صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 49

الموضوع: بربر باشا .. رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

  1. #1
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي بربر باشا .. رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

    رواية من العصور الوسطى
    الجزء الأول



    من المؤسف أن تجد نفسك مضطرَّاً لفعل شيء تكرهه، ومن الغباء أن تبحث عن مبرر تكذب به على نفسك، وأنت تعلم أنَّك تهرب منها .
    مكرٌ سيئ أحسست به، وأنا أطيح بأحد الجنديين المرافقين للعربة، ثمَّ بالمرافق الآخر، الذّي بدا متعثِّراً بسلاحه، فلم يفلح في إشهاره، وأصبح عاجزاً عن الدّفاع عن نفسه، وحين ترجَّل الرّكَّاب من إحدى العربتين، وهم رجلان وامرأتان، كان أحدهما قد انتضى سيفه، ويده على غدارته، ونظر إلي بغضب وازدراء .
    وكالعادة أزحت من خيالي صورة الوقار التّي طبعت فيه لدى رؤيَّة هذا الخمسيني المتجهِّم، وحاولت أن أجد كلمات ما تنهي اللِّقاء بدون قتال، ولكنّ سرعة الرّجل بالرّدِّ منعتني من ذلك، وانتظرت أن تتعبه المصاولة، أو يحدث أمر آخر يمكنِّنا من تبادل الحديث، لكنّ الرّجل الصّلب لم يترك لي فرصة تذكر، وعاجلتني مهارته وخطورة ضرباته وصرفتني عن الحوار .
    تبدأ المبارزة بنظرة حازمة سريعة، يتفحص فيها الخصمان بعضهما، وقد أحسست بالاحترام والعطف تجاه الفارس العنيد، لِبريق لمحته في عينيه، طيفٍ من الشّهامة المقترنة بالوقار والعزم، كما شعرت بشيء من العبثيَّة والغوغائيَّة الفارغة، ساقتها المصادفة، وقادتنا إلى هذا العراك الاستثنائيِّ .
    سمعت صوت إحدى السّيدتين ينادي بالتّوقف عن القتال واستجلاء الأسباب المؤديَّة له، فابتعدت قليلاً لأترك الفرصة للحوار، ووجدت الرّجل يجاريني قائلاً :
    - ماذا وراءك يا بني ؟.
    - لا شيء، لقد اعترضت المركبة لكي أنبهكم إلى خطر محدق.
    - ألا تعتقد أنها طريقة حمقاء في التّنبيه ؟.
    بهذه الكلمات انتهت المعركة، وأغمدت السّيوف، والتّفت الجميع لمساعدة الجنديَّين المرافقين، الذّين أفاقا من إغماءة قصيرة، وابتدأا ينفضان الغبار عن ثيابهما، وهما يشتمان سوء الطّالع والغفلة والغباء، والشّيطان أيضاً كعادة الجنود المهزومين في معركة صغيرة، وقد بقي الشّيطان علاَّقة يضع النّاس عليها إخفاقاتهم بل وجرائمهم أيضاً .
    عندما نبدأ قتالا، نشعر بالتّيه والضّياع لفترة وجيزة لا يمكن تحديد زمنها بدقة، ربما نتيجة اصطدام الأفكار بالمشاعر في مخيلتنا، بحيث لا نستطيع أن نستوعبها ونرتِّبها بالسّرعة المطلوبة، لنحدِّد الإجابة عليها، ومع ذلك فلقد كنت أحسُّ بعدها أنَّني قادر بشكل ما على التّعامل مع الوضع الجديد، وشيئاً فشيئاً يعود الوعي إلى طبيعته، وتزول الرّيبة والتّخوُّف، أو تزاح لتحلَّ محلَّها ديناميكيَّة حركيَّة، قادرة على الدّفاع عن النّفس .
    إلاَّ أنَّ آلاف المشاعر والأحاسيس تدلف إلى الذّهن فور التّوقف عن العراك، أو التّمكن من أخذ استراحة قصيرة .
    وفي هذه المرَّة أحسست بشيء من الارتباك والحيرة، لا لأنني تدخَّلت بشكل مفاجئ، أدَّى إلى هذه المعركة القصيرة، ولكنّ لما لمحته في وجه القوم، وخاصة السّيدتين الرّقيقتين، من الخوف بل الارتياع من هذه المواجهة المفاجئة.
    كثيراً ما يحسُّ المرء بالحقارة والتّفاهة، حينما ينجلي ضباب الأنا من أمامه، ويدرك بشكل دراماتيكيٍّ، مقدار الألم الذّي يسبِّبه تصرُّف أرعن وأحمق، إنَّ الفطرة لا تملي عليه غريزة الصّراع من أجل البقاء فقط، وإنَّما تزوق خاطره بلوحات عريضة من الإحساس بإنسانيَّته وحيوانيَّته معاً على السّواء، ومهما انتصرت الحيوانيَّة في هذا الخضمِّ فإنَّها تترك ندوباً دائمة في الوعي، تخمِّش لذَّة انتصاره، وتحوِّله إلى طيفٍ من التّعاسة والأسى.
    ما زال تحويل الرّغبة إلى إرادة، والإرادة إلى فعل، أسوأ ما عانيته في حياتي الشّاردة المتحوِّلة، وما زالتّ أرضيتي العقائديَّة تبحث عن مستقر لها في زحام تطلُّعات شبابي البطر، وكم شعرت بالتّفاهة والخزي، بعد انتصار هزيل، بل وكبير أيضاً، إنَّ تقييمي للهزيمة والانتصار، كان في أغلب الأحيان يتحوَّل إلى عكسه .
    وفي عراكي مع بربر باشا كما نادته المرأة المسنَّة، تمنَّيت لوهلة أنَّني لم أصادفه في طريقي، ثمَّ تدفَّقت الأعذار لتحيي مبرراتها، وتعيد الموضوع إلى أحقيَّته مع شيء من التّدليس .
    بي رغبة أن أفلسف موقفي كما أراه، إنَّ جميع الرّغاب تسْوَدُّ في لحظة بيضاء، وجميع الأخطاء تبْيَضُّ في لحظة سوداء، وحتَّى الحياة نفسها تتداعى بين أحضان الحلم الواهي البعيد عن التّحقيق، وقد يعصف بالنّفس جنون نيرونيٌّ مغفَّل، إذا وصل الإحباط إلى غايته.
    حينما يقال أنَّ لكلِّ نفس إبليسها، فإنَّ هذا القول يلامس أطراف الحقيقة، ولكنّ حينما يقال إنَّ في كلِّ نفس قبس نبويٌّ أو وحي إلهيٌّ، فهذا أقرب للتَّصديق، ففي هذه اللحظة بالذّات، كنت مستعداً لأن أضرب المثل، إلى الحدِّ الذّي يجعلني أهدر فيه دمي فداء لهذا الرّجل الذّي لا أعرفه، مكافأة على نظرته النّبيلة الصّارمة .
    ما أغبى الشّيطان حين رفض السّجود للإنسان الكامل، ذي المعرفة المطلقة، وما أغبى الإنسان الذّي يسجد لشيطانه، وأيُّ حوار يمكن أن يدور حول ذلك، لقد عشقت الزّهور فترة من الزّمن وهمت بها، وكذلك الجليد المتدلِّي من بين أغصان الرّيحان، وكم تساءلت لماذا جعل الرّومان إكليل الغار شعاراً لهم ؟! حتَّى التّقيت ذات يوم بشجرة غار نديَّة في يوم ربيعيٍّ متأخِّر، حيث اختلطت الخضرة اليانعة، بالعطر الزّكي، ودموع النّدى المتلألئة، فأدركت أنَّ الجمال نسبيٌّ، وأنَّه يكاد يكون كاملاً في هذه الشّجرة .
    تنبَّهت من غيابة أفكاري، وأعلمت بربر باشا بأنَّ علينا الاختباء، ولم أترك له الوقت الكافي للتَّساؤل، فكوكبة من فرسان القدِّيس يوحنَّا تفتِّش في المنطقة، وهم من القوَّة والعدَّة والعدد، ما يفوق قدرتنا على مواجهتهم، وسنكون صيداً صغيراً لهم إذا لم نتوار عن أعينهم .
    أعلمني بربر بأنه يعرف نزلاً قريباً، وأنه في طريقه إليه، وهناك في جواره ما يمكن أن نختبئ به، كما أنه لا يملك المعلومات الكافيَّة عن هؤلاء الفرسان، كل ما يعرفه أنهم جند بحريون، وأنَّ بربروس كان يقف لهم بالمرصاد، وقد أضعفهم إلى درجة أعجزتهم عن مقارعة السّلطنة كما كانوأ يفعلون سابقاً .
    لم يكن الشّاطئ الشّرقي لبحر إيجة هادئاً في يوم من الأيام، وظل مسرحاً لحروب اليبوسيين والحثيين واليونان والمكدونيين والرّومان والفينيقيين والبيزنطيين ثم المسلمين العرب فالأوروبيين، وقد تناوبت السّيطرة عليه شعوب متعدِّدة منذ القدم .
    ولم تكن الرّحلة من الأستانة إلى أضنة مليئة بالمخاطر فقط، من قطاع الطّرق الجوالين، أو القوى المتحاربة في المنطقة، أو سكان المنطقة الفقراء، بل كانت حافلة أيضاً بالمواقع الأثريَّة والأطلال الشّاهدة على أهميتها وبعدها التّاريخي .
    كيف استطاع أوليس أن يلجم رغباته، لكي يسمع نشيد العذارى الحور، دون أن ينهار، كيف امتطى جلجامش حلمه الكبير إلى أوتنابشتيم ليبحث عن الخلود الزّائف، ما معنى هجرة موسى وعيسى ومحمَّد، وبوذا أيضاً، ما معنى الإسراء والمعراج، ما وراء اجتراح المعجزة، ثم ما معنى الحريَّة، أسئلة كانت تراودني كثيراً، وها هي الآن تملك زمام أفكاري وتسقطني في بحار الشّك، حيث الزّبد بلا مياه .

    الصور المرفقة  

  2. #2
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    2

    عند باب النّزل ترجَّلت السّيدتان ودخلتا، ثم اختفينا مع الجياد والعربتين في أعماق غابة الصّنوبر، وتوسَّدنا مرجاً من الحشائش النّديَّة، وحاولنا أن نأخذ إغفاءة قصيرة في ظلال الصّنوبر والكينا، تداعبنا نسائم لطيفة غربيَّة، ويشنِّف آذاننا تغريد البلابل وزقزقة العصافير، وسقسقة الينابيع المتدفِّقة في واد قريب .
    أمطرني بربر بوابل من الأسئلة أجبت على بعضها بإيجاز، وكانت عيني مسمرة على الرّجل الآخر الذّي بدا مبالغاً في أناقته، كما أنَّ مسحة من الكآبة تغطِّي وجهه، ممزوجة بطيف من الثَّقافة الواضحة في عينيه وحركة شفاهه، وحديثه الهادئ .
    زحفت نحوه، وعندما اقتربت منه أردت أن أجاذبه أطراف الحديث، فأخذ يتشاغل عنِّي، غير أن طيفاً تلألأ في عينيه أغراني بالتّحرش به .
    - أنا عماد، عماد العرقوبي .
    - وأنا مراد، مراد سلطان باشا .
    - ما معنى باشا، هل هي كنيَة أم لقب ؟.
    - بل لقب أنعم به السّلطان على أحد أسلافي واستمرَّ حتَّى الآن. وهو مثل بارون أو دوق عند الفرنجة، لا شكَّ بأنَّك تفهمُ ذلك.
    - هل أنت باشا أيضاً؟.
    - نعم .
    - وبربر ؟.
    - وعمِّي بربر أيضاً .
    - والسّيدتان ؟.
    - هما خالتّي دنيا خانم، وأختي فاطمة خانم .
    كان يجيب على قدر السّؤال بدون زيادة كلمة واحدة، وكنت أراقبه وهو يتحدَّث بشيء من العفويَّة، محاولاً أن يخفي امتعاضه، ولكنّه فجأة سالنّي باهتمام .
    - من أنت يا رجل ؟.
    - نكرة جوال .
    - لا يبدو عليك ذلك .
    أردت أن أسترسل في الحديث، فنظرت إليه بإمعان، ثم أزحت نظري وعلقته على غصن ريحان يخفق على بعد خطوات أمامي.
    - أنا كهذا الغصن، انظر إليه، إنه فرع من شجيرة صغيرة، لا هو بالوارف ولا بالظّليل .
    - إن كنت تعني المحتد، فقد أسأت التّشبيه، فالرّيحان شجرة مقدَّسة.
    - كلُّ الخلق مقدَّس من أحد الوجوه.
    - ولكنّه لا يجمع دائما بين المنظر الجميل والرّائحة الطّيبة والمنفعة.
    - ما يدريك ؟.
    بحثت في قاموس أفكاري عن معنى لكلمة مقدَّس، فهل هي تعبير عن كثير الخير، أم غزير المنفعة، أم هناك هالة روحيَّة تحيط به، فتجعله عصياً على الإحاطة، أم أنَّه شيء لا يجب أن نخوض في البحث عنه .
    - هل تساعدني في فهم معنى كلمة مقدَّس ؟.
    - لقد سالتُ نفسي هذا السّؤال مرَّات عديدة، فبدا لي أنَّ الشّيء المقدَّس هو ما تتعهَّده العنايَّة الإلهيَّة بشيء خاص .
    - هل هناك شيء لا تتعهَّده العنايَّة الإلهيَّة ؟.
    - ليس بهذا المعنى أبدا، إنَّه مرتبط بفعل أو حادثة تجعله كذلك.
    - أليست الحريَّة شيئاً مقدَّساً على الرّغم من أنَّها لا ترتبط بفعل أو حادثة ؟.
    - الحريَّة مثل أعلى كالشّرف والكرم والفداء والمروءة والصّدق، وهي معنى لفعل، وقد تكون صورة الفعل في بعض الأحايين.
    أدرك الرّجل أنَّني أمتحن ثقافته، فتبسَّم وصمت، في حين رحت أتصفَّح وجهه الهادئ الوسيم .
    ليست الحريَّة بالنّسبة لي مثلاً أعلى فقط، إنها حاجة أساسيَّة وحق طبيعي، ولم تكن يوماً خلقاً نتخلَّق به،أو قيمة ننشأ عليها، ولكنّها الهواء الذّي نتنفَّسه، والعين التّي نبصر بها، بل إنَّها الإطار العام لوجودنا وإنسانيَّتنا، بل مقياس هذه الإنسانيَّة، وإنَّ وجودنا يستطيل وينحسر معها زيادة ونقصاناً.
    لو عرف هذا الرّجل العبوديَّة والرّق، ثم أحس بالحريَّة، لعرف أنَّها ولادة جديدة، وبعث محدث للإنسان، كلُّ مخلوق يستحق الحريَّة، بل إن الأشياء جميعها تنمو وتزدهر بين أحضانها، وتصبح خلاَّقة مبدعة، وشفَّافة غنيَّة .
    آه من البحر، عندما تزدحم به المجاديف، أو تخوضه الأذرع، أو تغوص به العيون، وعندما تجري به الأشرعة، وتعانقه الصّواري، تحسُّ بالخلود المحض والفناء المحض في لحظة واحدة، وتشعر بالتّناغم الأبديِّ بين الجزء والكل، أعانقك يا حبيبي وأشتاقك وأنا أعانقك، آه منك، فأنا عاشق مستهام، أحبك أحبك أحبك .
    نظر الشّاب إلي غارقاً في أفكاري، سابحاً في ضباب عينيَّ الشّاردتين.
    - السّت شاعراً يا رجل ؟.
    فانتبهت إليه وكأنَّه أيقظني من سبات عميق، وطلبت إعادة السّؤال .
    لماذا نريد أن نسأل دائماً ؟، وما فائدة الجواب ؟، ولماذا نريد أن ندخل في متاهات نفوسنا الغامضة المظلمة، ونفجِّر عذاباتها، أيّ شيطان ثقيل سمج يريد دائماً أن يعكر صفو يمِّنا الواسع العميق، ويلوِّنه بظلال الشّكِّ والرّيبة، ويسقطنا من جنَّة النّفس إلى هاويَّة العقل والجسد .
    - هل أنا كذلك ؟.
    - تبدو غائباً في خيالاتك .
    - أريد أن أعيش ضلالاتي.
    - كيف ؟.
    - إذا لم تفهم ذلك فلن يستطيع أحد أن يفهمك إياه .
    - كأنك لا تريد أن نتبادل الحديث .
    - هناك متَّسع لذلك، دائماً يوجد زمن يتَّسع للحديث .
    لم أشعر بأنَّني قد أهنت الرّجل، وإن لاح في عينيه ظل من الامتعاض، وكوَّر شفتيه يريد أن يقول شيئاً، ولكنّه أحجم وابتعد، فتبعته متمتماً.
    - أعتذر إليك، فلم أقصد إلاَّ أن أتناسى آلامي .
    - إنَّك شاعر مجنون .
    - ربما أكون مجنوناً فقط، ولكنّني دائماً مجنون محبٌّ .
    لم ألاحظ أي تغيير على وجه الشّاب، ولكنّه ابتسم وغمغم كلمات لم أتبينها، ومع ذلك فلم أشعر باللَّوم، ولم تقرضني أبداً نظرته الموحشة المتسائلة، كل ما أحسست به مزيدٌ من المرارة الممتزجة بالحزن، وتابعته وهو يمضي في طريقه، غير عابئ بما يدور في خلدي من أفكار.
    لم يكن مراد ليستطيع أن يتلمَّس جرحي أو يحيط بمأساتي المتجدِّدة، وقد كانت بحاجة إلى متصوِّف أرعن يستكشف حجاباتي الكامدة، علَّه يجلو صدأها ويظهر حقيقتها، هناك دائماً ظلال خفيَّة في شعورنا، لا نستطيع فهمها، وزوايا مؤلمة معمَّاة، بحاجة إلى تسليط الأضواء عليها، وتفسير تفاصيلها المتراكمة. وأمَّا آلامي فهي كنزي المخبَّأ في أعماقي، ولؤلؤتي الفريدة المنتظرة في صدفة نفسي الحالمة البائسة .
    أستطيع أن أجابه أيَّ شيء، ولقد تعودت على ذلك وألفته، ولكنّ من يستطيع أن يلج مأساته، ويكشف أغوارها السّحيقة، ويكون بعدها قادراً على الاستمرار في الحياة بهدوء؟.

  3. #3
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    3





    كنت أهرب دائماً من معاناتي، وأفر من تداعيات محاكماتي المعقَّدة، ولم أحاول مرَّة واحدة أن أكون قاضياً، كنت ألوك آلامي بدون أن أتصفَّحها، وأقرأ سطورها الواهيَّة المتعبة، وكان البحر ينقلني بعيداً عنها، ويدخل على قلبي بعض العزاء والسّلوان، ولم يكن لي صديق غيره في باكر طفولتي، لقد آمنت به وبأنَّه صديق خالدّ، بل حبيب وحيد، وتيقَّنت بأنَّ خلودي فيه، وعندما يتحدَّثون عن المحبوب والفناء فيه، كنت أفهم ذلك لدى خوض عبابه، والغوص في أعماق ذاته المتراميَّة الأطراف، وكنَّا نعزف معاً لحن اتحادنا الأبديِّ، فأحسُّ بأنَّني واحد من حيتانه، ولا أستطيع أن أصدق ولو للحظة واحدة، أنَّ صديقي يمكن أن يخونني، فلا يحتفظ في أعماقه بشيء من نفسي الهائمة الموجعة.
    جاء من يعلمنا، بانتهاء الخطر، وأنَّ الفرسان بحثوا في النّزل فلم يجدوا أثراً لما يطلبونه، وكانت الشّمس قد شارفت على المغيب، وابتدأ الغسق يلقي على الدّنيا ملاءته الشّاحبة الحزينة، وكان البحر يبدو في الأفق الأبعد، ساهماً راقداً في محرابه الفسيح، ينشد أغنيَّة عناق الشَّمس المعروفة .
    استقبلنا رجل دحداح دميم كبير الرّأس، وامرأة خمسينيَّة هيفاء، يعاني وجهها من أثر جراح، وكان النّزل صغيراً وفقيراً لكنّه كان نظيفاً، إن النّظافة كالماء تجعلك مستريحاً، وتعطيك الإحساس بالطّمأنينة، وقد تمكنت من تفحص السّيدتين بإمعان، كانت دنيا في نهايَّة الأربعينات أو بدايَة الخمسينات، تبدو عليها علامات الثَّراء والتّرف، معتدلة القوام، وجهها مستدير أقرب إلى البياض، وعيناها خضراوان واسعتان، تنبئان بجمال أنيق، وكانت ثيابها الفضفاضة تخفي أنوثة متألِّقة، يذيعها صدرها الرّحب الممتلئ، قد اعتمرت منديلاً موشى فوق طربوش صغير .
    أما السّيدة الأخرى فكانت فتاة صبيَّة، طويلة ممشوقة القوام، في مطلع العشرينات، بوجه وسيم رائع، وبشرة بيضاء صافيَة، وعينين فاحمتين خادرتين، وجبهة عريضة تنمُّ عن محتد عريق، وكانت تلبس كخالتها ثياباً فضفاضة، وتضع على رأسها وشاحاً مزركشاً بدون طربوش.
    أمَّا بربر فقد لاحظت للتوِّ أنه يعرج قليلاً، وأن في حديثه لكنّة تشير إلى عيٍّ أو إعاقة وربما بسبب إصابة قديمة. في حين بدا الشّبه واضحاً بين الشّاب مراد وأخته، إلى درجة تظن أنهما توأم حقيقي .
    تهامس الرّجلان، ففهمت أنَّني موضوع الحديث، ووجدت بربر يتَّجه نحوي بنظره .
    - ما هي وجهة سفرك يا بني ؟.
    - إلى أضنة ثم إلى بلاد الشّام .
    - إلى أي مكان من بلاد الشّام ؟.
    - إلى قريَة على ساحل البحر .
    - من لبنان ؟.
    - نعم .
    - ستكون رفيقنا إلى نهايَّة رحلتنا إذن .
    - لستم مضطرِّين إلى ذلك .
    - إنَّنا نرحِّب بك على الشّروط التّي تعرفها .
    - لقد تربَّينا على احترام الصّحبة، وحسن الرّفقة .
    - لقد أجدت التّعريض، ولا أحسبك إلا رجلاً ذا مبادئ .
    - أشكرك .
    كيف قبلت الانضمام إلى القافلة، وكيف تولد في نفسي شعور بالوداد والمحبة تجاه هذه الأسرة، أمر حدث بسرعة غير متوقَّعة، لكنّني لم أفكر في الاعتراض، ربما يكون بسبب طول الرّحلة، أو الحاجة إلى الأنس والسّمر، أو لطف المعشر الذّي يتمتعون به، أو عيني فاطمة الخادرتين.
    وأغرب ما في الأمر أنَّ إحساسي بدمامة صاحب النّزل قد تلاشى، وحل محله شعور بالألفة والثقة، لقد كان هذا الأرمني لطيفاً جداً، وبسيطاً وصادقاً، وكانت زوجته مضيافة طيِّبة المعشر، كما أنَّها بارعة في طهي الطّعام، وبدا أنَّ صداقة قديمة تجمع بين بربر باشا وهذه العائلة اليتيمة، فبوغوص هذا لم ينجب أولاداً، وكذلك بربر، ومن تجربتي الشّخصيَّة، لاحظت أنَّ تآلفاً ما يجمع بين العائلات اليتيمة، أقصد تلك التّي لا تنجب، بحيث ترى أغلب حلقاتهم خاليَة من الأسر التّي لديها أطفال.
    لماذا نحاول بل نفعل الكثير لكي ننجب، هل هي بذرة فطريَّة، أم أنَّها حاجة اجتماعيَّة، أم الاثنتان معاً، ربَّما كان الخوف من الآتي، أو الإحساس المأساويُّ بالعدميَّة، ورعب الموت والفناء هو المسبِّب، ولكنّ العائلتين بدتا متجاوزتين لجدار اليأس، مقبلتين على العيش بنهم وشهيَّة، ولقد رأيتهم يضحكون ملء أفواههم، كما رأيت بربر ينظر إلى الشّابين بحنان الأب، ودنيا تتلقاهما بلهفة الأم الرّؤوم.
    أليست الأبوة قيداً من قيود العبوديَّة ؟، والزّواج أيضاً أليس كذلك، ألا يجعلاننا نحسُّ بأنَّنا نصف أحرار، وبالتّالي نصف عبيد، هناك شيء ما في النّفس يأمر بذلك وهناك شيء آخر ينهى عنه .
    - لا يتزوج الحرُّ إلا في لحظة جنون، ولا ينجب إلا في لحظة يأس.
    قول كنت أسمعه دائماً من ألفونسو، كان يقول ذلك ويسترسل في الضّحك، مقهقهاً بشكل انفعاليٍّ.
    - لا تتزوَّج وإذا تزوَّجت فلا تنجب، فكلُّه للتُّراب، إنَّك ستحارب بعدها عدداً من الأعداء، ثلاثة أو أربعة أو أكثر، وأي فارس يمكنه الصّمود أمام هذا الجمع الغفير من الأعداء . يردف ألفونسو بنبرة لا تخلو من الجدِّيَّة.
    وكنت منذ عهد بعيد قد فتنت بالحريَّة والبحر، أما الحريَّة فهي وجودي برمَّته، وخفقان قلبي، وفرحي وحزني، وكلُّ نبضة في عروقي، أو نسمة هواء أتنشَّقها، أو هاجس أحلم به، وأمَّا البحر فكان يحتكر محبَّتي ووفائي العميقين.
    كنت إذا غضبت ذهبت إليه، وإذا فرحت ألقيت نفسي في أحضانه، وكان يتلقاني دائماً بذراعيه ويضمُّني بلهفة وحنان، وأسمع تنهُّدات الشّوق تتكَّسر مع المويجات على شاطئه النّدي، وكنت أتغرغر بمياهه المالحة الطّاهرة، لأشتمَّ وأتذوَّق أنفاس وطعم نفسه الخفَّاقة المعطاء .
    حاولت مرَّة أن أستكشف أعماقه، فغصت أحاول الوصول إلى قاعه، كان قراره عميقاً تحتي، ورغم أنَّه حاول إبعادي إلى السّطح حرصاً علي، وخوفاً على حياتي، إلا أنَّني استطعت أن أصل إلى قاعه، وأن أمشي فوق رماله الذّهبيَّة، كانت الدّماء قد ابتدأت تطفر من أنفي وفمي، ولكنّني صبرت، وعلى حافة الموت وجدتني أقبِّله، لم يكن هناك سوانا، أنا والبحر .
    السّماء تبدو زرقاء شاحبة، وأبناء البحر يحيطون بي، كل الجنيات من حوريات البحر ذوات الذّيول الفضيَّة الطّويلة الممشوقة، ثعابين البحر تتلوَّى راقصة أمامي، تغرس رأسها بين الرّمال، فتبدو غصناً أملس استقرَّ في أسفل الماء.
    حين تطلَّعت إلى الصّبيَّة عفواً، وجدتها تتفحَّصني، وقرأت في عينيها رسالة من التّساؤل والدّهشة، ولقد تعوَّدت على نظرات مشابهة، تستصرخ الأجوبة، ولكنّ ليس من مثل هاتين العينين الخادرتين الدّافئتين.
    وجدتني أتوجَّه إليها مبادراً، ولكنّها زاغت عني وصعدت سلَّم الطّابق الأعلى حيث جناح النّوم وهي تقول :
    - إنني متعبة، وآن أن آخذ بعض الرّاحة .
    وأحسست بيد تربِّت على كتفي، فالتّفت لأرى بربر باشا مبتسماً وكلُّه إقبال على الحديث.
    - أرجوك أن تزيدنا معرفة بك، فإننا سنترافق لأياَّم عديدة .
    عن ماذا سأحدِّث بربر باشا، راح شريط حياتي يتداعى أمامي، وتبادر إلى ذهني سؤال أحمق، فمن أنا وهل أنا موجود ؟، هل للواقع حقيقة؟، هل ما أحس به من صور ومشاعر كاف لكي أكون موجوداً بشكل مؤكَّد، هل الإحساس والذّاكرة كافيان لإثبات حقيقتي ؟.
    - أنا أنت يا سيدي بالنّسبة إليك، وأنت أنا بالنّسبة إلي .
    - لم أفهم ؟.
    - هو كلام معقد .
    بدت على وجه الرّجل علامات الاستغراب، المختلطة بشيء من الدّهشة والبلاهة إلى حدٍّ خفت معه أن يظن بي الظّنون .
    - ملاَّح غريب تائه، يبحث في أفقه اللانهائي عن حلم لا وجود له .
    - لقد زدتني غموضاً يا بنيَّ !.
    - سأكون كلاسيكيّاً معك يا سيدي، فأنا عماد العرقوبيُّ، من بلاد الشّام، من قريَّة صغيرة على شاطئ البحر .
    - ليس هذا ما أقصده يا بنيَّ فقد عرضته من قبل .
    - لكنّه كلُّ الحقيقة التّي أعرفها، إنَّه اسم ومكان، والباقي حركة.
    - اسمع يا بنيَّ فأنا لست فيلسوفاً، أنا جنديٌّ، ولا أستطيع مجاراة مثل هذا الحديث، وإنَّني أستفهم شيئاً عن حياتك .
    حقاً إنَّني مجنون، أو شاعر مجنون كما قال مراد، فكيف ولماذا أدخلت الرّجل في متاهتي العميقة ؟، غير أنَّ شيئاً ما في داخلي يريد أن يتكتَّم على سطور حياتي الكامدة .
    - حياتي التّي تقصدها يا سيدي ملكي، ولكنّني أريد أن أطمئنك، فلست أفَّاقاً ولا قاطع طريق، وكما سبق وأخبرتك، أنَّني ملاَّح تائه .
    - ملاَّح ماذا ؟.
    - ملاَّح نفسي وذاتي .
    - يا للغرابة والنّرجسيَّة .
    تدخَّل مراد بسرعة، صارفاً عمَّه عن متابعة الحديث، ومشيراً إلى خصوصيَّة الحياة، وحقِّ الإنسان بالاحتفاظ بأسراره لنفسه، كما أشار إلي بزمِّ شفتيه، وأفهمني أنني بالغت في التّعميَّة، وقد كنت كذلك متعمِّداً، إنَّ كتاب حياتنا لا يجب أن يقرأ، وإذا قرأناه نحن فلن يكون إلاَّ كما نريد، وليس كما هو، فنحن سجناء لأمانينا ورغباتنا المعقَّدة المتعدِّدة، وهي التّي تغلِّف تصرُّفاتنا بما تهوى .
    - أليس لك أصدقاء ؟.
    سالني مراد مغيِّراً دائرة الحديث، مع بقائه قريباً من حوافيها .
    - نعم صديقي البحر، أناجيه ويناجيني، وأسمع منه ويسمع مني.
    - عدنا ! نريد صديقاً حياً ؟.
    - وهل هناك حيوان كالبحر ؟!.
    غامت عينا مراد وراء ظل حالم متفهِّم .
    - ألم أقل لك أنَّك شاعر مجنون .
    - ألم أقل لك أنَّني محبٌّ .
    - عاشق ؟!.
    - من وجوه كثيرة .
    لم يحتلّ الطّعام واللِّباس شيئاً يذكر من تفكيري، ربَّما لأنَّ البحر كان يؤمِّن لي ذلك، فقد كان دائماً سخيّاً معي، ولم تكن انفعالاتي تتمحور حول شيء ماديٍّ، لقد قادتني الظّروف إلى القتال من أجل الحريَّة، وكان قتالا شرسا، وقد تعلَّمت خلاله جميع فنونه، وتملَّكت شجاعة المواجهة، لقد قال ألفونسو ذات يوم وهو يشير بكلتا يديه .
    - لم أر مثلك أيها الشّاب، تملك أوهامك وتجعل منها حقيقة تكافح من أجلها، إنَّ محبوبك البحر لا يستطيع أن يجيب على تساؤلاتك، وحدها امرأة ربَّما تلوي ذراعيك .
    لم يكن ألفونسو يقصد امرأة أو أخرى بعينها، كان يقصد أن أتبع عاطفتي وأطلقها من عقال العقل والجسد، لكي أعيش أحلامي الشّفَّافة الجامحة، كان يعتقد دائماً أن الرّوح قادرة على إلغاء الزّمان والمكان، وإسراج الجواد الأسطوريِّ، جواد من نور يستطيع أن يحمل النّفس إلى حيث تريد أو تحبُّ، حيث لا مكان ولا زمان .
    آن وقت الخلود إلى النّوم، وكان عليَّ أن أمضي اللَّيل على أريكة في الطّابق الأرضي، فقد كان النّزل صغيراً، يمر به المسافرون مرور الكرام، ليتناولوا بعض الطّعام، أو ليتزودوا بخبز التّنور الطّريِّ وبعض الحاجات الأخرى، ولكنّ النّزل على صغره كان نظيفاً إلى درجة توحي بالإعجاب
    الصور المرفقة  

  4. #4
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    4

    أفقت على صوت قرع على الباب، ففتح بوغوص، ودلف إلى الدّاخل رجل وامرأة مبلَّلان بالمطر، وسمعت الطّارق يتحدث بلكنة غريبة، ويطلب مكاناً للمبيت، وتبينت وجه رجل كهل معتدل القامة، لمعت عيناه على ضوء الشّمعة، وكأنهما شمعتان متوهِّجتان، كان يرتدي ثياباً سوداء حالكة، وقد أخذ ينفض الماء عن قبعته السّوداء الغريبة الشّكل، في حين اتَّخذت المرأة طريقها إلى كرسيٍّ جلست عليه وهي تقول :
    - ـتباً لك يا يعقوب وتباً لهذه الرّحلة المفاجئة ليلا.
    أنزلهما بوغوص إلى القبو ممتعضاً من هذه الاستضافة المتأخرة، وسمعته يعتذر عن تقديم الطّعام لهما حتَّى الصّباح، ولكنّ أكثر ما لفت انتباهي سيل من الشّتائم الهامسة تدفق من فم المرأة منصبّاً على لحيَة يعقوب وقومه .
    أفقت وقد تنفَّس الفجر، فخرجت أتقرَّى شروق الشّمس، كان الصّباح قد ابتدأ يرتسم على الأفق، ويدمي وجهه الخجول المبتسم، ومع الفلق استيقظ كل شيء، ودبت حركة نشيطة في كل مكان، العصافير الصّاخبة بألحانها المطربة، النّسيم النّدي يلفح الوجوه بلسعته الباردة النّاعمة، وأغصان الأشجار تخفق منشدة وشوشاتها الرّخيمة، بغام الأيائل ينداح في الطّرف الآخر من الوادي، مختلطاً بهدير الشّلالات الهاميَّة في جرون السّواقي، بنات عرس يخطرن على متون السّنديان بعيونهنَّ السّوداء المكحولة، وذيولهنَّ البنيَّة الطّويلة، أسراب الحجل تقرح شاديَّة فوق الصّخور الزّرقاء المنمَّشة، وقد أطلق الرّعاة شبَّاباتهم الحنون، تختلط أنَّاتها بثغاء القطيع المسترسل أمامها، فيبدو القطيع كشعر فتاة كنعانية من جبال لبنان، وسمعت من يناديني في الدّاخل فعدت إلى النّزل.
    ولكنّ مراد لحق بي وأعادني إلى حيث كنت، وقال وهو ينظر إلى التّلال المتراصَّة :
    - بماذا تشبه هذه التّلال ؟.
    - بقطيع من السّلاحف المتراصَّة .
    - أو بأقتاب جمال نائخة .
    - أو ركام من الذّكريات الواهيَة .
    - بل برؤوس طلاب الصّف في درس الرّياضيات .
    - أو أكواب الخمر المقلوبة على صينيَّة جورج خادم ألفونسو، أثناء تقديم المأدبة .
    - من ألفونسو الذّي تتحدث عنه ؟.
    - شاعر مجنون من بلاد الفرنجة .
    - هل أنت منهم ؟.
    - لا ولكنّني نشأت بينهم .
    - هل ترغب في الاسترسال في الحديث عنك وعنهم؟.
    - فيما بعد .
    اعتبر مراد أن الجواب كاف، وفوجئنا بفاطمة تقف بيننا محييَّة بأدب جم، ثم تنظر بارتياح إلى الأفق .
    - ما أجمل هذه البلاد، وألطف هذا الصّباح، من يخبرني شيئاً عن لبنان، هل هو بهذا الجمال ؟.
    - لبنان أجمل شيء خلقه الله .
    - وما يدريك ؟.
    - لبنان جنَّات عدن، لبنان حوريَّة عذراء أهبطها الله واختارت أن تكون أرضاً، لبنان هالة من نور تجسَّدت دنيا .
    حاولت الفتاة أن تزيل مسحة من الخجل ارتسمت على وجهها السّماوي، ثم أضافت .
    - أنت عاشق أم شاعر .
    - عندما يذكر لبنان أصبح شاعراً عاشقاً .
    - لبنان وطنك أليس كذلك .
    - إنه قلبي الذّي يخفق، وحلمي الصّاخب الحبيب، وحرِّيَّتي المقدَّسة.
    - مهلاً أيُّها الشّاب إنَّك تغريني بالتّوسُّل إليك لمتابعة الحديث .
    قالتّ الفتاة كلماتها، وكأنَّ عشتار تنطق بوحي، وطفرت من عينيها نظرة حالمة تبعتها دمعتان، وأحسست أنَّني قد لامست شيئاً ما في ذاكرتها .
    - لو علمت أنَّني سألامس هذه المشاعر الرّقيقة لسكتُّ ولم أنبس ببنت شفة .
    - لقد ذكَّرتني بوالدَتي رحمها الله، لقد كانت تقول نفس الكلام.
    - هل والدتك من لبنان؟.
    - نعم، هي أخت خالتي دنيا .
    - وكذلك بربر ؟.
    - نعم .
    - والوالدُ من لبنان أيضاً؟.
    - رحمه الله إنَّه الأخ الوحيد لبربر .
    لا أدري لماذا تطفَّلت بهذه الأسئلة، وما يهمُّ إذا كان الإنسان من لبنان، أو حتَّى من الصّين، إنَنا حيوانات من جنس واحد، ونملك نفس المشاعر والأحاسيس، ونفكِّر بطريقة واحدة، وتذكَّرت أنَّ ألفونسو كان يعتقد أنَّ قصة آدم والهبوط المزعوم من الجنَّة إشارة رمزيَّة لا غير، وأنَّ نشوء الإنسان سيبقى سرَّاً، ولكنّه أقدم على كل حال من الشّخص الذّي كتب اسمه في سفر التّكوين .
    ولكنّني أحسست بالرّاحة لما أفضت به الفتاة، فلقد تأصَّل فينا حبُّ الوطن وبالتّالي حبُّ مواطنيه، ولكنّ ألفونسو كان يؤكُّد دائماً أنَّ الوطنيَّة والتّعصُّب لها، ما هو إلا شعور دونيٌّ، أملته القبليَّة المتخلِّفة، وأنَّ الإنسان الكامل أمميٌّ لا منتم .
    يحق لألفونسو الرّاقي الغنيِّ، السّيد الأمير القائد أن يعتقد ما يشاء، وأن يفكِّر بترف، وأن يفلسف تفوُّقه ويتواضع لكي يساوي بين النّاس، في حين كان يقاتل من أجل قضيَّة فاسدة عنوانها التّعصُّب والكراهيَّة، ومن السّهل على كلِّ إنسان أن يقول ما يؤمن به أو لا يؤمن به، ولكنّ هل استطاع ألفونسو ولو لمرة واحدة، أن يقف أمام الأمير لويس، ليقول له: إنَّ حروب الفرنجة جميعها كانت لأسباب وضيعة ولا أخلاقيَّة، وإنَّ لويس نفسه كان شاذاً منحطّاً .
    أذكر أنَّني سالتّه هذا السّؤال فأجابني بأن السّمفونيَّة أسرع من إيقاعه، وأن لا فائدة ترجى من قول هذه الحقيقة اللاذعة .
    شعرت دوماً بأنَّ ساعة الرّحيل بطيئة، وأنَّ ترتيب الأفكار فيها شيء مستحيل، واعتقدت دائماً أنَّ السّفر عنوان العقول، وأنَّ الإقامة عنوان النّفوس، وأنَّ العقول تبقى مقيمة أثناء السّفر، وأنَّ النّفوس تظل مسافرة أثناء الإقامة . كان ألفونسو يلوم الفلسفة، لتجزئة الإنسان إلى نفس وعقل وجسد، وكان يعتبر الإنسان بل الإنسانيَّة شيئاً واحداً، مستشهداً بأن الكون ليس شموسا وأقمارا وكواكب، إنَّه هذا جميعه.
    - إنَّ الكون بأجمعه منظومة واحدة، لا يمكن انفصال جزء منه عن الجزء الآخر، ولا يمكن إهمال أيّ ذرَّة منه واعتباره من دونها كاملاً، فالنّار والهواء والماء والتّراب، أجنحة لطائر واحد، وكذلك بقيَّة العناصر الأخرى إذا وجدت، إن الخالق الكامل هو الَّذي يخلق خلقاً كاملاً، وإنَّ أهميَّة الجزء كأهميَّة الكلِّ، فهي لغة بعدد غير محدود من الكلمات والحروف، ولكلِّ حرف في هذه اللغة نفس القيمة.
    وكنت أعيب عليه هذه النّظرة الكليَّة للأشياء، ولا أرى معه هذا الرّأي، فالشّجرة الواحدة كاملة من حيث الخلق، ولن يكون الخلق ناقصاً بدونها، وعظمة الخالق كاملة في تمام الخلق الواحد، وليس فقط في كليَّة الأشياء، وقد أجابني مرة بغضب .
    - إنك شرقيُّ المعرفة، لن تتمكَّن أبداً من التّحليق، أنت لا تنطلق من الكليات إلى الجزئيات، بل على العكس تماماً .
    وكنت أجيبه هازئاً .
    - يا أستاذي العظيم، إنك تحصر الكون بكلياته، وأنا أطلقه بتعدد جزئياته .
    - هذه سفسطة لا غير .
    - وهذه ماديَّة طبيعيَّة لا غير .
    كان ألفونسو يهز رأسه فاقداً الأمل في نجابتي، وكنت أصرُّ على إثبات معرفتي، ولم يكن ليرفض الإجابة على أسئلتي، أو يعتبرها غير جديرة بذلك، كان حبُّه لي فوق عربدتي عليه، ولم يكن يعرف أنني ألملم ذكراي القديمة، لأنظم منها سبحة طويلة مليئة بالحقد والأسى .
    لقد خلقت حراً، ولكنّ الغرب سرق حريَّتي، فأعادها ألفونسو إليَّ، ولكنّه هو نفسه لم يستطع أن يتحرَّر، لكي يتحرَّر ألفونسو كان لا بدَّ له من أن يتحرَّر من غربيَّته، ولم يكن ليستطيع ذلك إلا بالكلام فقط.
    - إن صداقتك للبحر والسّيف، أمر عجيب، إنَّك بدويٌّ، استعضت عن الصّحراء بالبحر، بل إنَّك غجريٌّ يخجل من طبله ومزماره، فيهرب منهما للبحر والسّيف .
    - أنا كما تقول، وأكثر من ذلك، ولكنّ لا تنس بأن لديك ازدواج في الشّخصيَّة

  5. #5
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    5

    يعقوب

    كم كرهت صرير دواليب العربة إلاَّ في هذه المرة ففي كل صوت تطلقه الدّواليب، خطوة تقرِّبني من لبنان، وعندما تجتاز العربة شجرة أو صخرة أو رابيَّة فإنَّها تقترب من لبنان بنفس المسافة، وما الطّريق أيُّ طريق إلاَّ مراحل، وها أنا أفتِّت هذه المراحل واطويها شيئاً فشيئاً، إنَّها كتاب أقرؤه، أقلِّب صفحاته واحدة بعد الأخرى .
    تتَّسع العربة في مقعديها المتقابلين لستَّة ركاب، وكنَّا خمسة، ثلاثة منا بربر وزوجته وفاطمة، وجلست أنا ومراد مقابلهما، وعلمت أنَّ القافلة قد زادت عربة ثالثة تحمل المرأة والرّجل الّلَذين طرقا النّزل في اللَّيل، وهما كما أنبأني مراد رجلٌ يهوديٌّ ومعه فتاة تكرهه، ولا تتردَّد في شتمه، حتَّى على مسمع منه.
    كنا بين الحين والآخر نقترب من البحر، بل من حبيبي البحر، وأسمعه يناديني، وأحسُّ بأمواجه المتكسِّرة على جدران الصّخور وهي تحيِّيني وتهمس في أذني عبارات الشّوق والهيام .
    أريد أن أصدقك الحديث، فلست بالحبيب الخائن، ولا السّالي، ففي وقت قريب سأعود إليك لكي أعانقك، وأتحد معك، فأكون واحداً من دلافينك الزّرقاء، أو حيتانك الرّماديَّة، أو فرساً تختال في أحضانك، أو سمكة قرش تتلوَّى في أعماقك وقبل ذلك أريد أن أبرهن لك بأنَّني أستحقُّك، وأنَّ قلبي الخافق ما يزال على عهدك به .
    بطيئة جياد هذه العربات، مع أنَّها قفقاسيَّة المنشأ، ولعل العربة هي السّبب، أو ربَّما وعورة الطّريق، ولكنّ بطأها كان يتيح للمسافرين فرصة التّمتع بالمناظر الخلاَّبة.
    فكلَّما اتجهت من إزمير جنوباً كلما ابتدأت تتسلَّق هضاب الأناضول الغربيَّة، وتطلُّ على ارتفاعات متوسِّطة تمكِّن الأشجار من النّمو، والأعشاب من الإزهار، فتكسو الأرض بثوبها المخمليِّ الأخضر، في حين تتلألأ قطرات النّدى على خدود الأوراق الغضَّة، فتحسبها نجيمات منثورة في كلِّ مكان .
    كانت الفتاة تتعمَّد أن لا تلتقي نظراتنا، وحسبتها في البدايَّة ‎نوعاً من التّهذيب والالتّزام بالأصول، إلا أنَّها مع الوقت أصبحت مفتعلة ومبالغاً فيها، فلفتُّ نظرها مشيراً إلى طول الصّحبة وبعد الطّريق فلم تجب، ونظرت إلي نظرة لا مبالاة، ولكنّ سؤالاً أطل من عينيها يشير إلى غربة واضحة .
    - لن أقبل هذا الإهمال، وإذا كنت سأشكِّل هذا العبء المقيت فإنني على استعداد لتغيير العربة، أو حتَّى الانفصال عنكم ومتابعة طريقي وحيداً.
    لكم عانيت من هذه النّظرة، ولكم كان أصحاب ألفونسو يرشقوني بها، وكأنها سهام مسمومة تصيب كل جارحة مني، وكان ألفونسو يلاحظ ذلك، ويفهمني أنه أمر طبيعي وعادي، وكانت كلوديا تضحك بعصبيَّة وهي تستنكر هذا الشّعور المرهف وتقول:
    _ إنه شعور تستحقُّه، ولكنّ النّظرة التّي تبحث عنها تحتاج إلى علاقة خاصَّة، بل إلى تجربة ومعاناة منوَّعة، عندها تلقى النّظرة الملائمة.
    كنت أعرف ذلك، ولقد خضت معهم غمار الحروب، وجلَّيت في البسالة من أجلهم، وأمعنت بل سبقت في حومة الوغى، وكنت من أكثرهم ثقافة واطلاعاً، ومع ذلك كان الأشراف ينظرون إليَّ بإهمال، وكأنني أحد المرتزقة، عدا ألفونسو، فإنه كان يردد مكرِّراً :
    - على رسلك يا بنيَّ، فالاحترام يمكن الحصول عليه مع الوقت، وعليك أن تضع هؤلاء الأوغاد في موقف الإذلال، عندها سترى نظرة الحقد والكراهيَّة بدلاً من نظرة الإهمال هذه .
    ولماذا أكره هذه النّظرة ؟، ولماذا أريد أن أكون شيئاً مهماً؟، كان هاتف في نفسي يجيبني دائماً .
    - طالما أنك شيء فكن شيئاً مهما، كالأسد بين الوحوش، والعقاب بين الطّيور، والحوت بين الأسماك، والسّنديان بين الشّجر.
    كانت كلوديا تفهمني جيداً وتسبقني دائماً إلى وصف مشاعري، وتفسِّرها مبتعدة قدر الإمكان عن الإشارة إلى أصلي المجهول، وفي بعض الحالات كانت نظرتها تنمُّ عن التّساؤل الشّاكِّ فيما إذا كنتُ أعرف شيئاً عن ماضيَّ البعيد، وقد نجحتُ إلى حدٍّ كبير في إخفاء هذا أمام النّاس، فلقد كنت دائماً أعرف من أنا .
    تدخَّل مراد موضِّحاً أنَّه يرى أنَّ علينا إعادة التّعارف مرَّة أخرى، بل عليَّ أنا زيادة في التّعريف، واعتبر أنَّها الحلُّ الوحيد لهذا اللُّغز البسيط، وعندما أشرت إلى خصوصيَّة الأصل قال بربر :
    - لا لست هنا في أحياء روما، هنا في الشّرق تحتاج دائماً إلى هويَّة وهي وحدها التّي تعطيك فرصاً مختلفة عن العامَّة .
    كنت أملك الهويَّة المطلوبة، ولا أستطيع الكشف عنها حالياً، ولا أستطيع سرد قصتي دفعة واحدة، فقررت أن أسوقها على مراحل، ولا أدري ما الذّي أقنعني بسرد حكايتي، وهي غايَّة في الغرابة والمعاناة، أهو حسن المعاملة الذّي لقيته من هذه العائلة الفريدة، أم عينا فاطمة الخادرتان، أم الوحدة التّي رافقتني دائماً، وقد برمت بها، وتنبَّهت فجأة إلى أنَّني أيضاً لا أعرف شيئاً عن هذه العائلة، فأفضيت بذلك إلى مراد همسا، فضحك بودٍّ .
    - نعم، هذا عمِّي بربر باشا والي طرابلس الجديد، إنه في طريقه لاستلام منصبه، ونحن جميعاً من بعلبك، مدينة في وسط الشّمال اللبناني، وكذلك خالتّي، فدنيا وبربر أبناء عم، وقد كان بربر وكذلك أخوه نعيم والدّي ضابطين في الجيش التّركي، وقاتلا معاً في أوكرانيا والقفقاس، وفي أثناء تنقل والدّتي ووالدّي على الجبهة، وقعا في كمين أودى بحياتهما، وتركانا لعمِّي بربر وخالتّي دنيا الَّذَين يعتبراننا ولديهما كما ترى، وقد أدخلانا أفضل المدارس، فأكملنا دراستنا بالأكاديميَّة السّلطانيَّة في الأستانة، أنا في القانون، وفاطمة في الفلك، وها نحن جميعاً عائدون إلى الوطن .
    أيُّ براعة في التّعريف هذه ؟! لقد ساق قصتهما المؤلمة الحزينة ببساطة، وكأنَّه يروي حكايَّة سندباد، ولكنّ من يراقب عينيه يرى حكايَّة أخرى، إنَّه يتعذَّب في كل كلمة يقولها، وكان الألم يرتسم في حدقتيه ويكاد يخرج منهما، فيحاول أن يخفي دموعه المترقرقة في حين يعالج تنهُّداته المحترقة بإخراجها مع الكلمات، التّي بدت متماسكة وإن كانت متقطِّعة .
    لا شكَّ أنَّ فقد الأبوين معاً في فترة حرجة من عمر الولدين الفتيَّين المراهقين، قد ترك ندبة واضحة في أعماق وعيهما، وربما صدمة أقوى في اللاوعي، وكانت فاطمة تتابع الحديث، ومع كل جملة يختلف لون وجهها، ورأيت حبات من اللؤلؤ تتساقط من عينيها السّاحرتين، كما قرأت على وجهها علامات الامتعاض وعدم الرّضا، وكأنها لا ترى موجباً لهذه الرّوايَّة ولا ما يلزمهما بالتّعريف أمام رجل غريب ومجهول.
    ماذا يمكن لشابٍّ مثلي أن يقول لكي يعرِّف عن نفسه ومن سيصدِّق كلمة من روايتي البائسة، ما أسعد أولئك الهملين الذّين يعيشون على الهامش، والبلهاء الذّين لا يقدِّرون شيئاً مما يحدث لهم، بل المجانين الذّي اختلطت أحلامهم بذاكرتهم، والمتصوِّفين الذّين يقضون عمرهم في الصّلاة والتّأمل، دون أن يتبقَّى لهم وقت للتَّفكير بعمق مأساتهم .
    وقد قرَّرت أن أبدأ شيئاً فشيئاً في الكشف عن قصتي، وكنت قد كتمتها عن كلِّ إنسان، عدا عن البحر وعن صديقي العزيز عبد الباري، ذلك الفلاَّح الصّقليّ الأمين .
    _ أنا من صيدا، بل من مزرعة على ضفة البحر اسمها حصن البحر.
    نظر بربر بدهشة واستغراب، ثم قطَّب حاجبيه وبدت على وجهه علامات المرارة والألم .
    - أنا أعرفها وأعرف صاحبها شفيق باشا العرقوبيّ، بل إنَّه صديق عزيز، وكم تأثَّرت لفقدان ولديه، لقد غرقا في البحر وهما صغيران، وأصيب بعدها بالهلوسة لمدَّة من الزّمن، أما زوجته فقد ماتت كمداً على ولديها، إنَّها قصة محزنة، ما تزال على لسان الجميع.
    - هو والدي، وأنا واحد من الطّفلين المفقودين، لم نغرق كما رويت، ولكن كان لنا قصَّة أخرى .
    - حقاً ؟!. إنه الأمر مثير للدَّهشة .
    لا يستطيع مصور في العالم ولا حتَّى شاعر ملهم أن يصوِّر هذا المنظر الذّي أمامي، لم تكن الدّهشة فقط هي الأمارة المرتسمة على الوجوه، بل خليط متشابك من مختلف الأحاسيس والمشاعر، تتغيَّر في كل لحظة، فحيناً يغلب عليها التّعجب، وحينا الشّفقة، وآخر الغضب، ومرة الشّوق لسماع الحكايَّة، وكان بربر الهادئ الرّزين أول المبادرين لاستجلاء القصة.
    - وأختك ؟!.
    - لا أعلم عنها شيئاً منذ ذلك اليوم.
    لا أدري إذا كان أحد من مرافقي قد قرأ شيئاً على وجهي، وخاصة عندما أخبرني بربر عن وفاة والدّتي، وعمَّا عاناه والدي، والآن لا أدري هل يلاحظون على وجهي، أم يحسُّون ما يصطخب في أعماقي من العذاب المشوب بالنّقمة، إنَّ السّخط والغضب صفتان وحشيَّتان في البهيمة والنّاس معاً، حيث تنتصر الرّغبة على الوعي، وتنزاح جميع الحجب، ليحل مكانها الطّبع الحيوانيُّ، المبنيُّ أساساً على الدّفاع عن النّفس والهجوم من أجلها .
    تختفي جميع المشاعر الطّيبة، حتَّى الرّحمة عندما نشعر بالظّلم، وتنداح أحاسيس الغبطة والفرح، كي تسيطر شياطين البغض والكراهيَّة، ممزوجة بلذَّة الألم الوحشيِّ، لقد عشت دائماً هذه المشاعر، وكان عبد الباري يقول :
    - مقدَّر ومكتوب، وإذا عرف السّبب بطل العجب .
    تحسَّنت أحوال الصّحبة بعض الشّيء، وخاصَّة بالنّسبة لفاطمة، فقد تبدلت نظرتها المتعاليَّة، وصارت لا تتعمد إبعاد نظرها عنِّي، بل ابتدأت تلاطفني بكلمات رقيقة أحياناً، قدَّرت أن تصرُّفها هذا نابع من المعطيات الجديدة، منها أصلي المقبول، والشّفقة والرَّأفة والعطف لما حدث لي، ولما أصاب أهلي جراء الاعتقاد بأنني غرقت مع أختي، ولم يخالجني شكٌّ بأنها استلطفتني أيضاً .
    كان ألفونسو يعتقد بأنَّ على الإنسان أن يختار هدفاً نبيلاً يحيا ويناضل من أجله، هدفاً لا يمكن تحقيقه بكامله، يتسع لأحلامه ويكبر معها، وليس من امرأة على الإطلاق تستحقُّ أن تكون هذا الهدف، فالمرأة مخلوق جميل ممتع، وهي كأم رمز مقدَّس، قيمته في الأمومة لا في المرأة، وكان يردِّد دوما أنَّه يجب أن نتزوج تمشياً مع سنَّة التَّكوين، ولكنّ يجب أن لا نسلم قيادنا لامرأة مهما كانت لأنَّ النّساء قاسيات القلوب، متقلبات الأهواء، شديدات الغيرة، ميَّالات إلى التَّحكُّم، بعيدات عن الإنصاف.
    عرفت من بربر أن الرَّجل الذَّي في العربة الأخرى يهودي إسباني، وكان دميماً، عيناه متلألئتان تشعَّان مكراً وخبثاً، وكانت ابنته على العكس من ذلك، جميلة الوجه، أليفة المظهر، رقيقة الطّبع، على وجهها مسحة من الكآبة، وكانت تكرهه، ولا تبدي أي احترام له، وتنظر إليه بازدراء واحتقار، نظرة تخبئ كلاماً كثيراً لا تريد أن تبوح به
    الصور المرفقة  

  6. #6
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    6



    اقتربنا كثيرا من البحر، ونزلت من العربة فذهبت إليه أسامره وأناجيه، في حين انتشر بقيَّة المسافرين في ظلال حرجة سنديان صغيرة من سبع شجرات وارفة الظّلال فتيَّة الأوراق، وقد سمعت صوتاً أليفاً يناديني من بعيد، فأصغيت إليه، إنه آمو، الدَّلفين الوفي، كيف استطاع أن يتتبعني كل هذه المسافات ؟!، وما الذَّي أدراه أنني مع القافلة؟!، فوقفت على صخرة عاليَة لأتأكد من ذلك، فإذا به تحتي مباشرة، وبسرعة متناهيَة خلعت ملابسي، ثم هويت من على الصّخرة إليه، فوجدته يعانقني بشوق ولهفة، ويصدر أصوات السّعادة المعتادة من فمه الأبيض الجميل .
    هكذا التَّقينا نحن الثَّلاثة، البحر وآمو وأنا، كان المحيط يضمُّنا بحنان، وكان آمو في قمَّة سعادته، وابتدأ يقفز فوق الماء، ثم يعود ليعانقني مرَّة أخرى، أمَّا البحر فأخذ ينشد أغنيته المألوفة الخالدَّة، مصحوبة بتنهُّدات أمواجه وهي تتكسَّر على صخور الشّاطئ المستسلم لدغدغاته، كما تستسلم المرأة العاشقة المتيَّمة لأحضان الحبيب .
    أتستطيع أن تحبَّ حتَّى تفنى، ليس بالمعنى الصّوفيِّ، أي أن لا تتَّحد بمحبوبك، فلا يكون هو أنت وأنت هو، بل أن لا تكون أنت ويكون هو، هو وحده فقط، وأنت غير موجود، إنَّه حال أدمنته مع البحر، ولولا آمو لغرقت منذ أمد بعيد، فقد كان ينتشلني ويلقي بي على الشّاطئ، ثمَّ يبدأ بالتَّغريد حتى أفيق من غيبوبتي، فأجد نفسي أكثر هوى وأشد تعلُّقاً بحبيبي العظيم، وكان البحر يضحك من تصرُّفاتي هذه، ويزجرني ويخبرني أنَّنا ثلاثيَّة لا بد منها، ما أصدق المقولة التَّي تفيد أن عرش الله كان على الماء .
    عندما صعدت عائداً إلى الصّخرة وجدت فاطمة واقفة بذهول، لقد كانت تراقبنا أنا والبحر وآمو، وحينما لمحتني ارتجفت، وكأن قشعريرة دبت في أوصالها، وسمعتها تخاطبني بما يشبه الهمس.
    - أي إنسان أنت ؟!.
    كيف تتصرف إذا كنت محباً، هذا ما أرادوا أن نتعلَّمه في أكاديميَّة القديس بطرس، وقال لي ألفونسو ذات مرة :
    - إنَّهم أغبياء، فالحب هو الذَّي يملي عليك تصرُّفاتك إذا كنت محبّاً، هؤلاء الكهنة لا يعلمون شيئاً عن الحبِّ، لقد غرقوا في طقوسهم، وأصبحوا عاجزين عن التَّحليق كالدَّجاج تماماً .
    لاحظت أن اليهوديَّ يرمقني دائماً بطرف عينيه، وأحسست أنَّه يراقبني، فتوجهت إليه أستفهم عن ذلك، فادَّعى بأنَّ شبهاً غريباً يظهر بيني وبين أحد أقاربه، وهذا ما يلفت نظره، وعلى الرَّغم من أنَّني عرفت أنَّه يكذب، فقد تركته وعدت، لأجد الفتاة تستوقفني وتسألني عما دار بيني وبين أبيها من حوار، فأخبرتها بأنَّني أتضايق نوعاً ما من نظراته .
    - إنَّه يهوديٌّ حقير، فلا تأمن جانبه .
    - عجباً أليس والدَك ؟!.
    - تبّاً له، أيمكن أن يكون هذا النّذل أباً لأحد ؟!.
    - إذاً من هو، وما سبب هذه الصّحبة ؟.
    - هذا حديثٌ يطول، ولكل مقام مقال .
    انصرفت الفتاة بعد أن أخبرتني أنَّ اسمها أليزا، وأنَّها سترافقنا إلى أضنه كما أخبرها اليهوديُّ، وحذرتني منه مرَّة ثانيَّة، ثم أشارت بيدها عائدة إلى عربتها بهدوء .
    ما كرهت شيئاً أكثر من أن أرى من يتحدَّث عنِّي ويرمقني بنظره بين الحين والحين، وكنت أحسُّ أنني أتعثَّر في مشيتي حينما ينظرون إلي وهم يهمسون.
    من التَّهذيب أن تلوِّح بحاجتك ولا تصرِّح بها، ولكنّني كنت أرى أنَّه من المعيب أن تشعر الشّخص بأنَّك تتحدَّث عنه، ولا تريد أن يسمع حديثك.
    كان أغلب أصحاب الاستراحات في الطّريق من الأرمن، وكان بربر يعرفهم، وكانت السّيدة ترافق فاطمة دائماً، وتبيت معها في غرفة واحدة، فيما كانت أليزا تنام وحيدة في غرفة خاصة، وكذلك أنا واليهوديُّ كلٌّ في غرفة، في حين يلازم مراد بربر ويبيتان في غرفة واحدة.
    رأيت اليهوديَّ يتنصَّت على باب غرفة بربر، فأمسكت به، لكنّه ادَّعى بأنَّه سمع أصواتا من الغرفة، فخشي من حادث ما، فأراد أن يتأكد، وعرفت أنَّه يكذب، فأخبرت بربر، الذَّي أشار برأسه إلى أنَّه قد أحيط علماً بذلك .
    هذه جبال الأناضول، تبدو في الأفق مكلَّلة بالثَّلوج، وكانت الصّخور الزَّرقاء المتآلفة تضفي على المنظر ظلاً روحانياً خاصاً، وتداعى إلى ذاكرتي فيض من الحوادث، فكم عبرت هذه الجبال جيوش بالاتِّجاهين، وكم ارتوت أرض الأناضول بدماء ملايين البشر، وكم شاهدت من الفاتحين والغزاة، ومن التَّجار والعلماء والفلاسفة، ومن السّبايا والغنائم، ما أكفر الإنسان وأصعب مرقاه، وما أذلَّ مطلب الحكَّام، أيُّ وحش يسكن بين جوانحهم، بل أيُّ حقارة ونكران وعقوق.
    كان ألفونسو يقول:
    - التَّاريخ يكتبه المنتصرون، وأنَّه من الاستحالة تصديق التَّاريخ المكتوب، ويجب أن نتصفَّحه، ثم نغوص في أعماقه، ونعيش مع شخصياته المختلفة تلك الحوادث، ثم نبحث عن الحقيقة، بل نستخرج لآلئها من قراره، لقد كان هوميروس شاعراً أكثر منه مؤرخاً، وكان الرَّومان رجال دولة وحرب، خطُّوا تاريخهم كما أرادوا، والفرس والعرب كذلك، تاريخ خلاسي يحمل في رحمه جنيناً من الكذب والنّفاق والتَّهميش .
    التَّقيت ألفونسو وأنا أعود ابنته جين، وقد ألمَّ بها مرض خطير، وكانت وحيدته الغاليَة، وعندما وجدها تعانقني باكيَة، غضب وصاح بي بصوت أرعن لكي أنصرف أو يستدعي الحرس. فخرجت بدون امتعاض وعدت إلى غرفتي في الدَّير، وعندما عرفت كلوديا ضحكت:
    - هذه حال الآباء دائماً، إنها غيرة مبرَّرة تماما، وستعود سريعاً الأمور إلى مجاريها.
    ولكنّ جين كانت تموت، وكان فؤاد ألفونسو يتقطَّع وقد أعياه الإحساس بقرب وفاة ابنته، وحينما استدعاني بعد أيام، اعتذر وقد أجهش بالبكاء .
    - ربَّاه إنها تموت، وقد عجز الطّبيب عن شفائها، وطلبت أن تراك.
    لم أكنَّ لجين ذلك الحبَّ الذَّي تتمنَّاه، ولم تتجاوز علاقتنا الصّداقة المعهودة، غير أنَّها كانت متعلِّقة بي، وحينما لم أبادلها نفس الشّعور، رضيت بالتَّقرُّب مني، ومؤانستي لبعض الوقت يومياً، وألزَمت أباها باستقبالي حينما تريد أو أريد، وكنت قاسياً في تعاملي معها، إلى درجة عنَّفني عليها عبد الباري:
    - يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وإنّ الغزل البريء لا يشكِّلُ وزراً.
    ولكنّ عبد الباري لم يكن يحسُّ بالنّار التَّي تتأجَّج في صدري، لقد استسلم هو لجلاَّديه، أما أنا فلم ولن أستسلم، إنَّ هذه النّار المقدسة التَّي تتلظَّى بين جنبيَّ، تشكِّل درعاً واقياً لنفسي، وحافزاً دائماً للصُّمود
    الصور المرفقة  

  7. #7
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    7




    ليالي نيسان باردة، ونسيمها عليل عطر، كانت الغيوم البيضاء تتباهى وهي تتخطَّر فوقنا، وكانت أشعَّة القمر تغسل أفكارنا وأهدابنا برذاذها السّحريِّ، كان طعم الحريَّة لم يزل مرّاً، ولكنّه لذيذ ومبشِّر، وقد ابتدأت الطّمأنينة تلقي بعض الرَّاحة على فؤاد ذاق علقم العبوديَّة، فقريباً سأعود إلى الوطن، وسأبدأ من جديد، أنسى بل أتناسى، عزائي أنَّ البحر هو نفسه، وأنَّ آمو سيظلُّ قريباً، وأنَّ هواء الحريَّة النّقيَّ قد تنفَّس في أعماقي، ولن يسكن أبدا، أحسُّ الآن أنَّني ولدت من جديد، إنَّها قيامة أخرى كما يقول فرسان القدِّيس يوحنا .
    كان ألفونسو يعتقد أن آدم وحواء شخصان رمزيان، اتَّحدا لإنجاب الخلق، وأنَّ هابيل وقابيل هما الآخران شخصان رمزيان يشيران إلى قوى الخير والشّرِّ، ويقول:
    - إنَّك لن تجد ماء صافياً تماماً من الكدر، ولا هواء مخلَّصاً من رائحة العفن، ولا تراباً نقيّاً من المواد العضويَّة ولا ناراً لا تمتزج بشيء من الخَبَث، إنَّه الوجود المختلط للسَّالب والموجب، ثنائيَّة لا بدَّ منها .
    وكان يرى البدايَة والنّهايَة أمران متَّصلان دوّاران، وأنَّ الحياة والموت لحظتا زمن فقط، لا أساس لفعلها، وأنَّ النّاس يحسُّون بها في زحمة مشاعرهم فقط، لكنّه بعد وفاة ابنته بعدَّة أيام قال لي :
    - أكاد أقول إنَّ الشّيء المؤكَّد الوحيد في حياتنا هو العذاب، وأنَّ ما نسميه فرحاً وسعادة ما هو إلا هروب من آلامنا، هروب مستحيل، وأكاد أجزم بأنَّ قمَّة العذاب والألم هي الفرح .
    ليس من الطّبيعي أن يتحدَّث عبد رقيق مع سيِّده بصراحة ووضوح، لكنّ طبيعة ألفونسو الشّاعريَّة، وروحه النّقيَّة الطّليقة، جعلتني قادراً دائماً على أن أخالفه أو أوافقه، وكان ينظر إليَّ بهدوء، معلنا أنَّه يعجب من سرعة بديهتي وذكائي، معترفاً بأنَّني أفهمه أكثر ممّا يفهمه الكردينال.
    من الغريب أن يكون ألفونسو أمير أراغون، وأحد أمراء فرسان القدِّيس يوحنا، ( فرسان الهيكل ) وهو غير مؤمن بالمسيحيَّة المعلنه، كان عميقاً في تصوُّره واستنتاجه، ومع ذلك فقد كان يقاتل العثمانيين قتال الأبطال، وعندما كنت أسأله عن هذه الازدواجيَّة في سلوكه كان يردد :
    - أنا أقاتلهم من أجل النّاس لا من أجل المسيح .
    هل من سبيل إلى تتبُّع وفهم شاعر فيلسوف ومقاتل عنيد، وأب منكوب كألفونسو، كان ألفونسو لساناً فقط، لم يكتب من أفكاره سطراً واحداً، وكانت قريحته تجود حينما يتأتئه السّكر، وكان يستغرب سماعي لترهاته كما يصفها، ويشكر لي صبري ومؤانستي له، ولم يكن يتحرَّج من البكاء أمامي، خاصة بعد وفاة جين، وحينما يستبد به الحزن كان يضمني إليه:
    - أنت من بقي لي، لقد كانت جين تحبُّك حتَّى الموت، ومن أحبَّته جين إلى هذا الحدِّ، فلا بد أنَّه يستحقُّ أن يكون ابناً ثانياً لي، كن كما تشاء، فلن أترك أحداً على وجه الأرض يؤذيك .
    ما زالت صورة الوطن تنداح في فكري وأنا في باليرمو وما زال البحر نفسه وعلى شاطئيه صيدا وباليرمو، وتحس بنبض هذا البحر العريق ومدى استجابته لاسمه بحر الحضارات، لقد نشأت حوله مع البشر أفكار وأعمال مثيرة للإعجاب مرة، ومثيرة للقرف مرات.
    لا أستطيع أن أتقبل قتل البشر لبعضهم البعض، ولا أرى مبرراً لكل الهجمات البربرية للبشر خارج حدود بلادهم، وما يسمونه عند العرب فتوحاً ما هو إلا احتلال كريه، يمارس جميع أنواع الدعارة الفكرية والجسدية، ويخفض من مستوى الإنسان إلى أحط وأدنى من مستوى الحيوان.
    أي مبرر يجعلنا نفخر بإسقاط إمبراطوريتين أو ثلاث أو أكثر، وكيف لهؤلاء الأعراب الهمج أن يتباهوا على العالم بإسقاط هذه الإمبروطاريات، الحضارة هنا في ذهني ليست سيوفاً ورماحاً إنها ثقافة وفهمٌ وعقل وفن، لم تبن الدماء صرحاً محترماً للإنسان، إلا إذا كانت دفاعاً عن الحرية والوطن.
    ربما قد يستنكر سيدي القارئ هذه الأفكار، ولكنك إذا استطعت أن تجرب العبودية والأسر مرة واحدة ستجعلك تتقبل هذه الأفكار التي تبدو متحاملة.
    ماذا يبرر للمغول والصليبيين والعرب حرق القرى وتهديم المدن واستعباد السكان أو قتلهم، وهل يمكن أن نعتبر ذلك أقل من جرائم وحشية لا يقبلها الإنسان المتحضر.
    هل الغاية من الدين هي إجبار الناس على اعتقاد أفكار معينة، أو أن الغاية هي نشر المحبة والسلام في خلق الله الجميل، في القرآن ( لا إكراه في الدين )، فما هو المبرر لقتل الناس والقول بأن الإسلام قد انتشر بالسيف.
    أنا أعتقد بأن الدوافع المادية لا الدينية هي وراء هذه الاستباحة المخزية للشعوب، وأن أسباباً بدائية للغاية وبدائية جداً هي التي حدت بالشعوب للعدوان على غيرها، واستباحة دمائها وأعراضها وأرزاقها.
    أي متعة تلك التي تقتطعها بشقاء غيرك واستعباده أو قتله؟. كان ألفونسو يقول دائماً:
    - لقد خلق الله الإنسان على صورته، أي على إرادته ومعرفته النسبية، فالله لا يتصور، ويريد الله بذلك وبجعله خليفة له أن يقلد ربه في الفضائل، لا أن يتابع شيطانه بالظلم والأذى.
    وكنت أجادله فيقبل الجدل ويعتبر أن الحوار مفيد في جميع الأمور، حتى بين الزوجين.
    - ليس زواجاً إذا ابتعد عن الحوار، بل هو استعباد للزوجة وإشقاءٌ لها، الحياة الزوجية احترام وتفهم وعطاء متبادلٌ، مليء بالحب بعيد عن القسوة والمحاسبة والمضايقة.
    - يا سيدي متى يفقد الحب ألقه؟.
    - بالزواج.
    - كيف؟.
    - لأنه يفقد الحلم.
    - كيف؟.
    - كل الأحلام التي تتحقق تكون قد انتهت، ومن ذلك ترى حبيبين مستهامين شقيا بعد الزواج، لأن الحلم قد انتهى، وسقط الطائر من أعلى آفاقه السحرية إلى أديم الأرض فعفَّر الأديم جناحيه.
    كلُّ الأحلام التي تتحقق تكون قد انتهت. كان ألفونسو يقرر دائماً، ولعل هذا يرتبط بحياته الشخصية. لقد كان ألفونسو وهو أندلسي المولد يحمل الأفكار الهجين كلها، لقد كان فيه من العرب والفرنجة وفيه شاعرية القروي المثقف، وصلابة ملوك أراغون الأقوياء
    الصور المرفقة  

  8. #8
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    8


    اقترب اليهودي منِّي ثم حرك شفتيه همساً، واستجمع شجاعته ليسألني عن وجهة سفري، وحينما أخبرته أنَّ شخصاً عزيزاً علي يريدني أن أبلِّغ رسالة للأسقف يوسف صديقه في بيروت، هزَّ رأسه باستغراب، وبدا عليه أنَّه لم يصدِّق حرفاً من جوابي له، ولكنّه عاد فسألني إذا كنت أحبُّ بيروت، فأخبرته أنَّها المرَّة الأولى التَّي أزور فيها المشرق، وأنَّني لا أحمل أيَّة فكرة أو معلومة حوله، فهز برأسه ساخراً ظانَّاً بأنَّني أستغفله، فمضى وأنا أتبعه بنظري وهو يتمتم كلمات لم أتبينها .
    ولم يكد يختفي حتى جاءت أليزا تسألني عن حديثي معه، فأخبرتها بتفاصيل كلماته، فجلست وهي تردِّد كلمات مفادها أنَّه يسألها دائما نفس السّؤال .
    تمعَّنت وجه أليزا الممتقع بالغضب والخوف، وأدركت أنَّ لغزاً ما يحيط بعلاقتها بهذا اليهودي، وأزمعت أن أسألها عن هذه الرَّابطة، لكنّ مراداً كان يناديني .
    - ادخل إنَّ الجو بارد وقد تصاب بنزلة برد .
    دخلت إلى بهو النّزل، فلاحظت وجوماً مرتسماً على وجوه القوم وبادرت فاطمة بسؤالي عما إذا كنت أعرف اليهودي قبل الآن، فأجبتها بالنّفي، فأردفت بأنه يتهمك بأنَّك أحد فرسان القديس يوحنا، وأنَّك هنا في مهمة خاصة.
    صدق حدسي بالكلب، فذكَّرت بربر بقصرنا في حصن البحر بجميع تفاصيله، وأخبرته بأنَّ هذا الكلب وراءه ما وراءه، وليس وجوده معنا محض صدفة، وأنَّنا يجب أن نكتم أمرنا عنه، فلا نطلعه على شيء، ولا يجب أن يعرف شيئاً عن هويتي، أكثر من أنني رفيق طريق فقط، فقريباً سينكشف أمره، وتبين غايته .
    - لا أحد لا يعرف معاناة اليهود، ولا أحد يستحق المعاناة مثلهم بامتياز، فهم لا ينتمون إلى الإنسانيَّة إلا بمقدار مصالحهم.
    هكذا كان ألفونسو يقرِّر ساخراً، ويصفهم بأنَّهم كذابون مزوِّرون، وأنَّهم خطُّوا التَّوراة كما يريدونها لا كما هي، فجعلوا أنبياءهم خطاة زناة ومجرمين أيضا .
    لاحظت أن مراد قد ابتدأ يقترب من أليزا، وأنهما يلتقيان لفترات قصيرة يتبادلان الحديث.
    تذكَّرت قول ألفونسو:
    - ما هذه القوة الهائلة المتولدة التي تجمع بين الرجل والمرأة ليحققا خَلقاً جديداً؟.
    كانت كلوديا تعتقد أنَّ الفراش يتحوَّل إلى معبد عندما يضمُّ حبيبين، وإلى لعنة عندما يكون مقرّاً لممارسة الجنس بلا حبٍّ، وكانت تتحدَّث عن الشّهوة بقرف، وعن الحبِّ بتبجيل واحترام، وحينما ذكَّرتها بأنَّ علاقتنا تحت مستوى الحبِّ، أجابت بأنَّها تحبُّني حباً جمّاً، وأنَّها لم تشعر يوماً بخلاف ذلك، وإلاَّ فإنَّها كانت ستمتنع عن أيِّ لقاء .
    كانت كلوديا امرأة ملهمة بالمعنى الشّرقيِّ لهذه العبارة، ولم أكن أنا رجلاً ودوداً بالمعنى الغربيِّ لها، لكنّني كنت الرَّجل الوحيد في حياتها، في حين كانت كلَّ شيء أمتلكه .
    حين نقلني القراصنة إلى صقليَّة، وسلموني لقائد فرسان القديس يوحنا، جاءت لتنتشلني من بين أيديهم، وتأخذني إلى الدَّير، وتلحقني بمدرسة اللاهوت الأولى، حيث تقوم راهبات دميمات مكتئبات بالتَّعليم، وبعد عدة سنوات انتقلت إلى الأكاديميَّة الملكيَّة الأولى، ثم إلى أكاديميَّة القدِّيس بطرس، حيث أنهيت دراستي، كانت الرَّياضيات والفيزياء والفلك هي المواد العلميَّة الوحيدة التي ندرسها، ثمَّ اللغات اللاتينيَّة واللاهوت، ولا بد من الاعتراف بأهليَّة الرَّهبان للتَّعليم، ولعلَّه الشّيء الوحيد الذَّي يجيدونه، فلقد كانوا يتَّصفون بطباع وحشيَّة بعيدة عن التَّديُّن والحبِّ .
    وكان الكردينال يدير الأكاديميَّة بكلِّ صرامة وحرص، وكان تعليم الإنجيل من اختصاصه، ممَّا أضاع الكثير من الدَّروس، بسبب انشغالاته المتعدِّدة، وعلى الرَّغم من بجاحته وادِّعائه، فقد كان لطيفا معي، وكنت أقرأ في عينيه نظرات الشّفقة وعدم الرِّضا .
    كان ألفونسو يعجب لما هم عليه من الحروب والقتل، ويقرِّر استحالة كونهم مسيحيِّين، ويدَّعي بأنَّ المسيحيَّة عقيدة شرقيَّة بروحها ومفرداتها، فصَّلها الغرب الوثنيُّ على قياسه، وجعل منها مسيحيَّة وثنيَّة، مليئة بالطّقوس الغريبة، والألبسة المعيبة، وبرَّر بيزنطيَّة القتل بأنها عدوان مستمر يروِّج له المستفيدون منه لا أكثر .
    وكان يصفهم بالفرنجة الكاذبين، المخالفين عن درايَة لتعاليم المسيح، وأنَّهم ساديُّون همج، وأنَّ عامَّتهم خير من خاصَّتهم، لتميُّزهم ببعض العلاقات الإنسانيَّة المقبولة، وكنت أعجب من هذا الادِّعاء، وأصارحه بأنَّ ازدواج الشّخصيَّة عنده أمسى أمراً لا يحتمل، وأنَّه بحاجة إلى طبيب .
    عرفت بأنني أقسو على ألفونسو، وأنه لا يحقُّ لي أن أحدثه بنفس اللهجة، وبقيت أعرف أنه صادق بكلامه، ولا يمكنه تغيير المسار نظراً لوعورة الطريق وكثرة المشاغبين عليه.
    لقد كانت الكنيسة تتحكم بمصائر الناس وأرزاقهم، ولا أدري إذا كانت تعرف أنها لا تتحكم بيقينهم، فإنهم كانوا يعرفون سلطتها الجبارة، ويحاولون الضغط عليها لتتآكل، وإن غاليلي وغيره من العلماء قد سفهوا الكنيسة وأسقطوا كبرياءها الكاذب.
    كتب الكتاب بأن عصر النهضة قد بدأ باكتشاف العالم الجديد، والحقيقة أن تباشير عصر النهضة قد بدأت، وأن العلماء قد قللوا من القناعة بهذه السلطة، وابتدأ الناس يفكرون بفصل الدين عن الدولة، ولكنهم لم يصلوا إلى قوة تنفذ ذلك
    الصور المرفقة  

  9. #9
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    9


    في الطّريق إلى أضنة ابتدأنا نبتعد عن البحر، وقد ظهرت على المسافرين وعثاء السّفر، وارتسمت على الوجوه سمات التَّعب والإرهاق، كما أنَّ الخيل أصبحت بحالة يرثى لها، وقد لاحظ بربر ذلك فتفقدها معلناً وجوب الرَّاحة لعدة أيام، واقترح أن ننزل في البلدة القريبة، واسمها كفرة، حيث يقيم أحد أصدقائه القدامى .
    كانت بلدة صغيرة، بيوتها متجمِّعة على شكل نعل الفرس، أمام قصر كبير، تحيط به حدائق غناء، تشكِّل غابة صغيرة متباعدة الأشجار، ضمن سور عال بني بأحجار كبيرة مهذَّبة، وكان مدخل القصر عالياً وواسعاً، تسده بوَّابة حديديَّة متينة.
    طلبت إذن بربر في أن أنزل إلى البلدة القريبة، واستوضحته عن مدة الإقامة فيها، وعلى الرَّغم من إلحاحه للنزول معهم في ضيافة صديقه، فقد اعتذرت بشدة، وابتعدت ماشياً بعد أن أعلمني أنهم سيستريحون لمدَّة ثلاثة أيام.
    وفي البلدة تمكنت من استئجار حصان بحالة جيدة، وما أن امتطيته حتى وجدتني أعدو به نحو البحر .
    جميع الشّموس تغرب أمام جمالك، وتخرس كلُّ الحروف أمام فصاحتك، وتذبل الورود مقارنة بوجهك الوسيم الرَّخيم، وما ابتدأت أعوم قليلاً حتَّى أقبل آمو، وأخذنا نحن الثَّلاثة نعزف سيمفونيَّتنا القديمة الجديدة، ونرقص جميعاً رقصاتنا المتواترة، على دقَّات قلوبنا وخفقات وجدنا السّرمديِّ .
    نحن معاً، البحر الأزرق بصوته الأجش الخشن، وآمو بدندناته الرَّائعة، وأنا بوجيب قلبي المفعم، لا أدري لماذا يحرك الرَّقم ثلاثة مشاعري دائماً، فالحب والكرامة والحريَّة، ثالوث مقدَّس وأنا وآمو والبحر ثالوث سعيد، والرَّوح والعقل والجسد ثلاثيَّة الوجود الكاملة، ولكنّ لماذا هذه الوحشة، وحبُّ الابتعاد عن النّاس، سؤال أصبح يقضُّ مضجعي، ويلحُّ عليَّ، لقد كنت دائماً كذلك، كان ألفونسو ينبهني إلى هذا، ويقول :
    - الوحدة مفيدة لبعض الوقت، ولكنّ لا يمكنك الإحساس بوجودك إلاَّ بين بني جلدتك، وإلا فإنَّك تتعوَّد أن تكون شيئاً فقط، وكونك شيء بعيد عن الشّعور بالحياة .
    كنت أعلم تماماً ما يقصده ألفونسو، وتنكره عليَّ كلوديا، ويرغبني فيه الكردينال، لمعرفتي بأنَّ كلاً منهم يشير إلى نفسه لا إليَّ، كان ألفونسو يتمتَّع بجاهه بين النّاس، وكانت كلوديا تتخطَّر بجمالها بينهم، وكان الكردينال يحبُّ العزلة لأنه لم يكن لديه ما يقنع به أحداً، أما أنا فكنت أهرب من عبوديَّتي، ومن نظرات الاستخفاف والدَّونيَّة التَّي يرشقونني بها .
    حينما سألت الكردينال مرَّة عن حجَّته في إقناع النّاس بألوهيَّة المسيح، أجابني بأنَّ النّصوص هي الحجَّة، إنَّها كالنّظريات التَّي لا يمكن البرهان عليها، إلاَّ أنَّ نتائجها صحيحة دائماً، ووجدت مع الوقت أن الكردينال بحاجة إلى من يقنعه.
    كنت حينها أمرُّ في مرحلة من الشّكِّ والمراهقة الفكريَّة، ملايين الأسئلة ولا جواب، آلاف الأحاسيس والمشاعر المبهمة تختلط في ذهني المشوَّش ولا تفسير، كان الخوف ممّا أنا فيه، ومما يمكن أن يؤول إليه أمري، يشكل حجاباً ساتراً للحلول التَّي تلمَّستها فيما بعد، لقد كنت أدور في دوَّامة عبثيَّة من المرارة والألم، وعندما أدركت عدم انتمائي انتميت.
    لقد عرفت الآن أنَّني موجود طالما كان هذا الوجود يؤلمني ويعذِبني، وحينما ينتهي هذا الألم والعذاب أكون قد انتهيت .
    كان عبد الباري رجلاً خاصاً، وكان القراصنة قد اختطفوه منذ زمن بعيد، بعد أن قتلوا أسرته التَّي قاومتهم حتى النّفس الأخير، ونظراً لأنه جبريٌّ، فقد اعتبر أن ما حدث له ولعائلته مكتوب في اللَّوح، ولا سبيل إلى مقاومته، بل يجب الخضوع والرَّضا بأمر الله، وأنَّه سينتظر الثَّواب الكبير في الجنَّة .
    اشترى نفسه من فرسان القديس يوحنا، مقابل عمل في منجم للقصدير لمدة عشر سنوات، خرج بعدها واستصلح أرضاً صخريَّة غير بعيدة عن باليرمو، شمال غرب صقليَّة، وتزوج من امرأة بكماء، كان يرى أنَّ خير ما فيها عدم قدرتها على النّطق، وانكبَّ بعدها على التِّلاوة، كونه كان يحفظ القرآن قبل الأسر، فكتبه وجلَّده، وفي أول عهدي به قرأه لي، فحفظت منه بعضاً من قصار السّور .
    أفدت من عبد الباري أشياء كثيرة غير التَّلاوة وسماع الحديث، فقد علَّمني استخدام السّلاح العربيَّ، كالسّيف والرَّمح والرِّمايَة بالقوس العربيَّة، وكان قد صنع جميع هذه الأسلحة بيده، على النّموذج الذَّي احتفظ به في ذهنه، وقد اكتشفت فيما بعد الفروق البيِّنة التَّي تفصل بين النّماذج الحقيقيَّة والتَّي صنعها عبد الباري، لقد كان التَّشابه صورياً فقط، ولا بد من الاعتراف بأنَّ ما صنعه منها كان أفضل من المستعمل في الجيش العثمانيِّ.
    لقد كانت أسرة عبد الباري أسرة مكتفيَّة، تسكن في السّاحل الفلسطيني بالقرب من عكا، جاءت من مصر، شافعيَّة المذهب مع صبغة شيعيَّة واضحة، ونظراً لأنَّ عبد الباري كان شاباً عندما أسر، فقد كان ملمَّاً إلى حدٍّ ما بالشّريعة، يصوم شهر رمضان، ويؤدِّي الصّلوات الخمس بأوقاتها، ويحفظ الكثير من الشّعر .
    كان للعلوم العسكريَّة العربيَّة التَّي تعلَّمتها من عبد الباري، وطريقة امتطاء الخيل بلا سرج، فوائد جمة أضافت إلى الأساليب الغربيَّة مرونة كبرى مفيدة في القتال، بحيث صرت أكمل تجهيزاً، وأكثر حضوراً في الميدان من فرسان القدِّيس يوحنا المتمرِّسين، وحتَّى من ألفونسو نفسه، الذَّي اعتبر بطل الفرسان بلا منازع منذ أمد لا يستهان به .
    كانت المنطقة التَّي نزلت بها، وعرة صخريَّة تشرف بمنحدر على البحر، تصلها به سلالم حجريَّة منحوتة في الصّخر، من عمل الإنسان، وفي الأسفل شاطئ حصوي صغير يتفاوت عرضه بين الذَّراع وعشرين ذراعاً، ثم تبدأ المياه العميقة مباشرة، وكانت الأعماق المتوسطة التَّي يمكن بلوغها غنيَّة بالسّراخس والأعشاب البحريَّة، التَّي اعتدت على تناولها منذ أمد بعيد .
    كان البحر يشكل اكتفاءً ذاتيَّاً لي، فلم أكن بحاجة إلى شيء من الطّعام، طالما كنت بجواره، ولم أكن لأتناول شيئاً من حيواناته أو أسماكه، لقد اعتبرت دائماً أننا عائلة واحدة، وكنت أبرِّر تصرُّف حيتانه والتَّهامها كميَّة كبيرة من الأسماك، بأنَّها تعيدها للبحر بشكل ما، لكي تظلَّ مصونيَّة البحر كاملة، وأنَّ طبيعة تكوينها تلزمها بذلك .
    لم أحسّ بالملل في اليومين الَّذين قضيتهما بجوار البحر، كنت أبيت في كهيف صغير، وما أكثرها في هذا الجرف الصّخري، ذي الحجارة الرَّمليَّة الهشَّة، وخطر لي أنَّ المغاوري وإبراهيم ابن أدهم، صوفيَّي البحر كانا يحملان مشاعري نفسها، وأنهما لازماه كصديق لتأمُّلاتهما الزَّاهدة .
    عندما عدت إلى البلدة، توجَّهت إلى القصر، فوجدت من ينتظرني على البوابة الخارجيَّة، ومعه عربة صغيرة يجرها جواد، وعند باب القصر الذَّي يبعد عن البوابة نصف فرسخ تقريباً كان رجل خمسينيٌّ يقف مستبشراً، وعندما رآني ضمَّني بحرارة، وهو يقرأ استغرابي لهذا اللِّقاء .
    - لا عليك فنحن قريبان .
    ثم قادني إلى البهو، لأجد الجميع ينظرون إلي نظرة فيها الكثير من الدَّهشة والطّمأنينة بوقت واحد .
    كان عوني باشا هذا خالي، وكانت والدَّتي تحدِّثنا عنه كثيراً، وتقول لي بأنني أشبهه، إلاَّ أنَّها كانت تذكر أنَّه يقيم في مدينة صغيرة على الشّاطئ الجنوبي للبحر الأسود، حيث أملاكه وبقيَّة أفراد عائلته.
    - يا للشَّبه الغريب، كادت المرأة تلد أخاها .
    قال بربر وتابعته زوجته دنيا، مؤكِّدة وجهة نظره، فيما أسمت فاطمة العربة التَّي نسافر فيها بعربة القدر، وأشارت إلى أنَّ حدسها يشير إلى حلقة من الأحداث المتَّصلة، التَّي ابتدأ بعضها في التَّجلِّي، وتساءلت عما إذا كانت الحياة شريطاً مسجَّلاً أم أنَّها حوادث جديدة تقع بالتَّوالي .
    أما مراد فقد أثنى على المضيف، واعتبره خال القافلة، وطالب بتمديد الإقامة بعض الوقت، زيادة في التَّعارف
    الصور المرفقة  

  10. #10
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    10


    كان اليهودي قد اختفى، وبقيت الفتاة بصحبة العائلة، وعلمت أنَّها اختلت بفاطمة كثيراً، وأنَّها حدَّثتها حديثاً ائتمنتها عليه، وقد ابتدأت فاطمة تظهر شروداً كثيراً، وتنظر إليَّ نظرات ملؤها الحيطة والاستغراب، ولكنّها ظلَّت تقترب مني أكثر .
    وذات مرَّة نادتني بجون الفاتك، إنَّه اسمي عند الفرسان، فكيف انتهى لها هذا الاسم، لا شكَّ أنَّه اليهودي، وأنَّه جزء من حديث أدلت به أليزا لفاطمة.
    كان خالي عوني يبالغ في العنايَّة بي، إلى حدٍّ ابتدأت أتضايق معه من هذا الاهتمام الزَّائد، أما عائلة خالي فما تزال تقيم في قريَّة الحواضر جنوب البحر الأسود، وهي أسرة صغيرة مؤلَّفة من زوجته ملك وولديه سليمان ومنير، وكانت زوجته ملك هانم تمتُّ بقرابة بعيدة للسُّلطان، مما أعطاها نفوذاً واسعاً وسلطة قويَّة في شمال البلاد، وقد أدَّت تراكمات التَّصرف، والتَّدخُّل في شؤون الموظفين والعنجهيَّة المرافقة إلى وحشة وجفاءٍ بين الزَّوجين، فقررا بعدها الابتعاد عن بعضهما، فاستوطن خالي في هذه البلدة التَّي يملك أراضيها، وبقيت ملك وولداها في الحواضر .
    عقدة الاضطهاد موجودة في كلِّ مخلوق، فهي في الأبناء تجاه والدَيهم، وهي في الزَّوجة مقابل تحكم الزَّوج، وهي في الرَّجل الذَّي يحس أنَّه يستحقُّ أن يكون سلطاناً، وهي في العرب، الذَّين سُلبوا مشعل القيادة منذ عهد طويل، ويرون أنَّهم أمُّ الإسلام وأبوه .
    وبما أن جميع الحاضرين هم من العرب فقد كان الحديث يدور دائماً حول العروبة والإسلام، وأحقيَّة العرب بالوحدة وقيادة الأمَّة، ولم يكن هناك ما يعكِّر صفو الحديث، غير ذكر اليهوديِّ المرافق، والذَّي اختفى كما قلنا منذ الوصول إلى البلدة .
    إنه لمن الصّعب أن تبدأ بالتَّفكير بما سيحدث لك عند العودة إلى الوطن، وما سينتظرك عند انتهاء موجة العواطف، وابتدائك بالحياة الطّبيعيَّة، وماذا ينتظر فارساً شاباً قضى عمره على متن سفينة أو على ظهر جواد حينما يعود إلى الحياة المدنيَّة الحافلة بأنواع المجاملة والتَّملُّق والكسل، حيث تتبدَّد الأماني وتمسخ الأحلام، ويصغر المرء من داخله ويضمحلُّ، أتذكَّر دائماً أولئك الأبطال العرب الذَّين سابقوا الشّمس إلى انتصاراتهم المجيدة، كيف عادوا إلى منازلهم بعد عزلهم أو تقاعدهم أو مرور فترة سلام، وكيف تابعوا بملل ما تبقَّى من حياتهم التَّي كانت حافلة بالخطر والمغامرة .
    لن يكون في وسعي أن أحيا هذه الحياة التَّافهة، عندما تنتهي أحلامي أكون قد انتهيت، وعندما يترجَّل الفارس عن جواده، ويضطجع على فراش الرَّاحة، تكون حياته قد اختزلت، فإنَّ شريط الذَّكريات وحده لا يكفي أصحاب الهمَّة العاليَة والقلب الشّجاع .
    كان لا بد من روايَة القصَّة، لإزالة الالتَّباس وتوضيح جملة الأسرار الخافيَة على الجميع، وقد وعدتهم بأن أسرد القصَّة في المساء، وأشرت أنَّها ستكون سهرة ممتعة، ولا حكايَة سندباد .
    كان ألفونسو يتحدَّث دائماً عن نسبيَّة الفكر، ويقول بأنَّ فكرنا يتطوَّر مع عمرنا وما يتجدَّد فيه، وأنَّه لا شيء ثابت على الإطلاق، حتى العدم فهو مجرَّد مفهوم لا وجود له، وأنَّ أحاسيسنا المتراوحة بين الشّقاء والسّعادة حالات فقط تقبل العكوس، فقد تفرح لموت إنسان وقد تحزن لموت الآخر، ونفس الشّيء بالنّسِّبة لأي حدث، وكان يسخر من الثَّالوث المسيحي، مقرراً أن ما يتحدَّث به الرَّهبان فوق طاقة عقولهم، وأنَّ البابا هو أشقى مخلوق على ظهر الأرض، لأنَّه يعرف هذا ولا يستطيع أن يعلنه .
    - عجباً كيف يقولون بالثَّالوث إلهاً واحداً، إنَّ الذَّات العليا الكاملة، لا يمكن أن تكون مجزَّأة إلى طبائع، وإنَّ حقيقة روح القدس لا يمكن الإحاطة بها، أو حتَّى وصفها، لقد طبع المسيحيون المتأخِّرون عقيدتهم بطابع اليونان القدماء، ثم فلسفوها بأفكار الأفلاطونيَّة المحدثة، والذَّي يقرأ الإنجيل لا يرى فيه شيئاً من ذلك .
    وكان ألفونسو معجباً إلى حد كبير بفلاسفة المسلمين، ويعتبر أن الفارابي وابن سينا، قد لامسا الحقيقة من خارجها، إذ لا يمكن سبرها من الدَّاخل، وكان يشير إلى أنَّ كلمة الصّمد هي أكبر دليل على ذلك، وكان يرفض عالم المثل رفضاً قاطعاً، ويقرِّر بأن العالم العلوي كالعالم السّفلي عاجز عن سبر غور الذَّات، أو تحديدها بالأسماء والنّعوت والصّفات، ويعتقد أنَّ هذه النّعوت والأسماء والصّفات واقعة علينا نحن ولكنّ بشكل نسبيٍّ .
    جلست أتأمل الماضي بحوادثه، وأستذكر التفاصيل الدقيقة فيه، وعرجت على صديقي عبد الباري ونقاشي معه حول الجبرية، سألته ذات مرة:
    - يا صديقي إذا كان الإنسان مجبراً على أفعاله ولا يستطيع تغييرها فلماذا الحساب؟.
    - الحساب على النوايا.
    - كيف؟.
    _ لأن الأعمال بالنياتِ.
    - يا صديقي هل من مبرر لحساب شخص مكتوب عليه أن يفعل ثم فعل ما كتب عليه؟.
    _ هل تعتقد أن الله يجهل ما سيفعله العبد؟.
    - إذن فلماذا تسأل.
    _ لأنني أعتقد أن الله لا يمكن أن يحاسب العبد على عمل أجبره عليه.
    - لماذا إذا كانت النوايا غير صحيحة.
    - لأن الله عادل. وليس من العدل أن يجبرني على فعل ويحاسبني عليه.
    - وما رأيك أنت؟.
    - من المنطق إذا كنا مجبرين على أفعالنا أن لا نتحمل وزر السيء منها، ولا جزاء الصالح منها فالله هو الفاعل.
    كان ألفونسو دائماً يقول :
    - الله كامل مطلق ، وخيرٌ مطلقٌ وجمالٌ مطلق، ولا يفعل إلا الحق، وإن من يقول بالجبر ينقص من كمال الله، لأنه يجعله هو فاعل النقص، فكيف للكامل أن يفعل الناقص.
    وكنت أسأله:
    - فإذا كان الإنسان مخيراً في أفعاله فماذا تكون النتيجة؟.
    - وأيضاً فإذا كان مخيراً فقد بدا وكأن الله خلق خلقاً جيداً وآخر رديئاً، ثم أهمله، وهذا قولٌ غير ملائم، لأن الخير أكمل من الشر في جميع شؤونه.
    - إلى أين تريد أن تصل؟.
    - إلى أن الله عادل، وأنتم المسلمون تتحدثون عن توفيق الله للعبد في أفعاله.
    وجدت أن الموضوع في نهاية الصعوبة، وأنني لست في موضع يسمح لي بتتمة النقاش.
    أرسل اليهوديُّ من يخبر بأنَّه قد سبقنا إلى أضنة، وكان خبراً مفرحاً، خاصَّة لأليزا التَّي بدت وكأنَّها قد أزاحت كابوساً ثقيلاً عن كاهلها، ولو بشكل مؤقَّت، ولازمت البشاشة محيَّاها الطّلق الجميل، في حين كانت تستعجل ملهوفة سماع القصَّة، وكأنَّ حبلاً ما يشدُّها إليها، وخلال نزهة في حدائق القصر، ألحَّت عليَّ بأن يكون السّرد دقيقاً وبتؤدة وأناة، وأن أترك للسامعين فرصة كافيَّة للاستفسار والتَّقصِّي، في حين أبدت فاطمة قلقاً غير مبرَّر، وهمست بأذني أنَّها خائفة، وأنَّ شيئاً في لا وعيها يحذِّرها من أمر تجهله .
    حاولت أن أقصي أيَّ تفكير بالأمسيَّة، لكنّني لم أستطع، كان الشّريط الحزين يتوالى أمامي، وكأنه حدث البارحة، منذ اختطافي من على شاطئ حصن البحر، مرورا بجميع آلامي وعذاباتي التَّي لا تحصى.
    كان خالي قد دعانا إلى النّزهة على ظهر الخيول، بعد قيلولة الغداء، فكانت فرصة سانحة لإلهائي عن أفكاري البائسة المزعجة، وقد نعمت أثناءها بالانفراد بفاطمة، وتجاذب أطراف الحديث معها، وقد لفتت انتباهي إلى أن اليهودي يمكر بي، ولكنّني طمأنتها إلى أنَّ لديَّ أفكاري الخاصة، وأنَّه سيكون عاجزاً عن فعل أيِّ شيء .
    كانت فاطمة حالة مهمَّة، كان حياؤها يلقي عليها ظلاً محبَّباً من الرَّفعة والسّموِّ، وحين لمست يدها ارتعدت وسحبتها بسرعة، ناظرة إلي بلوم واستنكار، ولكنّها لم تبتعد، وارتسم على وجهها طيف من الحزن، وكأنني جرحت شعوراً متأصِّلاً في نفسها الهادئة، وحينما حاولت أن أتكلَّم، أشارت بيدها إلى أنَّ الموضوع قد انتهى وأنَّها تجاوزته .
    ما يسمَّى بالعفاف أو الشّرف، لم يكن مفتقداً في صقليَّة، بل إنَّ القتل بالرَّجم كان نصيب العاهرات المتزوِّجات، في حين يتمُّ التَّغاضي عن النّساء العازبات أو الأرامل، إلى حدود معيَّنة، لكنّ الفتاة لم تكن تجد عاراً في أن يعبث بها المحبُّ، شريطة أن لا يؤدِّي ذلك إلى الحمل، فإذا حملت المرأة من غير زواج، فإنها قد تتعرَّض إلى الرَّجم أو الرَّهبانيَّة، لذلك فإنَّ الرَّاهبات الجميلات شكَّلن عبأً على الرُّهبان، وأمسى إغواؤهن لهم شيئاً معتاداً، تذيعه الرَّاهبات الدَّميمات أو المسنَّات، بحيث كان على الكاردينال أن يصدر سنويّاً لائحة طويلة من التَّنقُّلات والإبعاد إلى أفريقيا وجنوب آسيا والتَّيبت، في حين كان هو نفسه موضع اتِّهام يسري بين صفوف الرَّاهبات ولكنّ بحذر وهمس .
    كان ألفونسو يتحدَّث دائماً عن قرفه من هذا النّفاق الدَّيني، وكان بعض الرَّهبان يتَّهمون باللّواط أيضاً، لكنّ مراكز النّفوذ عند البابا كانت تحميهم، وهذا الحال كان يتكرَّر في رجال السّياسة أيضاً، فلقد أوصل البابا الأمير لويس إلى قيادة فرق الفرسان، على الرَّغم من أنَّه كان مأبوناً لا يتحرَّج من ذلك، بل إنَّه كان يتحرَّش بشباب الفرسان الذَّين يستلطفهم، ويدعوهم صراحة إلى الفراش، وحينما اعترض الكاردينال على ذلك هدَّده البابا بكشف علاقاته النّسائيَّة، وهتك أسراره أمام العامِّ والخاصِّ .
    - إنَّهم حثالة، وأقاتل معهم رغم ألف وازع يزأر في نفسي، ولكنّ ليس من عمل يلهيني عن مأساتي أكثر من القتال، إنَّني في لحظات ما أكون بين الحياة والموت، فأريد الموت، وسرعان ما أجدني أدافع عن نفسي .
    هكذا كان ألفونسو يردد دائماً، ومرَّة لامني لأنَّني أنقذته من موت محقَّق .
    - ماذا لو تركتني أستريح ؟.
    ـ إنَّك لن تستريح يا ألفونسو لأنَّك ستنعم بإحدى الشّخصيَّتين المتأصِّلتين فيك. فإذا ماتت واحدة تبقى لك الأخرى.
    لم يجبني ألفونسو على الرَّغم من حدَّة الجواب وصراحته، بل نظر إليَّ نظرة لوم واستعطاف، وتمتم كلمات مفادها أنَّ العثمانيين ليسو أفضل من ذلك، وأنَّهم يمارسون جميع أنواع القتل والاغتصاب والسّرقة
    الصور المرفقة  

صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •