فالوحش يعربد في أعماقهم، ويسوق رغباتهم بعيداً عن عقولهم.
    - إذا لم يكن الإنسان قادراً يا أميليا على كبح جماح الوحش فيه فإنَّ الوحوش خيرٌ منه، انظري إلى السِّباع، إنَّها تقتل ولكن فقط لتقتات، وإذا لم تكن جائعة فإنَّها تسرح بين القطعان دون أن تؤذيها، فإذا جاعت قتلت حاجتها فقط.
    - الإنسان حسب خبرتي يا كلوديا إذا أراد شيئاً ألحَّ في طلبه، فإذا لم يستطع أن يناله احتال عليه، وإذا لم تجده الحيلة أصيب بالإحباط، وربَّما مرض أو فقد أعصابه أو انهار.
    - أراك مصيبة يا أميليا، وأنت تعرفين أنَّنا لا نرغب في ثروة ألفونسو، فإنَّها عبءٌ ثقيل يقع على قلوبنا وقع السَّيف.
    - إنَّ ألفونسو يريدكما بهذه الثَّروة أن تكملا طريقه المليئة بالحبِّ والإحسان، وهو لا يهبها لكما إلاَّ لأنَّه مطمئنٌّ أنَّكما ستستخدمانها في العمل النَّظيف المفيد.
    كنت أسمع هذا الحوار اللاَّهث، وأعرف أنَّ كلوديا كانت تريد أن تبقى إلى جانبي وإلى القرب من ألفونسو، ولكنَّ هذه الثَّروة ذهبت بعيداً، فقد نتحوَّل إلى موظَّفين في بنك على مستوى أوروبا، فما زال ألفونسو يملك ثروة طائلة في النَّمسا وفي جنوب فرنسا، وإذا طال بنا المطاف فسنمضي شبابنا في السَّفر وتوقيع الصُّكوك، ثمَّ نقضي حياتنا في جمع دخل هذه الممتلكات، ولن تكفي بنوك كوزومو، ولا حنكة المدراء في صرف هذه الأموال في الخدمة العامَّة .
    فإذا كان دخله من إسبانيا والبرتغال في عامين يفوق سبعة ملايين من الليرات الفرنسيَّة الذَّهبيَّة، فما هو دخله من أوروبا يا ترى؟. وقلت في نفسي: لا بدَّ من إنشاء هيئة وإدارة لهذه الأموال، ومنها لجان فرعيَّة في البلدان تقوم بما يترتَّب عليها في إحصاء الدَّخل والاستفادة منه.
    لقد فقدنا الآن ذلك الفيض من المشاعر، وقد هدَّنا التَّعب، وأعيانا التَّفكير، وكانت كلوديا الرَّقيقة أكثرنا تعباً، وأشدَّنا كراهية لهذه الثَّروة، لقد أقبلت عليها في البداية، وهي الآن تهرب منها، وأظنُّ أنَّ السَّبب في ذلك يعود إلى التَّعب من جهة، وهذا السَّفر الطَّويل المؤدِّي إلى تأخير الزَّواج من جهة أخرى.
    عاد ألفونسو متأخِّراً، وكان مبتهجاً مستبشراً، ولدى وصوله جلس على الأريكة ثمَّ ابتدأ يحكُّ رأسه يريد أن يتكلَّم، ثم انطلق في الحديث ليصف اللِّقاء بينه وبين غاستينو البطريرك الضَّرير:
    إنَّ غاستينو الضَّرير يرى أكثر منَّا نحن المبصرين، نعم فإنَّ الضَّرير يستخدم عقله دائماً في كلِّ شيء، وهو بذلك يرى آفاقاً جديدة لا نراها نحن، ويتجاوز مدىً أوسع وأرحب. قال لي:
    - لقد ابتعدت الكنيسة عن جوهر المسيحيَّة، وقد فعلها قسطنطين، لقد كان أريوس أوسع أفقاً من رجال قسطنطين، وكان أقرب بكثير إلى فهم المسيح، لقد أراد المسيح للرُّوح المسيحيَّة أن تطغى على آفاق البشريَّة، وأن يكون المخلِّصُّ لروح البشر لا لنظام الدَّولة، وقال المسيح: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وإنَّك لا تملك أن تضيِّع عمرك لتقيم دولة أو تحافظ عليها، فهذا عمل اليهود، ولكن أن تحرِّرَ أرواح النَّاس ونفوسهم وتجعلهم مستعدِّين لقبول إشراقات الذَّات الإلهيَّة المقدَّسة هذا هو واجب الدين، لقد أغرق قسطنطين المسيحيَّة في جحيم الوثنيَّة، وحوَّلهم إلى عبدة أصنام مشركين.
    - هذا كلامٌ يا غاستينو لو سمعه منك الكنسيُّون لاتَّهموك بالهرطقة، وهو ما يعاقب عليه البابا.
    - بابا من؟.
    - بابا الفاتيكان يا غاستيمو.
    - إنَّ نظام البابويَّة بدعة، وكان بطرس داعية إلى الله ولم يكن رجل دين، وهم الآن يسمُّونه أوَّل البابوات، ويؤوِّلون قول المسيح فيه: أنت يا بطرس صخرتي، وعليك أبني كنيستي، بهذا الصَّرح البابويِّ المفتعل.
    - وما هي مقاصد المسيح من هذه الجملة يا غاستينو:
    - كان بطرس مجاهداً وداعية لله، وقد عبر البلدان مبشِّراً ونذيراً، ودخل روما مع روحه العظيمة الشَّفَّافة، وسرعان ما تنادى إليه المؤمنون، يتلقَّون منه ليس علوم الدِّين فقط بل روحه، إنَّ العلم بلا روح جسدٌ بلا حياة، وإذا كان قسطنطين يعتبر بطرس كذلك فلماذا حرَّق إنجيله، وصادر نسخه، لقد أراد قسطنطين بدلاً من تبنِّي الإمبراطوريَّة للمسيحيَّة أن تتبنَّى المسيحيَّة الوثنيَّة الرُّومانيَّة، وأعطى المسيح الصِّفة الإلهيَّة الَّتي لم يدَّعها المسيح ولا يرضى بها.
    - ولكنَّ المسيح أظهر الدَّلالات الباهرات والمعجزات الخارقات، فماذا تقول فيه.
    - نعم أتى بالبراهين الكافية لإثبات نبوَّته، أمَّا الألوهيَّة فالذّات العليَّة قادرة على الإتيان بمعجزاتها، كتغيير نظام الكون مع الحفاظ على موجوداته، وكابتداء الخلق وإعادته، وكإيجاد الشَّيء بعد أن لم يكن موجوداً.
    - يا غاستينو إنَّ مفهوم اللاشيء موضوع مجتهد فيه ومختلفٌ عليه.
    - لا يا سيِّدي الإمبراطور، لو لم يكن موجوداً لكانت الهيولى قديمة، وكانت شريكاً أو هي الذَّات، وكان الله خالق الأشياء من نفسه، وكان العرض مساوياً للجوهر.
    - ماذا تعني يا غاستينو:
    - أعني أنَّ مفهوم الإبداع أن تجد شيئاً من لا شيء، والباقي خلق، وهو متدرِّجٌ حسب الرُّتبة، فالإنسان خالق بوجه، والملائكة، والمسيح كلًّ حسب القدرة الَّتي وهبها الله له.
    - القدرة لله إذاً والخلق يؤتون هذه القدرة بالتفويض لا بالأصالة.
    - نعم.
    - فانظر يا جون لقد خضنا هذا النِّقاش أنا وألفريد مرَّاتٍ كثيرة، ولكن لم نعرض الفكرة بهذا الوضوح.
    - نحن يا سيِّدي لم نخرج من القصر، ولعلَّ يوماً واحداً آخر يكفينا للإحاطة بمناظر طليطلة وآثارها، فهل تزمع السَّفر غداً أم تمهلنا يوماً آخر؟.
    - أقيموا كما تريدون يوماً أو أيَّاماً، لقد رأيتكم مكتئبين، وأحسست بامتعاضكم، وعندي الكثير لأفعله هنا.
    - بل نريد يوماً واحداً فقط.
    - وهو كذلك.
    في اليوم التَّالي ذهبنا إلى معرض إل غريكو وهناك رأينا لوحاته الَّتي رسمها في إسبانيا، وأغلبها بورتريه لشخصيَّات معاصرة، وكان إل غريكو اليوناني الأصل يعيش هنا في طليطلة بعد هجرته إليها من إيطاليا، وله شهرة واسعة، وقد توفِّي منذ أقلِّ من عقدٍ من الزَّمن، وشاهدنا ضمن لوحاته منظراً لطليطلة تبدو فيه السَّماء ملبَّدة بالغيوم، وتحظى هذه اللَّوحة بشهرة عالميَّة لأنَّها تنظر إلى الطَّبيعة نظرة معمَّقة تتَّسم بالإيحاء، وقد استخدمت فيها الألوان والظِّلال والنُّور بشكلٍ مدروس، وبدت السَّماء المدلهمَّة بالغيوم الدَّاكنة والبيضاء وتلك الَّتي رصَّعتها أشعَّة الشَّمس المتسرِّبة إليها من الأفق، كما أنَّ ألوان العشب والشَّجر تنطق بإحساس غامضْ شفَّاف، وبدت الأبراج والأطلال البعيدة ساربة في وديان وشاخصة على هضابٍ، وقد اختار الفنَّان زاوية ملهمة من طليطلة. أمَّا المشاهد الدِّينيَّة ولوحات البورتريه فكانت شخصيَّاتها مدروسة بتؤدة، وكانت الوجوه توحي بالفهم العميق لرسَّام يعيش ما يعتقده، ويلاحظ بألم عذابات النَّاس، وتسجِّل بروعة الفنِّ الرَّاقي حياتهم ولباسهم وتفاصيل الوجوه والأجسام، ومنها لوحة تصوِّر السَّيِّد المسيح وقد أنزل عن الصَّليب ومن حوله المريمان أمُّه والمجدليَّة، ومن الغريب أنَّ صورة المجدليَّة تشبه الشَّخص الجالس إلى يمين يسوع في لوحة العشاء الأخير.
    ثمَّ انتقلنا إلى كاتدرائيَّة طليطلة، وهي بناء قوطيٌّ ضخم وأنيق، وتعبِّر عن رشاقة الفنِّ القوطيِّ وتعتبر من أضخم ثلاث كاتدرائيَّات في العالم، وفيها ملايين المخطوطات العربيَّة واللاتينية. ويؤمُّها الباحثون من أطراف العالم للاستفادة من مخطوطاتها الفريدة.
    وفي أسواق طليطلة وجدنا ما لفت نظر كلوديا من الثِّياب المحتشمة والمناديل الحريريَّة المذهَّبة، والعباءات العربيَّة الموشَّاة، وكانت فرصة فريدة للتَّسوُّق، وبعد أن اشترت لها ولإميليا ما تريد بحثت عن وشاح يلفُّ الخصر، فدلَّت على متجر في شارع آخر، وهناك استقبلنا رجلٌ خمسينيٌّ في نهاية التَّهذيب والدَّماثة، فوجدت طلبها منه متنوِّعاً من الحرير المقصَّب بالذَّهب فابتاعت حاجتها، وسألت صاحب المتجر:
    - أرى في وجهك يا أخي سمات مختلفة.
    - نعم فأنا من مسلمي المدينة القلائل.
    - ألا يضايقونك هنا.
    - لا لأنَّهم لا يعرفون هذا عنِّي.
    - ألست دمشقيَّاً؟.
    تفاجأ الرَّجل ونظر إليَّ مليَّاً:
    - نعم فأصلي من دمشق.
    - لا تحزن فأنا من صيدا في لبنان.
    انفرجت أسارير الرَّجل وابتسم:
    - لعلَّنا أقرباء يا سيِّدي.
    - نعم نحن كذلك، ولكن قل لي ألست حزيناً مثلي على ضياع الأندلس؟.
    - يا سيِّدي إنَّ الأندلس لم تضع بل ضُيِّعتْ، نحن من أوصلناها إلى ذلك بأنانيَّتنا وانقسامنا، ومع ذلك فسيبقى ذكرنا ناصعاً على صفحات التَّاريخ، فكل شيء هنا يقول: كان العرب هنا، وقد انفتحوا على الشُّعوب ولم يؤذوها ولم يجبروها على شيء.
    ودَّعنا الرَّجل وهو ينظر إلينا باستغراب، ثمَّ توجَّهنا إلى مسجد باب المردوم، وكان مسجداً صغيراً يتألَّف من ثلاثة أروقة مرفوعة على أربعة صفوفٍ من الأعمدة، تؤدِّي إلى محراب، وكان السَّقف مؤلَّفاً من تسع قباب، الوسطى فيها كبيرة وعالية ومنوَّرة من الأعلى. وقد بني المنشأ من الآجرِ وتحلَّى بنقوش كوفيَّة قرآنيَة.
    ولم أجد في البناء ما يمكن أن يميِّزه كأثر معماريٍّ فريد على غير ما حكى عنه الإدريسيُّ، فلا مقارنة بينه من حيث الناحيتان الفنيَّة والمعماريَّة وبين الكاتدرائيَّة، وهو مسجد عربيٌّ صغير، ويبدو أنَّ آخر اهتمام الحكَّام العرب هنا كان الصَّلاة وإقامة المساجد، وهذا الجنون من الإهمال والانصراف إلى البذخ والرَّاحة دفعت الأمَة ثمنه غالياً.
    في طريق العودة وقفنا على هضبة عالية، ونظرنا إلى طليطلة، لقد كان إل غريكو ملهماً في تصويرها وهي تستحقُّ ذلك
    الصور المرفقة  

  5. #45
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    9


    داخل مسجد قرطبة


    في اليوم التَّالي جرت بنا العربات جنوباً باتِّجاه إقليم الأندلس، حيث بنى العرب أمجاداً عريضة وفقدوها ، وكانت المسافة طويلة بين طليطة وقرطبة، حوالي مائتي فرسخ، وتحتاج إلى أربعة أيَّام من المسير بالعربات، وتجاوز جبال عالية ومفاوز منقطعة، وقد أعددت العدَّة لمواجهة أيٍّ من المعترضين لنا، وكان لا بدَّ من الاستراحة في بعض النزل على الطَّريق، وتتشابه إسبانيا وإيطاليا من حيث النُّزل المزروعة على طول الطَّريق، وهي للمشاة، أمَّا العربات فإنَّها تعبر ثلاثة أو أربعة مواقع لتنزل في النُّزل الرَّابع أو الخامس، وقد كانت نزل إسبانيا مأجورة، ومن الظَّريف أنَّه توجد في كلِّ النُّزل فرقٌ موسيقيَّة، وفي المساء يرقصون على ألحان الفلمنكو، ويغنُّون أغاني شعبيَّة، ويشربون حتى السكر على موائدهم الخشبيَّة المتواضعة، وكانت أميليا تعمل جاهدة على تأمين الأسرَّة والغرف قبل المبيت، وتحمل معها الكثير من الأغطية والوسائد، وكان أصحاب النُّزل خير من يعتني بالخيول والعربات.
    نمنا في اليوم الأوَّل في نزل بورتولانا، وفي اليوم الثَّاني في بوخولانكي قرطبة، وفي اليوم الثَّالث في أسيخو قرطبة، وفي اليوم الرَّابع وصلنا إلى قرطبة مساءً، وفي مدخل المدينة انعطفت العربات إلى قصر في أعلى هضبة مجاورة، وهنا كان بانتظارنا كوكبة من الفرسان، وقد أدَّت الكوكبة التَّحيَّة لألفونسو، وقدَّم قائدها الصَّف هاتفاً لأمبراطور أوروبا المظفَّر، هكذا عبَّر الضَّابط عن احترامه، ووجدنا القصر مفتوحاً وعلى بابه جمهرة من الموظَّفين والنَّوادل.
    دخلنا القصر فوجدناه على أحسن ما يرام.
    قالت إميليا:
    - إنَّ هؤلاء القوم مولعون بالنَّظافة، وإنِّني لا أجد كلمة أعلِّق بها على عملهم، وكم أكره أن يظنَّني النَّاس إمبراطورة.
    قالت كلوديا:
    - اخرجي من فيرارا يا أمَّاه، فنحن الآن في الأندلس.
    - نعم يا بنيَّتي أعلم أنَّها الأندلس أرض الآباء والأجداد، وحاضرة العرب العظيمة، ولكنَّني لم أجد ما أتحدَّث به عن هؤلاء القوم إلا الثَّناء.
    دخلنا إلى الحمَّام الملحق بجناحنا في الطَّابق العلويِّ، فوجدناه عبارة عن غرفة متوسِّطة الحجم ينساب فيه الماء من صنابير من النُّحاس الأحمر، أمَّا أرضيَّة الحمَّام وجدرانه فمن المرمر الزَّهري الشَّفاف كالمرآة، وعلى جانبي الغرفة مقاعد من المرمر الأرجوانيِّ، ويمكنك خلط الماء بدرجة حرارة تختارها من الصَّنابير، فينصبُّ الماء في جرنٍ من المرمر، وإذا أردت أن تستحمَّ على البخار فاترك الماء السَّاخن ينساب في أرض الحمَّام بعض الوقت، فستجد أنَّ البخار قد ملأه إلى حدِّ انعدام الرُّؤية .
    كان المرمر الموشَّى يسيطر على دورات المياه، فالمغاسل من المرمر بصنابيرها المذهَّبة، والمجالس أيضاً، ولأوَّل مرَّة أرى المجالس العالية من المرمر فلا يحتاج المستعمل إلى القرفصة، وكذلك المصابن وعلاَّقات الثِّياب.
    خرجنا من الحمَّام منتعشين، وقد تحلحل بعض التَّعب من السَّفر وطول الرِّحلة.
    ونزلنا إلى البهو فوجدنا ألفونسو مع جمهرة من الموظَّفين.
    - تعال يا جون وأنت يا كلوديا، لقد أعددت لكما مفاجأة:
    - ما هي يا سيِّدي؟.
    - لقد استقدمت وكلائي في البرتغال وفالنسيا إلى هنا للتَّنازل، فأوفر عليكما تعب رحلة طويلة، فهيا إلى التَّوقيع على الصُّكوك فقد انتهيت منها.
    قمنا ووقَّعنا وثائق كثيرة، منها قصور متعدِّدة، وقرى بما فيها وأراض واسعة، وأسواقٌ منوَّعة، وسفن تجاريَّة، ومخابز، ومصانع نسيج، ومنجما ذهب، ومعامل خزف، ومراكب صيد، ونواعير سقي، ومصنع أدواة صحيَّة، ومرافئ لصناعة وإصلاح السُّفن.
    وبعد الانتهاء من التَّوقيع أمر ألفونسو وكيله في قرطبة أن يولم للحضور في أحد المطاعم، ويعتني بإقامتهم، وخرجوا جميعاً وكان الليل قد ابتدأ يخيِّمُ على المدينة، وقد شغلنا هذا عن التَّمتُّع بمناظرها من هذا القصر المطلِّ، واقترح ألفونسو أن نأوي إلى الفراش مبكِّراً، لنستيقظ صباحاً ونشاهد قرطبة من على شرفة القصر المطلَّة على مدينة الأحلام والتَّاريخ والفردوس المفقود.
    وقال ألفونسو:
    - أتريدان أن أرسل في طلب الموظَّفين من غرناطة وإشبيليا، أو تذهبان إليها وتتفرَّجان على الحاضرتين القريبتين.
    قالت كلوديا:
    - لقد هان ما بقي، وأريد أن نتفرَّج عليهما، فلهما في ذاكرتي ما يشبه الأساطير.
    خلدنا إلى النَّوم باكراً، وقالت كلوديا:
    - حبيبي جون، لقد أنهكنا السَّفر وأعيى التَّواصل بيننا، فهات حدِّثني عن المستقبل، فقد سئمت من طول الانتظار؟.
    - نعم يا حبيبتي، فإنَّنا سنعود إلى باليرمو، ثمَّ أسافر إلى صيدا، وأعود إلى باليرمو ونتوجَّه إلى البندقيَّة، ولا أدري كم سنستغرق من الوقت، ولكنَّه قصير بالنِّسبة إلى هذه الرِّحلة الماركوبولية.
    - ليس من وقت قصير عليَّ يا جون.
    - مع شيء من الصَّبر يهون العسير، ولا أرى سبباً لهذا الاستعجال، فنحن زوجان كاملان بكلِّ معاني الزَّواج.
    - والأولاد يا جون، كلَّما تذكَّرتهم أحسُّ بثدييَّ وكأنَهما يتدفَّقان بلبن الأمومة الغزير.
    - سيكون ذلك إن شاء الله في حينه عندما نستقرُّ في البندقيَّة.
    نامت كلوديا دون أن تعلم أنَّني مشغول البال حيال سفري، فقد كنت أخشى قراصنة الفرسان المارقين أن يتعرَّفوا على سفينتي، ويتعرَّضوا لها، وأزحت الفكرة من ذهني، ودخلت في سبات عميق.
    في الصَّباح الباكر كانت أميليا تحمل بيدها جرساَ صغيراً وتقرعه صارخة.:
    - أيُّها الغفلى أفيقوا إنَّ عهد النَّوم فات.
    قمنا من النَّوم وبعد حمَّامٍ دافئٍ خرجنا إلى الشُّرفة، وكانت قرطبة ما تزال نائمة لم توقظها الشَّمس، وما زال الصُّبح يحبو فوق أسطحة المنازل، وعلى رؤوس الشَّجر، نعم هذه روائح الياسمين زهرة دمشق وبلاد الشَّام، لقد كانت تكلِّل مدخل قصرنا في صيدا، وكانت روائحها العطرة الخفيفة تستقبل الدَّاخلين إلى قصرنا وكأنَّها ترحِّب بهم، وكانت أختي زينب تحبُّ أن أسلِّك لها عقداً منها ألفُّه على نحرها الصَّغير، وكانت والدتي تنظر إليَّ وأنا أسلك الزُّهيرات الصَّغيرة وأنظمها طوقاً لأختي، فتبتسم قائلة:
    - أدام الله هذين الوجهين وتلك المحبَّة.
    ثمَّ تضمُّنا لتغمرنا بوابل من القبل، وعندما يراها والدي يقول:
    - لا تبالغي فإنَّني أخاف أن تفسديهما.
    فكانت والدتي تبتسم وتجيبه:
    - نعم يا شفيق ولكنَّه إفسادٌ محبَّبٌ.
    وها هي قرطبة تفيق وكأنَّ ولاَّدة تجلس على شرفتها لتراقب ابن زيدون الغادي إلى أعماله بالمدينة، وكأنَّني بزريابٍ وجوقته ينشدان الخليفة أشجى الألحان وأحلى الأصوات. تحيط به الجواري والقيان من جميلات القصور وفناناتها.
    لقد عاشت الأندلس في ضمير أطفال الشَّام، وزوَّقت حكاياته قصص الأدب الشَّعبيِّ، وحتَّى الغرب فإنَّ أدبه المدون يروي الأساطير عن قرطبة والأندلس.
    وبدا مسجد قرطبة البعيد على نهر الوادي الكبير الَّذي يخترق قرطبة من شرقها إلى غربها، ليصبَّ في البحر المتوسِّط مارَّاً بأشبيلية، ولاحت أسطحة المنازل وكأنَّها رقعة شطرنج، تحدِّدها الشَّوارع الضَّيِّقة والحدائق المرسومة بعناية، وكان الرَّبيع يقيم هنا، وتحسُّه يلبس كلَّ ناحية من الطَّبيعة، وحتَّى أشجار السِّنديان العملاقة فقد أزهرت وتنفَّست براعم غضَّة، واكتمل ورق البلوط والشَّنزريق، والرَّوائح العطرة تعبق في الأجواء، وقد ابتدأت العصافير ألحانها الصَّباحيَّة، وسمع في القريب قرح حجلات موزَّعة بين صخور الهضبة المجاورة، وأسراب اللقالق ومالك الحزين والطُّيور الجارحة المهاجرة تختلط بحفيف أوراق الأشجار وشدو العصافير، هكذا تنشد الطَّبيعة نشيدها الخالد، على دقات قلوب العشاق، وفي حناجر ملايين من خلق الله الباحثة عن رزقها بسعادة وحبور.
    كانت كلوديا في أجمل أوقاتها، وكأنَّ الرَّبيع قد تقمَّصها، وبدت كلوحة رسمها فنَّانٌ عظيم، وقد نظرت إليَّ بدلال ومرح وقالت:
    أحسُّ أنَّني استعدت نشاطي، وعدت إلى وضعي قبل السَّفر، إنَّ جوَّ قرطبة الحالم يوقظ فيك مختلف الأحاسيس، وسنتوسَّع في زياراتنا لمدن الأندلس، فإنَّ فيها ذكرى أيَّام مجيدة، وحوادث مؤسفة.
    - سنتفرَّج على معالم قرطبة، ونذهب إلى مدينة الزَّهراء العاصمة الملكيَّة العربيَّة المعروفة، وذلك قبل توجُّهنا إلى أشبيلية أو غرناطة .
    في الضُّحى توجَّهنا إلى الزَّهراء أوَّلاً، الَّتي تبعد حوالي سبعة أميال إلى الشَّمال الغربيِّ من قرطبة، وهناك وقفنا أمام المدينة العربيَّة الصُّرفة، وما زالت الآيات القرآنيَّة تزيِّن جدران هذه الأطلال، والأقواس العربيَّة المفصَّصة والدَّائريَّة شاخصة أمام المشاهدين، وأرضيَّات الموزاييك الرُّخاميَة، وأعمدة المرمر بتيجانها الموشَّاة بالتَّوريقات، والجدران المغطَّاة بالفيسفاء والقيشاني، والمجمَّلة بالآيات القرآنيَّة الَّتي تكمِّل هذا المنظر الرَّائع والفخامة الملكيَّة الغنيَّة.
    وعدنا إلى قرطبة نتفرَّج على جامع قرطبة الكبير، الَّذي حوَّله النِّظام الإسبانيُّ الَّذي حلَّ محلَّ العرب إلى كنيسة، وحوِّلت المئذنة إلى برج لأجراسها، ومع ذلك فقد بقي هذا الصَّرح الكبير الَّذي يقوم على حولي عشرة أميال مربَّعة، وعلى جدار من الكنيسة رسمٌّ للملك فرديناند الثَّاني وهو يستلم مفاتيح المدينة من العرب المهزومين، وكان الحاكم العربيُّ يسلِّم الملك تلك المفاتيح مع بعض المرافقين خانعاً ذليلاً، بينما ينتصب الملك فرديناند شامخاً متعالياً وكأنَّه الله.
    قلت لكلوديا:
    - لن أذرف دمعة واحدة على الأندلس المفقود، وإنَّني أرى هذه الوقفة أمراً مستحقَّاً على حكَّامٍ فقدوا دماءهم وكبرياءهم، وضيَّعوا ملكهم وشعوبهم بالفرقة والانقسام، وهذا جزاءٌ يستحقِّه الحكَّام الَّذين يستهينون بوحدة الأمَّة ويسعون إلى تجزئتها، لقد كانت الأمَّة في خير حتَّى حكمها الشُّعوبيُّون فجزَّؤوها وساهموا في إضعافها، هذا ما حدث هنا في المغرب، وهذا ما حدث هناك في المشرق، ففي أواخر الخلافة العبَّاسيَّة عمَّت الفتن، واستقلَّ الشُّعوبيُّون بممالكهم وإماراتهم، وتجزَّأت الأمَّة، وانسدل ستار كثيف فوق أمجاد لم تدم، وكرامة لم تصن.
    وفي جولة في أحياء قرطبة كنا نشاهد بقايا الحضارة العربيِّة في الكثير من المعالم، وترى الجدار وما زالت عليه النُّقوش والكتابات العربيَّة، وتقوم الأقواس العربيَّة في كثير من المنشآت المحوَّرة تشهد على أصالة وعمق هذه الحضارة المتقدِّمة في كثير من النَّواحي.
    عدنا إلى القصر في السَّاعة الثَّالثة بعد الظُّهر ونحن نتضوَّر جوعاً فوجدنا الغداء بانتظارنا ولم نجد ألفونسو، قالت أميليا:
    _ أتنتظران سموَّ الأمير أم تباشران الطَّعام فأكمله لكما؟.
    - وأين الطُّهاة يا أمَّاه، وأين ألفونسو؟.
    - الطُّهاة في المطبخ، ولكنَّ هذا الطَّعام قد أعددته بيديَّ، أمَّا ألفونسو فهو قادم، وقد كان في تفقُّد بعض العائلات الَّتي يعيلها، وسيمرُّ على رجل دين من أنصار البابا بول، ثمَّ سيعود.
    وصل ألفونسو وعلى وجهه أمارات تطوف به وتحلُّ أخرى، وكأنَّه قد تأثَر بموضوعين متباينين، وبعد تناول الطَّعام تحدَّث ألفونسو عن لقائه بالكردينال روتاري فقال:
    - تعرَّفت على الكردينال روتاري في غرناطة حيث بلدي ومواطنيَّ، وكان رجلاً ذكيَّاً ومستقيماً ومثقَّفاً، وفي حوار بيني وبينه هناك قال بأنَّ أوروبا يجب أن تستثمر انتصارها على العرب في صقلية والأندلس، واقترح أن يكون هذا الانتصار دافعاً كافياً لوحدة أوروبا، أو اتِّحادها، وعندما سألته عن الرَّاية الَّتي سيحملها الاتِّحاد قال: هي راية البابا، وفهمت من ذلك وقتها أنَّ اتِّجاهاً منظَّماً يقود إلى تحويل البابا إلى إمبراطور مقدَّس سيكون حكمه أقسى من محاكم التَّفتيش هنا، وعندما أشرت إلى ذلك أجابني بأنَّ البابا سيكون أقدر على قيادة أوروبا، لأنَّ هذه الانتصارات قد رسَّخت الشُّعور الدّينيَّ بل نقلته إلى حالة التَّعصُّب، وأنَّ هذه الحالة يجب استخدامها بسرعة لتوحيد أوروبا، وقد جرى هذا الحديث منذ عشر سنوات لم أره بعدها، وقد ذهبت إليه لأرى هل غيَّر موقفه؟.
    قلت:
    - وما هو رأيه الآن؟.
    - يقول ما نقوله، وقد غيَّر رأيه تماماً، ويستند في حديثه إلى أنَّ البابوات غير منتخبين من الشُّعوب الأوروبيَّة، وبالتَّالي فإنَّ أيَّة إمبراطوريَّة بابويَّة ستكون عاجزة عن الحكم على وتيرة واحدة، على العكس من الحكم الإمبراطوريِّ الملكيِّ المتوارث، فإنَّ الملك الجديد يكون في حاشية الملك القديم طيلة حياته حتَّى يتولَّى الملك، ويتوارث صيغة الحكم والمعرفة بشؤون البلاد والمواطنين.
    - هل يستحقُّ كلَّ هذه الزِّيارة يا سيِّدي؟.
    - لا، ولكنَّني أردت أن أعرف آخر الأخبار.
    - هل من جديد؟.
    - لا أظنُّ ذلك، سوى أنَّ البابا يخضع لمراقبة صارمة يفرضها عليه كوزيمو، ويسمح له بإقامة الشَّعائر المعتادة، دون أن يتَّصل بأحد.
    - لن يعدم وسيلة للاتِّصال بحلفائه، وخاصَّة عن طريق كردينالاته المقيمين عنده.
    - نعم ولكنَّه يلزم الحذر الشَّديد، وهذا ما سيقيِّده بعض الشَّيء، ويعلم أنَّ لكوزيمو عيوناً لا يعرفها ستنقل له الأخبار، فيكون مصيره النَّقل إلى السِّجن وإعلان مرضه .
    - وما طيف الحزن الَّذي تراءى على وجهك؟.
    - أخبرني بأنَّ نقل أملاكي إليك يثير حفيظة الكثيرين في أوروبا ومنهم البابا، وأعلمني أنَّ البابا كلَّف زملاء لويس الباقين في عرض البحار باصطياد ولدك الَّذي نقلت الملكيَّة إليه.
    أمَّا أنا فقد كنت أعرف هذا، وحينما أعود إلى صيدا فلن أعود إليها مباشرة، بل سأذهب في اتِّجاه آخر لا يمكن توقُّعه، وأكمل الطِّريق برَّاً ولو كان آلاف الأميال.
    نظرت كلوديا ساهمة وقد خطف لونها وكادت أن يغمى عليها، وتنفَّست بعمق ثمَّ لم تحر جواباً، أمَّا أميليا فقد نظرت إليَّ بإشفاق وأسى وقالت:
    - لعنت الثَّروة إذا كانت تجرُّ المطاردة والقتل.
    - لن أموت إلاَّ في يومي يا أمَّاه، وسأقبل ما كتب لي.
    في أسواق قرطبة تبضَّعت كلوديا وأميليا، من الحليِّ العربيَّة، والثِّياب العربيَّة الفخمة الموشَّاة، وبعض المقتنيات من الخزف العربيِّ الشَّهير، وناءت العربات المرافقة بأحمال لا تكاد تطيقها.
    كان سائقو العربات خلال الرِّحلة ينزلون في أبنية القصور الملحقة، حيث توجد دائماً حاجتهم وحاجة الخيول، وفي البلدان الَّتي ننزل فيها بالفنادق كانوا ينزلون في مواضع مخصَّصة في المدن تشبه الخانات في صيدا .
    وكانت أميليا تعتني بنظافة السَّائقين وهندامهم، فيظهرون دائماً بمظهر نظيف ولائق، وتهتمُّ براحتهم وطعامهم، وتتفقَّد أحوالهم، وكان ألفونسو يأمر بتذويدهم بمؤن وحاجات أخرى، بحيث يخفِّف عنهم وطأة السَّفر الطَّويل، وأصبحوا الآن خمسة سائقين، وكانت العربات الخمس جديدة ومجهَّزة ومريحة المقاعد، وكانت الأطر مزوَّدةً بمخمِّدات تلطِّفُ من اهتزاز العربة في الطُّرق الوعرة، وقد غلِّفت من الخارج بطبقات من اللبَّاد تخفي صوت احتكاك الدَّواليب أثناء السَّير.
    الصور المرفقة  

  6. #46
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    10

    بركة الأسود في قصر الحمراء بغرناطة

    تركنا قرطبة متوجِّهين إلى أشبيلية، وكان الطِّريق مقبولاً على الرَّغم من أنَّه مشقوق على أرض زراعيَّة، وكانت الأراضي معدَّة لزراعة القطن، فبين قرطبة وأشبيلية سهولٌ واسعة تنتج الكثير من هذه المادَّة المهمَّة، تحيكه المصانع والمشاغل، وتحوِّله إلى ثياب اشتهرت بصنعها الأندلس، فتصدَّر إلى بقاع المعمرة، وقد فاقت بجودتها الثِّياب المصريَّة والتبريزيَّة المعروفة عندنا في بلاد الشَّام، عدا ثياب الدِّمقس والبروكار الشَّاميَّة المعروفة عالميَّاً.
    كانت كلوديا ما تزال كلَّما نظرت إليَّ تذرف دمعات الخوف واللَّهفة، أمَّا أنا فقد شعرت بالانقباض والحيرة، وأحسست بضيق الصَّدر مع شيء من الكآبة والحذر، لقد كنت في ما مضي من حياتي مقداماً على القتال، وكنت مجلِّياً في ساحة الوغى، ولست أقرِّر فيما إذا كانت الشَّجاعة هي السَّبب أم طيفٌ من اليأس يدفعني إلى ما يشبه الانتحار.
    كان ألفونسو يقول لي حينما نعود من القتال:
    - إنَّك شابٌّ محظوظ أو محفوظ، فقد رأيتك تقدم على التَّهلكة فتحيد عنك، وأستغرب أنَّك لم تصب أثناء القتال، كنت تقاتل رجلاً أو اثنين أو ثلاثة، ومع ذلك كنت تحيد عنهم وتتلافى ضرباتهم، وفي مرَّات كثيرة تلجئهم إلى الاستسلام أو الفرار.
    وكانت أميليا قد ابتدأت تجيد دور الأمومة بشكلٍ كبير، وتتفقَّدنا لحظة بلحظة، ولا تنسى أبداً ألفونسو، فقد كانت تعتني به عناية فائقة، وتتدخَّل في تفاصيل طعامه ولباسه ونومه.
    وكانت هذه المرأة السَّاذجة مثقَّفة بطبعها فيما يتعلَّق بشؤون الأسرة، فهناك نساء خلقن لذلك، وفي البذور الفطريَّة لهنَّ هذه المورِّثات المتَّصلة بالأمومة من جهة وبحسن الذَّوق واختيار الكلمات والانفعالات المناسبة، البالغة في اللُّطف والحرص.
    وصلنا إلى مدينة إستجة وكان العرب الأندلسيُّون يسمُّونها مدينة القطن، لاشتغال سكَّانها بإنتاج القطن الجيِّد وحلجه وحياكته وتسويقه، وهي بلدة صغيرة واسعة الأراضي والأملاك.
    قال ألفونسو:
    - تعرف يا جون أنَّ أغلب هذه الأراضي ملك لك، وكثير من المحالج والمشاغل فيها، وفي هذه المدينة لا نملك قصراً، وسننزل ضيوفاً على وكيلنا هنا.
    على مدخل المدينة وجدنا الرَّجل وأسرته بانتظارنا، وصحبنا إلى منزل مقبول في ظاهر البلدة، وقال:
    - سيِّدي إنَّ المنزل معدٌّ بشكل جيِّد، ولن ينقصكم شيء فيه، وسنذهب نحن لننزل عند أقربائنا.
    - أشكرك يا عبَّاس، وستعود إلينا فيما بعد.
    - أمرك يا سيِّدي.
    عرفت أنَّ ألفونسو يدعوه لينقده بعض الدَّراهم، وكان ألفونسو حفيَّاً بجميع وكلائه وكان يتفقُّدهم بشكل دائم ويجري عليهم الهبات تضاف إلى رواتبهم.
    كان ألفونسو عميقاً جدَّاً، ويحاول دائماً كتم مشاعره، وقد كان صدره بركاناً يغتلي بأحاسيس شاعرٍ مرهفٍ، إلاَّ أنَّه كان يخفيها فترتسم على وجهه دون أن تصل إلى لسانه أبداً، لقد كان ملكاً وأكثر من ملك في كلِّ شيء، يضاهيه ألفريد مع تميِّز ألفونسو بالكثير من الشَّاعريَّة والحكمة.
    في اليوم التَّالي توجَّهنا إلى أشبيليا ووصلنا إليها عصراً، وفي أشبيليا يملك ألفونسو قصراً كبيراً كان لأمير عربيٍّ، اشتراه من ورثته، وقام بترميمه محافظاً على طابعه العربيِّ المحض، وكان يسمَّى قصر الأمير وليد.
    توجَّهنا إلى القصر فوجدنا مديره والعاملين فيه ينتظرون على بوَّابة القصر الخارجيَّة، وقد كان مؤلَّفاً من طابقين ، والجدران عالية جدَّاً ممَّا يشير إلى رحابة البناء وسمُّوه، وبعد أن سلَّم ألفونسو على المدير وشكر للعاملين حسن استقبالهم توجَّهنا نحو باب القصر الّذي يبعد حوالي ثلاثمائة ياردة، ويضمُّ السُّور الخارجي حدائق واسعة وأبنية خلفيَّة كثيرة، وما أن اقتربنا من القصر حتَّى أطلَّت الواجهة فبدت آية من الإبداع والجمال، وكل بوصة منها مدروسة بدقَّة وذوق عال، وكانت الحواجز الَّتي تغطِّي النَّوافذ المزخرفة بآيات قرآنية قد كتبت بالخطِّ الكوفيِّ الهندسيِّ وصنعت من الأبنوس المطعَّم المشغول، وبالأشكال الهندسيَّة المتداخلة والمنتظمة، وهي آية في حسن المنظر وجودة اليد العاملة.
    وقفنا أمام الباب المصنوع من الأبنوس الفاخر والمطعَّم بالعاج والذَّهب والأحجار الكريمة، وجميع زخرفاته آيات قرآنيَّة وتوريقات محفورة على شكل بلابل وتعشيقات هندسيَّة، وكان المدخل عالياً جدَّاً بارتفاع الطابقين فوقه قنطرة عريضة تشكِّل مظلَّة واسعة، وجدارها الدَّاخليُّ حيث الباب أعمق من الواجهة بثلاثة أو أربعة أذرع، وقد صنع القوس في الأعلى من الرُّخام المنحوت بدقَّة بالغة، بحيث تداخلت أجزاؤه وكأنَّها ثريَّا معلَّقة على القوس، فتح الباب وكان جزءً صغيراً من واجهته الكبيرة، فأطلَّ بهوٌ كبير يفصله عن الباب ممرٌّ متوسِّط الحجم، وما أن وصلنا أوَّل البهو حتَّى أخذتنا الدَّهشة، فليس لهذا العمل مثيلٌ في أوروبا كلِّها، ورأيت كلوديا وقد أسكرها هذا الجمال الفتَّان الرَّائع، كانت صفوف الأعمدة الرَّشيقة والَّتي تحمل فوقها أقواساً لطيفة واسعة، وفوق الأقواس صفٌّ آخر من الأقواس الَّتي حملتها أعمدة أنحف من الَّتي تحتها، وفوقها قوس آخر، وبدا ارتفاع السَّقف أكثر من خمسة عشر ذراعاً، وجميع الأقواس والتِّيجان ملبَّسةٌ بالخطوط الكوفيَّة والتَّوريقات والبلابل وكلُّها مغطَّاة بالذَّهب الأصفر، وقد فصِّصت الأقواس موزِّعة بين مسافات متناوبة من المرمر الأبيض والزَّهريِّ، فكسرت رتابة المنظر، أمَّا السَّقف فقد كان مغطَّى هو أيضاً بالخطوط الملوَّنة والتَّوريقات وصور البلابل والطَّواويس، وقد فردت ذيولها وتخطّرت بغرورها المعهود.
    كان البهو الواسع يحوي جملة من الأبواب، وكلُّ باب يؤدِّي إلى ممرٍّ تنفتح عليه أبواب غرف متعدِّدة وحمَّامات، وقد صمِّمَ كجناح مكتمل، وفي آخر الممرِّ رواق يؤدِّي إلى فسحة كبيرة تضمُّ حديقة ونافورة ماء ومجالس وزِّعت حولها، وتختصُّ بجناحٍ واحد، تفصله عن الجناح الآخر، وفوق البحرة عريش من الياسمين، وفي الحديقة جنَّة من الورود والرَّياحين ونباتات الزِّينة، وأشجار مشذَّبة من اللَّيمون والبرتقال.
    وفي آخر البهو ممرٌّ رئيس عريض يؤدِّي إلى حديقة واسعة مسوَّرة، فيها بحرة واسعة ينصبَّ الماء فوقها من صنابير على محيطها، ويجتمع في مركزها، فيسمع صوته جيَّاشاً بلحن الماء المريح، ومن حولها ساحة واسعة تتَّسع للكثير من الضُّيوف، وفي آخرها مصطبة ممهَّدَة، وجميعها من المرمر الموشَّح والشَّفَّاف، وينساب الماء الزَّائد من جدولين يصبَّان خارج القصر، واستطعت أن أتصوَّر الجوقة الموسيقيَّة تنشد الموشَّحات الأندلسيَّة الرَّائعة، وكأنِّي بزرياب الزَّائر القادم من بغداد الرَّشيد يجلس مع فرقته وفيها أجمل مغنِّيات الأندلس ينشد معهنَّ أشجى الألحان وأحلى النَّغمات، وقد أخذ ابن الخليفة الوليد بن عبد الرَّحمن الثَّاني ما يشبه نشوة الخمر، فنثر فوقهن الذَّهب واللآلئ، وما زلن ينشدنه حتَّى هزَّته أغانيهن فهاج وماج من طرب وسعادة.
    عدت إلى البهو فوجدت الجميع يتسامرون.
    قال ألفونسو:
    - أين ذهبت يا جون؟.
    - أتفرَّج على القصر.
    - هل أعجبك المنظر؟.
    - بل بهرني، فلم أر ولم أسمع عن قصر بمثل هذه الفخامة والعظمة.
    - نعم هذا من عمل أجدادك العرب، لقد أشادوا هنا صروحاً خالدة يحتار بها العقل، وتعبث بكلِّ المشاعر، إنَّ روح هذا القصر تغمرك بالكثير من الفخامة والأبَّهة، فتحس بشيء من الرَّهبة والاحترام.
    - سيِّدي، كيف وصلت إليك ملكيَّته؟.
    - لقد اشتريته من أحد الأمراء القشتاليِّين بثمن باهظ، وأجريت عليه بعض التَّرميمات، وهو مفتوح للسيَّاح في العادة، ويتقاضى منهم القيِّم رسوماً لا بأس بها، وقد وفَّى ثمنه من هذه الرُّسوم.
    دخلنا جناحاً معدَّاً لنا، وما أن دلفنا إلى غرف النَّوم حتَّى أحسست برعدة في جسمي، ووقفت مشدوهاً أمام هذا المشهد، لقد كانت صالة واسعة ضمنها أربعة أعمدة، وكان السِّرير في مركزها، وقد ظهرت الجدران الموشَّاة بالعاج والذَّهب، والسَّقف المرسوم بدقَّة ومنظره قطعة من السَّماء بغيومها البيضاء وطيورها المغرِّدة، فيما أكملت الجدران اللَّوحة بحديقة مليئة بالزُّهور والرَّياحين والطُّيور الشَّادية، أمَّا الفرش فكان مشغولاً بعناية بالغة، وكان حفر الخشب قد نفِّذ بيد عاملة دقيقة، فإنَّك تحس بالرُّسوم وكأنَّها طبعت نسخاً متعدِّدة دون أيِّ اختلاف.
    ومن الصَّالة إلى الحمَّام الَّذي ندخله من باب الغرفة، وهناك كانت رائحة الماء المعطَّر بروح الياسمين، وكانت جدرانه لوحات فنِّيَّة رسمت بالفسيفساء، وكذلك سقفه، أمَّا الأرضيَّة فإنَّها مرآة كاملة من المرمر، وكأنَّه قطعة واحدة، وشاهدت كلوديا تدخل ورائي وهي حائرة تنظر إليَّ ببلاهة:
    - هذا شيء خارق لا مثيل له.
    قالت وهي تنظر حولها.
    وبعد حمَّام هنيء دخلنا السَّرير وما أن كشفنا الغطاء عنه حتَّى هبَّت علينا نسائم أحلى العطور، وأنعم الرِّياش من الحرير الأملس البديع.
    أفقنا مساءً على أصوات أميليا تنادينا، وحينما دخلنا إلى الإيوان وجدنا جمهرة الموظَّفين المعتادين تنتظرنا، فأنهينا التَّنازل عن أملاك ألفونسو هنا، وكانت الأملاك تتضخَّم كلَّما أوغلنا في الأندلس جنوباً، وتتضمَّن الشَّرايين الأساس في هذه البلاد، ولو أحصيت المنتفعين بهذه الثَّروة لشملت معظم سكَّان الولاية، وهنا تضمَّنت مشاف ومنتزهات وأحواض أسماك، وأسطول صيد نهريٍّ، إضافة إلى ما ذكرته سابقاً في المدن الأخرى، وكانت جمهرة من الموظَّفين تتابع هذه الأملاك وتحصِّل إنتاجها، كان لألفونسو من رجال السُّلطة من يحمي موارده الَّتي يعتبرها النَّاس هنا فائدة لهم جميعاً، فإذا شبَّ عن الطَّوق أحد الطَّامعين ألقي في السِّجن.
    وقال ألفونسو:
    - معكما يوم غد فقط تتفرَّجان على أشبيلية فسنغادرها بعد غد، فلدينا رحلة طويلة إلى غرناطة، حيث محطَّتنا الأخيرة، وستبقى بعض الأملاك الموزَّعة هنا وهناك، فسوف أكتب بها وكالة لك في غرناطة.
    كان الليل قد مضى شطره، وكان الجوُّ صحواً، ورياح غربيَّة لطيفة تنسِّم حاملة أنفاس الرَّبيع إلى الأرجاء المحتفية به، وكانت كلوديا تنظر إليَّ بعينيها الحالمتين، ثمَّ قالت:
    لقد حيَّرتني الأندلس، وإنَّ هذه الحضارة العظيمة غنيَّة عن الانقراض، ولكنَّ هؤلاء الملوك الزَّائفون الَّذين فضَّلوا عروشهم على مصلحة الأمَّة يجب أن يدخلوا مزبلة التَّاريخ موسومين بالخيانة والذُّلِّ. كان يجب عليهم أن يتَّحدوا، وأن يعيدوا غزو الشِّمال والاستيلاء عليه.
    - هذا خطُّ الأمم بين صعود وهبوط.
    في اليوم التَّالي زرنا أشبيلية، وتفقَّدنا معالمها الأثريَّة وخاصَّة الجيرالدا وكنيسة القدِّيسة ماريّا، وكانت الجيرالدا برجاً لمئذنة مسجد أشبيلية، وكان أعلى برج في أوروبا، فحوَّله نظام أسبانيا الجديد إلى مكان للأجراس، وكذلك المسجد إلى كنيسة، وجرى توسيعه مع المحافظة على البناء القديم.
    وفي الأسواق أعجبت كلوديا بالنُّحاس المطعَّم بالأحجار الكريمة، فاشترت بعضاً منها حملتها العربة معنا إلى القصر.
    ووجدنا القصر يضجُّ بالزُّوَّار وعلى رأسهم حاكم أشبيليا الَّذي قيل لي بأنَّه كان يعتذر من ألفونسو، فلم يخبره أحدٌ بقدومه، إلاَّ بعد أن وصل إلى القصر، وعندما دخلنا كان يقول له:
    - لو عرفت بقدومك يا مولاي لزيَّنت المدينة كلَّها، وخرجنا جميعاً لاستقبالك، ولأرسلت كتيبة من الفرسان لمرافقتك.
    - اشكرك يا سلفادور وأعرف عواطفك الَّتي أقدِّرها، وأتمنَّى لك ولعائلتك التَّوفيق والسَّعادة.
    - يا سيِّدي بل سيِّد أسبانيا وأوروبا كلِّها، إنَّني خجلٌ من نفسي، وأرجو من جلالتك السَّماح والتَّغاضي عن هذه الهفوة.
    - يكفي يا فخامة الكونت، وأنا أكثر من يعرف ولاءك الثَّابت، فقد أردت أن أخفي جولتي.
    لعلَّك يا سيِّدي قد مررت بجلالة الملك فيليب فهو ملكنا ووليُّ نعمتنا، وعساه بخير وصحَّة وعافية، وكم تمنَّينا أن تقبل دعوة ملوك أوروبا لتتويجك إمبراطوراً عليها، فنحن بحاجة إلى ذلك.
    - أشكرك، وإنَّني أعمل جاهداً لمصلحة أوروبا، وقد اتَّفق الملوك على السَّير في طريق الاتِّحاد.
    بعد ضيافة لائقة ودَّعنا الحاكم وحاشيته ومضى، وجلسنا نتسامر حول مائدة الطَّعام، وسألني ألفونسو:
    - كيف رأيت الجيرالدا والمسجد؟.
    - آيتان معماريَّتان، تمَّ تزويرهما.
    - صدقت وإنَّه لجريمة مؤسفة، غداً صباحاً سنسافر إلى غرناطة، وستريان أكثر الآثار العربيَّة فيها قد زوِّرت عدا قصر الحمراء، فقد اشتراه أحد أجدادي من المحتلِّين ومنعهم من العبث به.
    قضينا يومنا نتجوَّل في ملحقات القصر وتوابعه من البساتين والحدائق والمنتزهات، وفي مواقع كثيرة برك ماء جار ومقاعد وأراجيح، وفيها طواويس حيَّة تروح وتغدو في جنباته، وتختال بمنظرها البديع وذيولها المروحيَّة. وعدنا متعبين فتوجَّهنا إلى فراشنا نسابق النَّوم.
    ولإشبيلية شهرة تاريخية إبان الحكم العربي، وتستحق رائعة شكسبير الخالدة ( حلاق إشبيلية ) .
    في صباح اليوم التَّالي توجَّهنا إلى غرناطة باتِّجاه إستيبا، وكان الطَّريق بحاجة إلى ثلاثة أيَّام من السَّير المتوسِّط، وكان علينا أن نبيت يومين على الطَّريق، لنصل إلى غرناطة في اليوم الثَّالث، وما زالت النزُّل تتوزَّع على الطَّريق شأن بقيَّة الطُّرق في إسبانيا، كانت العربات تنهب الطَّريق نهباً، وتجري الخيول على راحتها، وكان الطَّريق جيِّداً وعريضاً، وجوانب الطَّريق معشبة مزهرة، وشقائق النُّعمان تطلُّ برؤوسها المخضَّبة من بين حقول القمح الشَّاسعة، والسنابل الخضراء اليانعة قد ابتدأت تظهر عليها علامات الشُّحوب إيذاناً بقرب موسم الحصاد، وكان النَّسيم يمر عليها فتتمايل مصدرة صوت حسيسها العذب، وقد ابتدأ نسيمٌ غربيٌّ نشط يدفع العربات باتِّجاه غرناطة، فزادت سرعتها بشكل ملحوظ.
    قال ألفونسو:
    - إذا بقي النَّسيم هكذا فأظنُّ أنَّنا سنختصر يوماً من رحلتنا.
    دار حديث بين أميليا وكلوديا، قالت أميليا:
    - طالما أنَّكما عربيَّان فلماذا لا تقيمان في أشبيلية أو غرناطة، فهما حاضرتان يغلب عليهما الطَّابع العربيُّ؟.
    - لأنَّ سيِّدي ألفونسو يألف مجتمع البندقيَّة، ويكون على اتِّصالٍ مع أنسبائه في فلورنسا والبندقيَّة والنَّمسا .
    قال ألفونسو:
    - لا شيء يعدل عندي غرناطة، ولكنَّ الحوادث هنا لم تنته، وهناك جيل جديد يحلم بإمبراطوريَّة أوروبا المقدَّسة، وفي إسبانيا هنا يترجمون وطنيَّتهم دائماً باضطِّهاد المسلمين.
    بعد هذا السَّير الطويل ما بين برشلونة ومدريد وطليطلة وأشبيلية وغرناطة تتنَّوَّع المناظر وتتفاوت أشكال الأرض وألوانها ونباتاتها، إلاَّ أنَّ هذه المسالك العامرة بين أشبيلية وغرناطة تعيدك إلى أجواء بلاد الشَّام، وكأنَّها قطعة منها، وكنت قد صحبت والدي مرَّة إلى حمص، عن طريق بعلبكَّ، وما أشبه اليوم بالبارحة، وقد علق في ذاكرتي من الذِّكرى ما يوحِّد المنظرين، وربَّما كان الفصل نفسه في أوائل فصل الرَّبيع.
    وصلنا إلى إستيبا في أوَّل اللَّيل، ونزلنا في فندق صغير على الطَّريق تفقَّدته أميليا، وعادت تقول:
    ـ شتَّان ما بين العرب والأوروبيِّين، فلا أثر للنَّظافة هنا، كأنَّك في فندقنا في فرارا، عدا البراغيث فليس هذا فصل تفقيسها.
    استبدلت الأغطية بعد أن انتهرت القيِّم على الفندق، قائلة:
    - ملعون أنت وفندقك، إنَّه زريبة وليس فندقاً، ألم تلدك امرأة أيُّها النَّذل.
    لم يحر القيِّم جواباً، بل نظر إليها بعدم اكتراث. وقال:
    - هذا هو الموجود وبإمكانك البحث عن فندق آخر.
    وتابعنا المسير صبيحة اليوم التَّالي، وما زالت سرعة العربات كما هي فوصلنا إلى غرناطة في المساء المتأخِّر، وسارت بنا العربات إلى ظاهر غرناطة حيث يوجد قصر منيف آخر، وكقصر أشبيلية ابتناه العرب قصراً لأحد أمراء بني الأحمر العائلة الأشهر في حكم غرناطة، ورأينا أمام السُّور الخارجيِّ عدَّة رجال يقفون وبيدهم فوانيس مضاءة، فتوقَّفت العربات أمامهم، واقترب رجلٌ طوَّالٌ أسمر وسلَّم بأدبٍ جمٍّ.
    - أهلاً بك وبضيوفك يا مولاي، وإنَّه ليومٌ سعيد لنا نحن العاملين لديك، وكم نتمنَّى إقامة مريحة تليق بسيِّد أوروبا.
    - أشكرك يا عبد الله، ولا أكتمك أنَّني اشتقت إليكم وإلى غرناطة.
    وقفنا أمام بوَّابة القصر، ولم يكن بالإمكان تقرِّي المعمار في الواجهة بسبب الظَّلام الدَّامس، دخلنا من الباب الرّئيس إلى ردهة كبيرة تقود إلى الإيوان الكبير وتتفرَّع منها أبواب كثيرة، وما أن وصلنا إلى الإيوان حتَّى تجلَّى منظره وهو يرفل بالرَّوعة والدِّقَّة والجمال، كان الإيوان يقوم على أربعة صفوف من الأعمدة الرُّباعيَّة الرَّشيقة، تحمل أقواساً عالية وفسيحة إلى الجهات الأربع، وكانت الأعمدة من المرمر الزَّهريِّ الجميل، وفوقها أفاريز التِّيجان منقوشة بشكل بديع، وقد حفرت عليها صور غزلان وطيور وكتابات كوفيَّة تشكِّل لوحة من الزُّهور والأوراق والأعشاب وأغصان أشجار، وقد طليت بعدها بماء الذَّهب أمَّا القسم العلويُّ من الأقواس والجدران فكان إطاراً من الآيات القرآنيَّة المطليِّ بالذَّهب وتفصله عن بقية الجدار والسَّقف خطوط إطار أعمق لوناً من داخله. أمَّا السَّقف فكان لوحة لسماء مؤنَّقة بالغيوم البيضاء يغلب عليها الصَّحو، وتجوبه طيور مغرِّدة وضياء شمس خافت.
    وكانت الأسقف المحصورة بالأقواس والجدران تتكامل بعضها مع بعض وكأنَّ السَّقف كلَّه لوحة واحدة، أمَّا الثُّريَّات فقد كانت آية في الجمال، وكلَّما أمعنت في النَّظر إليها اكتشفت تفاصيل جديدة مبهرة، وكانت مصنوعة من النُّحاس المذهَّب، وعليها سلاسل صغيرة توزَّعت فيها الأحجار الكريمة، وأغلبها من العقيعق الأحمر، فرسمت ظلالاً شاردة على الجدران المذَّهبة، وأعطت المشهد منظراً رومانسيَّاً عاطفيّاً.
    وكانت الأرض هنا من المرمر السَّماويِّ الموشَّح بالأزرق مما لم تألفه العيون في أوروبا، وعلمت فيما بعد أنَّه قد نقل من أطراف صحراء الجزائر، وتمَّت صناعته هنا في غرناطة.
    وكانت الأبواب الَّتي في الرُّدهة بعد الباب تؤدِّي إلى أجنحة متكاملة وكلٌّ منها قصر جاهز لا ينقصه شيء، بمطابخه وصالوناته وغرف نومه وحدائقه. وفي أوَّل الممرِّ بجانب الرُّدهة سلالم تؤدِّي إلى الطَّابق الثَّاني، فقد كان البناء مكرَّراً من طابقين.
    الليل يخبئ التَّفاصيل، وغداً سأتفقَّد القصر لأصفه كما هو، وكنَّا جائعين فدخلنا نتناول غداءً خفيفاً بل طعام عشاء مبكِّر، ثمَّ دلفنا إلى أجنحة النَّوم، ولدى فتح باب غرفة ظهرت آية أخرى أجمل من تلك الَّتي كانت في قصر أشبيليا، وقرَّرت أن أنام وأترك الحديث عن القصر إلى يوم غد.
    ودخلت كلوديا بعدي وقالت بعد أن وجدتني مستيقظاً:
    - قم نأخذ حمَّاماً ساخناً يا جون، وقد أحضرت لك ثياباً جديدة.
    قمنا إلى الحمَّام المؤلَّف من غرفتين الأولى للملابس، والثَّانية غرفة الحمَّام، وبعد حمَّامٍ ساخن دخلنا فراشنا واستغرقنا في سبات عميق.
    في صباح اليوم التَّالي نظرت إلى غرفة النَّوم بعد أن أزحت السَّتائر لإدخال الضوء، فرأيت منظراً لم أره من قبل، كانت الغرفة مؤلَّفةً من فناء واسع يضمُّ ثلاثة مجازات من الأقواس المحمولة على الجدران وأربعة أعمدة رباعيَّة رفيعة يعلوها صفٌّ آخر من الأقواس والأعمدة، وكانت الأعمدة من المرمر الزَّهريِّ وفوقها تيجان محفورة بأشكل الحيوانات البريَّة كالغزلان والأيائل والأسود، وفوقها أقواسٌ مزخرفة بسماء مرصَّعة بالغيوم والنُّجوم وظلال الطُّيور المهاجرة. أمَّا السَّقف فكان حدائق موشَّاة بالزُّهور المنوَّعة، وكانت الجدران شبيهة بالسُّقوف مضافاً إليها بعض الأرابيسك المتداخل والمصدَّف، وكان الباب المتَّصل بالغرفة لقسم الحمَّام من الأبنوس الأصفر، وقد حفر على زواياه أربع حمامات بيضاء، وحولها وبينها أزهارٌ ورياحين ورياض . وجميعها موشَّاة بالذَّهب ومرصَّعة بالأحجار الكريمة، وأفخم منه الوجه الدَّاخليُّ لباب غرفة النَّوم فقد كان مصنوعاً من الأبنوس الأصفر ومزيَّناً بصور شلالات ماء وغدران، رسمت بأصداف صغيرة مرصوفة، ثمَّ طليت بألوان أخَّاذة.
    نزلنا إلى الإيوان فإذا هو صرحٌ عال وكأنَّه برج وفي أعلاه قبة لا يمكن قراءة تفاصيلها، فقد كانت الأعمدة تتكرَّر حتَّى اكتمل ارتفاعها فنصبت فوقها القُّبة، وواضح أنَّ القبَّة من البلَّور الشَّفاف فكان النُّور يدخل إلى الصَّلة عن طريق القبَّة، وينتشر على كلِّ أنحائها، وكأنَّ الجدران العلويَّة قد زوِّدت بمرايا لعكس الضَّوء.
    ولقد كانت بقيَّة السَّقف والجدران وحوافي الأقواس آيات فنيَّة رائعة أستغني عن ذكر تفاصيلها الآن، وقد خرجت من الباب الرَّئيس المؤلَّف من ثلاث فتحات في محورها أبواب متشابهة، وابتعدت قليلاً لأرى المدخل فوجدته عالياً بارتفاع طابقين، ويتألف من فسحة عرضها ثمانية أزرع، وقد عقد القوس فوقها وعليه مشربيَّات متداخلة وكأنَّها عناقيد الذَّهب. واكتشفت أنَّ البناء واسعٌ جدَّاً، ويتسع لعدد كبير من الزُّوَّار والضُّيوف.
    ولمَّا عدت قال لي ألفونسو:
    إنَّ هذا هو قصر الحمراء الشَّهير، ولعلَّكم ستتفرَّجون على قاعة الأسود فهي الأخرى آية فنِّيَّة تشهد للعرب بأنَّهم أئمَّة في فنِّ البناء الرَّاقي، وهذا القصر من إرث فرديناند الجدُّ الثاني لأبي، وهو الَّذي استسلمت له غرناطة قبل رحيل حكَّامها إلى بالنسيَّا.
    قمنا جميعاً إلى قاعة الأسود، وهي حديقة مكشوفة تتوسَّطها نافورة دائريَّة تخرج من فم أسودٍ تشكِّل حلقة مؤَّلفة من اثني عشر أسداً تحمل بركة النَّافورة، وقد اتَّجهت أذنابها إلى مركز الدَّائرة ووجوهها إلى خارجها، وهي تماثيل متشابهة تماماً نحتت من المرمر الصَّافي، وغذِّيت بالماء المنساب بالرَّاحة وهو يتدفَّق من فم الأسود في بركة دائريَّة تحتها لتصريف المياه.
    ما أروع منظر حديقة الأسود هذه، وحوله بناء مرفوع على أعمدة ثنائيَّة من الأقواس الرَّائعة، تحمل مزخرفات ومنحوتات في نهاية الدِّقَّة والعظمة، وقد نقشت عليها روائع من الأشكال الهندسيَّة المتداخلة.
    إنَّ تصميم الأقواس وتنوُّعها وارتفاعها قد صمِّمَ بدقَّة وبشكل مميَّز من الذَّوق والإبداع، وإنَّه ليحار المرء أمام هذا المنظر الفريد.
    بركة الأسود في قصر الحمراء
    تحيط بالقصر أسوار قلعة توزَّعت فيها الأبراج، ويمكن السَّير لشخصين متسامرين عليها، كما جعلت الطَّوابق السُّفلى من الأبراج مساكن لجنود الحراسة فلا يظهرون على أحدٍ إلاَّ عند اللُّزوم. وهناك ملحقات من قصور الجواري إلى جانب القصر الرَّئيس وتتألَّف من طابق واحد، بني على نموذج قصر السُّلطان.
    وكانت القبَّة فوق الإيوان آية في الجمال، وكانت نوافذها المزدوجة تلقي الضَّوء على حوافي عنق القبَّة المذهَّب فتنتشر في جميع أرجاء الإيوان، أمَّا سقف القبَّة ومسنَّمات الرَّقبة فكانت من المرمر المنحوت على شكل مزهريَّات مذهَّبة. تحتها مباشرة إطارٌ عرضه ذراعين يشكِّل جزءً من هرم مرَّبع في أسفله صفٌ من الخطوط الغربيَة الكوفيَّة وهو آيات التَّوحيد والتَّمجيد، فوقه إلى أعلى الإطار نقوش وأشكال هندسيَّة متناظرة تحيط بباقاتٍ من الزُّهو والرَّياحين، وبين الأقواس والقبَّة إطار آخر مفصَّص على شكل نجمة ثمانيَّة ويشبه الإطار تحت المسنَّمات، ثمَّ تبدأ جوانب القبَّة وأقواسها على النَّمط المتَّبع في جميع الأبنية.
    لقد قدَّم العرب هنا مثلاً أعلى في التصميم والهندسة وإكمال البناء من الزَّخارف والنُّقوش الغنيَّة، وزخرفة الأقواس والجدران والسُّقوف لا مثيل لها في العالم.
    كانت كلوديا تتفقَّد البناء مأخوذة بهذه الدِّقَّة والذَّوق الرَّائع، وقالت:
    - إنَّني يا جون أقف عاجزة عن وصف ما أرى، وكأنَّني في أسطورة من أساطير الجنَّة، فليس هذا عمل بشر.
    حينما عدنا إلى الإيوان وجدنا ألفونسو قد أحضر الموظَّفين، الَّذين كانوا ينظرون حولهم مشدوهين، وكأنَّهم يرون هذا العمل المجيد لأوَّل مرَّة.
    وقال أحدهم:
    - الله كأنَّني في حلم، أو قصر في السَّماء.
    قمنا بتوقيع الصُّكوك لنفل الملكيَّة، وهنا يملك ألفونسو استثمار قصر الحمراء برمَّته، ويملك الأراضي والبساتين والمشافي والقرى، لقد كان ألفونسو يملك غرناطة تقريباً، وفوقها مرفأ بكامله للصَّيد البحريِّ والرِّياضة الصَّيفيَّة بالزَّوارق، قلت لألفونسو:
    - لن أرضى بملكيَّة هذا القصر فهو إرث آبائك ومجدهم.
    - قلت لك سابقاً إنَّنا نملك للعهدة وليس للتَّصرُّف إلا بمصلحة المنتفعين، وإنَّ صيانة هذه المنشأة يكلِّف مبالغ باهظة، ودخله كافٍ لسدِّ نفقات صيانته والمحافظة عليه، وبين هذا وهذا يعمل الكثير من النَّاس ويؤمِّنون رزقهم لتستمر حياتهم، وأكثر العاملين عندي هم من بني جلدتك، وليس شفقة عليهم فهم رجالٌ محترمون، ولكَّنِّى أخاف من الجوِّ السَّائد أن يضغط عليهم فلا يصلون إلى لقمة عيشهم. نحن ملوك يا بنيَّ ونتصرَّف بإملاء من مصالح شعوبنا ومواطنينا.
    كان إمبراطور أوروبا يتحدَّث الآن بلغة الملك الإنسان، وبنبرات حيَّة صادقة، وإقبال على التَّوجيه والتَّعليم، وفهمت الآن أنَّني سأكلَّف بعمل عظيم مجهد، وأنَّ إدارة هذه الأعمال واجب إنسانيٌّ عليَّ .
    وكانت كلوديا والموظَّفون ينظرون إلى الفونسو نظرة الإجلال والإكبار، وهو يلقي عليَّ هذا الحمل الثَّقيل.
    وأضاف ألفونسو:
    - يا بنيَّ إنَّ بعض دول أوروبا تمرُّ بضائقات كبرى، وتهدَّد بمجاعات، فأكون دائماً عوناً لها على تجاوز محنتها، وإنَّ ما لديَّ من الأملاك والخزائن هو رهن تصرُّف النَّاس، ولا أدري لماذا يحجم الموك والأمراء والحكَّام عن تقديم العون، فالإنسان يولد عاجزاً وينمو، ولولا التَّكافل والوداد ما وجد الطِّفل من يربِّيه ويعلِّمه وينشئه.
    - حسناً يا سيِّدي علي أن أوقِّع على شقائي بيدي، إنَّ هذه الثَّروة واستثمارها سيكون حملاً ثقيلاً عليَّ، وأرى يا سيِّدي أن تكلِّف في كلِّ إقليم لجاناً مأجورة أو إدارة لهذه الأعمال، وتتفقَّد هذه الإدارات، ولا داعي لأن تسافر إلى وكلائك، فيكفي أن يكون مركز الإدارة في الموانئ، وتسافر إليهم بالسُّفن، فلا تبذل الجهد الَّذي تبذله، فإذا كنَّا نحن قادرين على تحمُّله فلن تستطيع ذلك مع التَّقدُّم في السِّنِّ.
    قال:
    - لم يغب عن ذهني ذلك، ولكنَّ الأحوال متقلِّبة هنا في أوروبا، وأخاف أن توضع هذه الإدارة في الأقاليم تحت تصرُّف الحكَّام، فيبتزُّونها ويجبرونها على التَّعامل معهم، أمَّا أنا فليس من يجرؤ معي على ذلك وهم تحت نظري.
    لم تجد الحجج مع ألفونسو فقد كان منطقه سليماً، وكان رأيُه دائماً مبنيّاً على كشف ونظرة بعيدة، لقد كان إمبراطوراً فعليَّاً، بكلِّ ما في الكلمة من معني.
    قالت كلوديا:
    - والآن يا مولاي ماذا سنفعل؟.
    فأجاب ألفونسو:
    - بعد أن تتفرَّجوا على غرناطة سنتوجَّه جنوباً نحو شاطئ ملقا، وهناك سفينة تنتظرنا وستقلُّنا إلى باليرمو، حيث سيسافر جون إلى صيدا، ويلتحق بنا في البندقيَّة.
    في اليوم التَّالي نزلنا إلى المدينة نتفرج على جامع غرناطة الكبير وبعض البيمارستانات والحمَّامات، وكانت على غرار الحمراء آيات مبدعة من العمارة الرَّاقية، والفنِّ الأصيل.
    وفي السُّوق تبضَّعت كلوديا الكثير من الثِّياب العربيَّة اللَّطيفة والعباءات العربيَّة الموشَّاة، والأواني المطعَّمة من الخزف والنُّحاس.
    في صباح اليوم التَّالي توجَّهنا إلى مالقا، كانت المسافة قريبة نسبيَّاً وكان الإعياء قد بلغ منَّا مبلغه بسبب رحلة طويلة شاقَّة.
    وصلنا إلى شاطئ البحر المتوسِّط عصراً، وانعطفت العربات نحو مرفأ صغير ترسو فيه سفينة من سفن الفرسان، ووجدنا قائد السَّفينة مع ثلَّة من الفرسان ينتظرون على الشَّاطئ، وبعد أن أدَّوا لألفونسو التَّحيَّة العسكريَّة باسم إمبراطور أوروبا العظيم حملت الأمتعة إلى السَّفينة وغادرنا إلى باليرمو.
    لم نعثر على أيٍّ من سفن إدغار بين باليرمو وإسبانيا، وحين وصلنا إلى باليرمو ورسونا في مرفئها الكبير، وجدنا عربات كثيرة بانتظارنا، فأمر ألفونسو بنقل المتاع إليها، وأثناء ذلك أقبل الملك ألفريد، وجرى عناق حارٌّ بينه وبين ألفونسو، واستقلاَّ عربة واحدة وذهبا، وبقيت أشرف على تحميل العربات ثمَّ توجَّهنا إلى القصر، وكان اليوم التَّالى لخروجنا من إسبانيا قد قضيناه في عرض البحر، فوصلنا صبيحة اليوم الَّذي يليه، وكان يوماَ من الأيَّام الأولى في شهر نيسان، ولعلَّه في الخامس منه، وكان التَّعب قد بلغ منَّا مبلغه، وما أن استقرَّت الحاجات والمتاع في القصر حتَّى دخلنا إلى غرفة نومنا وأخذنا حمَّاماً ساخناً وحللنا ضيوفاً على سلطان النَّوم، واستغرقنا فيه حتَّى غابت عنَّا الأماني الأحلام، وتوارت في أستاره الذِّكريات، وغفونا تحت جنح الإعياء المخيِّم.
    عندما استيقظنا نزلنا إلى الصَّالة فقالت أميليا:
    - لقد نمتما يوماً وبعض يوم، لقد كان مولاي ألفونسو أشدَّنا احتمالاً في هذه الرِّحلة.
    قالت كلوديا:
    - هو إمبراطور أوروبا يا أميليا، ولسنا كذلك.
    فردَّت أميليا:
    - لقد بذلتما جهداً إضافيَّاً بتجوُّلكما في المدن.
    قال لي ألفونسو الَّذي نزل بعد قليل ووجهه طلقٌ وكأنَّه لم يبرح باليرمو:
    - جاء دورك يا بنيَّ، فهيا إلى صيدا.
    - نعم غداً صباحاً وأريد سفينة تقلُّني إلى سرقوصة ففيها بغيتي وستصلها السَّفينة في غضون يومين، أو ربَّما تكون قد وصلت.
    - إنَّها موجودة، وهو يختٌ صغير مجهَّز عليه بحَّاران مخلصان، وستكون في سرقوصة بعد ستِّ أو سبع ساعات من إقلاعك، فأقلع مساء اليوم.
    - لعلَّه قد جاء الفرج يا سيِّدي، وسأكون فيها في الوقت المحدَّد إنشاء الله.
    بعد الإفطار قالت لي كلوديا:
    - صف لي شعورك يا جون وقد اقترب سفرك، وكن صريحاً؟.
    - نعم يا حبيبتي، أرى نفسي بين شاطئين متقابلين وأنا على ظهر سفينة، على أحدهما بلدي وبقيَّة من أهلي، وعلى الأخرى حبيبتي وسيِّدي المنعم عليَّ، وعليَّ أن أختار بينهما، أقصد بين أيِّ شاطئٍ منهما أتَّجه إليه أوَّلاً، فالشَّرف يقتضي أن أذهب إلى بلدي أوَّلاً وأرى حالة أهلي بعد انقطاع طويل، والقلب يرغب أن أبقى إلى جوار سيِّدي وأن أعقد زواجي على حبيبتي، ومن المحيِّر أن أختار شاطئاً قبل الآخر، فأنا تحت تأثير قوَّتين متعارضتين، الشَّرف والحبُّ، وسأحاول أن أضمَّ الشَّاطئين.
    - لم تفدني كلاماً لا أعرفه، فما جديدك يا جون؟.
    - الجديد القديم أنَّني أحبِّك يا كلوديا حبَّاً يؤرِّقني، وأنَّ الواجب أن أرى قومي ثمَّ أعود. فما هو شعورك يا كلوديا؟.
    - أمَّا أنا فبحرٌ هائج تنفعل في داخلي كلُّ الأحاسيس الَّتي أفهمها والأخرى الَّتي لا أستطيع أن أجلوها، فأنا سعيدة لقيامك بواجبك وتلبية نداء الشَّرف، ويحدوني الأمل في أن تنهي زيارتك وتعود إليَّ، ومن جهة أخرى أخشى عليك مخاطر تآمر البابا وإدغار وأعداء ألفونسو، كما أخشى أن تجد في وطنك من يريحك وتأنس إليه وتغلب عليك مشاعر الماضي البعيد، فتنسانا وتتركنا.
    - عندها يا كلوديا أكون قد حطَّمت قلبي وشرفي، أتظنِّين أنِّي أفعل ذلك؟. وبيني وبينك عهد موثَّقٌ، ووعدٌ أكيد.
    - لا ولكنَّ الخوف يأكلني، وأحسُّ بالغيرة والقلق من كلِّ شيءٍ.
    - سأذهب يا حبيبتي وأعود إلى البندقيَّة، وسنتزوَّج وأنهي هذه المسألة فقد تعبت من القتال والسَّفر.
    كان الوقت يمرُّ بطيئاً، وكنت قد تغيَّبت عن آمو وقتاً طويلاً، فأردت أن أذهب إلى وداعه، وما أن وصلت ونزلت في مياه البحر حتَّى أقبل، وبدأ يداعبني على عادته، ويغمغم كثيراً، وقد ظننت أنَّه يبثُّني برحه وشوقه، ولكنَّني استنتجت فيما بعد أنَّه كان يخبرني أنَّه لحق بي في الطَّريق إلى برشلونة، وأخذ يتبع الشَّاطئ إلى منطقة غرناطة، ولم أتفقَّده على شاطئها لأنَّني لم أكن أتوقَّع ذلك.
    قضيت شطراً من النَّهار مع آمو، وعدت إلى القصر مساءً لأجد ألفونسو ومعه شخصان بانتظاري وكانت كلوديا وأميليا تجلسان دامعتين.
    قال ألفونسو:
    - هذان الرَّجلان بانتظارك، فجهِّز نفسك، وحاولوا أن تبقوا قريبين من الشَّاطئ، فأمامكم مسيرة يوم مجهد، ولعلَّ الليل أفضل وقت للسَّفر.
    دخلت وأعددت ثيابي وتبعتني كلوديا باكية:
    - لا بدَّ من هذه الرِّحلة أليس كذلك؟.
    - إذا لم أقم بذلك فسأبقى أكره نفسي حتَّى أموت، وأعيش بلا شرف أو كرامة.
    - إنَّ الخوف يأكلني كما لم يفعل في حياتي كلِّها، وإنَّه ليلتهم منطقي وتفكيري.
    - كوني مطمئنَّة، وسأجد سبيلاً للوصول إلى صيدا ولو على جذع شجرة.
    حينما نزلت كنت ألبس ثياباً استغربها الجميع، وقد لففت إلى وسطي محفظة فيها الكثير من اللَّيرات الذَّهبيَّة المنوَّعة.
    ضحك ألفونسو وقال:
    - كأنَّك واحدٌ من صيَّادي الأسماك في باليرمو.
    وقالت أميليا:
    - والله يا ولدي إنَّك لتكسر قلبي، ولا أحسبني قادرة على احتمال بعدك.
    أمَّا كلوديا فإنَّها لم تستطع الكلام، وقد احمرَّت عيناها من البكاء، وتورَّم أنفها وشفتاها، وكان منظرها محزناً، ولاحظت أنَّها ترتدي السَّواد، وعندما سألتها عن ذلك قالت:
    - إنَّني حزينة ولن أغيِّر لون ثيابي حتَّى تعود.
    وحينما ودَّعتني لم تستطع أن تقف على قدميها، أمَّا أميليا فقالت:
    - تبَّاً للفراق فإنَّه كالموت.
    وودَّعني ألفونسو ودمعات في عينيه يكتمها، فقبَّلت يده وضمَّني إليه ثمَّ توارى في الدَّاخل ليخفي دموعه المتدفِّقة.

    يتبع
    الصور المرفقة  

  7. #47
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    11


    زاوية من قصر الحمراء


    أقلعنا في أوَّل الليل، وكان البحر رهواً ولاحظت آمو وهو يتبعنا ويحاول أن يريني نفسه، ونشر الملاَّح جميع أشرعته، وسرنا باتّجاه سرقوصة، ووصلنا إليها في الصَّباح المبكِّر، وعندما ارتفعت شمس النَّهار ودَّعت البحَّارين وطلبت إليهما العودة إلى باليرمو، ورأيت سفناً كثيرة راسية في الميناء، فسألت القيِّم على المرفأ عن سفينة أوكرانيا فقال:
    - انظر تلك التي ترفع أشرعتها .
    ذهبت إلى السَّفينة فصعدت السُّلَّم إليها، فإذا القبطان على السَّطح يتفقَّد بحَّارته، فاقتربت منه وحيَّيته، وقلت:
    - يا سيِّدي ألست بحاجة إلى بحَّار متمرِّس؟.
    نظر إليَّ الرَّجل بإمعان وقال:
    - إنَّ أجورنا زهيدة يا ولدي.
    - ماذا تدفعون؟.
    - ليرة ذهبيَّة على الرِّحلة الواحدة ذهاباً وإياباً، ونقدِّم طعاماً عاديَّاً.
    - موافق.
    - إذن هيَّا ودعنا نرفع الأشرعة.
    قمت بالمساعدة برفع الأشرعة، وسارت السَّفينة مبحرة بعد أن خرجت من المرفأ، وكان عليها مجموعة من البحَّارة المختلفين عن بعضهم لوناً ولساناً، وهبَّ نسيمٌ باردٌ نشط فاندفعت السَّفينة تتهادى على صفحة اليمِّ الزَّرقاء، ويعرف البحَّارة أنَّ الهواء النَّشط البارد الرطب يحمل المطر، وربَّما كان النَّوء معه، وقد أخذ القبطان يراقب الطَّقس بحذر، ويتوقَّع أي طارئٍ، وما لبث المطر يتساقط بغزارة، شأنه شأن أمطار الرَّبيع، وأقبل النَّوء عالياً وراء المطر، فتأرجحت السَّفينة فوق أمواج عالية، وكان أكثر ما يهمُّ القبطان ثبات الحمولة على ظهر السَّفينة، فأيُّ انزياح فيها قد يؤدِّي إلى انقلاب السَّفينة، فكان همُّ البحَّارة بما فيهم أنا شدُّ حبال الرَّبط والتَّأكُّد من أنَّها قادرة على تثبيت الحمولة، وقد زدنا عددها للتَّأكيد على رسوخ الحمولة .
    مرَّت العاصفة وأشرقت الشَّمس وانخفض الموج، والعاصفة في آخرها، وعدنا إلى اتِّجاهنا نحو شرق المتوسِّط، وكان أمو معنا، يظهر ويختفي ثمَّ يعود ليظهر، وقال القبطان:
    - عجباً لهذا الدَّلفين وكأنَّه يرافقنا، ويقال أنَّ الدَّلافين أذكى الحيوانات فماذا يريد؟.
    - لعلَّه موجود بالصُّدفة، أو أنَّه يظنُّنا دلفيناً أكبر منه.
    هزَّ القبطان برأسه رافضاً هذا الاستنتاج، وقال:
    - دعنا نتفاءل بهذا الحيوان الأليف، ولعلَّه فألٌ حسن.
    بقيت السَّفينة يومين ونيِّف تبحر باتِّجاه الشَّرق، وأطلعني القبطان أنَّنا الآن نقترب من الجزر التُّركيَّة، وبعد أربع ساعات ستظهر علينا سلاسل جبال الأناضول، فقد انحزنا باتِّجاه الجنوب قليلاً بسبب العاصفة، وكان النَّهار في منتصفه، وما أن ظهرت علينا سلاسل الجبال حتَّى رأينا سفينة في الأفق، وكان الوقت قبل الغروب، والقمر في النصف الثاني من الشهر القمري وقد طلع منذ ساعة أو تزيد، قال القبطان:
    - ماذا تفعل هذه السَّفينة هنا، فهي سفينة فرنسيَّة مسلَّحة.
    ولقد عرفت ذلك منذ رأيت السَّفينة، بل هي إحدى سفن الفرسان الَّتي اختطفها لويس وسلَّمها للمارقين منهم، وكنت أعرف أنَّهم سيفتِّشون السَّفينة بحثاً عنِّي، وما أن اقتربنا منها حتَّى أطلقت السَّفينة طلقة إنذار، ونزل منها زورق يحمل بعض البحَّارة، سألت القبطان عن ملكيَّة السَّفينة فقال:
    - مالكها الإمبراطور ألفونسو، وقد نقل ملكيَّتها في العام الماضي إلى ابنه جون.
    أفهمت القبطان أنَّ سفينة الفرسان تطلبني، وأنَّني أنا جون، وقلت له:
    - إنَّ اللَّيل سيخيِّم بعد قليل، وأريدك أن تلهيهم في التَّفتيش في العنابر، حتَّى يخيِّم اللَّيل، ثمَّ سألقي بنفسي في الماء، وأرجو في طريق العودة أن تعرِّج على باليرمو وتبلغ ألفونسو بما حدث.
    بدا أنَّ القبطان لم يصدِّق أنني جون، وعندما قلت له أن يعرِّج على باليرمو ويخبر ألفونسو، هزَّ رأسه موافقاً وكأنَّ ظلاَّ من الشكِّ قد ابتدأ يزيحه عن موقفه، فقال:
    وإلى أين أنت ذاهبٌ يا بنيَّ؟
    - إلى صيدا في لبنان فهي بلدي، وهؤلاء أزلام لويس يلاحقونني للفتك بي.
    ولم؟.
    - لم يرضهم نقل ملكيَّة الإمبراطور إليَّ، ويريدون التَّخلُّص منِّي.
    بدا الرَّجل مقتنعاً بكلامي، فقال:
    - سمعت عنك أنَّك من أصل عربيٍّ.
    لم يكن عندي من الوقت ما يسمح بإجابته فالقراصنة يصعدون إلى سطح السَّفينة، فأسرع القبطان نحوهم مشيراً بالتزام الحذر، ونزل معهم إلى العنابر، وتأخَّروا في الصُّعود حتَّى خيَّم اللَّيل، فألقيت نفسي في الماء، وأخذت أسبح باتِّجاه الجبال، وكانت محفظة النُّقود ثقيلة، وكذلك حقيبة الثِّياب الَّتي شددتها إلى ظهري، وقد ابتعدت عن السَّفينة قليلاً، ورأيت فوانيس تتدلَّى وكأنَّ البحث جار عن شخص متعلِّق بقعر السَّفينة، أو مختبئ تحتها.
    كان حملي ثقيلاً وكنت مضطرَّاً للغوص ثمَّ الظُّهور، وفكَّرت لبرهة أن ألقي النُّقود وحقيبة الثِّياب في البحر، ولكنَّ مجموعة من الحسابات قادتني إلى الصَّبر فلا أعرف ماذا سيعترضني من أمور، ولست أضمن وصولي من غيرها إلى صيدا، وسأكون في الأراضي العثمانيَّة التُّركيَّة، تفصلني عن وطني مئات الأميال، وبين التَّردُّد والإقدام أقبل آمو فانتشلني من الخضمِّ، وبقيت متعلِّقاً بزعانف وسطه حتَّى ابتعدنا عن السَّفينتين، فاعتليت ظهره، وسار بي في بحر مقبول الموج إلى أن وصلنا إلى الشَّاطئ، ولا أدري في أيِّ وقت من الليل أنا، فلا يستطيع المطارد قياس الوقت بالدِّقَّة المطلوبة، فنظرت إلى السَّماء فإذا البدر في الثُّلث الأخير قبل الغياب، فقدَّرت الوقت بالواحدة أو الثَّانية بعد منتصف اللَّيل.
    بحثت عن كهف فوجدت كهيفاً متوسِّط الحجم، فدخلته، ونشرت ثيابي وذهبت في سبات عميق.
    استيقظت في الصَّباح المتأخِّر وجمعت ثيابي، وخرجت أبحث عن طريق، وبعد ربع ساعة أو تزيد وصلت إلى طريق عريض معدٍّ لسير العربات، وظللت أبحث عن شيء آكله، وبجانب صخرة عظيمة وجدت غابة من الفطر الأبيض، فأشعلت ناراً واشتويت بعضه، ووضعت الباقي في حقيبتي، وكنت قد تعبت فغفوت في ظلِّ شجرة.
    استيقظت بعد العصر على أصوات عربات قادمة، فاختبأت بين الأغصان، وعندما وصلت العربات ظهرت لها فكانت عربات بربر باشا الوالي العائد إلى ولايته في طرابلس.
    كانت حياتنا في صيدا منغَّصة بوفاة والدينا، وجاء أقرباؤنا من العرقوب مهنِّئين بالسَّلامة، وكان بينهم من يعرف أبي وبينهم شبابٌ لم يتعرَّفوا على أحد، وسألتهم عن كبير العائلة؟. فأشاروا إلى شيخ كبير عليه سمات الوقار والذَّكاء، فسألته:
    - كيف أحوال أقربائنا في العرقوب يا سيِّدي؟.
    - فقراء بما يكفي لكي يكونوا في أسوأ حال.
    - إنَّني أريد ثلَّة منهم أصطحبهم معي إلى البندقيَّة.
    - إنَّهم غير جاهزين يا ولدي، فهم لا يجيدون شيئاً إلاَّ الزِّراعة، ولكن لماذا إلى البندقيَّة ؟.
    - قصَّتي طويلة ومريرة يا سيِّدي، وإنَّني الآن أملك ما لا يمكنك إحصاؤه هناك، وأريد أن أخدم لبنان وأبدأ بأهلي.
    - يمكنك يا ولدي أن تخدمهم بتأهيلهم بالمدارس والمعاهد، وعندها تكون قادراً على استخدامهم، إنَّهم الآن عالة عليك وعلى أنفسهم، وستفيدهم جدَّاً إذا سلَّحتهم بالعلم فالعلم نور.
    كان الشَّيخ يتكلَّمُ بصراحة ووضوح، وكان مصيباً، فلا بدَّ من الثَّقافة المؤهِّلة للعمل، ولا بدَّ من إتقان اللُّغة، ومن الأفضل إتقان اللُّغات الإيطاليَّة والإسبانيَّة و الفرنسيَّة، وهذه أمَّهات اللُّغات الفرنجية.
    - هل في ذهنك يا سيِّدي كيف يمكن ذلك؟.
    - نعم يا ولدي فيمكنك استحضار المعلِّمين من مصر، ففيها ما يكفي، وهم من سيضع البرامج التَّعليميَّة.
    - ألا ترى أنَّ من الأفضل يا سيِّدي أن تكون المدرسة في البندقيَّة أو في جوارها، ويمكن تأمين الطَّاقم من أوروبا، فإذا كان الفتيان صغار السِّن ابتدأنا معهم من البدايات، وأتمُّوا تعليمهم إلى المستوى المقبول، وإذا كانوا شباباً، ابتدأنا معهم في الحلقات الأعلى.
    - نعم يا ولدي شريطة أن نجد من يرسل أبناءه إلى الغربة.
    - أعرف يا سيِّدي أنَّ الأولاد كثر، ونحن بحاجة إلى الذُّكور والإناث، فنكون قد خفَّفنا على الأسرة، ووفرنا لأبنائها مستقبلاً مرموقاً، ولعلَّنا نجد في جوار العرقوب في بعلبكَّ والهرمل من ينضمُّ إلينا؟.
    - يجب أن نحدِّثَ الإمام محسن بهذا، وسأخبرك، على كلِّ حالٍ فإنَّنا سوف نحضر العزاء الَّذي ستقيمه يوم السَّبت.
    رجع مراد من طرابلس بعد الظُّهر، وقال بأنَّه لم يستطع الابتعاد، وأنَّ خاله بربر سيحضر العزاء، وربَّما يحضر الأمير فخر الدين الثاني، وكانت طرابلس ولاية تابعة للسَّلطنة منفصلة عن أمارة جبل لبنان الَّتي تمدُّ ولايتها إلى صيدا في الجنوب، أمَّا بقيَّة الجنوب والشَّرق فتابع لولاية الشَّام.
    وكانت زينب قد استعادت وعيها تماماً، وقد شرحت لها حياتي كلَّها، فرجتني أن لا أهمل موهبة الرَّسم فإنَّها تغني الحياة الاجتماعيَّة، وتعوِّض الغربة في بلد يقدِّر الفنَّ أكثر من السِّياسة، وقالت.
    - في البندقيَّة يعتبرون دافنتشي وأنجلو ورافاييل ودوناتللو أهم بكثير من أرستيد، وهذا مثال واضحٌ تتقاسمه أغلب المدن الإيطاليَّة، فلا بدَّ من متابعة هذه الهواية، والوصول بها إلى مركز متقدِّمٍ.
    وبدأت على التوِّ ممارسة هذه الهواية، وحوَّلت قبو المنزل إلى مرسم، يحتوي على جميع اللَّوازم للرَّسم، ومعه مطبخ صغير.
    رسمت قصَّة أنانا ودموزي ( تمُّوز ) السُّومريَّةَ، وكانتْ أنانا قد عَشِقَتْ دموزي الرَّاعي، وتزوَّجَتهُ، ثُمَّ قرَّرتْ أَنْ تُضَحِّيَ بِه لتَتَزَوَّجَ من غريمِهِ المُزارعِ، وَكانَ الصِّراعُ على أَشُدِّهِ بينَ الزِّراعَةِ والرَّعي في حوض ما بينَ النَّهرينِ، ومَضى دموزي إلى قَدَرِهَ مُسْتَسْلِماً لحُكْمِ إلهةِ الخصبِ والجمال، ونزلَ طَوعاً إلى العالَمِ السُّفليِّ، ليُسَطِّرَ في تاريخِ العُشْقِ تضحيته النَّادرةَ، بقلبٍ صابرٍ قابِلٍ ومسْتسلمٍ.
    رَسَمْتُ الأُسطورَةَ في سبع لوحات من القياس المتوسّطِ، ونشرتها على جدرانِ القَبوِ، ولقد أرَدْتُ أن أضفي على الرُّسومِ جوَّاً بهيجاً يتناسبُ وجَمالَ أنانا الرَّائعِ، وتعَمَّدْتُ أنْ أُظهر دموزي بصورة الشَّابِّ القويِّ مفتولِ العَضلاتِ، لوَّحَته الشَّمسُ وَلمعت عيناهُ بالذَّكاءِ والحركة، ولمْ أُصوِّر العالَمِ السُّفليَّ بالكآبَة الَّتي تتحدَّث عنها الأُسطورة، بل كانَ عَالَماً موحياً بالانتظارِ، وكأنَّهُ مجموعَةٌ مِنَ المُسافِرين تَجَمَعوا على الرَّصيفِ ينتظرونَ السَّفينةَ أن ترسوَ لكي يَصْعِدوا إليها.
    قالَتْ زَينب:
    - لا أستطيعُ أَنْ أُعبِّرَ لَكَ عن مِقدار تَأَثُّري بِهذِهِ اللَّوحات، إنَّكَ لا تُعَبِّرُ فيها عَنْ الانتقال من مجتمع الرَّعي إلى مجتمع الزِّراعةِ فقط بل تصوِّرُ فيها ملحمة حبٍّ خالِدةٍ، مليئة بالتَّضحية والفداء. إنَّ قيمةَ هذه اللَّوحات ستكونُ فيما تُظهرُهُ من هذه النَّاحيَة.
    وتابعت زينبُ قائلَةً:
    - النَّاسُ مُعذَّبون يا عماد، وهم بحاجة لأن يجترُّوا آلامَهم، وفي هذهِ اللَّوحات يجدونَ لَهُمْ بعضَ العزاء.
    وفد أهلنا من العرقوب لحضور المأتم على رأسهم الشَّيخ صالح حكيم العائلة، وحلُّوا ضيوفاً علينا، فأنزلناهم في منزل كان يستخدمه أيَّوب، وهو بناءٌ مريحٌ واسع أعدنا تجهيزه قبل قدومهم، وكانت عادة العرب أن يناموا في ما يسمُّونه المنزول، وهو صالة عالية واسعة تتَّسع للكثير من النَّاس الَّذين ينامون بفرش ووسائد مسطَّرة في زاوية المنزول، يمدون فراشهم فوق سجَّادٍ مدَّ على الأرض مباشرة، وقد قام الأهل الوافدون بخدمة أنفسهم، ولم يكلِّفونا استقدام طاهٍ من صيدا، فهم يجيدون الطَّبخ العربيَّ، وحينما سألتهم عن سبب إجادة الرِّجال للطَّبخ رغم وجود السَّيِّدات، قالوا:
    - إنَّنا نولم في الأعياد، ونذبح ونطبخ ذبائحنا بأيدينا، فلا تقربه النِّساء حتَّى تنتهي الوليمة وينصرف المدعوُّون، فيقمن بجلي الأوعية والتَّنظيف، أمَّا ما يزيد من الطَّعام فيرسل إلى الأقارب والجيران والمعوزين.
    - ما هو سبب تجنيبه النِّساء؟.
    - قد يكنَّ وقتها غير طاهرات، والعيد مناسبة دينيَّةٌ.
    ابتدأ العزاء يوم السَّبت، ووقفنا نستقبل المعزِّين الَّذين أقبلوا من كلِّ حدب وصوب، وكانت قصَّتنا قد انتشرت من أقصى البلاد إلى أقصاها، فلم نسأل عن سردها، وكان الرَّاوي في صيدا ما زال يتلوها كلَّ مساء، وقد قسَّمها إلى فصول، ولم ينته من سردها حتَّى الآن، فقد كان ينتظر فصولاً جديدة ينهي بها قصَّته، وكانت وفود القرى.
    في اليوم الثَّالث أقبل بربر باشا وعائلته معه، وكان لقاءً حارَّاً جيَّاشاً بالعواطف، وكان بصحبة فاطمة شاب جميل أنيق قدَّمته على أنَّه خطيبها، وأنَّهما سيزفَّان في نهاية الشَّهر، ودعتنا لحضور الزَّفاف، وقال بربر ضاحكاً:
    - هذه فاطمة ستنتقل إلى بيت الزَّوجيَّة، وبقي مراد ولا أدري إذا كنت ستساعده ليلحق بأخته.
    فهمت أنَّ هذا طلب يدٍ رسميٌّ، فتجاهلت وكأنِّي لم أفهم، وصمت بربر الَّذي اعتبره تلميحاً يمكن أن يلقى صداه، وفي معرض الحديث سألت بربر عمَّا إذا كان حوله من يريد الهجرة معي إلى البندقيَّة، والدُّخول في المدارس والمعاهد المختصَّة، والعمل بعدها في إحدى المصالح الَّتي أملكها.
    فلم يبد أيَّ إشارة عن إمكانيَّة مساعدتي في هذا الموضوع، وقال:
    - سأعلن عن حاجتك، وأخبرك عن أيِّ تطوُّر في هذا الاتِّجاه.
    وفي اليوم الرَّابع جاء الأمير فخر الدين الثَّاني معزِّياً، وتحدَّث عن والدي بإجلال وإكبار، ثمَّ وجَّه كلامه إليَّ وقال:
    - وقد أحطت علماً بقصَّتك الحزينة، وأظنُّ أنَّها على صعوبتها جاءت لمصلحة لبنان، وإنَّني أعتبرك سفيراً للبنان في أوروبا.
    وتمنَّى لي التَّوفيق وخرج عائداً إلى بيروت، وما أن عُرف أنَّ الأمير فخر الدين الثاني حضر للتَّعزية حتَّى تقاطرت الوفود من مختلف بلدات وقرى لبنان، وكان ذلك مجهداً للعائلة وللشَّيخ صالح، الَّذي كان عليه أن يتولَّى الضِّيافة بنفسه، وكان الأهل يذبحون الذَّبائح ويطبخونها وينقلونها إلى قسم الضِّيافة في السُّرادق، فيتناول الحضور الطَّعام أفواجاً أفواجاً طيلة النَّهار، ثمَّ يغسل الأهل الأوعية ويتركونها مغطَّاة إلى اليوم التَّالي.
    وفي اليوم السَّادس أراد بربر باشا أن يودِّعنا عائداً إلى طرابلس، ووجدت فاطمة تبكي وهي تودِّع زينب، فعلمت أنَّ مراداً لم يلق القبول المنتظر، وسار القوم، ولم يتحدَّث بربر بشيء، وقال الشَّيخ صالح :
    - إنَّ أسرة السَّيِّد بربر من أفضل أسرنا في بعلبك، وهو قومٌ نبلاء، ويقودون سياسة قومنا في بلاد الشَّام، وهم ذوو باع طويل لدى السُّلطان، وجسرٌ يمتدُّ بين الدَّولة وشعب لبنان.
    الصور المرفقة  

  8. #48
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي


    12
    والأخيرة

    انتهى العزاء، وابتدأت حياتنا العاديَّة، وكان أيُّوب وفاطمة نعم الأبوين، لقد أغدقا علينا من المحبَّة والرِّعاية ما يجعلنا دائمي الشُّكر بالعرفان.
    سألت زينب عن سبب بكاء فاطمة حينما ودَّعتنا، فقالت:
    - طلبت إليَّ الموافقة على الزَّواج من مراد، فأفهمتها أنَّ مراداً من خيرة من التقيتهم، وتحلم أيُّ فتاة بزوج مثله، ولكنَّني لم أخرج من مأساتي بعد، وسنذهب إلى أوروبا، حيث سنعيش، وفي أيِّ وقت يلتحق مرادٌ بنا سيلقى التَّرحيب المطلوب.
    - هذا جوابٌ محنَّكٌ يا زينب، وآمل أن يقتنع بالذَّهاب معنا أو أَنْ يلتحقَ بنا في المستقبل القريب.
    كنت قد عزمت على توكيل الشَّيخ صالح بأملاكنا في لبنان، ورغم أنَّه حاول الرَّفض بإصرار فقد أقنعته بوجوب النَّظر في الموضوع من زاوية أخرى، وقلت له:
    - إنَّ جميع أملاكي هنا لا تعدل شيئاً أمام أملاكي هناك، وإذا وزَّعتها على الفلاَّحين وأفراد العائلة فلن أحلَّ بهذا ما يعانون منه، وإنَّني أريد أن تقيم من ريعها مدرسة مجَّانيَّة، يكون للُّغات الأوروبيَّة موقعٌ مهمٌّ في برامجها، وتشيِّد إلى جانبها داراً لإيواء الطَّلاب الوافدين من بعيد وإطعامهم، وأريد أن أبني مشفىً يستقبل الأيتام والعجزة، ويكون مجهَّزاً بما يكفي ليكون متسَّعاً للرَّاحة والاستجمام. كما أنَّ باستطاعتي العمل كثيراً لخدمة النَّفع العام، وسنعمل على تقوية العلاقة بين لبنان والدُّول الأوروبيَّة جميعها، بحيث تفتتح قنصليَّاته في هذه الدُّول، وغير ذلك ممَّا آمل أن أقدِّمه للمعوزين هنا، وأفضِّل مساعدة القاصرين، وتأمين معامل للقادرين منهم، تستوعبهم جميعاً، وتدرُّ عليهم أرباحاً إضافيَّة تستخدم لتطوير منشآتهم وصيانتها.
    وقلت للشَّيخ:
    - هل سمعت بقصر الحمراء يا سيِّدي؟.
    - من لم يسمع بهذا الصَّرح العربيِّ الأندلسيِّ في غرناطة، إنَّه مفخرة للإنسانيَّة كلِّها.
    - أتصدِّق يا سيِّدي أنَّني أملك استثماره ؟.
    - ولماذا لا أصدِّق، مع استكباري لهذه الملكيَّة الفريدة.
    - وإنَّ الرَّجل الَّذي تبنَّاني هو إمبراطور أوروبا الأمير ألفونسو.
    - لماذا هو أمير وإمبراطور؟.
    - لأنَّه رفض أن يكون إمبراطوراً.
    - لماذا رفض؟.
    - له مبرِّراته، ولكنَّه يتصرَّف دائماً كإمبراطور، ويخضع له ملوك أوروبا.
    - لا بدَّ أنَّ لهذا الرَجل مواصفات خاصَّة.
    - لولا ذلك ما كان لينقل أملاكه إلى رجل عربيٍّ.
    - المستغرب ليس في نقل الملكيَّة بل في أسبابها.
    - إنَّ ريع أملاكه يوزَّع في البرِّ والإغاثة وتأمين المزيد من فرص العمل، وهو من يحلُّ الخلافات، ويوطِّد الملك، ويتمتَّع بصفات أخرى لا يضاهيه فيها غيره من ملوك أوروبا. وإذا تركها للورثة سيتقاسمونها، وينتهي بذلك عمل البرِّ والخدمة العامَّة.
    - لاشكَّ بأنَّه شخصيَّة مميزة، فما هي هذه الصفات؟.
    - إنَّه مقاتل عظيم ومن خيرة فرسان أوروبا، ومثقَّفٌ لا يضاهيه ملك فيها، وهو شاعر رقيق، ومسيحيٌّ متحرِّرٌ، يرى أن قسطنطين قد زوَّر المسيحيَّة الحقيقيَّة المتَّسمة بالبساطة والفطرة، وحوَّلها إلى وثنيَّة رومانيَّة، ويقول بأنَّ الذَّات الإلهيَّة منزَّهة عن الطبائع الَّتي أقرَّها مجمع نيقية، وأن الابن ليس فيه شيءٌ من الآب إلاَّ العناية والمدد.
    - والله يا ولدي إنَّ إمبراطورك قد أصاب الحقيقة، وما أحسبه إلاَّ واحداً من العظماء.
    - عسى أن يكون ذلك يا سيِّدي، وهو من يُعنى بالعرب في إسبانيا، ويؤمِّن لهم العمل، ويجعلهم حاشيته ووكلاءه في كلِّ مكان.
    - جزاه الله عنهم خيراً، ومن أحيا نفساً فكأنَّما أحيا النَّاس جميعاً.
    - بارك الله بك يا سيِّدي ورضي عنك وأرضاك.
    - شكر الله سعيك يا بنيَّ، ألن تكمل دينك يا ولدي؟.
    - بلى يا سيِّدي فإنَّ لي خطيبة هناك.
    - لا تتزوَّج إلاَّ فتاة من بني جلدتك يا ولدي، فمن غيرَّ لباسه إلى غيره كشف عورته.
    - بل هي من بني جلدتي ومن أكابر قومي.
    - لقد أفرحتني بذلك.
    جاء رجلٌ على ظهر جواد وقال بلوعة:
    - يا سيِّدي لقد جاء ملوك أوروبا وهم يسألون عنك وفي طريقهم إليك ومعهم الأمير فخر الدين الثاني.
    بدا الحديث مستغرباً، فمن هم ملوك أوروبا، ولماذا يبحثون عنِّي ولو كانوا من الفرسان لما رافقهم الأمير فخر الدين الثاني، ودارت بي الأفكار، فأمر الشَّيخ قومه بالتَّجهُّز لاستقبالهم، وإعداد العدَّة للضِّيافة، فذبحت الذَّبائح، وأوقدت النِّيران، ولبست زينب أحلى لباسها، وكذلك أيُّوب وفاطمة، وخرجنا إلى بوَّابة القصر ننتظر، وما هو إلاَّ وقت قليل حتَّى أقبل موكبٌ مهيب من الفرسان، ومعهم عربات كثيرة، وكان في العربة الأولى الأمير فخر الدين الثاني وبعض من حاشيته، فنزل وسلَّم بحرارة، ثمَّ دخلت عربتان من باب القصر ونزل الرُّكاب، إنَّهما ألفونسو وألفرد، فركضت نحوهما وعانقت ألفونسو الَّذي كان يبكي، وجثوت أمامه أقبل يده، وهو يضع يده على شعري، ووقفت أسلِّم على ألفرد الَّذي كان يبتسم باطمئنان الأب على ولده، وأحسست بيدٍ على كتفي فالتفتُّ وإذا بأميليا واقفة وكأنَّها قد سمِّرت بمكانها وغاب إحساسها فقبلت يدها وضممتها إليَّ، وهي ما تزال كالخشبة لا حراك بها، ثمَّ انتفضت وكأنَّها أفاقت من غيبوبة، وقالت:
    - ملعونٌ أبي ملعون رومانو لو كانا حيَّين ورأيا هذا لعادا إلى إنسانيَّتهما بشراً.
    التفتُّ إلى الخلف لأرى سيِّدتين تقفان قريباً منِّي كانتا بالزيِّ العربيِّ الكامل متَّشحتين بالسَّواد، وعلى وجهيهما نقابان أسودان شفَّافان، إنَّها كلوديا، فركضت نحوها وما أن وصلت إليها حتَّى هوت مغمىً عليها، فتلقَّيتها وجلست على الأرض ووضعت رأسها في حجري .
    نظرت إلى ألفونسو وألفرد:
    - أنا آسفٌ وأتمنَّى أن تتفضَّلوا بالدُّخول ريثما تفيق كلوديا، وأقبلت رفيقتها الأخرى فإذا هي فرانشيسكا ابنة خالتها، فرشَّت عليها عطراً فأفاقت شيئاً فشيئاً، وحينما نظرت إليَّ ورأسها في حجري، ابتدأت بالبكاء، وقالت وهي لا تكاد تفهم الكلام:
    - لقد ظننَّا أنَّك قد قتلت، فقد عاد القبطان إلى باليرمو وروى القصَّة.
    - ألم أقل لك إنَّني سأصل إلى صيدا ولو على جذع شجرة.
    رفعتها عن الأرض وقلت:
    - هيا بنا إنَّ معك إمبراطور أوروبا وملك صقلية وأمير لبنان.
    رأيت أفراد العائلة يحيطون بنا، والشَّيخ صالح يقرأ آية الكرسيِّ، وقد أصاب الذُّهول الجميع، فإمبراطور أوروبا وملكُ إيطاليا وأمير لبنان هنا. وقلت لكلوديا:
    - لقد آن أوان العرس يا كلوديا .
    ضحكت كلوديا من صميمها كما لم تفعل في حياتها، وركضت باتِّجاه القصر، وسلَّمت على فرانشيسكا، في حين انفضَّ الأقرباء لتحضير الضِّيافة، وما أن دخلنا القصر حتَّى وجدت ألفونسو يضمُّ كلوديا مهنِّئاً، وقال ألفريد:
    - الحمد لله على سلامتك يا بنيَّ، لقد دمَّرنا إدغار وأكثر سفنه، وأسرنا قسماً من بحارته، ونقلناهم إلى سجن الفرسان في باليرمو، وإنَّنا أكثر النَّاس سعادة بك وبزواجك الميمون.
    أقبل الشَّيخ صالح ليعلن عن جاهزيَّة الطَّعام، وأخبرته بأنَّني أحتاجه بعد الطَّعام، فقال:
    - لن يمرَّ الزَّواج بهذا الشَّكل، فسنقيم حفل الزَّفاف اعتباراً من أوَّل الليل لمدَّة سبعة أيَّام، وسيرى النَّاس عرساً لم يروه من قبل .
    شكرت الشَّيخ الَّذي التفت إلى الوليمة واهتمَّ بها.
    وعلى مائدة الطَّعام قال ألفونسو وألفرد في لحظة واحدة:
    - هذه ولائم العرب، لقد خبرناها في الأندلس، وكأنَّها هي.
    وتحدَّث الأمير فخر الدين الثاني قائلاً:
    - أهلاً بكما يا جلالة الإمبراطور ويا جلالة ملك صقلية، لقد تتبَّعت تاريخكما النَّاصع، وكم أفخر بأنَّكما مددتما يد العون لأقربائنا من عرب الغرب، وأخصَّك يا سيِّدي ألفونسو بالشُّكر والتَّقدير لما أبديته من التَّسامح والعظمة والمودَّة لهذا الشَّاب العربيِّ اللُّبنانيِّ، وقد ضمدَّت جراحه، وكنت له ترياق الشِّفاء في محنته المحزنة، وتعبِّر هذه الحادثة عن مأساة أولئك الشَّباب الَّذين يختطفهم القراصنة من حضن أمَّهاتهم، ونحن بحاجة إلى الاتِّفاق على درء هذه القرصنة، والحفاظ على اللُّحمة بين شعوبنا الحضاريَّة المتفهِّمة، وإنَّني باسم لبنان الفينيق والعرب والحضارة والشَّمس أهيب بكم أن تتركوا للبنان طرفاً من اهتماماتكم المتعدِّدة، وسنكون جاهزين لتوقيع ما ترون فيه مصلحة لنا جميعاً من المعاهدات والاتِّفاقات، وعسى أن نرى في المستقبل دول البحر المتوسِّط في منظومة متوافقة متَّحدة.
    سمعت جلبة خارج القصر، ورأيت الجمهور يتدافع إلى الساحة، والطُّبول والمزامير تلعلع في جوٍّ بهيج، ودخل الشَّيخ صالح معلناً ابتداء العرس، وسألني أنا وكلوديا أن نقف أمامه، فنهضنا نحوه وعينا كلوديا تدمعان ويدها ترتجف في يدي، وقامت معنا أميليا وفرانشيسكا فأخذتا يدها من كفِّي وجعلتاها وسطهما، فأخذ الشَّيخ يدينا وسألها إذا كانت راضية بالزَّواج فأجابت:
    - إذا وافق ولي أمري الإمبراطور ألفونسو.
    فقال ألفونسو:
    - هذا مناي موافق طبعاً.
    فقرأ وأخذ علينا عهد الزَّواج وميثاقه، وأوصانا أن نرفق ببعضنا ونحرص على زواجنا، وختم بقوله:
    - باسم الله وبالله ورعايته وحفظه أعقد بينكما عقد الزَّواج، وأتمنَّى لكما التَّوفيق والسَّعادة والرَّفاه والبنين .
    عانقت كلوديا والتفتُّ أتقبَّل التَّهاني، وقال ألفريد:
    - كم أنا سعيدٌ بهذا الزَّواج الميمون، وستكون أوروبا سعيدة بنفس القدر، وأخشى أن تنتهي قصَّة عاشقي أوروبا بزواجهما.
    قال ألفونسو :
    - بل ستبدأ يا ألفريد، لقد انتهى زمن الشَّقاء والبرح، وحلَّ مكانه عصر الفرح والسُّرور، وسيفرح ألفونسو بجيش من الأحفاد المحبَّبين.
    وقال الأمير فخر الدين الثاني، الَّذي لا يعرف كلَّ القصَّة:
    - إنَّه زواج المحبَّة المثمر بين لبنان وأوروبا، وهو رابطة مباركة مفعمة بالتَّقارب والودِّ.
    قالت أميليا:
    - ملعونٌ أبي ملعون رومانو، لقد أبدلني الله خيراً منهما، وسأشرف على تربية الأحفاد وتنشئتهم، فلعلَّهم سيكونون ملوك أوروبا.
    قالت فرنشيسكا:
    - إنَّه ليوم مشهود، ولقاء محمود، وزواجٌ ستفرح له أوروبا كلُّها.
    وقال الشَّيخ صالح:
    - متى أردتم فاذهبوا إلى البندقيَّة، فنحن هنا سنقيم العرس لمدَّة سبعة أيَّام.
    وقال ألفونسو:
    - سأخصِّص سفينتين تجاريَّتين تقومان بالإبحار من البندقيَّة إلى صيدا أسبوعيَّاً، فتنطلق واحدة من البندقيَّة والثَّانية من صيدا، بحيث تؤمِّنان جميع المسافرين من لبنان مجَّاناً، وسيكون لهم مكتب في ميناء البندقيَّة يستقبلهم إلى أن نؤمِّن لهم العمل المناسب.
    شكر الأمير فخر الدين للملكين لطفهما ورعايتهما، وتمنَّى أن يشرِّفاه باستضافتهما في دار الأمارة، فاعتذر الملكان معلنين أنَّهما سينطلقان غداً إلى باليرمو، وسيتركان سفينة في ميناء صيدا لإقلال جون وزوجته وحاشيتهما إلى البندقيَّة وقتما شاءا. وغادر الأمير فخر الدين عائداً إلى بيروت .
    قلت:
    - إنَّ لديَّ مفاجأة لكم جميعاً لا تتوقَّعونها، وسأنتظر إلى انصراف المحتفلين بالعرس.
    لا بدَّ من وصف العرس فهو أوَّل عرس أحضره، وكان مختلفاً عن الأعراس الَّتي أتذكَّرها قبل الأسر، فقد كان الحضور بالزِّيِّ العربيِّ الكامل، سروال مزركش وسترة مثله وحذاء ملوَّن وطربوش قصير، هذا زيُّ الرِّجال، أمَّا زيُّ النِّساء فكان الفستان الطَّويل من الحرير المقصَّب، فوقه سترة قصيرة تجمع الصَّدر والخصر، وتلفُّ الخصر بزنَّار من الحرير المقصَّب، وتحت الفستان سروال أحمر من الحرير، مزموم على الكاحل يخفي ساقي المرأة، وعلى الرَّأس طربوش فوقه منديل من الحرير الطَّبيعيِّ المشغول بالصنَّارة، وقد شغلت أطرافه بكرانيش تتدلَّى منها عقد محبوكة من الحرير، وتلبس المرأة كندرة ملوَّنة أو سوداء، وهو زيٌّ قريب ممَّا شاهدناه في إقليم الأندلس في قرطبة وأشبيلية وغرناطة.
    أمَّا الموسيقى، فقد كانت الآلات المستخدمة هي الطَّبل والمزهر وما يسمُّونه الدِّربكَّة، وهي وعاء فخَّاريٌّ مصنوع على شكل مخروطين أسطوانيَّين مقلوبين لهما عنق مشترك، ومن جهة واحدة قمعه أكبر من الآخر المقابل له، وقد شدَّت عليه قطعة من الجلد الرَّقيق بشدَّة وإحكام، أمَّا الآلات الوتريَّة فكانت العود والقيثارة، في حين كانت آلات النَّفخ هي المزمار الفرديُّ والمزدوج، والنَّاي المصنوعة من القصب المشويِّ.
    وكانت الدَّبكة تؤدَّى بشكل حلقة من الرَّاقصين تضم عموم الجمهور على نغمات الأهازيج والمواويل والميجنا والأغاني الشَّعبيَّة.
    كان الطَّعام عبارة عن موائد واسعة من اللحوم المشويَّة والمقليَّة بزيت الزَّيتون، والمسلوقة فوق أطباق من الأرز والبرغل المغطَّاة بالصَّنوبر واللَّوز والجوز، وكان الشَّراب هو العرق، يشنونه بالماء فيصبح في لون اللَّبن، أمَّا المقبِّلات فكانت من المكسَّرات والمخلَّلات وما يسمُّونه الشنكليش الممزوج بالبصل وزيت الزَّيتون.
    وقائد الجوقة الموسيقيَّة هو قارع الطَّبل، وكان يسرع أو يبطئ في إيقاعه تبعاً لمقتضيات الدَّبكة. ويتلقَّى النُّقود فيقف قائلاً:
    - شبوش لفلان ويسمِّي الشَّخص المتبرِّع.
    ثمَّ يضع النُّقود في جيبه ويتابع القرع.
    انصرف المحتفلون منتصف اللَّيل، وجاء الشَّيخ صالح ومعه لفيفٌ من الشَّباب معهم المعاول والرُّفوش، فاصطحبتهم إلى موقع قريب من المنزل على الشَّاطئ وابتدأ الحفر، وبعد ساعة ظهرت الصَّناديق، إنَّه كنز كلوديا المسروق، فحملها الشَّباب إلى قبو القصر، ووضع الشَّيخ صالح حراسة مشدَّدة على القبو، وعدت إلى المنزل لأجد القوم نيامٌ، عدا زينب وكلوديا فكانتا تتسامران بودٍّ بالغ، وكأنَّهما أختان التقتا بعد غيابٍ طويل.
    قالت كلوديا:
    - أين كنت؟.
    - أحضرت كنزك المطمور.
    احتارت كلوديا في معنى الكلام، فقلت لها:
    - نعم يا حبيبتي فهذا سبب اختطافي، وقد شاهدت جيكوب ومعه رجلٌ عملاق رأيناه عند مهاجمتنا للسَّفينة في شاطئ الإسكندرونة، وكنت أعرف الموقع وقد كتمت معرفتي به طوال تلك السَّنوات.
    أحسست أنَّ الخبر لم يغيِّر شيئاً من تعابير وجه كلوديا، وكأنَّ الكنز لا يعني شيئاً لها، لقد كنت كنزها الَّذي وجدته، واستغنت به عن كلِّ شيء.
    قالت زينب:
    - أنتما حبيبان أسطوريان يا عماد، ولا أكتمك أن زوجتك من أجمل ما شاهدت من النِّساء، وأرقِّهن شعوراً، وأصدقهنِّ على الإطلاق، وهيَ اَنانا الَّتي رَسَمْتَها، ولقد سعدت بمعرفتها، وسنكون رائعتين معاً، فنحن نحسُّ بالأخوَّة بيننا.
    في صباح اليوم التَّالي نزلنا إلى الصَّالة فوجدنا الملكين جاهزين للسَّفر، فأخبرتهما بقصَّة الكنز، وطلبت إليهما اصطحابه معهما، فهما قادران على حمايته، وإيصاله إلى البندقيَّة، ولكنَّهما طلبا رؤية هذا الكنز الأسطوريِّ، فتبعاني إلى القبو، وعندما فتحنا الصَّناديق أضاءت القبو بكامله، وكأنَّ ألف شمعدان قد أشعل فيه، كانت الصَّناديق مليئة بالجواهر واللآلئ، والحليِّ المرصَّعة بالألماس والأحجار الكريمة، وقد بهر الملكان بهذا الكنز النَّادر، وقال ألفريد:
    - إنَّ مثل هذا الكنز يستجلب السَّارقين من مختلف بقاع الأرض، وسنصطحبه معنا فأنا لا آمن نقله على سفينة تجاريَّة، وسنرسله في حراسة مشدَّدة إلى البندقيَّة، حيث يودع في بنك فلورنسا، فهو آمنٌ، ويقدَّر ثمنه باتِّفاق الطَّرفين، فإذا حدث ما هو غير متوقَّع دفع البنك ثمنه بالقيمة المقَّدرة.
    قال ألفونسو:
    بل يجب بيعه وإيداع ثمنه في البنك الفلورنسيِّ، وسيكون ذلك بمزادٍ معلنٍ مع فرصة كافية قبل ابتدائه، فإنَّه سيبقى معرَّضاً للسَّطو، وأخاف على الولدين من سوء يلحق بهما.
    قال ألفريد:
    - هذا رأيٌ أسلم من الَّذي اقترحته.
    وتابع:
    - نعم يا ألفونسو إنَّك بحقٍّ إمبراطورنا، وعن جدارة في كلِّ شيءٍ.
    - أظنَّ أنَّك تتعصَّب لي يا ألفرد، وأنت ندِّي وصديق عمري، ولا أفضِّل عليك أحداً.
    - والله إنِّي لأعلم ذلك يا أخي.
    جرى هذا الحوار المؤثِّر، وكانت كلوديا تقف وعيناها مغرورقتان بالدُّموع لفرط سعادتها وتأثُّرها.
    وقلت لألفونسو:
    - كنت قد طلبت أن تحضر حلقة ذكر صوفيَّة، فهل ما زلت مستعدَّاً لذلك، فنظر إلى ألفرد مستوضحاً، فقال ألفرد:
    - كما تشاء يا سيِّدي، وإذا رغبت فسأحضر معك.
    - نعم يا ألفرد فإنَّ ما أعرفه عن هذا الموضوع يدعو إلى التَّعمُّق فيه، وأحسب أن ملكات النَّفس والقدرة الموهوبة لها أكبر بكثير مما يظهر على السَّطح، وأعتقد أنَّ النَّفس الكونيَّة هي روابط مشتركة بين كلِّ النَّفوس، وأنَّها واعية لكلِّ التَّفاصيل بما فيها الوجود والحركة، وإذا أحسنت التَّعبير فإنَّني أقول: إنَّ الكون بكامله يشكِّل سيمفونيَّة نوريَّة متَّصلةٌ ببعضها بموجات من القدرة الفائقة الدِّقَّة، وإنَّ زوال أيِّ شيءٍ في الوجود يؤثِّر بشكل ما على بقيَّة أجزاء الكون، ولا بدَّ للقوَّة الكبرى المهيمنة على الكون من إصلاح هذا الخلل الطَّارئ، وتقوم بذلك بسرعة الضَّوء، أو أسرع من الزَّمان كلِّه، لتعود معادلة الكون إلى التَّوازن المنشود.
    قال ألفرد:
    - هذا كلامٌ جميل يا ألفونسو، وإنَّ حاجات الإنسان تستخدم القليل من إمكاناته، وربَّما كانت الصُّوفيَّة نوعاً من البحث في الذَّات عن نفسها، وبالتَّالي فإنَّ إقبال الذَّات على نفسها وانصرافها عمَّا سواها يؤدِّي إلى ما يسمَّى الأحوال والمقامات الصُّوفيَّة.
    - وهذا كلامٌ جميلٌ يا ألفرد، وأراني سأستغني عن جلسة المتصوَّفين، فنسافر ونسبق العروسين إلى البندقيَّة، وسنرى كيف سنشاهد حلقة الذِّكر فيما بعد.
    في طريقِ خروجِ المَلكينِ لَمحا اللَّوحات المصفوفة على جدار القَبو، فتمليَّا اللَّوحات بعناية، وقالَ ألفريد:
    - إنَّكَ لَمْ تُضعْ وقتكَ هنا، إنَّ هذا رسمٌ رائعٌ، بل إنَّه شيءٌ خالدٌ، ولعلَّكَ مبتهجٌ الآن، فقد حوَّلت مأساة دموزي إلى معركة كان هو المنتصر فيها، وهذه كلوديا إنَّ أناناك يا جون آية، ثمَّ الألوان والتَّعبير، جميعه مكتملٌ هنا، هذه موهبة عظيمةٌ يا بنيَّ، سيكون لها شأنٌ لا يضاهى .
    وقال ألفونسو:
    - أنتَ لم ترسم أسطورة يا جون، أنت رسمت حياتك.
    قلت:
    سأهدي هذه اللَّوحات لسيِّدي ألفرد، عربون محبَّةٍ وتقديرٍ وولاء.
    أجابَ ألفريد متأثِّراً:
    - هديَّة العُمُر يا بُنيَّ، مقبولة وهي على الرَّأسِ والعين.
    سافر الملكان مصطحبين الكنز واللوحات معهما، وعدنا من وداعهما بعد أن انتظرنا السَّفينة حتَّى أبحرت بعيداً، وسافرت معهما أميليا، فلم تكن ترضى بديلاً عن خدمة ألفونسو، وبالحقيقة أنَّ هذه المرأة البسيطة قد غيَّرت مجرى حياة هذا الرَّجل الاستثنائيِّ، وأصبح أقلَّ رومانسيَّة، وأكثر عبثاً ومزاحاً، ولم يعد يذكر ماري أو حتَّى جين إلاَّ نادراً، وجاء الشَّيخ صالح مودِّعاً، وقال:
    - يبدو أنَّك لن تجد ضالَّتك في اصطحاب مجموعة من النَّاس إلى البندقيَّة، وأرى أن نعتمد الحلَّ الثَّاني، وهو إقامة أكاديميِّة لبنانيَّة تهتمُّ بشؤون اللغات والعلوم، فمتى أجاد الطُّلاَّب اللُّغات، واستبطنوا العلوم فإنَّهم سيشتاقون إلى المزيد، وأرى أن تقوم بعد عودتك بإشادة جامعة في البندقيَّة تهتمُّ أيضاً باللُّغات والعلوم، وتكون على مستوىً عال من الإعداد والتَّعليم، وتكون قادرة على الارتقاء بالطَّلاَّب إلى أعلى المستويات العلميَّة. وسيكون بالإمكان إرسال أبنائنا فيما بعد إلى هناك، فتكون قد أفدت منهم وكذلك لبنان .
    - سأبقى على اتِّصالٍ معك يا سيِّدي، وأرى أنَّني كلَّفتك ما لا تطيقه، وأرى أن تعتمد إدارة موثوقة لأعمالك، فتعدُّد الاختصاصات يفيدٌ كثيراً في إدارة الأعمال، كما أنني سأرفدك بالأموال اللازمة لهذا العمل الكبير.
    لم يعد في البيت غيرنا أنا وكلوديا وزينب وفرانشيسكا، ومعنا العمُّ أيُّوب والعمَّة فاطمة.
    وكانت كلوديا وزينب تبدوان كأنهما أختان، وقد قالت زينب:
    - لم أصادف فتاة ككلوديا، إنها ألطف من اللطف، وأرق من النسيم، وأجمل من إطلالة الربيع.
    - هذا غزل عربي محض يا زينب، يجب أن تعود على اسمك أليزا فإننا لا نريدك أن تحملي اسمين.
    - سيبقى اسمي زينب وكما كانت تلفظه أمي، لقد كانت مأساتي رهيبة يا عماد، وقد مضت هذه السنون من عمري وكأنها كابوس مخيف.
    وبعد أيَّام بدأ الملل يتسلَّل إلى حياتنا، فلم يكن هناك عمل مستمرٌّ يشغلنا ويستهلك أوقاتنا.
    فقلت:
    - جهِّزوا أنفسكم للرَّحيل، وطلبت من أيُّوب وفاطمة أن يذهبا معنا، فاعتذر أيُّوب وقال:
    - لقد كبرنا يا بنيَّ، ولم نعد بحاجة إلى أكثر من قبرين، ونودُّ أن نموت هنا بين أهلنا وأصدقائنا، وكم نتمنَّى لكم السَّعادة والهناء، وقد تمنَّينا أن تبقيا هنا إلى جانبنا، ولكنَّها كانت أضغاث أحلام.
    بعد أيَّامٍ قليلة انطلقنا من المرفأ، وأمرت القبطان أن يتَّجه إلى طرابلس أوَّلاً، فما كان يليق أن نسافر دون أن نودِّع بربر باشا وعائلته، وفي طرابلس لقينا التَّرحيب العريض، ووجدنا مراداً بانتظارنا، وقال بربر:
    - يبدو أنَّ مراداً لا يستطيع الابتعاد عن زينب، وقد أقنعنا، أو أجبرنا على الموافقة على سفره معكما.
    قلت:
    - على الرَّحب والسَّعة، وكم نحن سعداء بذلك.
    وأعددنا العدَّة للسَّفر، وكان وداعاً حزيناً وخاصَّة من أسرة بربر باشا لمراد، لقد شهقت أخته فاطمة وكادت تختنق ببكائها المرير، في حين أغمي على السَّيِّدة دنيا، أمَّا بربر فظهر متماسكاً بعض الشَّيء .
    فقلت:
    - إنَّها البداية فلماذا أنتم حزينون هكذا، فالبندقيَّة قريبة، وهناك سفينة تبحر منها إلى لبنان كلَّ أسبوع، وبإمكانكم زيارته، وبإمكانه القدوم إليكم كلَّ شهر إذا أراد.
    أخذت أمواج البحر تتلاعب بالسَّفينة كما تلاعبت بنا أمواج الأقدار، وساقتنا إلى هذه البداية السَّعيدة، الَّتي لم تخل من الألم

    تمت بحمد الله



    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 22-12-2016 الساعة 04:53 AM

  9. #49
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    نبذة عن المؤلف
    حسين جنيدي


    حسين توفيق جنيدي، مهندس معماري، مفكِّر وشاعر وأديب
    له اربعة دواوين من الشعر ( سرب القطا المهاجر) و( عيونٌ تبحث عن أفق) ، و( أحزان الغروب ) و ( مزامير )
    وله كتابان شعريان ( ملحمة جلجامش) و ( الإينوماأليش أو سفر التَّكوين البابلي)،
    وروايتا (بربر باشا )، و( دموع الشقاء)،و( قصة مدن )، و( نشيد الأنشاد )
    وله دراساتٌ أخرى في التَّطوُّر التّاريخيِّ للأديان.
    ولد عام 1941 في قرية حلبكو الجميلة من جبال اللاذقيَّة السُّورية، في منطقة جبلة
    ونشأ في بيت علمٍ وثقافة، ثمَّ تدرَّج في دراسته في بلدة جبلة وبلدة طرطوس وجامعة عين شمس في القاهرة وجامعة دمشق، حتَّى عام 1965 حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المعماريَّة
    استقال من وظيفته عام 1978 وتفرغ لمهنته وهواياته الأدبيَّة.
    يقيم الآن في قريته حلبكو الجميلة المطلَّة على البحر المتوسِّط من بعيد، مفتوناً بجمال الطبيعة المزدهية بغاباتها الخضراء، وصخورها الزَّرقاء. ومروجها المزهرة، وغيومها البيضاء الشَّاردة، وأفقها الحالم البديع.
    يتطلع إلى اليوم الَّذي تنتهي فيه محنة الأمَّة، ويعود لها حقها في الحياة الحرَّة الكريمة، حيث يعود للقلوب الأمل، وللعيون البهجة والفرح، وتخرج من ليل السُّبات والألم إلى نهار المجد والرِّفعة.


    صفحة الكاتب على موقع فيسبوك













    Chat Conversation End

    الصور المرفقة  

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى ... 345

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •