النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: بسبوسة بالبندق ..قصة بقلم سونيا منير

  1. #1
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي بسبوسة بالبندق ..قصة بقلم سونيا منير


    عنوة .. جذبت مقبض باب سيارتها الخاصة بعد ان فتحتها بآداتها للتحكم عن بعد ، ثم ألقت بكل أشيائها فى المقعد الخلفى ، حاملة معها حقيبة يدها والتى تحوى المحمول - وهذا هو ماكان يعنيها فى حقيبة اليد - إلى المقعد المجاور ، ثم التفت حول السياره بعد ان اغلقت بابها ، لتجلس على مقعد القيادة ، دافعةً بقدمها اليمنى اولا ً، وبعد ان استقرت على المقعد ، سحبت قدمها اليسرى كمن يجر عليلا ً لاطائل منه حتى ينتهى من مهمته . وبعد ان اغلقت بابها المجاور شرعت فى القيادة ، محوله كل انتباهها وتركيزها نحو ماهى بصدده . لقد ارتدت البنطلون فى المحل بالأمس ، وأمام المرآه استدارت فى جميع الاتجاهات لتتيقن من كمون كل غاياتها بداخله .. المقاس ، اللون ، مواءمته لشكل جسدها ، والأهم درجة وقاره التى تتفق وكل محاولاتها لإضفاء تلك الصبغه على مظهرها الخارجى وهى تحاكى العالم من حولها ، ووافقت نفسها كل ماظهر منه عدا بقعه صغيره ظهرت قرابة ذيله ، فخلعته وخرجت به - وقد ألفته واحبته - للبائع ، سائلةً عن آخر مثله ، وهى فى ترقب خشية ألا تجد ! ..
    دفعت ثمنه وأخذته معها فى حقيبه بلاستيكيه ، بعد أن أكد لها البائع انه قد استبدله بآخر ، ومباشرةً جلست فى سيارتها وقادتها نحو المنزل ، وهناك إنشغلت فى إعداد العشاء مع باقى أفراد اسرتها ، حيث كان الليل قد أزف ، وحان ميعاد توجهِ كل ٌلمضجعه فى محاولات للنوم الفورى ، فالجسد لابد وأن ينال راحته ليمكنه البدء فى الصباح المبكر ، واضعاً الغمامة على عينيه ، مربوطاً فى طرف الساقيه للشروع فى يومٍ جديد ، تلهب فيه أسواط الحياه ومتطلباتها ظهورهم ، وتتمنع مُتَعها كلما أفرطوا فى التودد لعقولٍ مرتابه ، ومحاولة التغلب على تمردها بإجابةٍ بسيطه .. هذا هو كَبَد الحياه ! "
    " ثارت ثائرتها اثناء ارتدائها للبنطلون الجديد فى الصباح حين فوجئت بأنه هو نفسه ذى البقعه قرب الذيل ، وكانت على وشك الذهاب الى عملها . وعلى الفور - وباتصال تليفونى - أبلغت عن أجازه عارضه ، وكأنما كانت فى انتظار اى مبرر للحصول على أجازه ، ثم توجهت نحو المحل الذى إشترت منه بالأمس

    فى فورتها الحاده اثناء قيادتها نظرت إلى المرآه أمامها ، وكان من السهل الانتباه والتفات النظر ، حيث وقفت فى إشاره ، فلاحظت شعرها المشعث ، ووجهها الممتقع ، وتأملت أكثر محاولة العثور على ملامح لطالما التقطت أذنيها كلمات مبهجة حولهم .. تقاطيع شديدة الرقة .. وجه طفولى .. شقراء جميلة .. جمال فرنسى .. وجه بيضاوى انتشر النمش عليه بلون حبات الرمان فى عز نضجها ..............
    وكالمعتاد .. تبحث عن هذه المعانى فى المرآه فلا تجد ! ...
    ماالذى يراه الآخرون ولا يمكنها هى ان تراه ؟! ..
    انف كبير .. لون أبيض ليس ابداً فى جمال سمراوات بلادها .. ذقن دقيق مندس داخل إستدارة لُغد ماأسرع ان يتجه نحو طغيانه لو زادت عدة كيلوات !
    ماالذى يراه الآخرون ولا يمكنها هى ان تراه ؟! .. ألح عليها السؤال .
    تذكرت كيف كان جمالها طفلة ملفتاً للأنظار ، وكيف تمخضت مشاعرها كأنثى مما كان يشعرها به الآخرون احتفاءً بهذا الجمال ، خلق الناس من حولها هذه المشاعر ، وزادتها تلقائيتها ونضوحها وتأججها فى سن المراهقة ، وتمحور كيانها كله نحو كلمات ثلاث .. جميلة ، جذابة ، ذكية . وكانت كثيرة لقاءاتها مع الأهل والمعارف فى البيوت ، او فى المتنزهات العامة ، أو فى أحضان فردوس كورنيش النيل . هذه اللقاءات ببراحها المانح من لفت للأنظار ، وانتباه واهتمام زائدين من الحضور ، كان يزيدها اعتزاز وثقة بالنفس ، ويبدو ان هذا الاعتزاز وهذه الثقة كانا يضيفا إلى جمال مايراه الآخرون .
    تلك واحدة ، والأخرى كانت أمام المرآه ... تبحث عن هذا الجمال فلا تجده . كانت أخرى بارعة فى اصطياد العيوب والتربص بها ، بادئة بقمة الرأس ، مارة بجميع أجزاء الجسد ، ومنتهية بأخمص القدمين . وكانت كارهة لما تراه فى المرآه ، لذا حاولت دائماً الابتعاد عنها ، كما كانت طوال الوقت فى دهشة من أمر هؤلاء الآخرين ، حيث تسرب الاهتزاز وعدم الثقة بالنفس إلى داخلها . ودارت بينها وبين الأولى صراعات دائمة ، وكانت الحرب سِجال ، تنتصر فيها الأخرى أحياناً بما تحمله من كراهية واتهام بالادعاء ، واحياناً أخرى تنتصر الأولى بانفعالاتها المتزنة ، وباتهامات ( النفسنه ) .
    " واليوم هى ترى هذا الصراع نعمة من الله وتشكره عليها ، رغم ماأضناها منه ، فمن يدرى ماذا كان من الممكن أن يصيبها من سهام الآخرين مزدانة بضروب من الغواية والإبهار ، أو كما يقولون ( السم فى العسل ) لو أنها إنساقت لتباهٍ وغرور لايعلم مداهما ولا أذاهما إلا الله ! ..
    إنصرفت عن أفكارها وشردت مرة أخرى حين إنتقل لون الإشارة إلى الأخضر ، وكأنما تذكرت غضبها ، فعاد حنقها يسود بكل ثقله . ولكنها ليست تلك الغِرة أو التافهة التى تنزلق نحو بركان الغضب هذا لمجرد بنطلون جديد ذى بقعة قرب الذيل ! .. إنها واسعة العلم بتلك المشاعر ، وقد خبرتها كثيراً من قبل ، وتأملت فيها أكثر ، وهى تدرك تماماً أنها طفرة ثورة عادةً ماتعقب تطاحن الأفكار ومضاداتها . فحين يكون الموقف شاقاً وعسيراً كالذى تعيشه هذه الأيام ، لابد ان تتطاحن أفكارها ..
    أن تصل بها ذروة الغضب والغليان من إحدى صديقات عمرها لهذا الشأن ، وأن يضيق صدرها بسلوكيات تلك الصديقة بعد أن كانت واحتها التى تركن إليها ، فيصبح العالم حولها ضئيلاً خانقاً ، وتصبح أبسط الهفوات الصادرة من أى إنسان وكأنها قذائف ناريه تستحث كل سلام افترش اعماقها للخروج هارباً ، وتقل قدرتها على التحمل كلما زاد التصارع ، واستعصى عليها الوصول لحلولٍ تمكنها من إستمرار هذه العلاقة مع تحاشى مشاكلها وسلبياتها ، وتستشعر اتجاهاً نحو قرارٍ بضرورة إنهائها ، فتضطرم النار بداخلها .. فى عقلها ، وفي روحها ، وتتكالب عليها منمنمات ضمير لم تكن تدري وهى تقاتل من أجل تثبيتها وتنسيقها أنها ستكون أول من تضوي عينيها ببريقٍ خلاب ، لاتقوى أى رغبة فى التملص من هذه العلاقة على مقاومته

    يتبع

  2. #2
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    عند باب المحل .. دخلت ، وسألت عن نفس الرجل الذى باعها البنطلون بالأمس ، وقيل لها أنه فى أجازة اليوم . حاولت إستبدال البنطلون ، وعرفت أنه لايمكنها حيث أنها قد نست الفاتوره فى البيت ، ويمكنها أن تعود فى الغد بفاتورة الشراء ، وسيكون ذلك البائع موجود . على الرغم من ضياع يوم بأكمله كانت قد أضاعت معه فرصة أجازة عارضة بلا طائل ، إلا أنها فى هدوء - كانت تخشى من نفاذه داخلها - إستجابت وخرجت لتركب سيارتها مرة أخرى ، متجهة نحو أحد محلات الحلوى ، لشراء بسبوسه بالبندق لابنتها . "
    "ليس بالغريب عليها رد الفعل هذا ، فقد عهدت فى نفسها سكون كلما أمكنها إزالة غموضٍ عن عقلها ، فما إن ارتأت لها أسباب ثورتها وعنف مشاعرها حتى هدأت ، رغم أن الأسباب ومكمن المشكلة لازالا قائمين ، إلا انه الغموض فقط .. هو مايستثير فيها أى معوقات أو أحاسيس سالبة ، ومتاعب هى فى غنى عنها ، وقد ناء ظهرها بأعباء وأحمال ليس بمكانٍ معهم للمزيد .
    ومع إنسيابِ صفاءٍ نحو أعماقها ، انسابت معه نغمات حالمة وهى تتأمل أجمل ماأحبت فى "وسط البلد" . بدأت زرقة السَّمَاءِ الناعمة تتضافر مع ألوان أخرى صفراء وحمراء وبيضاء وخضراء .ألوان كثيرة شعرت باندماجها وتناغمها من أماكن شتى حولها ، بعثت فى نفسها إحساساً ربيعياً مبهجاً . ارتفعت عيناها بارتفاع البنايات كلاسيكية المعمار والطراز ، والتى تشبه مبانى ( مصر الجديدة ) القديمة . واجهات المحال وتنوعها حين يسقط عليها النظر لوهلة فيُعرف مستوى الذوق بها مإن تتجه نحو أحدها أو تبتعد عنه ، والناس فى الشوارع رأتهم جميعاً متقاربين لها فى العمر ، وفى أذواق ملابسهم هم قريبون من ذوقها ، فالشباب الصغير من أعمار أبنائها لايتوجه الآن إلا نحو المول ، وهو أشبه بمركز كبير يحوى كافة مايحتاجه الإنسان ، وعلى أحدث الطرز والأنظمة من مأكل وملبس وأدوات ، أو حتى أماكن للمتعة كالسينما والملاهى . فى وسط البلد تقع عينيها على المقاهي والمطاعم ، وتتذكر أماكن إرتادتها مع أبيها وأمها فى صغرها ، وأماكن أخرى كانت تقابل فيها أصدقاءها أيام اللهو قبل الزواج . وهمت نسماتٌ منعشة تطوف مع الذكرى ...
    وهى فى اتجاه شارع "قصر النيل" - بعد أن عبرت ميدان "طلعت حرب" - لمحت "جروبى" خلفها فى المرآه ، وابتسمت .. عنده كان أبوها يشترى لهم أفخم أنواع التورتة والجاتوه ، ولم تكن تأكل الفواكه المسكرة إلا من هذا المكان . لم تشعر بالشفقة تجاه شيخوخته ولا ألوانه الباهتة .. فهكذا حال البشر ، وهم الكائنات الأرقى . ونما إلى خيالها الأشكال المبهرة لمحالٍ أمثال "لابوار" ، و "لارين" ، و "ماديرا" .. بأضوائها وألوانها ، وجمال واحتوائه واجهاتها الزجاجية ، واختلاف منتجاتها بكل ماتتمتع به من مذاقٍ رائع ، وخالتها مقارنةً بالعجوز "جروبىً" فتيات شابات جميلات ، ممشوقات القوام ، فى أحدث وأجمل أزياء بألوانها الخلابة ، ورشاقة خطوٍ يختال ببهائه .
    " تذكرت أن أبناءها يفضلون "ماندرين قويدر" عند شراء الحلويات الشرقية ، فعادت أدراجها فى اتجاه الكورنيش نحو طريق المعادى ، بادئة بالطريق فى أوج ازدحامه من ناحية التحرير ، ثم - ومع استمرار الدخول باتجاه المعادى - بدأت عيناها فى استعذاب المشهد .. جمال النيل وصفحته المتلألأه بفضيتها ، وطبيعية اللون البنى الذى يغالب هذه الفضية ، واندهشت لهذا اللون الثالث الذى ينتج عن تداخلهما معاً فلا تجد له اسماً ! ..
    كورنيش النيل هذا الذى طالما أَنِسَ و احتفى بلقاءات الأهل والأصدقاء ، وبسهراتهم حتى الفجر ، فازدهر ، وانتشى ، وأتى بأجمل مافيه من سحر نسماتِ عليلة ، وسماء تحتضن العزيز من النجوم ، وأضواء خافتة ، وأُلفة أعدادٍ ضئيلة من البشر يتناثرون هنا وهناك ، مانحين بعضهم البعض برضا بالغ حاجتهم من نقاء الهواء المحيط ، تاركين لبعضهم البعض أيضاً مساحات الخضرة اليانعة حولهم غذاءً للأعين والوجدان ، وينعم الجميع باللانهائى من قيم الإرتباط والمحبة والتسامح والعطاء ، مما يفتقده اليوم شارعنا المصرى المحتضر .
    كانت عيناها تنهلان من فيض الجمال ، وصدرها يتسع من فرط مايتجرع من هواء ، فترى أجمل مافى كورنيش المعادى .. درجة الإخضرار ، والتى توازى تماماً كثافة الخضرة داخل "معادى السرايات" ، وهى المعادى الأولية عند بدأ نشأتها قبل أن تظهر "المعادى الجديدة" ، أو كافة المدن المحيطة مثل "زهراء المعادى" وغيرها ...
    أخذت شهيقاً عميقاً اجتذبت به كل ماقدرت رئتاها على امتصاصه من الماءِ والخضرة ، وافتقدت معهما الوجه الحسن الذى خبا تحت عوادم السيارات ، ووطأة تلوث الضوضاء ، والاندفاع نحو مشقة الحياة فِراراً من مخاوف العَوَز ."
    .
    "نحو المحل ، وفى الاتجاه الآخر ، دارت بالسيارة نصف دورة ، وتوقفت .
    توجهت مباشرةً من مدخل المحل نحو البائع :
    - عايزة كيلو بسبوسة بالبندق لو سمحت
    - نص بالبندق ، ونص باللوز
    - ليه ؟! ..
    - عشان الصينية نصها بالبندق ونصها باللوز ، لو بعنا من ناحية وناحية لأ الصينية حتبوظ !
    - طب ماهو ممكن ييجى حد تانى ويطلب كيلو باللوز برضه
    - لأ .. ماهى البسبوسة باللوز مفيش عليها طلب
    ردت وهى تغالب ضحكة يبدو أنها قد تغلبت عليها للمنطق الغريب فى الكلام :
    - مادام مفيش عليها طلب بتعملوها ليه ، وبعدين تفرضوها علينا ؟! ...
    ثم قهقهت بصوتِ عال حين شاغبت حسها الفكاهى نكتة كانت قد سمعتها منذ زمن عن أحدهم ، وقد قابل فى قطارٍ شخصاً يقشر موزة ، ويضع عليها ملح ، ثم يلقيها من النافذة ، ويعاود الكَرة مرة ثانية ، وثالثة .. فسأله :
    - انت ليه بتحط ملح عالموز وبعدين ترميه ؟! ..
    - عشان مبحبش الموز أبو ملح !!! ...
    أشفقت على البائع حين رأت إرتباكه واحمرار وجهه ، ولكن لم يكن هناك بدٌ من الضحك ، ولم تدرى أى كلمات يمكن أن تُقال فى موقفٍ كهذا ، فأصرت على مقابلة صاحب المحل ، ودار بينهم نقاش فازت فيه مؤخراً ، وحصلت على كيلو بسبوسة بالبندق ، ثم عادت للبائع وأجزلت له العطاء فى محاولة للتكفير عن تهكمها وسخريتها ، وخرجت بسرعة وعلى شفتيها إبتسامة طفيفة كادت أن تنقلب لضحكة كسابقتها حين وقعت عيناها على وجه البائع .

    يتبع

  3. #3
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    داخل السيارة ... باغتتها طفلة فى داخلها كعفريت صغير خرج لتوه من القمقم ، وأخذت تشاكسها ، ولامسها مكر الطفولة فى عينيها ، وفرحتها بالتغلب عليها ، فقد فاقتها إصراراً حين اندفعت تخلع عنها تحفظها ووقارها ، وهى تبادل البائع ذلك الحديث الضاحك الباكى" .
    "فى محاولة لمداراة ابتسامتها عن عينى الطفلة القابعة نظرت من النافذة المجاورة لها ، ورذاذ ماءٍ يتقاطر من داخلها يمسح أى معاناة ، ويغسل كل مشقة وتعب ، وتثب معه رغبة فى سماع موسيقى راقصة كنفسها التى تغلبت فى أعماقها . أدارت موسيقى فرقة ال "آبا" بأغنيات فيلم "مامَّا ميا" ، وكانت شغوفة بتراقص النغمات . اجتذبت أنظارها فتيات ثلاث شبيهات بنماذج المحلات الثلاث التى مرقت بذهنها حين رأت جروبى . نفس ماتخيلته من أناقة ورشاقة وشباب ، مضاف إليهم أنوثة طاغية . خالجتها أفكار عن كيف يفيض كل هذا الجمال والتنوع من مجرد ثلاث محدودات العدد ؟! ...
    زاغ بصرها وراء كل مارٍ من حولها .. أنماط من السواتر التى ذهبت بفعل موجات التغيير وأُلفته داخل الإنسان ، وعبر مروق السنين ، من مجرد وسيلة لمداراة مناطق فى الجسد حددتها القيم الأخلاقية قبل الأديان ، ومن قبلهم الفطرة .. ذهبت الى اعتناق أشكال جمالية أخَّاذة بألوانها ، نابعة من مجرد خطوط محدودة مستقيمة انسيابية او دائرية أو أياً ماكانت . وبرزت فى ذهنها على الفور فكرة غريبة ... أنَّى لقلةٍ قليلة من الأشياء أن تمثل فى نفس الوقت كل هذا الزخم ، وترسم كل هذه العوالم ؟! ...
    أبجدية العربية .. تتكون فقط من تسعةٍ وعشرين حرفاً ، تتداخل فى علاقاتها بالتباديل والتوافيق ، لتشكل عالم لانهاية له من الأفكار والمعانى ، فى حركة دائمة ودائبة تجيد البحث داخل الإنسان .. عقله وقلبه ووجدانه ، وتجيد خلق نسلٍ من نوعٍ آخر غير التناسل البشرى . إنه نسل لايختلف كثيراً عن فلذات الأكباد التى تمشى على الأرض ، فالناس تلد افكاراً كما تلد أطفالا ً، وكلها (ضنا) وكلها معشوقات النفس ! ..
    السلم الموسيقي .. سبعة مفاتيح .. تقدر على خلق وإبداع وابتكار أشكال موسيقية لاحصر لها سواء فى امتدادها الأفقى عبر جيل وزمن حاضر ، أو فى امتدادها الرأسي عبر أجيال وأزمان سابقة ولاحقة . وعجيب مايحدثه الشكل الموسيقي فى الوجدان من مشاعر انجذاب وتطهير .. هى فى لحظة فرحة وثورة وتمرد وأمل فيَّاض ، وفى أخرى شجن وكمون واستسلام ! .. بل تغدق الموسيقى حتى على العقل وتستثير فيه أشباه حوارات يدأب على ملاحقتها ومحاولة فك طلاسمها ، لتصبح فى نفس جلاء ماتستثيره الكلمات .
    فى أعماق أفكارها وحوارها مع النفس ركنت وابتعدت ، ونبهها حس متيقظ لديها بضرورة الانتباه ، فليست مثل هذه الأفكار مما يُساق فى الذهن اثناء قيادة سيارة ، ولكنها معانٍ تثير لديها لفحات من الإنتشاء ، قد تكون بفعل جوار كورنيش النيل وهو صديق العمر ، وجليس بهاء اللحظات ، وموطن مصريتها وانتماءها ."
    "كانت قد شرعت فى التوجه نحو منزل صديقتها ، وقد همس لها خاطر بأن تحظى بجلسة ودية معها وهى فى هذا الحال النشوان ، تزيح بها ثقلاً عن صدرها أضاقه واعتصره بقبضة قوية متمكنة ، ثم مالبثت ان أدارت عجلة القيادة فى الاتجاه العكسى ، حين تبدل ابتهاجها على الفور بمجرد بروز الفكرة ! ..
    ليكن .. لن تبادر بزيارتها ، ولن تبادر بالعتاب ، ولتترك الأمور على ماهى عليه علها تنفرج من تلقاء نفسها بما يمن به الله .
    لم ترد العودة للمنزل ، فتناولت المحمول ، واتصلت ببعض الصديقات المتفرغات فى محاولة لتكوين جمع ، والالتقاء عند واحدة من عوامات الكورنيش ، والتى زاد انتشارها مؤخراً ، وبالفعل نجحت فى الاتفاق مع اثنتين منهم ، ثم اتجهت فوراً صوب المكان المتفق عليه ، وهى تمنى نفسها بلقاء يكتمل به اليوم بكل ماحوى من اختلافٍ عن نظائره "


    تمت

  4. #4
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    "قبضة نجاة"
    تجربة شعورية


    في أغوارها السحيقة سلبتها قسمات ُ وجهٍ متداعٍ كل إغواءات الجذب ... قطَبَ الجبينُ شرساً طارداً حاجةَ السائل ، وجحظت العينان رافضةً أنهار الحياة ،ممزقة شرايين التواصل مع حيوات محبيها. تململت عازفةً بخيالٍ سقيم عن شجب استكانتها وتقوقعها ، إنزوت تحت أنفاسِ عجزِ لايشتَّم إلا مُخدِر العجز والسأَم ، ألقت بإنصاتها لحبائل أذنين تأبيا إلا إقتناص تهويمات الضياع وأنين الألم . إن تنطق ملامحها .. تفِّر بحور الرفض من إنحناءات شفتين أدماهما الغضب ، وقد ساندتها أنيابٌ غرست في أمانِ شواطئِها ، وينفلتُ صُراخُها هارباً من محابس ثِقَل الأعماق .

    تتبرمُ افتراساً ، وتغوصُ متبعثرةً تتقوتُ عذابات السنين ، لتعود متوارية تلفظها خِلسةً ، غير عابئة إلا بأضغاثِ أنفاسٍ تنشر نيرانها ! ... هناك - وللحظةٍ - اهتز ركودها ، وتشقق ركونها ، وهاله فيضُ التغيير وانقضاضه .. فاقها توحُشاً ، وعَلا هديره مدوياً . ألقى بأنامله ناثراً بصماته ..فى صفوفٍ لؤلؤية تراجعت الأنيابُ واستوت ، وفي طفولةِ نبتَةٍ إندست بين تورد وجنتيها ارتسمت الشفتان مبتلعةً تمردَ بحورِها ، وقد إنسابت طاهرة نافضة كل شوائبها ،مارةً على ركام الأنف ، ونفايات الأذنين . إنساب نور يتسلل ، تلفتت صاعدة حائرة ، وقد استوت لاتدري مكمن التقاطها ! ..

    هدأت عيناها ، وأخذت تنهلُ من ضوءٍ يتزايد خالَتْهُ مستأثراً ببصيرتها . وعلى حافةِ حُلم الحياة ...جرَت دماؤها فى شرايينٍ كانت قد تصلبت ، وسَرَت زخَّاتُ الدفء ، فانفرج الجبين ، وطغت عذوبةُ الروح ، وتمايلت ترشف النشوى ، وقد هالتها تلك القبضة حاملةً إياها ، عابرةً بها .


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •