النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: قصص قصيرة .. تأليف هاشم عبد العزيز

  1. #1
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,230

    افتراضي قصص قصيرة .. تأليف هاشم عبد العزيز

    كحل أكتوبر




    رفع أذان العصر .. وخطف الصبي اربع ركعات في وصلة بهلوانية وتوجه الي دولابه الصغير ونزع جلبابه الأبيض من بين ملابسه ووضع جسده الضئيل فيه وهتف بأمه
    - يلا يا اما لو أتاخرنا اكتر من كده المغرب هيدخل علينا قبل ما نوصل لجدي .
    وجاءت الأم تتمتم بسبحان الله والله اكبر لا اله الا الله وختمت ب " ربنا يشفيك يا ابا " وأجابت وعيناها دامعتان
    - إيه ده انت عنيك حمرة كده ليه .. طبعا من لعبك الكورة في الشارع من صباحية ربنا .
    = هي الكورة بتحمر العنين ؟!
    - لا التراب والسباخ اللي بيحمرها يا لمض .. روح هات الكحل من علي التسريحة علشان اكحلك علي الله عينك تخف
    = كحل إيه ؟! ..سبت النور لسة بدري عليه انتي عايزة العيال يضحكوا عليا ويقولوا عليا بنوتة !!
    مسحت الأم بعض دموعها السائلة أسفل عينيها براحة يديها بعد أن اختفي معظمها من أثر الحديث
    - اللي يضحك عليك اضحكله واللي يبكي عليك حاول تضحكه انت هو الضحك وحش ؟ .. يلا انت معطلنا هات الكحل يا ابني . النبي كان بيتكحل وده النبي ومفيش بعد النبي نبي !!
    واتي " الصبي" بالكحل فوجد أمه تضع أكياس الفاكهة وعلب الزبادي التي يعشقها جده جدا وترتبها بعناية في سلتها الزرقاء المغطاة بخمار بني اللون قديم شبه بالي ولكن حالته جيدة مناسب كغطاء سلة ولا غبار عليه .. دس الكحل في سيالة الجلباب لعلها تنسي وينصرفا دون أن تكحله واقفا أمام المرآة المستطيلة المثبتة علي حائط الغرفة العتيقة بمادة " الجبس" يهندم ياقته ويمشط شعره الطويل نسبيا الي الخلف مرة والي الامام مرة واستقر في الاخير ان مشطه الي اليسار ومنحه قصة " عبد الحليم حافظ " وشرد الطفل يفكر لماذا يصبح شعره بنيا اذا طال ويبقي اسودا وهو قصير فصاحت أمه :
    - أنت بتعمل ايه يا عندليب ؟ .. قلت لك هات الكحل
    أخرج الصبي الكحل من سيالته وهو في شدة الحرج لأنها كشفت خطته ومراوغته لها قائلا :
    = انا كنت لسة هديهولك يا اما بس والنبي حطي شوية صغيرين
    - ألف صلاة عليك يا نبي .. تعالي قرب هنا
    رقد الصبي علي الأرض واضعا رأسه في حجر أمه وهو يرتعد كالرضيع الذي يبكي عندما يشاهد عملية تجهيز حقنة كالتي يوضع بها هذا الكحل الحامي المبكي ،، إنتهت عملية التكحيل بعد فشل محاولات الصبي للهروب منها وسالت الدموع وغسلت عينيه البنيتين المائلة إلي العسلي
    دفعت الأم رأس الصبي برفق فاعتدل في جلسته ونهضت قائلة
    - طس وشك بشوية ماية ونشفه ومتسرحش شعرك تاني هو كده كويس علي ما اعلف " الحيوان"
    = الحيوان انا علفته يا أما من ساعتها وزمانه بيشرب ماية وبيلعب استغماية دلوقتي في وسط الدار .. خليكي كده اتلكعي والشمس تنزل واحنا قاعدين هنا
    ذهب الصبي إلي دورة المياة وغاص برأسه في الطست عدة مرات ثم ركله بقدمه اليمني وانصرف وجفف نفسه ومشط شعره للمرة الخامسة أو السادسة
    خرج إلي الصالة فلمعت عين الأم قائلة
    - اهو انت كده كحيل الاهداب
    فرد مبتسما
    = نسيت اعمل لقلبي حجاب .. يلا نغني ومنروحش لجدي ،، المغرب هيادن والله
    ضحكت الأم وعانقته فانتبه الصبي الي صوت قادم من الراديو حيث اعلنت اذاعة الشرق الاوسط تمام السادسة .. وضعت الأم سلتها علي رأسها وثبتتها بمهارة وحملت جوال أبيض صغير تسكنه بطة مسكوفي لطيفة جدا ولكنها ستذبح قريبا اما اليوم واما غدا وهذا الأمر يغضب الصبي ويحزنه ولكنه يخشي أن يعلن عن ذلك فيسخر الناس منه !
    هبطا إلي الشارع مغادران الدار الكائنة في وسط القرية الي دار جده التي تحاصرها الزراعات من كل جانب في اقصي جنوبها وحاول الصبي أن يخفف عن أمه حمولتها الثقيلة ولكنها رفضت بشدة قائلة
    - أنا عاوزة هدومك تفضل مظبوطة وشكلك زي ما انت كده علشان جدك ينبسط منك
    تعجب الصبي من قدرة الأم علي حمل كل هذه الأشياء وكأنها تحمل ريشة من ريش البطة المسجونة في ذلك الجوال اللعين .. تسير الأم ببراعة وكأنها لا تحمل شيئا فحاول ثانية أن يأخذ منها الجوال قائلا
    = هاتي يا اما عنك شوية علشان متتعبيش
    ردت الأم دون أن تلتفت له وقد سقطت حبات العرق علي جبينها
    - لا مش تعبانة .. امشي أنت بس بالراحة وحاسب علي هدومك تتوسخ
    = لا انتي تعبانة وعرقانة أهو انتي اللي مش عاوزة تتعبيني .. انا بحبك قوي يا اما
    - وانت كمان روحي وعمري كله .. بطل رغي بقي واوعي العربيات تخبطك
    = حاضر
    بعد دقائق من المشي في طريقهما إلي بيت الجد بدأت تندثر البيوت وظهرت المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية لا بناء فيها
    اقتربا من بيت الجد حيث يوجد بعض البيوت المتناثرة ولكن الزرع هو السيد في هذه المنطقة .. مدت الام يدها اليسري داخل جيبها واخرجت منديلا قائلة
    - أمسح وشك كويس وبعدين لمع جزمتك بالمنديل لو عليها تراب
    تناول الصبي المنديل من أمه وداعب المنديل بوجهه ثم ألقاه علي الأرض .. لمح بعض النساء يجلسن علي " عتبة" الدار وقد نهضت إحداهن وقدمت عليهما وتوقع أن تكون هي جدته لأنه يعرفها من طريقة سيرها التي تشبه الخطوة المعتادة التي يمشيها الجنود في معسكرات التدريب
    اقتربت السيدة وبالفعل كما توقع هي الجدة بدت باسمة مرحبة قائلة
    - يا اهلا ايه النور ده .. هاتي عنك
    فردت الام بصوت ضعيف
    - حنني عليا يا اما
    تناولت الجدة السلة ووضعتها علي الأرض ثم اخذت الجوال ونهرت ابنتها قائلة
    -انتي شايلة الشيلة دي كلها لوحدك ليه .. والحاجات دي كلها ليه انتي رايحة لحد غريب والواد ده مشالش معاكي ليه
    رد الصبي في غضب واضعا يده اليمني علي خده رافعا يده اليسري في حدة قائلا
    - بقالي ساعة بتحايل عليها .. انا هدخل لجدي
    استدعت الجدة الخالات الجالسات امام الدار لإدخال السلة والجوال وجلست الأم تستريح من عناء الطريق
    دخل الصبي الدار متوجها إلي غرفة جده اوعندما أقترب من الغرفة سمع جده يدندن مع عبد المطلب " مبيسالش عليا ابدا " .. لم يكن الباب مغلقا تحرك الصبي قليلا فرأي جده راقدا علي سريره الحديدي الذي يتصدر الغرفة وفوجئ الجد بالصبي فصمت وتوقف عن الغناء .. جري الصبي وارتمي في أحضان جده وقبل يديه وجبينه الأسمر واثني الجد علي الصبي لجماله وحسن هندامه
    نظر الصبي في الغرفة ولاحظ أن ترتيب محتوياتها قد تغير وهناك إضافات جديدة .. تليفزيون ملون وراديو بالكهرباء فتساءل قائلا
    - فين يا جد التليفزيون الأحمر وفين الراديو أبو حجارة
    = خالك حطهم في الأوضة التانية وجابلي دول .. اصل الدكتور قاله أن العلاج مش هيجيب فايدة طول ما نفسيتي وحشة ولازم أبطل السجاير اغير كل شئ كنت بعمله حتي اوضتي نظامها يتغير وتتجدد
    - الراديو ابو حجارة احسن من الكهرباء افرض الكهرباء اتقطعت هتتسلي انت بايه بقي ؟
    = قول يا ابني لخالك قوله والله التليفزيون ده ما ببص فيه غير وقت نشرة الأخبار .. الأبيض والأسود كان أحسن والله
    - أنت عندك ايه يا جد ؟! وهتخف امتي ؟!
    = رحت لدكاترة مصر كلها يا بن بنتي محدش مريحني آخر واحد بتاع اسكندرية بيقولي أعصاب ولابد تسيب السجاير والحامي والحراق .. كلهم عيونهم علي جيبك يا ابني مش علي صحتك الدنيا مبقاش فيها خير الله يرحم أيام زمان وقال ايه يقولك متزهقش .. ايه ده انت بتسأل أسئلة ياما قوم دور التليفزيون ده نشوف الدنيا فيها ايه
    قفز الصبي ونفذ أوامر الجد وأدار التلفاز فظهر محمد عبد الوهاب وهذه أول مرة يشاهد التليفزيون الملون في حياته .. حيث اوبريت الجيل الصاعد فضحك الجد قائلا
    - هي العالم دي بتهزر ولا ايه مال الجيل الصاعد وثورة يوليو بالأيام اللي احنا فيها فين اغاني عاش والله اكبر بسم الله وأم البطل ملاقوش غير الغنوة دي يعني
    صمت الصبي ولم يعلق علي كلام الجد فتسائل الجد قائلا
    - أنت سكت ليه يا عم رويتر انت زعلت ولا ايه علشان قلتلك أسئلتك كتير انا بهزر معاك
    = لا مش زعلان بس انا بحب كلامك قوي يا جد وبرضه مش عاوز اتعبك بالأسئلة
    - لا تعبك راحة يا حبيب .. اسأل براحتك انا فرحان بدخلتك عليا قوي
    = ربنا يشفيك يا جدي .. انا قلت لكل زمايلي ان جدي شارك في حرب اكتوبر والأستاذ في المدرسة قالنا أن الملايكة كانت بتحارب معاكم هو الكلام ده صحيح يا جد
    ضحك الجد وقهقه الجد وصهلل واحمر وجهه حتي دمعت عيناه ثم قال
    - أنت بتجيب الكلام ده منين .. الموضوع ده عاوز قعدة كبيرة قوي
    تنهد الجد ووضع يده تحت وسادته قابضا علي حافظة نقوده واخرج منها جنيهان بيد مرتعشة بحكم السن قائلا
    - دول اتنين جنيه هتحطهم في شرابك تشتريلي علبة سجاير وتحطها مكان ما هتحط الفلوس دلوقتي وفي عشرة صاغ جنب التليفزيون أشتري بيهم أي حاجة ليك علشان لو حد سألك وانت خارج توريله العشرة صاغ
    ثم وضع يده في جيب جلبابه الصغير وادي يا عم جنيه تاني بحاله أهه علشانك بس أوعي حد يكشف الحكاية هنروح انا وانت في ستين داهية ..
    لقد وضع الجد حفيده في اختبار صداقة كاشف .. جعله حائر بين خوفه علي صحته وبين كسب وده الدائم علاوة علي حصوله علي لحلوح كامل يصرف منه ببذخ أسبوعا كاملا
    قطع الجد حبل أفكار حفيده قائلا
    - يا ابني رحت فين .. بتفكر في ايه ،، انا جدي زمان وانا في سنك ده كنت بقيد له صوابعي العشرة شمع علشان بس اقعد معاه قعدة زي اللي انت قاعدها معايا دي
    = خلاص يا جد انا هروح .. بس خلي بالك هيشموا ريحة السجائر وهنروح في داهية كده كده
    - بطل غلبة وروح بس وسيب الباقي عليا
    = حاضر ربنا يستر
    انصرف من غرفة جده قاصدا الدكان ولم يجد أحد عند العتبة يبدو ان جدته وامه وخالاته قد هبطن الي وسط الدار أو صعدن إلي السطوح
    وصل إلي الدكان وكادت البائعة أن تغلقه .. فتاة عشرينية متوسطة الجمال عيونها ضيقة كخرم الابرة قصيرة القامة ترتدي فستان كحلي وايشارب صغير لا يستر الي راسها فقط يبدو انها صنعت شعرها " كعكة " حيث ظهر جزء منها يتدلي من الخلف فلاحقها قائلا
    - استني والنبي هاتيلي علبة سجاير وأي حاجة حلوة عندك هاتيلي منها بعشرة صاغ
    = حاجة حلوة زي ايه هريسة يعني .. انا مببيعش سجاير لعيال صغيرة انت بن مين واسمك ايه ؟!
    لاحظ ميوعتها في الحديث وحركات جسدها .. كانت الفتاة تتحدث بجسدها لا بلسانها فرد عليها كاظما غيظه
    - دي مش ليا دي لابويا وأي حاجة منك حلوة اصلا
    ضحكت الفتاة ضحكة هند رستمية ولكن شتان الفارق بين هند البطة الحسناء وتلك العاهرة الشوهاء وضغطت علي زر الكاسيت وتراقصت مع اغنية " طروب " يا ستي يا ختيارة يا زينة كل الحارة " ثم قالت طروب وعيونه خلت قلبي مثل رماد السيجارة
    فضحك الصبي محدثا نفسه ستي الختيارة ستجعل رأسي مثل رماد السيجارة إذا عرفت القصة وكشفت المستور فقاطعته الفتاة
    - عاوز السجاير نوعها ايه يا عسل واجيبلك بونبوني ولا لبان ولا جيلاتي ولا ايه بالظبط
    = هاتي اي نوع سجاير واي حاجة حلوة برضه
    أحضرت الفتاة المطلوب واقترب منها لياخذه فجذبته نحوها بقوة ودفنت رأسه في صدرها وضمته بشدة .. حاول ان يبتعد عنها فلم يقدر لانها كانت تقيده بذراعيها من الخلف .. لقد ذهب الصبي إلي عالم آخر يدخله لأول مرة تاه وضاع وغاص في ذلك الوادي الضيق الذي بين نهديها ..
    رفع اذان المغرب وكان بمثابة المنقذ له من السجن الذي وقع فيه وهو لا يدري هل هو سجن ام جنة ام حلم .. استجمع قواه فنزع رأسه ودفعها دفعة قوية فطرحها ارضا وفر هاربا إلي الخارج ومعه السجائر والبونبوني ..
    طوي المسافة التي بين الدكان وبين دار جد كطي السجل .. كان يجري بسرعة ويبكي والعرق يغزو كل جسده حتي وصل الي دار الجد فدخل بسرعة الي الغرفة والقي بالسجائر في حجر الجد
    رقد علي الأرض من شدة التعب والشهيق والزفير لم يتوقفا الا بعد دقائق ليست بالقليلة .. هدأ الجد من روع حفيده وسأله مستفسرا عن سبب الحالة التي كان عليها فقص عليه الصبي ما حدث فضحك الجد بشدة أكثر من المرة الأولي التي سأل فيها الحفيد عن الملائكة التي شاركت جنود مصر انتصار أكتوبر قائلا له
    _ انا بلتمسلها العذر بصراحة .. العندليب رايح يشتري سجاير وحاجة حلوة لازم البنت تدوب في دباديبك ،، يا زير النساء .. يا فتك!!
    ضحك الصبي في خجل قائلا
    - سيبك منها بقي وقولي ايه حكاية الملايكة وحرب أكتوبر
    = أقفل الباب وافتح الشبابيك كلها وهات الكبريتة اللي جنب السبرتاية دي
    نهض الصبي .. ادي الشباك وادي الكبريتة
    أشعل الجد السيجارة واستنشق الصبي دخانها مستمتعا به كما يستمتع بدخان سجائر أبيه .. لقد التهم الجد سيجارته في ثلاث أنفاس متتابعة لا رابع لهم ثم قال
    - أفتح الدولاب هات عود بخور وولعه بقي علشان الريحة
    - حاضر يا جد .. ابوس ايدك بقي كمل موضوع أكتوبر كلها شوية وأمي تقول يلا نمشي
    = لا متخافش انا همسك فيها تبات معانا .. بص يا سيدي ،، انا مشفتش ملايكة ابدا بس الهتاف بالله واكبر والأغاني الوطنية كان مدينا قوة كبيرة محدش يتخيلها .. قوة ضد الجبن والخوف طاقة إيجابية وروح عالية ،، الواحد مكانش حاسس بنفسه ولا مصدق اللي بيحصل .. حالة لا يمكن حد يتخيلها ولا اقدر اوصفهالك وكل واحد بيقول وبيفسر علي مزاجه بس انا مشفتش ملايكة بتطير في الجو يا ابني خالص
    - أنا مش فاهم قوي بس انا مصدقك يا جد وأكيد الأستاذ بيكدب
    = هو مش بيكدب هو سمع من حد بيكدب ونقل من غير ما يتأكد وأنا عاوزك تتأكد من كل حاجة قبل ما تقولها علشان نقل الكلام ده أمانة وعلشان ابسطلك الموضوع علشان شايفك مش فاهم .. هسالك سؤال انت عندك كام سنة ؟
    - 12
    = ايه عرفك ان هم 12 مش يمكن 10 أو 11
    - كل الناس عارفة كده أبويا وامي والمدرسة والحكومة
    = كويس .. كل الناس اللي انت بتقوله عليهم دول عارفين ان عندك 12 سنة ومحدش له مصلحة يكذب ويقول سن غير سنك وفي ورق بيقول ان عندك 12 يبقى في إجماع علي المعلومة دي وبكده نقدر نقول أنها حقيقية
    صمت الصبي قليلا ثم قال
    - كل الناس بتقول ان في حاجة اسمها السلعوة والنداهة وابو رجل مسلوخة .. الحاجات دي انا مشوفتهاش وكل الناس اتفقوا أنها موجودة برضه
    رقد الجد قليلا و ظهرت عليه علامات التعب فطلب من الصبي اطفاء البخور لأنه انتوي إشعال سيجارة اخري واعتدل في جلسته واشعل السيجارة الثانية وشربها بنهم شديد جدا ثم قال
    - ما انا قلتلك ان لازم ميكونش في حد مستفاد من الإجماع علي حاجة دول اجتمعوا علي السلعوة وغيرها علشان يخوفوا بيها الأطفال يا فتك .. انا هوريك حاجة
    سحب الجد جلبابه الي الأعلي وقد ظهر سرواله ورفعه قليلا هو الآخر ففزع الصبي من بشاعة منظر قدم الجد لا يوجد مكان فيها الا وبه مطب او حرق وخلافه فقال الجد
    - شايف الحروق والمغارات والإصابات دي ؟! .. دي قديمة من وقت الحرب ،، تقريبا محدش شافها خالص غيرك انت وجدتك .. كنت ممكن اعمل بطل واجمع الناس حوليا واحكي لهم عن بطولاتي وامجادي زي ما الناس بتوع الملائكة دول بيعملوا وبيستغلوا كل فرصة علشان يوهموا الناس أن مفيش أخذ بالأسباب وكل شئ هم يقولوه هو اللي صح .. ساكت ليه يا ابني ؟!
    = بسمعك مش عاوزك تسكت .. انا هقوم اولع عود بخور علشان لو حد دخل علينا
    فاكمل الجد :
    احنا انتصرنا علشان تعبنا واجتهدنا وربنا وفقنا لأننا أخذنا بأسباب النصر .
    مفيش بيت في مصر الا وفيه شهيد ومصاب .. لو الملايكة كانت بتحارب معانا ليه سابت الناس دي تموت ومدافعتش عنهم ليه سابتهم يتكحلوا بهباب الحرب والموت ..
    - وليه ربنا ساب الناس دي كلها تموت يا جدي .. وليه الحرب موجودة اصلا
    = مش عارف يا ابني ارد واقولك ايه لما تكبر شوية هتعرف .. اكيد ربنا له مراد في كده .. والحرب من غير سبب تهور وقلة عقل ولكن لو الحرب جات لغاية عندك لازم تقف وتحارب حتي لو هتموت علشان لو هربت من الموت هتعيش ميت .. كل اللي يهمني انك تكون فهمت ان في ناس مستفيدة من قصة الملايكة دي علشان احنا نسمع كلامهم علي طول ونصدقهم ونمشي وراهم زي العميان من غير ما نفكر ونشغل عقلنا
    - فهمت يا جد
    = افتح الباب بقي كل شئ بقي تمام والاوضة متبخرة ومتعطرة
    - ربنا يستر وميكونش حد شم الريحة من الشباك
    = لا متخافش لو حسوا بحاجة كانوا فضحونا انا وانت .. وروح بقي دلوقتي علشان عاوز انام شوية
    - تنام ازاي وامي عاوزة تشوفك
    = ماهي شافتني وانت في الدكان يا فالح
    ابتسم الصبي ابتسامة حب ورضا .. حاضر يا جد .. مع السلامة وهم مستعدا ان يغادر الغرفة
    استوقفه جد قائلا ..
    =عاوزك متخافش من حاجة ،، لما الحرب فرضت علينا كل الناس كانت بتهرب من الجيش وتهج علي الغيطان وانا رحت سلمت نفسي وقعدت احارب خمس سنين واديني عايش قدامك أهه .. وفي عز الحرب والخطر عمري ما خفت مرة واحدة لو خفت كنت مت .. عاوزك تعرف ان أول ناس استشهدت من زمايلنا هم اللي كانوا خايفين ماتوا في أول دقايق من الحرب لأنهم خايفين .. هي دي نصيحتي ليك ،، اوعي تخاف ،، اياااك تخاف
    - حاضر يا جد مش هخاف .. مش هخاف ابدا .. عمري ما هخاف

  2. #2
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,230

    افتراضي

    ملاك البرلس


    قبل ست سنوات كنت اصلي في اليوم خمس صلوات ثم اكتشفت أنها مجرد حركات بلا خشوع حقيقي .. الخشوع الذي يتحدث عنه أبي وأمي ومعلمتي وامام مسجد بلدتي الخاشعة ،، اتمتم بكلمات أدرك معناها جيدا ولكنني لا أشعر بها أبدا ،، مما أدي إلي ضيق صدري لدرجة أنني بدأت ألوم نفسي واتهمها بالفسق وكراهية العبادات .

    أستمر هذا الأمر شهور وشهور وأنا أخشي أن أبوح لأحد بهذه المشكلة العويصة من وجهة نظري طبعا .. حتي صعدت ذات يوم الي سطح منزلنا المتواضع حاملا الحصيرة وعلبة سجائري التي لا تحتوي إلا علي عدد ثلاث سجائر وهذا هو العدد الذي كنت ادخنه في ذلك الوقت،، فرشت الحصيرة علي الأرض وأشعلت أول سيجارة وبدأت أفكر ماذا سأفعل؟ ماذا لو قبض الله علي روحي الأن هل سأموت كافرا؟ هل سيكون مصيري نفس مصير أبو جهل ؟ ..وغصت في التفكير حتي نفذت سجائري التي هي بمثابة أسلحتي الساحقة لشعور الملل الدائم وأصدقائي الذين يهونون علي ألم التفكير ومرارته،،

    حينها بدأت اناجي الله باكيا متوسلا إليه أن يجيبني علي سؤالي هل أنا حقا كافر وكاره للصلاة ؟ ولا إجابة فيزداد ألمي وبكائي اكثر والآن يتدخل جاري الذي كان يراقبني من شباك غرفته -منذ أن جلست دون أن أشعر- قائلا : يا ولد صوتك عالي ومزعج علي عكس هدوء ملامحك .. ماذا بك ؟ ،، فقلت له ولا شئ

    وهبطت إلي الشارع لا أعلم إلي أين انا ذاهب حتي وجدت نفسي علي مشارف قرية مجاورة لقريتي حيث يوجد مسجد صغير مغلق تجلس أمامه سيدة خمسينية حمراء الوجه ذات عيون نجلاء خضراء جميلة .. عيون تمنيت أن ارقد داخل روضة من رياضها واستريح من كل همومي ومشكلاتي ،، نظرت إليها نظرة طويلة وهي كذلك .. كان يبدو عليها أنها برلسية والبرلسية نسبة إلي بحيرة البرلس والمعروف عن نسائها الجمال الطاغي والحسن الفتان .. سوف اسألها بعد قليل أو قبل أن أتركها ليس من باب التطفل أو الفضول ولكن أعتقد لاثبت لنفسي أنني بارع في معرفة بلدان الناس الأصلية ! .. نعم عندما أكون عاجزا غير قادر علي التواصل مع الله فاعزي نفسي بإثبات أن هذه الزبيدة ثروت برلسية بنت برلسي !! .. ماذا لو لم تكن برلسية كما توقعت؟ هل سأتقبل أنها غير برلسية أم سأتهمها بجهل أصلها وأنها لا تعلم عنه شئ من الأساس !! .. سأنحي تخوفاتي جانبا وساسالها وإذ لم يكن أصلها كما توقعت ساتهمها بالغباء والجهل المطبق .. لن أسمح لها أن تطعنني في قدراتي الخارقة !
    فاقتربت منها وقلت لها اريد ان اسالك سؤالا فقالت لي سل ما شأت ولكن قبل أن تسألني أنا عندي سؤال أريد أن أعرف إجابته قبل أن تسألني أنت .. ما سر حزن عينيك يا ولدي ؟! وجهك وجه طفل وعيونك عيون شيخ علي مشارف القبر !! .. قل لي ولا تخف .. فقصصت عليها قصتي مع الصلاة .. فابتسمت ابتسامة انشرح بسببها صدري الذي لم ينشرح هكذا من قبل .. قالت لي لا تبحث عن الخشوع قبل أن تعرف الله ولن تعرف الله إلا اذا تعرفت عليه بنفسك دعك من أي شئ تقليدي وكن نفسك الرحلة صعبة ولكنها تستحق المعاناة ونحن في كل الأحوال نعاني.. الخشوع والإيمان ليست مهنة نتعلمها يا ولدي الخشوع كالحب والأمومة .. ولا تقلق أنت لست بكافر ولا كاره للصلاة أنت أصدق من ألوف المصلين المقلدين..ستصلي قريبا كما صليت انا وغيري لست وحدك فنحن كثير ولكن لا أحد يتكلم ،، كل الذي أنت فيه أنك بحثت عن شئ في مكان مظلم .. أبحث في النور وستجد ما يسرك .. معذرة سأعود إلي بيتي يبدو أن ابنتي عادت إلي البيت من الطريق الأخر .. كنت انتظرها هنا .. قبل أن اتركك اعرف نفسك قبل أن تعرف الله وللعلم أنا برلسية ولا تستعجب وتسأل نفسك كيف علمت سؤالك قبل أن تسأله .. لا يوجد رجل في هذه القرية والقري المجاورة إلا وسألني هذا السؤال تمهيدا لمصادقتي والتقرب إلي ولكنك غيرهم بالتأكيد أنت أنا منذ ثلاثون عاما .. أنت أنا وأنا أنت يا ولدي

    الصور المرفقة  
    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 18-10-2016 الساعة 05:38 AM

  3. #3
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,230

    افتراضي

    شتاء عام 1998
    1


    الأم تشعل "وابور الجاز" لتسخين ماء الحموم، يستيقظ الصغير من النوم ويتناول وجبة الإفطار، ويرتدي المريلة التي لم يحبها يوما.



    طفل نحيف قصير، لم يتجاوز السبع سنوات، كل من يراه يعتقد أنه ابن سبعة أشهر، في حين أنه أتم التسعة أشهر، وولدته أمه بمفردها كمريم عليها السلام.


    تراوغه الرياح يمينا ويسارا وهو يسير حاملا أسفاره، ولا يقوى على رفع قدميه أو المشي باعتدال من ثقل وزن الكتب الموجودة في حقيبة المدرسة.


    وصل إلى المدرسة، وفَرّاشها يعرض بضاعته الفاسدة على التلاميذ، ويبتعد الطفل مقررا أنه سيشتري في الفسحة.


    طابور الصباح السخيف، وضجيج وكيل المدرسة وصوته المزعج، ثرثرة المعلمة، وازدحام الفصل بالطلبة، ووجود رائحة كريهة.


    عيون حلوته اللامعة، و"توكة" شعرها، وجدائلها السود.


    تائه، شارد، تنبهه معلمته من حين لآخر ولا يبالي؛ لأنه يعلم ما تقوله تماما، العلم، والفضل يرجع لشيخ الكتاب وأولاده، كل ما يهمه أن يراقب "زغلولته" وفقط.


    جرس الفسحة، وصراخ الأطفال، يذهب إلى سيدة عجوز تبيع "المهلبية" خارج سور المدرسة، يدق جرس انتهاء الفسحة، ويحدث ما حدث قبل بدايتها، ثم جرس الانصراف، يخرج وكأنه خرج من السجن متنفسا الصعداء، يعود إلى المنزل مرهقا جدا، ولكنه سعيد لرؤية زوجته، باعتبار ما سيكون.


    يدخل إلى منزله وقد عاد الأب من البحيرة بسمك كبير يعبث بجعبته محاولا تمزيقها والإفلات منها، لعله يجد بركة ماء خارجها يلجأ إليها ويهرب من الموت.


    تم شوي جزء من السمك وتناول الغداء، والجزء الآخر أمر الأب بإرساله إلى الجدة؛ تصنع به ما تشاء.


    يخرج إلى الشارع باحثا عن الظل في براح تسوده الشمس، أخيرا، ظل جدار منزل عمه القديم، صوت أغنية "سحراني ليل ونهار" يصدر من ميكروفون عرس جاره الغني جدا ونشازه معها، وكأنه يغني لصغيرته في حديقة عامة كما يحدث في الأفلام العربية التي يدمنها.


    عرس آخر عند جار فقير، وغناء النساء "يا منجد علّي المرتبة.. واعمل حساب الشقلبة.. عروستنا حلوة مؤدبة"، واستخدام صينية وملعقة الطعام كعامل مساعد في الغناء.


    يتساقط القليل من حبات المطر، ومعها يحضر القلق لاحتمال إلغاء العرس، الأطفال يرددون "الدنيا بتشتي.. أروح لستي.. تعمل لي فطيرة.. تحت الحصيرة"، وفعلا يذهب إلى جدته، ولكن لا يوجد فطير، اليوم ليس يوم الفطيرة، اليوم رقاق وعسل أسود مخلوط بالطحينة.


    اليوم يوم الطحين، فتأمره امه بالذهاب معها لمساعدتها، يرد بـ "حاضر" ولكن "من تحت ضرسه"، ستضيع عليه الأفراح، قال في نفسه: "حبكت الطحين النهارده!".


    يذهب مع أمه حزينا إلى ماكينة الطحين، وسرعان ما يتحول الحزن إلى سرور، حيث القمح يتراقص داخل "قادوس" الماكينة، ويخرج دقيق رائحته زكية جدا، يضع خده على "شوال" الأرز بعد تبييضه لأجل أن ينعم بالدفء.


    يذهب إلى "وسط البلد" لإحضار عربة "كارو" لتحميل الطحين، العمال انتهوا من رفع الطحين على العربة، والصغير يجلس في الأعالي ويتذكر شادية وهي تغني "شيه شيه يا حمار"، ولكن العربة يجرها حصان، فيردد الصغير "شيه شيه يا حصان"، ها قد وقف الحصان أمام المنزل، وتم تنزيل الأرز والدقيق ورصهم بعناية في غرفة المعاش بمساعدة الأب والأبناء.


    انتهت الأفراح، وتفرق الناس، والعروسة للعريس والجري للمتاعيس، شعر الطفل أنه قد فاته نصف عمره لأنه لم يتواجد بالفرح، فاته الغناء والرقص وكل شيء، لا يوجد إلا التلفاز لتعويض ما أفسده الطحين، ثم يكتشف أن مسلسل السابعة لن يأتي اليوم لأن هناك برنامجا هاما تقدمه مذيعة "جامدة"، تتحدث عن جامعة الدول العربية، ما شأنه هو بهذه الأمور! ما هذا النكد! إذن يجب تغيير القناة، ولا يوجد إلا القناة الثانية اليتيمة، إسماعيل يس يغني "حماة زائد حماة يبقوا حماتين"، ضحكة ماري منيب المميزة تأتي في خاطره فيقهقه، والجميع يسأل لماذا يضحك، لقد انتهت الأغنية! ولا أحد يجيب؛ لأن الأسئلة ستزيد وتزيد وهو متعب جدا، إنه لا يعرف اسمها، كل ما تذكره حينها ضحكتها الجميلة، ولذلك وفر عناء الأخذ والرد إلى وقت آخر، نعم، سيسأل عن اسم السيدة البدينة التي تضحك من أعماق قلبها، فهو حريص على معرفة أسماء الفنانين جدا.


    جلس في سريره يفكر في حبيبته، هل تفكر فيه هي الأخرى؟ أم أنها تكتب الواجب؟ لقد نوى أن يكتب الواجب صباحا.


    يستلقي على ظهره، يضع قدمه اليمنى على اليسرى، ويستغرق في النوم، تدخل أمه وتدثره بالبطانية الخضراء التي ألقاها على الأرض، إنه يكره أن يتدثر جدا، ولمَ لا والمدثر بالنسبة له هو الميت! الموت، وخروج الروح، وعذاب القبر، والثعبان الأقرع!!


    يتبع...


    الصور المرفقة  

  4. #4
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,230

    افتراضي

    2


    مضت الليلة،اشرقت شمس جديدة والضيق يتخلل صدره والسبب يرجع إلي الأحلام التي استحوذت علي سائر ساعات ليلته الليلاء .لا يتذكر منها سوي مشاهد قليلة مثل عناق الثعبان الأقرع لجارهم المريض ومنحه قبلات سريعة مؤلمة أو أن الفراش يتردي من أعالي احدي بنايات مدرسته أو عراكه مع الكلاب الضالة أثناء صده لها ومنعها من التهام شخص ما

    أخذ يسب ويلعن في تلك الثوان المعدودةالتي يقضيها كالعادة بعد الاستيقاظ يتأمل اللا شئ ويحملق في العدم حتي يفقد قدرته علي استرجاع كافة صور ما رأى في منامه ،رسائل سماوية أرسلت اليه باعتباره ولي من اولياء الله الصالحين! لتحذيره من شئ ضار . يرى نفسه وليا صغيرا بدليل أنه لا يتذكر الا التفاصيل عندما يبلغ العشرين سيتذكرها كاملة

    كان يقصها علي أمه برغم أنه يعلم ردها المعتاد الجاهز الذي حفظه كأسمه

    "حط المصحف تحت دماغك قبل ما تنام واتغطي كويس"

    ولكنه يأمل أن تلتقط من كلماته في مرة من المرات أي أية أو علامة وتفسر منها أي شئ يريح قلبه إلي أن يكبر ويفسر لنفسه،إنه يراها ولي كبير هي الأخرى ولكنه يبرر ردها المقيت بأنها تخشي عليه من تلك الأمور في هذا السن!

    برغم الخوف والعذاب الذي ذاقه البارحة لكنه سعيد أنه الطفل الوحيد المتفرد بهذا الامر وكانت أمه قد منعته أن يخبر أحدا بهذه الأشياء لكي لا يتهمه أقرانه بالجنون والعبط ولكن أين هي الأم الأن؟! ، ربما ذهبت إلي السوق وتركته نائما ظنا منها أنه متعب جدا ولن يقوي علي الذهاب إلي المدرسة!


    طرد كل الافكار من رأسه وقصد المدرسة رغم تعبه الشديد من كثرة اشغال اليوم السابق ولكنه كان تعبا محتملا ورؤية حلوته ستمحو اي تعب بالطبع. وصل متاخرا متصدرا طرقة الطابق الاول الكائن به فصله

    لاحظ مرور الوكيل بعصا الخيزران الصغيرة المعلقة الخارج من جيب بذلته الرسمية الأيمن ينال به الطلبة الغير ملتزمين. لكنه هرب منه حيث انحنى وكأنه يصلح جوربه أو يربط حذاءه حتي مر الوكيل ،تنفس الصعداء، مشي قليلا حتي وصل إلي باب الفصل المفتوح دائما

    دخل مترددا ولم تشعر به معلمته واكتشف انه ورط نفسه ورطة كبري حيث وجد مقعد زغلولته فارغا فوقف واضعا حقيبته بين قدميه شاردا محدثا نفسه ما المانع الذي لا خير فيه الذي حال بينها وبينه هذا اليوم أنها لا تغيب عن المدرسة ابدا،ما الذي اتي بي اليوم الي هنا يارب؟ليتني ما اقتربت من عتبة منزلنا .

    "قطعت المعلمة شروده"
    - أنت
    =نعم
    - استني

    كانت سيدة بدينة طويلة القامة سمراء اللون جاحظة العينين مخمرة الرأس يبدو عليها الحزم والجدية والصرامة ولكنها عصبية إلي أبعد حد ،، نظرت اليه ثم تجاهلته وأستكملت كتابة الدرس الذي كانت تكتبه علي السبورة من كشكول تحضيرها الأزرق

    ضم الصغير حاجبيه وعبس وجهه وقرر أن يضيع عليها فرصة التسلط عليه ،أهداه عقله الي فكرة ابليسية .. ان يفعل كما يفعل اخيه الاكبر دائما بأن يطلب تحويل الي المستشفي وبعد أن يسمح له بذلك لن يذهب الي مستشفيات سينطلق في شوارع البلدة ربما يعثر علي حبيبته وكفي الله الطلاب شر المعلمات، ان هذا النهار سيكون شديد الظلام بعيدا عن ضياء وبهاء جميلته والاستماع الي نباح الكلاب في اطراف البلدة افضل عنده من التواجد في هذه الخرابة بدون حلوته!

    انتهت المعلمة من كتابة الدرس حيث غرست الطبشور الذي كانت تضغط عليه بقوة في جسم السبورة حتي سقط علي الارض وصرخت قائلة
    - الحصة بدأت من ساعتها يا افندي .. اتأخرت ليه ؟ .. كتبت الواجب ؟

    "قبع في مريلته ورد بصوت خافت"
    = انا تعبان وعاوز اروح اكشف
    -وجاي ليه طالما تعبان؟!

    تحركت ناحية مقعدها تتمايل الي اليمين مرة والي اليسار مرة من فرط سمنتها حتي وصلت وجلست ووضعت صدرها المكتنز علي حرف المكتب .. شهقت ثم زفرت قائلة :-

    - أنزل للوكيل شوف هيعمل ايه .

    وكأنها اعطته قبلة الحياة ولم يعطي لحديثها عن الوكيل اية اهتمام ..خرج من الفصل راكبا الريح طائرا كالفراشة.. نزل الشارع فتحول الي سلحفاة يمشي ببطء حتي لا ينزلق علي الارض بعد ان شعر ببعض "الوحل" قد اخترق حذاءه البلاستيكي الأبيض المثقوب يداعب قدميه وغطي مقدمة حذائه ..سعد لذلك وأخذ يتفنن وينوع في طريقة مشيه ويطرب للصوت الناتج عن خطواته حيث تصدر الخطوة صوت يعجبه اثر التصاق قدمه في الارض ورفعها عنها .. أنه يعشق الشتاء بوحله وبرودته وسقيعه ،، حتي البشر يجملهم الشتاء كما يقول دائما مجذوب البلدة وبالفعل يري الصغير الناس أكثر حسنا في الشتاء
    ظل الصغير يمشي بعشوائية حتي وجد علي يمينه ورشة النجارة التي طالما وبخه نجاريها علي الحاحه الدائم حيث كان يرجو قطعة خشب أخضر لكي يستخدمها في إستكمال سيارته بعد أن جمع عدد لا بأس به من أغطية قناني الكوكاكولا التي سيصنع منها عجلتي السيارة .

    كثيرا ما صال وجال في شوارع القرية ورابط أمام المقاهي والدكاكين حتي يلقي احدهم بغطاء علي الارض فيلتقطه هو بكل فرح .. كان الذي يمتلك أكثر من مائة غطاء يكون أغنى الأطفال واثراهم ويعد من الأعيان !!




    القطعة الخشبية متوفرة دائما في الورشة ولكنهم لا يريدون منحه اياها بدون مقابل .كانت اعماقه تتمزق حينما يري قريناتها تحترق اسفل براد الشاي الذي أخذ اللون الأسود بسبب تراكم هباب ركية النار عليه ،، تبين له أن طاقم الورشة قد تغير حيث يوجد وجه جديد يقبض علي يد منشاره بقوة واضعا قلم رصاص خلف إحدى اذنيه الكبيرتين التي تكاد ان تغطي جانبي رأسه المشتعل شيبا .. كان الصغير في حاجة إلي تأليف قلب الرجل في بادئ الأمر فتوجه إليه حاملا نبوت صغير وخاطبه قائلا

    - أنا لقيت دي علي الطريق

    =خدها ليك يا شاطر .. وجدع أنك بترجع للناس حاجتها

    -لا انا مش عايزها .. انا عاوز حتة خشب زي اللي هناك دي

    = عايزها بلاش ؟

    - هي بكام؟

    حك الرجل أنفه وسكت هنيهة ثم أردف قائلا :-

    = ايه اللماضة دي .. انت بترد علي السؤال بسؤال ، اكيد عايزها بلوشي في عيل في سنك عنده فلوس؟

    - ممكن احوش من مصروفي

    = لا تحوش ولا تكوش .. شايف الصحن اللي هناك ده ، هتاخده وتجيبلي بربع جنيه عسل وكمان هات تمن سكر وباكو شاي الجوهرة

    -وهتديني الخشبة ؟!

    =أنا خلاص اديتهالك يا عسل .. الشاي أسمه ايه ؟

    - الجوهرة .

    = حلو خالص يلا زق عجلك

    - هات الفلوس

    = اه هديك الفلوس .. هو يعني الدكان هيديك الطلبات دي بلاش زي الخشبة كده .. عجايب!

    - طب هات الخشبة

    = لما ترجع بالحاجة ابقي خدها

    أخرج الرجل ورقة بخمس جنيهات من جيب قميصه الذي اختفي لونه من تراكم نشارة الخشب عليه وأعطاها للصغير فتناولها وأزال النشارة التي كانت تكسيها وغادر الورشة مسرعا..

    يتبع

    الصور المرفقة  

  5. #5
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,230

    افتراضي

    3
    إنطلق إلي الدكان وهو يعدو مسرعا ومعه شمس الشتاء ثم تهادت خطواته شيئا فشيئا مستمتعا بالقليل من حرارة الشمس الجميلة ولكنه تذكر مكرها الثعلبي ، من الممكن أن تسبب له في " دور سخونية " كما قالت له أمه ونصحته ألا يفرح بشمس الشتاء لأنها شديدة الاذي عن شمس الصيف


    ،،أتي بالمطلوب وعاد بينما كانت القيلولة الشتوية القصيرة تلفظ دقائقها الأخيرة.. في الشارع المؤدي إلي الورشة كان الصغير يمسك بيمناه " الصحن " الممتلئ عن أخره بالعسل الأسود وفي يسراه قرطاس السكر المصنوع من أوراق الجرائد القديمة ،، يمشي ببطء حتي لمح بعض الأطفال معتلين مقطورة جرار زراعي قديمة.. يبدو أنهم يلعبون ..ولكنهم لفتوا انتباهه لأن حركات التمثيلية وإنفعالاتهم ذهبت به إلي المسرحية التي شاهد تلاميذ الفصل الخامس الابتدائي يقومون بتفاصيلها في العام الماضي


    إنها حبيبته.. ولكن ماذا تفعل هي هنا مع " الصبيان " ،، أحمر وجهه غضبا مهرولا إلي هناك ،، وضع العسل والسكر علي الأرض وتسلق المقطورة بخفة ورشاقة ،، ولقد رأي ما زاد حنقه ،، إنها حفلة زفاف حبيبته تجلس علي كرسي مصنوع من قوالب الطوب بجوارها طفل بدين يبدو من هيئته انه اكبر من كل الممثلين سنا يمد إليها ذراعه وسرعان ما طوقت عنقه بذراعيها النحيلة فتدخل الصغير صارخا- إيه قلة الأدب دي ؟فنهض الطفل البدين قائلا= وانت مالك احنا ولاد عم وبنلعب


    لم يكن البدين قد أنتهي من كلامه حتي كانت المحبوبة تقف بينهما ،، كان المشهد يبدو أكثر واقعية وازدادت خشبة المسرح سخونة بعد ان نحى البدين ابنة عمه جانبا وتبادل مع الصغير بعض الكلمات التي تطورت إلي لكمات ولطمات طفولية وتدخل السادة الممثلون لمنع الشجار وعرض أحدهم علي الصغير اللعب معهم ولكنه رفض قائلا- مبلعبش مع بنات
    رد البدين في سخرية ،، احسن برضه وأضاف ناظرا إلي المحبوبة مين ده ؟ فأجابت زميلي في الفصل
    كان جوابها بمثابة طعنة في قلب الصغير كان يود أن تجيب اي جواب آخر يتفوق به علي هذا البدين السخيف ،، قرر ان ينصرف بعد ان قام في ذهنه انه لا جدوى من وجوده هنا الآن.


    هبط يجر أذيال الخيبة كجندي عائد من معركة خاسرة ،، رفع العسل والسكر ونظرات البدين تصفعه بكثير من الشماتة والاستهزاء ،، مضي يفكر فيما فعل هل كان صوابا أم خطأ حتي وجد نفسه أمام الورشة ،، سلم ما اشتراه واستلم خشبته الجميلة وهم ان ينصرف ،،
    مشي يتأمل الخشبة ،، وصل إلي الباب كاد ان يخرج ولكنه فوجئ بقدوم حبيبته تحمل علي رأسها صينية طعام مغطاة بقطعة قماش زرقاء ،، رماها بنظرة فيها غير قليل من اللوم والعتاب


    .هتفت تقول بصوت متعب ضعيف : الغدا يابا ..كانت الصينية تهتز علي رأسها لضعف بنيانها وصغر سنها .. إنها لا تقوى علي حمل مثل هذه الأشياء بعد .. "حنن عليها " أي أنزل الصينية معها علي الارض ..جاء الرجل قائلا ،، انتم لسة فاكرين ده انا شيعت جبت عسل من الدكان
    ثم نظر إلي الصغير قائلا انت لسة هنا اقعد اتغدي معايا بقى.. فأجابه لا انا اتأخرت ثم خرج من الورشة وتلكأ في مشيته علي أمل ان تتبعه حبيبته وقد كان ما تمني ،، خطوات قليلة وكانت بجواره متسائلة انت زعلان ؟ فأجاب ب " لا "لمست شجنا في صوته فتأبطات ذراعه ثم قالت " متزعلش " ،، حينها سافر إلي عالم آخر مستمتعا بلمستها الاولي له ولكنه سرعان ما سحب ذراعه من ذراعها قائلا لو حد شافنا هيقول لابوكي وأمك ثم أجابت مبتسمة- ماشيصمت قليلا ،، توقف فجأة ثم قال بيتنا قرب انا هحود بقي ،، فردت- ماشي ،، بكره في المدرسة هشوفك


    ذهب والأرض تتراقص تحت قدميه وأخذ يفكر في لمستها ولمعة عينيها التي قرأ فيها تقديرها لخوفه عليها من بطش أبيها وأمها ،، وصل إلي البيت وعلي غير العادة تمكن البرد منه ،، يرتعد بشدة لا يدري هل الرعدة رعدة البرد أم رعدة الحب ،، خلع نعليه ودس نفسه تحت الغطاء بنفس ملابسه حتي لم يخلع جوربه المغطي بالطين ،، يحتضن الخشبة ،، يقبلها برقة ،، غط في نوم عميق ،، نوم خالي من الأحلام و الكوابيس

    أستيقظ علي صوت أذان الفجر ،، إنتهي الآذان ،، تنحنح أحدهم في ميكروفون المسجد ..استعداداً لإذاعة نبأ عاجل ..قائلا" بسم الله الرحمن الرحيم ،، توفيت إلي رحمة الله تعالي فلانة بنت فلان بن فلان "

    فرك عينيه لا يصدق ولا يستوعب ما سمع ربما يكون كابوس من كوابيس لياليه المعتادة ،، إنه إسم حبيبته ،، ولكنه أكتشف ان ما سمع ليس كابوسا بل حقيقة مؤكدة عندما شاهد أكوام قش الأرز مفروشة في الشارع وهناك نساء يرتدين ملابس سوداء ورجال يجلسون في حلقات عابسي الوجوه ..أخذ يعدو في جنون لا يعرف إلي أين هو ذاهب حتي وجد نفسه أمام أحد دكاكين الأقمشة وأبيها في الداخل يقبض علي حافظة نقوده يهم أن يدفع ثمن الكفن فلم تمر لحظة حتي كان صاحبنا في الداخل متجاوزا عتبة الدكان .. كانت وثبته كوثبة الفهد ...ارتمي علي ركبتي الأب وأخذ يتوسل إليه- يا عم . يا عم . أ.. يا عم .. ما .كانت كلماته متقطعة مفككة لا تفهم منها
    إلا كلمة " يا عم " .. حتي بدأ البائع يرميه بنظرات فيها الكثير من الإتهام بالخلل والجنون .. خرج الأب من الدكان وتستقر في عينيه عبرة تأبي أن تسقط منها .. يحمل شنطة كبيرة سوداء اللون .. تظهر منها قطعة قماش بيضاء .. ففهم صاحبنا أنها الكفن وحواشيه .. أسرع الأب في خطواته لا يهتم به ولكن كان يلتفت وينظر إليه من حين لأخر


    شعر صاحبنا بالخجل خاصة أن الشكوك بدأت تساوره بأن جميع الباعة والمارة في الشارع ينظرون له نفس النظرة التي رماه بها بائع القماش .. ثم شاهد قريبها البدين يلعب الكرة الشراب مع بعض الصبية فحاول أن يستفهم منه عن سبب الوفاة فأجابه بكلمات مقتضبة أنها ماتت موتة ربنا .. ماتت وفقط .. ..وأشاح وجهه عنه وعاود اللعب .. مشي صغيرنا يحدث نفسه .. ياله من ولد سمين غبي لا يهتم بموت قريبته
    لم ينفك الناس ينظرون إليه فلم يتحمل صاحبنا هذه النظرات وأخذ يفتش نفسه فأكتشف أنه يسير بين الناس بملابس رثة بالية .. ملابس غير متناسقة .. ملابس مجنون .. ملابس قذرة جدا.فعاد إلي المنزل مسرعا لإستبدال ملابسه
    دخل المنزل وعلي وجهه علامات القلق والكآبة .. كان وجهه أبيضا كوجه الموتي، ، قصد غرفته يجر قدميه حتي أنه لم يلاحظ أمه الجالسة في " الصالة" تنتف ريش بطة موضوعة في " حلة " مليئة بالماء الساخن


    خرج من الغرفة يرتدي ملابس غير التي دخل بها فقالت الأم- يا حج .. يا شيخنا .. مااالك ..- جاي في إيه وسافرت في إيه .. كنت فين ؟ ..لم ينطق بكلمة واحدة وحدق في البطة وأخذ يراقب الريش العائم علي وجه الماء الساخن وفي البطة التي تدس الأم يدها في بطنها بلا رحمة .. ما ذنب هذه البطة المسكينة أن تقطع أربا هكذا .. وما ذنب الجميلة أن يضعوها تحت التراب ويأكلها الدود اللعين .. يخيل إليه في هذه اللحظة أن الدود يفرك يديه ينتظر قدومها علي أحر من الجمر كما ينتظر أهل الدار تسوية هذه البطة المسكينة علي بابور الجاز .. إنها لا تتحمل ذلك .. إنها رقيقة جدا وناعمة جدا .. لابد أن يفعل من أجلها شيئا .. أن يتصرف بأي طريقة من نوع الطرق التي تصدم الناس ولا يحسنون التصرف حينها من فرط الصدمة ويسلمون للأمر الواقع .. سيلقي بنفسه أمام النعش عندما يهم المشيعين أن يدفنوها سيجهش في البكاء ويتوسل إليهم أن يكفوا عن تعذيبه كل هذا العذاب .. الأجدر بهم أن يستجيبوا لطلبه .. أن يحنطوها كما كان يحنط الفراعنة الملكات الجميلات .. صحيح أنهم جهلاء بفن التحنيط والحق يقال أنهم مع ذلك أناس طيبين .. فمن الممكن أن تحنط في بالملح أو أن يدثروها بشمع بارد .. من المؤكد أن هناك حل أخر يجهلوه .. طبعا هناك حلول غير الدفن- يا أستاذ ..
    = نعم يا أمي ..
    - كنت فين .. الفطار برد .. رحت فين
    - أصل في واحدة زميلتي ماتت ..
    = وانت لابس كده رايح تعزي انشالله
    - لا هحضر الدفنة..نطق الجملة الأخيرة وفر من أمامها مسرعا


    لم يكن يتوقع صاحبنا هذه المفاجأة .. لقد تمت إجراءات الدفن بسرعة شديدة .. إنه لم يتمكن من حضور الجنازة وعلم ذلك عندما شاهد السيارات عائدة من ناحية المقابر وفي إحداها نعش صغير حاسر فارغ .. أه .. يا للمجرمين .. دفنوها كطفلة بنت ساعات .. دفنوها كرضيعة .. إنهم يعدونها ضئيلة لا قيمة لها ولهذه الاسباب كانت اجراءات الدفن سريعة كما يدفن الناس أطفالهم الرضع أبناء الاسبوع او الشهر علي الاكثر .. اااااه

    كان يدب علي الأرض بقدميه ينتظر أن يري الأب ويمسكه من أذنه التافهة ويقرصه ويعضه .. أن يصفعه علي وجهه أو يطعنه بسكين تالم ولكنه لم يظهر ..هرع إلي المقابر يبكي وظل متربعا في بركة مياة أمام قبرها الصغير يبكي وينتحب كإمرأة .. كانت الأرض باردة جدا وكان يغرف من الوحل المحيط بالقبر بيديه الصغيرتين ويمسح وجهه به .. حتي أسود وجهه المستدير الأبيض تماما .. رفع يديه إلي السماء وبدأ يدعو الله أن يحميها من الدود ومن الثعبان الأقرع

    كانت أعماقه تتمزق من الداخل وبدأت الرهبة تتسرب إلي قلبه لا سيما أنه سمع المؤذن يرفع آذان المغرب .. نهض وتوضأ من بركة مياة نظيفة يتوسطها نبات لا يعرف إسمه وعاد إلي البركة الأولي وصلى المغرب دون قيام أو ركوع أو سجود كما تصلي جدته المريضة .. لقد سيطرت عليه فكرة طفولية نبيلة .. وهي أنه لن يفارق هذا المكان أبدا .. نعم .. لن يفارقها وسينام هنا .. سينام جالسا أو راقدا .. سينزع الكثير من أوراق هذا النبات المجهول الإسم ويصنع سريرا جميلا وستخرج له زغلولته حتما .. سيخرجها له الله أجمل مما كانت


    قطع هذا الخيال بعض الأصوات التي كانت تصدر من أشخاص قادمين من بعيد وبدأت تتضح شيئا فشيئا كلما اقتربوا منه .. إنها ليس أصوات فحسب .. إنها شتائم ولعنات .. إنها أمه المسكينة .. كانت تهرول وبعض الأقرباء يتبعونها لاهثين .. قام مفزوعا .. مشدوها .. فاتحا فمه وركبتاه ترتعد .. في البدء كان ينوي علي الفرار ولكن أين المفر سيعود إلي البيت وستنصب نفس اللعنات علي رأسه صبا .. إنه ليظل هنا أفضل له من الهرب .. ربما يحتمي هنا في الأقارب ويتحصن بهم وربما يشاركنوها الضرب أيضااقتربت الأم صارخة في وجهه .. لطمته لطمة كادت أن تفصل رأسه عن جسده ..- انا هموت ناقصة عمر .. هي كانت من بقيت أهلنا ..= أ .. أ .. أ ..كان يتلعثم وكانت هيئته هيئة مجنون


    ولم تترك له الأم فرصة أن يتكلم..قبضت علي يديه وسارت وهي تجره جرا في الطين .. حاول أن يثبت قدميه في الأرض ولكن دون فائدة
    خرجوا من المقابر قاصدين المنزل وكانت الأم قوية جدا في هذه اللحظة .. وعصبية عصبية فائقة .. واكتفي الأقارب بموقف المشاهد والتزم صغيرنا الصمت ولكنه في قرارة نفسه كان مصرا علي البقاء .. سيظل هنا .. سيأتي كل يوم .. كل يوم مرة بل مرتين بل ثلاثة .. كم تمني في هذه اللحظة أن يكون حرا .. حر في حياته وفي تصرفاته .. أن يكون شخصا كبيرا مسؤولا عن نفسه .. أن يكون موظفا يتقاضي راتبا كبيرا ينفقه كله علي روحها .. لا يشترط أن يكون الراتب كبيرا .. رب راتب صغير أفضل عامة من راتب كبير .. الراتب الكبير يسرق الوقت ويقتله ولكن هناك نوع جيد من الرواتب الصغيرة والمفيدة له ولظروفه في نفس الوقت .. راتب حارس مقابر مثلا !!!


    تمت

    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 14-08-2018 الساعة 10:12 AM

  6. #6
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,230

    افتراضي

    عيد ميلاد




    جئت يا يوم مولدي جئت يا أيها الشقي! ، آه،أربعون عاما مرت ولم أحقق شيئا، لم أحقق إلا تفاهات، نوم ثم صحو ثم نوم ثم ثم ، صداقات عابرة غير صادقة ! أنا لا أعترف بمفهوم صداقة هذه الأيام،الصداقة الجاهزة السريعة التي تبدأ بسرعة وتنتهي بسرعة ، أفضل الصداقات القديمة العتيقة، ربما لأني رجل رومانسي كما يقول صديقاي، القديمان جدا ، رفاق الثقافة و التسكع والتشرد ! ، كم أحبهما ليس لأنهما قديمان فحسب ،بل لأنهما صعاليك مثلي.
    يتألمون كل يوم فسرعان ما يهرعون إلي يغمروني بالاهتمام والمواساة وهما في حقيقة الأمر يستمدون من ذلك طاقة إيجابية كبيرة ويعتبر ذلك بناء لارواحهم من جديد ، إنهما في حقيقة الأمر يواسون أنفسهم إن صح التعبير ، وأنا كذلك اهرول إليهم وارتمي علي أعناقهم وأبكي وانتحب ثم نسكر وننام بوجوه دميمة .
    إن قلت لي لماذا نسكر؟ فالشيطان وحده يعرف الإجابة.
    هما : نعم الشيطان.
    يا لها من شماعة لذيذة متينة شديدة التحمل، لم أري في حياتي شئ أمتن من هذه الشماعة ، كل شئ يفعله الإنسان يلقي به علي كاهل الشيطان ، كم أشفق عليك يا إبليس أننا نسكر لأننا نحب السكر، نحن رجال أشداء ، قادرين علي محو اي عقبة واي مذلة، ويالها من مذلة ، هل هناك ذل بعد أن يكون الإنسان عبدا للإدمان؟! الإدمان ابن العادة ، والإنسان كما نعلم جبل علي التعود فإذا لم يضبط عاداته ويروضها سيكون عرضة وفريسة سهلة فسرعان ما يقع كحجر ثقيل كبير في حمأة الإدمان
    اسمحولي الأن أن أعرفكم بالصديقان ، الأستاذ لا شى 1، الأستاذ لا شئ 2 أيضا، كما أن محدثكم لا شئ كما حزرتم من الكلمات التي عبرت فيها تعبيرا طفيفا عن نفسي الشقية ، خذوا مني هذه النميمة ، هناك حفلة ستقام ، نعم ، في منزل ش، ما أنبل هذه الإنسانة، ما أعظمها، لم تتركني قط ، ولم تسأم مني ، تحبني ذلك الحب الأخوي السماوي ، إن ش هنا إستثناء في قاعدة الصداقة العتيقة التي ثرثرت عنها آنفا ، إن ش التي تعرفت عليها في إحدي الندوات منذ عام واحد فقط ، تفوقت علي ال لا شيئين ببراعة ، انا لا أعد نفسي شخصا هاما حبا فيها أو محور حياتهم الرئيسي مثلا ، معاذ الله ، إنني احقرهم وأتفههم وأبلههم كما يحشرون هذه الصفات بين ثنيات الهزر والتهريج والألس، ولا أخفيكم أنني احشر في حلق كل واحد منهم ألف سبة وسبة أيضا،هذه هي الحياة، ولكنها تظل مجرد مشاكسات سكر لا أكثر
    لا أعرف لماذا أضخم الأمور هكذا، هئ هئ، ولكن احكموا بأنفسكم ولكم ما حدث في عصر هذا اليوم ، بما أننا أناس مفلسين معدمين وأنا أكثرهم فاقة والحق يقال لأنني رجل رب أسرة ولي زوجة ، إنني اتفوق عليهم لا شك فأنا لي زوجة أسكن إليها وأغرق بين نهديها كل خمس ليالي علي الدوام لأنني أخرج بحثا عن عمل طيلة هذه المدة ، اضرب الارض ضربا ، ولا أجسر أن أعود إليها في نفس الليلة بخفي حنين ، إنها لا تستحق ذلك الخذلان ، بنت الأسرة النبيلة التي قبلت أن تتزوج رجل لا مستقبل له مثلي لعل وعسي يكون الزواج بمثابة إصلاح له علي حد تفكيرها الطفولي الحماسي النقي.(فأنا لم اؤيد هذه الفكرة يوما) ولكنني في نفس الوقت لا أعلم كيف تزوجتها رغم أنني أعشقها حد الحياة، فلو دخل إبليس الجنة فلم يكن ليخطر ببالي يوما أنني كنت سأصير زوجا ، اه يا ولدي ، أقدم لك خالص الإعتذار والأسف، جاثيا علي ركبتي باكيا ، أقبل هذه الأنامل الدقيقة الرقيقة وهذا الوجه الذكي الذي ورثته عني طبعا لأنك سرعان ما ستصير أبله وتافه بفضل بيئتك الفقيرة الجاهلة المريضة، إنني لم أكتفي بأن تزوجت فحسب بل أنني سكبت علي النار زيتا فأنجبت هذا الولد المسكين الشقي ، لا أدري لولا الأموال التي تدسها ش في جيبي وراتب زوجتي الذي لا يكفي الخبز ، لا أدري كيف ستكون الحياة عندئذ، ولا أدري أيضا لماذا لم انتحر حتي الأن؟!

    سأكتب مقالا لا شك من ثلاث صفحات وجه وقفا أكتب فيه عن كل من شاركوا وحثوني علي الانتحار ولو بشكل غير مباشر ، سأكتب عن أصحاب الأعمال الذين لا يراعون الضمير ، الخليقة وجوههم الكالحة بأن يبصق عليها ، لا يدري إلا الله لماذا لا يقبلون موظفين يبلغ عمرهم أربعون أو أكثر ، ومن هم دون ذلك يعينون برواتب تافهة جدا ، يا للاوغاد، إنني أشير إليهم خاصة لأن مسألة العمل هذه تدور حولها كل مصائبي وحماقاتي، أعود الي ما حدث عصر هذا اليوم ، كنا قد اتفقنا ان لا نثقل كاهل ش في النفقات حتي في هذه المناسبة ، إننا نذهب إليها أسبوعيا نثرثر ونتحدث في كل شئ حتي ينتصف الليل ولا شك أنها تتكلف تكاليف باهظة ، لأن هذه الجلسة وهذه الثرثرة وهذا الزبد الذي يخرج من الافواه جراء العصبية المفرطة التي تتملكنا عندما نتحدث في موضوع ما ، كل هذا يحتاج طعام وشراب إلخ، الخلاصة أنها كريمة ومضيافة وخدومة جدا .

    فأتفق لنا أننا بدافع الإفلاس والعوز والحاجة سوف نسرق دكان( أحد المعارف) ، أقصد أن أضع هذا التعبير مع سبق الاصرار لأنه ليس بصديق أبدا، في البدء كان معرفتي أنا، ثم تحدثت عن ش أمامه بكل رومانسية وخفة عقل، فاندفع إليها هذا الولد يطاردها في كل مكان ، في البوتيك الذي تملكه، في الندوات الثقافية ،ولأنها كريمة المحتد لم تقوي أن تصد ولد يكاد أن يسجد لها كهذا الصبي الغر ، إنه لا يجيد شيئا إلا التملق والمديح الغير المحمود، إنها تفهمه وقد حزرت ذلك غير مرة ولكن لا أدري لماذا تحتفظ به ، ربما تعتبره مونولجست مسلي ، تعده كاسر للملل، ولكنه صامت دوما لا يفعل إلا أن يشاطرها الرأي في كل شئ حتي أنني لا أستبعد أنه سيعلن لنا ذات يوم أنه يشارك ش دورتها الشهرية
    وأنا، كم أنا مسكين إنني لا أزيد إلا علي أه إم التي أرد بها علي كل سؤال يوجه لي حتي يفقد السائل الأمل مني ويشيح بوجهه هاربا إلي شخص أخر ، وذلك لأنني تائه وهم يتحدثون في أمور تكاد تكون بديهية جدا رغم والحق يقال أحيانا يثيرون بعض الموضوعات الهامة ولكن مع ذلك لا اشاركهم الحديث أيضا ، إن لي زوجة وابن ، مالي أنا بالعدم والوجود والإيمان والكفر إلي الخ من هذه المسائل الغير محسومة ظاهرا ولكن الشخص إذا أمعن فيها النظر دقيقة واحدة سيشعر انها بديهية كل البداهة ، حتي لو كنت ستعتقد اي شي يخالف كل من في الأرض فهو في آخر الأمر عقيدة
    هذا الصبي يمتلك أبوه دكانا في حي السيدة عائشة وهناك بائعة أيضا والسيد الصديق ، أقصد الصبي ، هذا الولد قد أهمل الدكان اهمالا مفاجئا لأنه يصول ويجول وراء ش طبعا ،ومع ذلك هو ملتزم بالصلاة وما ان ينتهي من صلاة العصر حتى يركب الريح إلي حي المنيرة حيث ش بشكل يومي ، يا للإنسان الوقح،يلقي بنفسه هكذا علي الناس يوميا ! ، ثم يحشر أنفه القذر في أمورهم،حتي أسرار أعمالهم وشؤون موظفيهم يريد أن يتدخل فيها وأنتم تعلمون أن الناس لا يحبون أن يدس أحدهم أنفه في كل شؤونه هكذا ولكن هذا الصبي يقدر ، إنه يمتلك صدغا عريضا جدا ، عرض مضرب كرة تنس
    ولأننا نعلم كل هذه التفاصيل قررنا أن نذهب إلي الدكان في توقيت الصلاة ، نحن الثلاثة ، بربطة معلم ، وبضربته أيضا، يمد أحد اللا شيئيين يده بخفة في فاترينة الخلاخيل المثبتة علي الحائط في ركن ما ثم يدسها في جيبه ، ونكون كلانا ، انا وال لا شي الأخر نعمي أعين العجوز والفتاة، نلهيهم ونغميهم إذا صح التعبير وكم نجح ال لاشي الآخر في الهاء الفتاة وقد اتفق لهما ان يوكلوا لي مهمة الهاء العجوز لأنه لا أحد يشك علي حد قولهم في رجل وسيم ذو وجه أحمر دائري مثلي! ، إنهم يجاملونني طبعا حتي اشاركهم في تسويغ هذه الخطة القذرة ، كثيرا ما عارضتها ولكنني استسلمت صاغرا في النهاية ، لم يكن هناك حل أخر ، إن ش تحملت الثلاث جثث النتنة هذه بما فيه الكفاية وهناك جثة رابعة ، نعم هو يسير أمور نفسه من الناحية المادية،ولكن القاءه بنفسه كالبهيمة هكذا يكفي وحده بأن يكون جثتان ملتصقتان،بل ثلاثة
    أدركتم الأن طبعا كم أحب هذا الولد، كنت أتحدث مع الرجل عن خواتم وخلاخيل طبعا ولكن من هذا النوع ، اهو جميل في رأيك ؟ ، لا لا ، أريد سلسلة ، رأيتها علي صدر صديق لي ذات مرة ، مرسومة علي شكل ما ، لا أتذكر الشكل بالظبط، وهكذا تحدثت حتي انتهي ال لاشي الأول من إنهاء مهمته ثم وضعنا ذيولنا في اسناننا وهرولنا إلي الشارع وهناك كانت جلبة ، صراخ ، بكاء ، عويل، أنا سارق ، أنا لص ، أنا لا شئ، أنا جثة ، هكذا أقمت لهم مهرجانا من النكد في الشارع مما دفع ال لا شئ الأخر إلي الانصراف لا أعلم أين ذهب وبعد مناقشة حامية الوطيس دس ال لاشي الأول الخلاخيل في يدي وقال لي ، عد إلي الدكان أيها الرومانسي الشريف وضعها أمام العجوز بل دسها كما دسستها أنا، ولا تنسي أن ترتمي علي عنقه أيضا وتبكي وتتشنج !
    ثم طفق يمشي وقفلت راجعا إلي الدكان بمجرد ما ولجت ثم تجاوزت السلم خارت قواي وسقطت علي الأرض، علي صدري تماما ، لن أنسي تلك الكدمات وذلك الألم، لله در المصدورين الذين يتحملون ألم كهذا الألم يوميا في الصحو والنوم، ولن أنسي أيضا هذا العطر التي رشته الفتاة في انفي مما زاد هياج صدري الممزق علي كل حال من التدخين وغيره من العادات السيئة، حينما أفقت كان الرجل يتفحصني يروزني بتلك العينين التي رأت كثيرا ، فدمدمت ناظرا حوالي فإذ بالخلاخيل مبعثرة بجواري ! قلت شاهقا! ، الكلمات تعوزني الان ولكن ما انا بسارق هذه الخلاخيل فقال الرجل ، ربما نسيتهم ثم فحص تعابير وجهي مرة أخري، فقلت له أنني أعاني من ضغوط نفسية شديدة لا يعلم إلا الله كيف ستنتهي وربما نسيتهم فعلا وكنت عائدا علي كل حال حتي أعطيك إياها ، أشفق الرجل علي جدا والفتاة أيضا وتنفست الصعداء عندما تصدرت الشارع باكيا ، ركبتاي تصطك ، مشيت قرابة نصف ساعة لا أعلم إلي أين ذاهب ، اه يا زوجتي العزيزة كيف حالكما الأن، كم أنا ضعيف ومهمل ومسكر ، إلي أين أنا ذاهب ، يجب أن أذهب إلي مكان ما ، سيتمزق حذائي إذا مشيت مسافة كالتي قطعتها الأن، أنه جاهز كل الجاهزية لأن ينشق نصفين في اي لحظة، حذاء قديم بالي ، وقميص ذهب لونه إلي الشيطان وبنطال حالته جيدا ولكنه لا يتناسق مع كل هذه الفوضي ، اه ، سأذهب إلي ش طبعا وساصنع لزوجتي مفاجأة في نهاية السهرة بل لولدي علي وجه التحديد ، سأشتري له لبنا بالجنيهات التي ستدسها ش في جيبي بعد أن اسكب جداول من الدموع علي صدرها وحجرها ، ياللبائس المسكين !

    نحن الأن في منزل ش ، كاد يغشي علي عندما دخلت ، فوق أن لا شيئيين هنا ، هناك صبي يجلس بجوار ش يرسم علي وجهه الاغبر ابتسامة مصطنعة، لا ينقصه إلا ان يجلس علي حجرها كما أفعل أنا في لحظات نوحي وانكساري المميت ، إنه ينافسني متبجحا، إذن فلنري من سينتصر في النهاية ، أن ش فارسة عاشت في الدنيا ولديها قدرة فائقة علي قراءة وجوه الناس ، انها تحتفظ بهذا الولد كما تحتفظ برجل كرسي من الكراسي، مجرد ديكور لا أكثر،دخلت مشدوها فاتحا فمي وها هي ش تقف فاتحة ذراعيها ، كل سنة وأنت طيب وجري ال لا شيئين يقبلونني، أما عن الصبي فلقد اكتفي بأن مد لي أصبعين ولكنني لا أدري لماذا صافحته بحرارة وضغطت علي يديه بمودة،أحيانا تسكرنا أشياء ما ، كهذا الذي شعرته عندما عانقت ش ، ان تكون نقيا صافيا ، تعانق هذه الأخت وتلمس صدق المشاعر الأخوية التي تكنها لك ، تظل في حالة سكر حتي يتفق لك ان تعانق عدو أو تنام في أحضان حية رقطاء، كانت المائدة مجهزة بدجاج مشوي ولحم ضأن،،" مع الفتة " ولن أنسي البيرة والفودكا طبعا ، أما عن المقبلات فكان هناك فوق المقبلات الشعبية التي نعرفها جميعا مقبلات صينية مختلفة ألوانها ، هذا الذي اتذكره الأن، نسيت الشوربة والملوخية والسلاطة، وها أنا اتذكر، وأتذكر ايضا ان الملاعق والاطباق والشوك كانت متجانسة ومرصوصة بذوق فريد ، إنه ذوق ش لا شك
    سرعان ما نسينا ما حدث في العصر والجلبة التي صنعتها للصديقين وبدأ النقاش عن العمل ، لم يجدوا الا هذا الموضوع يتحدثوا فيه ، ان صدري يؤلمني من أثر الكدمات التي بقيت في صدري حينما سقطت ع الارض ولكن لا بأس سأشرب فودكا وبيرة وكان الكأس لا يكاد يغادر فمي ، كنت أفرغ الكؤوس في فمي دفعات واحدة متتالية حتي لا أغرق في هذا الحديث ، استغل الصبي هذه الفرصة ولا أعلم من الغبي الذي أثار هذه القضية العويصة التي ينجح فيها هذا الصبي كل نجاح بفضل مال أبيه طبعا وجهد يتحدث عن إنجازاته وعن كيف انه لم يبلغ الثلاثين و له بنت عمرها تسع سنوات وصبي عمره... لا أتذكر ، اه يا لها من انجازات، طيب يا فتي ، طيب يا سيدي ، إن القبح الذي يسبح فيه كل الناس الأن سينال منهما لا شك حتي لو كانوا أغنياء ولديهم ثروة ، سيستوقفهم أناس وجوههم مشوهة شاحبة فيسرق أحدهم مال وسيضع أحدهم طرحة علي رأس ابنتك وسينزع آخر نفس الطرحة إذا دفعه هواه إلي ذلك ، طيب يا حبيبي ، يجب أن اكظم غيظي واصمت ، حتي لو قلت ما في نفسي لن يفهم الصبي شيئا، سيهرع الي ش لتدلي برأيها حتي يبصم بقدميه مؤيدا رأيها فورا ، ما كرهت نفسي وقتا كهذا الوقت ، كنت اجز علي أسناني واشرب واشرب حتي ثملنا وكانت ثمة ايماءات الي حادثة العصر ، وساد جو من المرح والغمز والإشارة بالاصبع علي الصبي، وطفقت أضحك أيضا فما كان منه وهو لا يفهم ما الذي نضمره طبعا، أن خرجت من فمه لفظة حينما أراد أن يغير مجري الحديث أو بتعبير صحيح يلفت انتباهنا إلي شئ اخر وليصرفنا عن صبيانيتنا الناتجة عن السكر، قال حرية المرأة ! ، ثم نظر إلي ش،وما زادنا هذاإلا صخبا ومرحا حتي كاد ال لا شئ الأول أنا يفطس بعد دموع ورذاذ ورائحة فودكا تفوح من فمه ، فقررت أن اجيبه فوقفت علي حين فجأة مترنحا ، كنت اعقف عطفي مرة ناحية اليمين ومرة ناحية اليسار وانفجرت ضاحكا ثم سيطرت على نفسي قائلا
    - ان المرأة يا .. لا أتذكر اسمك ، علي كل حال ان المرأة هي ش وزوجتي وأمي، هذه هي المرأة في نظري ، من الذي يدعي أنه يعرف المرأة ويكتب عنها ، ما أكثر الكتاب في هذه الأيام وما أندر الحقائق يا .. ،، لا أنكر أنني صادفت نساء تستحق كل واحدة ان تضرب بالنعال ، ولكن عندما ادقق النظر في زوجتي وش وامي وأختي تغمرني الفرحة والطمأنينة ، انك لن تجد يا سيد قلوب كهذه القلوب عند الرجال ، مهما كانوا طيبين وأصحاب طوية سليمة وضمير غير ميت ، إذا كانت المرأة السيئة تستحق الضرب بالنعال فإن هؤلاء الرجال الأوغاد يستحقون أن يتردي الواحد منهم ألف مرة من أعالي السماء ، هل فهمت؟ ، لا سيما ان كان هذا الرجل سمين ذو كرش متدلي علي مثانة ممتلئة بفودكا ومالا أدري أيضا كبعض الناس الذي اعرفهم أنا، الحقيقة أنني لا أعرف، انني بمجرد ان احزر قبحهم لا أراهم بعدها أبدا،في نفس اللحظة ذاتها امحهم وان وجدوا

    شعرت بأنني افحمته ولكن لا اعرف كيف تسلل الضجر والسأم إلي نفسي وهممت ان انصرف وفي تلك الدقيقة تدخلت ش قائلة ، أعتقد ان كل الناس تحدثوا غير مرة عن قضية المرأة هذه!،كل الناس بشكل او بأخر، وسيظل الصراع صراعا إلي يوم القيامة،إنه صراع سيطرة لا أكثر، إن الذي يؤمن بأن الرجال سيتركون المجال إلي النساء فماهو إلا طفل
    قاطع اللاشي الآخر ش قائلا
    - هوه هوه ، اليوم مولد هذا السيد،أقصد الشاب الغر الذي لا يضحك إلا مرة كل عام
    واتفق لهم أن يقولوا نكات وطرف، اه من فقرة الساحر هذه ، ان ال لا شئ الأول بارع في دس السم بين النقاشات براعة لا تضارع وإليكم النكتة التي قالها ، هي لا تعد نكتة ولكنه علي كل حال موقف حدث أو هو من نسج خياله الفكه، حكي أنه كان يعمل في شركة ما لدي صاحب أعمال من متوسطي الرأس ماليين ، وكان معروفا بظلام المزاج دائما وفوجئوا ذات يوم بانه قادم إلي هنا رأسا (حيث الشركة)قبل الساعة الثانية ليتناول معنا وجبة الغذاء وهناك مرتب شهر ، يبدو انه قد أصيب باضطراب وجداني ثنائي القطب، ولا شك انه طفق يعانق الناس ويدس ألوف الجنيهات في أكف الشحاذين ولكن خاب فألي ، إنه ما فعل ذلك إلا أنه متورط فيما لا أعلم أو انه يريد ان يخفض الرواتب او يقلل أيام الإجازات ، لا أدري لا يهمنا هذا الآن، وهناك موظفا مجنونا، أنه ليس مجنونا بالمعني الحرفي ولكن أحيانا يرتكب حماقات وأقسم بالله انه يذكرني بك يا .. وأشار إلي بسبابته المبتورة( هذا ال لا شئ الخبيث) ،، رفض الموظف أن يخرج في استقبال الرجل صاحب كل ما يحيط المجنون من أثاث ومباني ودفاتر الخ ، كان الرجل يتجول في الممر وما ان لمح السيد المجنون جالسا مكبا علي وجهه يفحص أوراق ما أو هكذا تظاهر، حتي دخل المكتب قائلا
    - لماذا لا تخرج مع زملائك يا رجل ؟
    فلم يجبه المجنون بشئ وأخذ يتفرس الزبانية الذين كانوا يتحلقون صاحب الشركة ويحدق إليهم بعيون ملتهبة، ثم تغيرت هئيته كلها إلي شئ من الرقة والعذوبة والحنان ثم بصق علي الأرض في تلك المسافة التي تفصل مدخل المكتب عن الكرسي الذي يجلس عليه الموظف، فما كان من الرجل إلا أن وضع ذيله في ساقيه وخرج وهكذا فعل الزبانية ،
    ثم صمت ال لاشي قليلا وكنا نعلم جميعا انه يجهز مقلب ويخفي خديعة ، فسرعان ما صاح الصبي قائلا
    - وماذا فعلوا بالمجنون !
    فرد ال لا شي قائلا
    - كما فعلوا بك تماما
    وامتلأت الغرفة صياحا ومرحا ، نظرت في الساعة فوجدتها الواحدة ، عندما كان يقص ال لا شئ نكته كنت انهض وأجلس وأنهض واضرب بكعبي أرض الغرفة وافرك يدي مرتاعا اريد ان انصرف ، ان فكرة واحدة كانت مسيطرة علي حينها ، وهي أن هذا المكان ليس مكاني، لا أقصد مكان ش لا سمح الله ، ولكن الجو نفسه هذا الجو اليومي المفسد ، سكر ثم سكر ثم خدر ثم كآبة ثم خلو شغل، لا لا لا ،، سأعمل فاعلا ، ساحمل فضلات الناس ، حينها سأكون أفضل من الآن، والشكر كل الشكر لك يا ش ، كم تحملت من أجلي ، هل أنا صليبك ؟ ، ام انا ماذا ، لابد ان اعمل شيئا لابد ان يكون المرء شيئا ، هكذا تدفع الثقافة بالإنسان إلي الامام، لم تخلق الثقافة حتي نثرثر ونتشاجر بل خلقت لنعمل بها ولو معلومة واحدة نعمل بها ، إننا نعرف حقا واشك في هذه المعرفة ع كل حال ولكننا لا نعمل شيئا لا نقدم شيئا في اي مجال ، إننا لا نتقن الا الكلام ، فهلا فلتعمل انت اولا ..
    نهضت في وقار وابهة لا أعلم من اين جئت بهما قائلا
    - أشكرك كل الشكر يا ش علي هذه الحفلة الرائعة وهذا الكرم المعروف عنك طبعا وفوق كل ذلك الدعم المعنوي التي تغدقين به علي اناء الليل وأطراف النهار حتي في هذه الساعة كنت اراكي تفعلي ذلك دون ان تتكلمين ! ،، هذا ليس مديح إنه حقيقة ، سأذهب الأن مستئذنا فإن لي ابن يحتاج لبن وانتم تعلمون ان الكبار يتحملون لوعة الجوع ولكن ما ذنب الصغار ؟ ما ذنبهم ؟، إنه ذنبنا نحن لأننا أتينا بهم إلي هنا ، فهرع الصبي علي حين بغتة قائلا
    - هل انت مؤمن؟
    فرميته بنظرة كراهية وحقد ثم سيطرت علي نفسي من فرط الغضب حتي كدت ان ابصق
    - أنني لا أؤمن بما تؤمن به علي كل حال أيها الصبي
    وشددت علي الصبي هذه وأتت ش تودعني عند الباب فاستطاعت بحركة لولبية بأن وضعت جنيهات في جيبي دون ان يراها أحد ولكنني اعدتها إليها قائلا
    - كم احبك يا اختي الجميلة ولكنني سأعمل وبما أنني سأعمل لن أتشرف بأخذ مالك اليوم ، ربما يحرضني هذا المال علي الكسل ، سأشتري بالقروش التي معي لعبة للصغير حتي لا تذهب هذه القروش في درج بائع السجائر، لن اقلع عن التدخين ، إنه مجرد توجيه عقلاني لهذه القروش ، استحلفك بالله الآن، وضغطت حينها علي يديها ضغطا شديدا حتي لاحظ ذلك احد ال لا شيئين ولكنه تظاهر انه لم يرانا ،، استحلفك بالله اذا صادفتيني يوما أشرب الخمر فاقطعي رأسي، اضربيني ضربا مبرحا، اشتميني ع الأقل، انا ضعيف جدا ، هش جدا ، ولكن ها أنا اصارع واجاهد كل شئ يا ش ، انا متعب ومشتت وفوق كل ذلك بدأت احقد واحسد واغير ، تصوري أنني أغير عليك من هذا الولد ، ابتسمت ش قائلة
    - أعلم ذلك ، حزرت ذلك منذ شهور، ولكنه شعور نبيل منك يا أخي وأنا أحبه، هل تصدق؟
    كانت ش مستعدة ان تضع يدها في النار حتي تخفف عني فقلت لها
    نعم أصدق ان المرء لا يملك امامك الا ان يصدق يا ش وتعانقنا وانصرفت أجر نفسي جرا إلي بيتي ، وقفت أمامه مختبئا عند الشجرة كما تعودت ان اختبئ عندما نتشاجر وتطردني عصفورتي ولا تمر الا دقائق وأراها تهرع إلي ترجوني ان أصعد إلي فوق ، إنها طيبة جدا ويكفي انها تحملت جثة مثلي كل هذه السنين ، كان عجوزا متسولا يقف أمام المنزل الذي تقبع أمامه غير قليل من السيارات ، يقبض علي فوطة ويشير بإبهامه إشارة مفهومة ، اي جنيه ، امسح لك الزجاج أيها السيد الرحيم لقاء جنيه واحد ، جنيه واحد أمسح الزجاج ! ،، كانت اللعبة في يدي امسكها بيد مرتعشة ، اتجهت نحوه لا يعلم إلا الله لماذا ، وقلت
    - هل لك أحفاد يا أبي ؟ أقصد أبناء الأبناء ، هل لك أبناء أولا ؟ ، ما هذا السؤال !
    فرد الرجل بعد ان حك فمه الافطس بالفوطة قائلا
    - نعم
    = اذن ، خذ ، هذه لحفيدك ، وأن لم يكن لك حفيد فإن العليم الخبير البصير يراك الأن، افهمت،لقد تمزق قلبي يا أبي والناس يتجاهلونك هكذا وانا لا املك مال فقررت ان أعطيك اللعبة حتي تدخل السرور علي طفل ، ربما لا ترجع له بمال ، ان لم يكن لك حفيد فإن الله يراك ، يجب ان يشك المرء في أصابعه في زمننا هذا ، أغلب الأحفاد تكتظ بهم الشوارع الأن، مضي هذا العهد الذي يجلس فيه الحفيد في بيت جده ، فيتلقن الطفل بشكل لا إرادي الحكمة والنبل ويشرب من المسقاة الأساسية فلربما يكون ابن المسقاة وهو ابو الحفيد طبعا ، ربما يكون حمل رواسب هذا الزمن فلا يجب ان يتلقنها هذا الطفل ، ما هذا الذي أقوله ، انني اهذي ؟ اسئلك الدعاء يا أبي ، خذها هي لك ، لا تستحي ، انا شحاذ أيضا
    فدس العجوز يده في جيبه وأشهر ورقة فئة العشرة جنيهات، كانت انوار الشارع في هذه اللحظة قد انطفأت فتحققت من نوعها بفضل النور الساطع من زجاج نافذة بيتي فلمحتها تتابع كل شئ من وراء الستار .
    قال الرجل
    - اذن هذه لك ! ، ان لم تأخذها سأشنق نفسي ، أن لي معاشا كبيرا يكفيني ويزيد ولكن ولكن
    = ولكن ماذا
    - لي ابنا عاق ، ما زارني منذ خمسة أعوام ، نعم خمسة أعوام ، وانا مريض بالكبد وانت تعلم ان سرعان ما يتلف الكبد ويصفر المرء ويذبل، انظر ، حدق الي عيني ، تعالي هنا ، عند هذا النور الساطع الواضح
    تحركنا قليلا فلاحت صفرة عينيه فعلا ، لا شك انه مصاب بالصفراء، من أين اتي بهذه القوة حتي يقف كل هذا الوقت متحملا شتي أنواع المتاعب ولماذا
    اكمل يا أبي اكمل
    _ فوق أنني أخشي ان أموت وحيدا ، علي حين فجأة، كما يحدث دائما لمرضي الكبد رغم ان الله ارسل لي المقدمات ، فإنني لا أريد ان أموت ساخطا عليه
    = نعم ، ادعو الله ان تعثر عليه كما فهمت دوافعك أن تقف هذه الوقفة ، ولكن لما هذا الشارع بالذات
    - قال لي أحد الناس منذ مدة أنه يسكن هنا في هذا الشارع
    وسألته عن اسمه فتبين لي ان أحد الناس هذا خادعه ،لأنني اعرف هذا الشارع اسما اسما وشقة شقة ، قد أتفق لي في وقت ما أن عقدت العزم علي ان اعمل سمسارا ، لم يمر علي ذلك إلا أيام وأخذت أذرع الشارع جيئة وذهابا واطوف في البيت وازور أسطح العمارات بعيون خبير لا خبرة له ولكنه مع ذلك خبير رغم أنف سمسار الحي الذي جاء لي حانقا برسالة واضحة مختصرة جدا
    " عض يدي ولا تعض رغيفي" الشاهد أنني أعرف هذا الشارع معرفة تامة ولا يوجد احد يسكن هنا بهذا الاسم ، حاولت ان اخفف عن الرجل ولكن هيهات انصرف وتركني عاريا كل العري بعد أن أصر علي منحي الورقة ولو علي سبيل الذكري، هكذا قال وانصرف ، شعرت حينها بخزي وعار فظيع ، صعدت إلي شقتي ، الآن واقفا أمام الباب أفحص نفسي لا أدري لماذا ، ما في هذه الاطمار شئ يفحص ، طرقت الباب ثلاث مرات بطريقة معينة تفهمها زوجتي لان جرس الباب خربا ، هاهي تفتح الباب علي مصراعيه،وها أنا ذا ارتمي علي عنقها الاسيوي الضعيف ، شعرت بنفس اللذة الذي كنت اعانق فيها ش ولكنها لذة مضاعفة، فوق الفرحة التي تغمر الإنسان عندما يعانق اخت او أم فإن هناك لذة أخري ، لذة الحب ، لذة الوله ، متعة الشوق ، كلاهما غير خالي من النبل ، هكذا أري هذه المسألة،فتشت الصالون بعيني باحثا عن صغيري فلم أجده واذ انا أري نصف فرخة مرسومة ببراعة تأخذ شكل القلب إلي حد ما ، يا تري كم يوم صامت هذه البائسة حتي تشتري هذه الأشياء ،وهذه مقبلات شعبية ، وبيرة! ، إنها تقدم لي مكافأة إذن ، كنت أذوب علي صدرها وأبكي ، انصهر وانتحب ! ، رفعت رأسي أتأمل وجهها المعقوف قليلا ، وها أنا اشرب من رحيق فمها العزب ، إن له طعم يميزه يشبه طعم المياة الجارية النقية التي كان يشربها أجدادنا في الحقول عندما كانت لدينا حقول ! ، كان طعمه مختلفا متغيرا بسبب امساكها عن الطعام فأنا اعرف هذا الطعم واعشقه أيضا ، انه طعم الصباح الذي لا يخلو من عظمة وكبرياء، لقد صامت إذن، هممم ،، انفلتت من بين ذراعي بخفة وغنج ، شدتني ناحية الصنبور وسكبت الماء علي رأسي حتي افيق لنسكر معا مرة أخري ، إنها رغم تحفظها وقوة عاطفتها الدينية سرعان ما اوقعتها في هذا الفخ لتسمح لنفسها من حين لآخر ان تشرب نصف زجاجة علي الأكثر، وضعت الزجاجتين في كيس وارستله الي الشارع وفي نفس اللحظة الذي سمعت فيه صوت قرقعة الزجاجتين قلت لها
    - لا داعي للخمر، سأعمل وسأسكر حينها بدونه ، كنت أنشد الراحة فما وجدتها ويمينا ان هذه الراحة تكمن في النصب كما يكمن الوجود في هذا الرحم الذي سأهدهده بكل جوارحي الأن، كم هو جميل النصب الذي نشعر به بعد هذه اللحظة الانسجامية ، عندما نتعانق برفق ، تعرفين هذه السكرة التي تصيبنا حينها طبعا ، ان هذا الوجه الطفولي المعقوف يختبئ وراءه الكثير والكثير ، هئ هئ ..نمنا نوما عميقا بعد نصب لذيذ وعندما أشرقت الشمس ، خرجت أضرب الأرض من جديد ولكن من غير خمر !

    صفحة المؤلف على فيسبوك


    التعديل الأخير تم بواسطة عفاف ; 26-09-2018 الساعة 06:59 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •