صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 21 إلى 28 من 28

الموضوع: المرايا ..رواية للكاتب السوري حسين جنيدي

  1. #21
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي




    الجزء الثاني
    1


    كان العمل في بناء المزرعة والمعمل والمدجنة سريعاً، وأضيف بناء للمستودعات ومكاتب للموظفين، وقد شغلت الأبنية زهاء عشرة فدادين فقط، في حين خططت الأرض إلى حقول، تقسمها طرق معبدة، وكانت مدجنة الدجاج بعيدة نسبياً لما تنشره من روائح.
    كان المهندس الزراعي يوسف ياسين وهو من أخوال نعيم والد سيد مدير مكتب الزراعة في البلدة رجلاً فهيماً وتقنيا ممتازا، واشترى للمزرعة محراثاً جيداً وحفر بئرين أخذ منهما الماء بمضخات وبعد أن يمر على محطة التنقية، يوزع عبر قساطل مطمورة، ومآخذ، ترك منها مأخذا للعامة، يستفيد المواطنون من مياهه النقية، وانتقى اليد العاملة الخبيرة وهي متوفرة في البلدة، كما أن الرخصة قد أنهت مشوارها الطويل وعادت إلى البلدة مستوفية جميع الإجراءات.
    ناقش المهندس يوسف مع الزوجين موضوع تأمين الأبقار والجواميس، واقترح أن يذهب إلى الحبشة عبر البحر الأحمر ليحصل عليها من هناك، وكان قد زرع أحواض الأرض بالفصة والبرسيم والذرة، وسقاها بالرذاذ فابتدأت تنمو، وراسل عن طريق النت تجاراً في الحبشة فأفادوه بأن طلبه موجود ولكن من الحيوانات البرية، وأن الأبقار الهولندية قليلة بالحبشة.
    كتب إلى تجار في أمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا، فأتاه عرض برازيلي رخيص لكن كلفة النقل مرتفعة، ولكن عرضاً مناسباً جاءه من جنوب أفريقيا فعرضه على سيد وإيناس فاختاراه لأنه يتضمن كلفة النقل، واقترح عليهما أن تكون المزرعة مختلطة قسم للأبقار من النوع الهولندي وقسم للأبقار البلدية الحبشية، فهي حيوانات جيدة ومقاومة وقليلة الكلفة فهي تتناول غذاءها من المراعي التي أعدها لذلك.
    سيتمكن من مباشرة الإنتاج خلال عام، وحتى ذلك الوقت يجب على المنشآت أن تكون قادرة على استيعاب جميع مواد العقود.
    أما المداجن فستكون قابلة لإنتاج الدجاج الحي والبيض، وبذلك يستغني عن شراء الصيصان التي ربما تكون مريضة، وسيكون لديه مفرخات وبيض ملقح في قسم من منشآت المدجنة.
    كل من يدخل إلى المزرعة لا يتجاوز البناء في مدخل المزرعة، وعلى العمال أن يدخلوا غرفة التعقيم قبل أن يلبسوا ثياباً بيضاء خاصة معقمة وأحذية معقمة أيضاً، وقد اشترى أجهزة التعقيم وبنى غرفة في المدخل للتعقيم وأخرى لغسل الملابس.
    لقد استوعب المشروع كل اليد العاملة الفائضة في البلدة، كما أن بيع الإنتاج في البلدة سيرافقه تسهيلات وتخفيضات في السعر، فقد احتفلت البلدة بابن شهيدها، وعليه أن يبرهن أنه يستحق هذا الاحترام والتبجيل.
    أما المنزل فقد انتهى بناؤه وتجهيزه، وأصبح فيلا مرموقة سميت المزرعة باسم مزرعة الشيخ منصور النجار والمنزل باسم فيلا نعيم منصور حمدي النجار.
    كانت إيناس قد توقفت عن زيارة المناطق الأثرية المتبقية لأنها حامل، ولأنها ابتدأت تتخوف من اللوحة، وتعتقد أن السر يوشك أن يعرف، ولا تدري ما سيحمله لها من النتائج.
    قالت إيناس ذات مرة:
    - ماهي علاقتنا بحل لغز اللوحة، هل نحن مختاران لذلك، ولنفرض أنه مطلوب منا حل اللغز، فمن هو الطالب، وهل يحق له أن يجبرنا على هذا التكليف؟.
    أجابها سيد:
    - أنا أخشى أننا نحن أبطال اللوحة، فقد قرأت عن عقائد مشابهة في الهند ولدى الزرادشتيين والصابئة، أيعقل أن نكون أنا وأنت في القدم كنا حوراً ونانا؟.
    - إنك تزيدني خوفاً، ولن أذهب قبل أن أضع طفلي، مع أنني في شوق لمعرفة القصة وجلائها.
    - كما تريدين، فلننه المشاريع التي تكلفنا كثيراً عليها، ولنباشر الإنتاج، ونكمل الجهاز الإداري، ثم نتفرغ لاختصاصنا.
    كان الجد يحب أن يجلس معهما كل مساء ويحدثهما عن ماضي نجع الشيخ وعن زيارات جمال عبد الناصر للبلدة وعن التقائه به، وما حدثهم عنه، وكان الشابان يتابعانه باهتمام، في حين بدت عليه علائم الفخر والاعتزاز.
    كان عبد الناصر يتفقد كل بلدة يمر بها، ويحب أن يقضي بها ساعات، ويسمع إلى شكاوي المواطنين ومطاليبهم.
    حتى صغائر الأمور كان يتابعها، وكان قادة الاتحاد الاشتراكي في البلدات من أبنائها، ويحيطون القيادة علماً بحاجات المواطنين ومشاكلهم، وهو ما زاد في شعبية قائدهم العظيم، لقد كان نظام عبد الناصر شعبياً بامتياز.
    استمر العمل في المشاريع، ووصلت شحنة من الأبقار الهولندية، موضوع العقد مع جنوب أفريقيا، وشحنت الأبقار الأثيوبية، وتم التعاقد مع طبيبين بيطريين، كما كانت المدجنة قد باشرت الإنتاج. اكتملت اليد العاملة في الشركة الجديدة، وسميت الشركة المصرية لتربية المواشي، وسمي المهندس يوسف ياسين مديراً عاماً لها وسجل الموظفون والعمال في التأمينات الاجتماعية، يحسم من راتبهم ثمانية بالمائة، وتدفع الشركة ثمانية بالمئة أخرى، واشتركت الشركة بصندوق الرعاية الصحية، فصارت مؤسسة مكتملة من جميع النواحي.
    أما معمل الأعلاف والألبان فقد خصص لهما مهندس صحة متخصص بالتأمين الغذائي السليم، وعلى عاتقه تأمين الأعلاف بحيث تشترى خاماً من الفلاحين. وتطحن وتعد في المعمل، وتضاف لها الفيتامينات والبروتين وقصب السكر المطحون أثناء صناعتها وتعقم وتغلف بدون أن يلمسها أحد، كل ذلك بآلات متخصصة.
    وضعت إيناس طفلها الأول وأسمته نعيماً على اسم جده، وكانت الفرحة في البيت غامرة، وذبحت الذبائح وأولم للمحتاجين سبعة أيام، وحينما سجل المولود في نفوس نجع الشيخ نعيم سيد نعيم حمدي منصور النجار، وهو اسم طويل له ما يبرره، وزعت الحلويات في الدائرة، وتقبل الوالدان التهاني في المنزل وفي المزارع.
    هتفت إيناس لوالدها بأنها رزقت بحفيده نعيم، فأظهر الفرح، وقال بأنه سيحول لها عشرة ملايين فوراً، ثم حدثت والدتها وعرضت عليها الانتقال للسكن معها، ولكنها أجابتها بأنها تبارك لها وأنها سعيدة للطفل، ولكنها لن تترك والدها، شأنها شأن السيدات العراقيات المحترمات، وعندما يكبر الولد قليلاً ستستقبلهما في بغداد ولو لأيام.
    ظلت الأمور تجري على ما يرام، وكانت إيناس من أحسن النساء، طبيعية وودودة، وقيل: خير النساء الودود الولود، كانت جميلة وذكية وصادقة، وتحاول إسعاد زوجها وكانت تحترم عائلته، وتنادي أمه بأمي، وجديه بجديها، وأخوال والده بأخوالها، وتعلمت اللهجة المصرية بسرعة بالغة فلا تستطيع أن تفرق أو تعرف أنها غير مصرية.
    تقدمت الأشغال في المزرعة، وما زال لدى إيناس مبالغ كبيرة، وقد أطلعت سيد على الحساب وقالت له:
    - فلنبحث عن مشروع آخر فلا يجب أن نترك مبالغ كبيرة في البنك، فسيستفيد منها البنك بدلاً من المواطنين، ولو كل الرأسماليين العرب استثمروا في الدول العربية، لنهضت الأمة، إن السودان وحده كاف للتأمين الغذائي العربي، عجباً يا سيد كيف ينبطح أغنياء العرب ويستجدون العطف الصهيوني، وبشكل معيب يفضح العمالة والخيانة، تباً للعرب.
    الأيام الجميلة تغري، جو من المحبة والوفاق، عاد العجوز إلى بهجته، وكان يائساً قبل أن يلتقي بحفيده، الجدة ألغى لها الطبيب النظارة، وبدت أصغر بسنوات، لم تكن العائلة في يوم أكثر منها سعادة الآن، كانت أسرة غنية طيلة وجودها في نجع الشيخ، وهي الآن أكثر سعادة ورضاً.
    وصلت آلات تصنيع العلف من الصين ومعها آلات الألبان، وغرف التعقيم، كما استكملت شحنات الأبقار وعجول التسمين، وكان المهندس يوسف رجلاً موهوباً ودؤوباً في عمله، وكان يسهر الليالي، ويبذل كل ما يستطيع لنجاح المشروع.
    أما إيناس وسيد فقد عادا لممارسة اختصاصهما، وقد استخدم سيد قسماً من الطابق الثالث كأتيلييه للرسم، ووضع المرسم في مكان يطل فيه على النيل، وهل كالنيل ملهمٌ لفنان مصري مختص في الآثار، ويعرف قيمة مصر والنيل هبة الله لها.
    إيناس تراقب سيد عن قرب وتتابع أعماله الفنية بحذاقة المتفهم والحصيف، لقد اتفقا على أن يكونا سعيدين، وأن يفعلا كل ما يلزم لاستمرار سعادتهما، والجدان يضفيان جواً من المرح على البيت، فهما يحفظان سيلاً من النكات والحواديث، ويعطي وجههما انطباعاً محبباً أثناء روايتها.
    كان الصغير نعيم قد ابتدأ يدرج في البيت، ويناغي ويدب ويعرف أبويه وجدته وجدي أبيه، ومن الغريب أنه كان يحب أن يجلس مع العجوزين الفرحين به.
    أما أم سيد فكانت عاتبة على الطفل لأنه يأنس إلى العجوزين أكثر، ومع ذلك فقد كانت تحبه بجنون، وتلبي جميع طلباته. وقال لها سيدة مرة:
    - لا تفسديه يا أماه فإنه سيكبر ويزيد الدلال في مطالبه.
    - هذا نعيم يا ولدي، بطل مصر والعرب.
    ضحك سيد ملياً، ثم مضى وهو ما يزال يقهقه، ووجد إيناس في طريقه فأخبرها بقول أمه فضحكت وقالت:
    - دعه لها فإنه قرة عين، بعد أن حرمت من جده بعد وقت قصير من زواجهما.
    ثم أردفت إيناس:
    - لعله آن الأوان للذهاب إلى أبي سنبل، وأعتقد أنني عدت لامتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة القصة، فقد ولدت نعيماً وأصبحنا جميعاً بألف خير.
    - في أي وقت تشائين، وربما لا يتعلق الموضوع بنا، ولكن تم اختيارنا لحل هذا اللغز، وعندها سيختفي كل شيء.
    - سنكون في أتم الاستعداد لهذا، ولن نخيب من انتقانا لهذه المهمة.
    ابتدأ العمل في معمل الأعلاف، معتمداً على شراء المواد الخام من المزارعين مباشرة، ونقلها إلى المعمل، كانوا يشترون الذرة قبل نضوجها التام ويطحنون القصبة كلها بما فيها العرانيس، وكذلك التبن والبرسيم، ويضيفون لها البروتين والأملاح، وبقايا السمك، والفصة والشوفان، وبعد الطحن يعقمونه بالماء الغالي ويضيفون إليها القليل من اليوريا، ثم تعبأ بأكياس معقمة ويختم الكيس ويخزن، وكانت الآبار تخضع لتصفية حديثة تجعل الماء نقياً تماماً، فكانت المناهل يجدد تعقيمها ليلاً ، ويترك الباقي لأشعة الشمس، وفي النهار تخرج الأبقار إلى مروج مشمسة فتتعرض للشمس مدة من الزمن.
    أما المداجن فكان علفها يشترى من مصانع الدولة، وكانت أبنيتها معقمة، ومكيفة وقد كلف بإدارتها مهندس مختص مع العمال اللازمين للخدمة.
    تعتبر مزارع الأبقار وتسمين العجول من أصعب المشاريع وأكثرها حساسية لدخول العناصر الحية فيها، من حيث الحيوانات واليد العاملة، ومن المهم أن يكون الإنتاج نظيفاً تماماً ومعداً بشكل سليم.
    أول المسوقين المدجنة، وقد أمرت إيناس أن لا يرتبط التسويق بسعر السوق إلا في الحالة التي يكون السوق فيها أرخص، فقد أصرت إيناس على أن يكون المشروع لخدمة المدينة عملاً وإنتاجاً.
    آن الأوان للذهاب إلى أسوان، وما أن وصلا إلى أبي سنبل ودخلا المعبد حتى انتصبت اللوحة أمامهما وفي كل أجزاء المعبد، وحينما كانا وحيدين في إحدى الغرف ونظرا إلى اللوحة، ماجت اللوحة أمامهما وخرج منها الملك والملكة وهما باسطان يديهما إلى الأمام، وظهر لهما أن الملكين خرجا إلى الصحراء الشرقية وتجاوزا البحر الأحمر إلى سيناء، ثم إلى جبل الطور، وفي طرف منه أشارا إلى مكان، ثم أعادا عرض الجبل والموقع عدة مرات، ثم اختفت اللوحة.
    انتفض الزوجان وكأنهما في حلم، واستوضحا نفسيهما عما رأياه، إنهما يريدان منهما الذهاب إلى جبل الطور والكشف على الموقع الذي حدده الملكان بدقة.
    خرج سيد وإيناس من المعبد، وهما في تمام الدهشة والاستغراب، لقد كلفهما الملكان أمراً صعباً، وحمَّلاهما حملاً ثقيلاً، فكيف وما السبب لاختيارهما بالذات، دون غيرهما من الأزواج، ولماذا لم يكلفا واحداً كالدكتور سعيد فهمي مثلاً؟.
    الأحاجي ما تزال مغلقة، عليهما أن يأخذا وقتهما ويتدارسان مع المختصين هذا اللغز، سأل سيد إيناس:
    - ما رأيك أن نسلم الموضوع برمَّته إلى إحدى فرق التنقيب؟.
    - لو أنهما يريدان ذلك لتراءيا إلى غيرنا، ولكن بيننا موضوع مشترك سنعرفه في حينه، ونحن لم نزر مقابر الملوك في أسوان أو في وادي الملوك.
    - سنتابع هذا الموضوع بهدوء، ونأخذ وقتنا، فطالما أن عمر القصة أكثر من أربعة آلاف عام فلن يضيرهم أن نتأخر أياماً.
    قامت التظاهرات في ميدان التحرير في شهر يناير كانون أول 1011 ، وسلم الرئيس مبارك المجلس العسكري زمام الحكم، وأمام الضغوط الدولية واستخدام الغرب والصهاينة لجميع عملائهم، الذين ربوهم منذ توقيع اتقاقيات كامب ديفيد، وقد ابتدأت الاضطرابات، التي انتهت بتسليم الإخوان المسلمين الحكم، حيث استأثروا بكل شيء، وانتخب مرسي رئيساً للجمهورية بفارق بسيط مع أحمد شفيق احد أصدقاء مبارك، مارس مرسي وقيادة الإخوان دكتاتورية الحزب الواحد، وعلى الرغم من معرفتهم بأنهم جاؤوا إلى الحكم بمرحلة استثنائية إلا أنهم أرادوا بسط سلطتهم على كل مصر واستبدال الجهاز الإداري كله بعناصر من جماعتهم، فأدرك الشعب المصري أن ما يخطط له سيدمر مصر فخرج في يونيو وملأ الشوارع، وبعد صدامات مع الإخوان قام وزير الدفاع المصري بانقلاب على الإخوان، واستلم السيسي والجيش زمام الأمور.
    لم يتدخل سيد في الوضع السياسي، ولم تكن الحركة الجماهيرية الجديدة إلا تعبيراً عن الرفض للنظام السابق منذ السادات الذي تنازل عن الكرامة القومية بما يشبه التسليم للعدو الصهيوني المجرم.
    لم يحدث في التاريخ العربي أن غيرت الجماهير الأنظمة، وإن إرادة التغيير بحاجة إلى معطيات لا يملكها العرب الآن، فالتغيير بحاجة إلى وضوح، وإلى تنظيم، وإلى وحدة الرؤى، وكلها مفتقدة في المجتمع العربي الذي يسوده التخلف والتبعية، ما زالت تتكاثر القواعد الأجنبية فوق التراب العربي، وهذا يشير إلى أن الأمر بيد الأجنبي وأن ما حدث في تونس لم يكن إلا تجربة لما يحدث الآن في الدول العربية الجمهورية ذات الأنظمة الديكتاتورية, وكلها كذلك، وقد سبقه احتلال العراق، بالكذب والتزوير، وحرب الإعلام، وتحول الإعلام في عصر البرمجة وثورة الاتصالات إلى قنابل هيدوجينية مدمرة.
    كان سيد وإيناس يراقبان من نجع الشيخ، ولم يحاولا أن يفهما شيئاً عما يجري، أكيد أن الصهاينة وراء هذه المواضيع، وأنه من تخطيطاتهم اللئيمة لإغراق العرب في بحار الدم، تحت غطاء استخدم دائماً في كل العصور السالفة، وهو غطاء الدين.
    تأثرت بالفوضى أمور المزرعة، وقد تبع الفوضى غلاء الأسعار، وكانت الأموال المودعة بالدولار، فلم تؤثر الاضطرابات عليهما كما أثرت على باقي المستثمرين، ومع ذلك فإن كساداً خفيفاً أدى إلى التسويق خارج البلدة، فاحتاج إلى آليات لنقل المنتجات وإيصالها إلى المستهلك، وهذا أيضاً أدى إلى بعض الخسائر.
    أصبح الذهاب إلى جبل الطور في سيناء مؤجلاً بسبب التفاقم الأمني في سيناء، ولكن الفكرة باقية، وتزداد مع كل زيارة إلى المعابد المصرية، وأصبح حور ونانا يمشيان إلى جانبها في المواقع، وفي أحدهما كشفا لهما عن أماكن ما زالت مغلقة ومجهولة، فتخاطب سالم مع الدكتور سعيد، الذي كان يهرع إلى المواقع ليكتشف أثراً مهما لم يعرف من قبل.
    قال الدكتور سعيد:
    - لا بد لكما من كشف سر جبل الطور، وإذا لم تكونا موجودين فإن السر سيبقى مغلقاً، هناك روح جبارة تتابعكما.
    - أو تعتقد أنت دكتور سعيد بمثل هذه الألغاز؟.
    - نعم فإن ما تم اكتشافه من ملكات الروح الإنسانية ما زال في بداياته، إن النفس الكلية مرتبطة في الوجود بألغاز وأحاجي ما زالت مجهولة.

  2. #22
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    2

    تزوج ابو القاسم أحمد بن رضا القيرواني من السيدة فاطمة ابنة إسماعيل بن القائم بن عبيد الله المهدي، وكانت امرأة فاضلة قوية الشخصية على جانب من الجمال والشرف والأخلاق الحميدة، وقد اغتبط بهذا الزواج سالم ومحمد وابنتاه مصر وشام، وبسرعة تأقلم البيت مع السيدة ومع الوضع الجديد، وكانت تبدي الاهتمام بالابنتين وزوجيهما وكأنها أم حقيقية، ونشرت جواً من السعادة والألفة في المنزل.

    وضعت الفتاتان مصر وشام مولوديهما، مصر وضعت طفلاً ذكراً أسمته أحمداً على اسم جده القيرواني، وشام وضعت مولودة أنثى أسمتها فاطمة على اسم ابنة الخلفة الفاطمي، زوجة القيرواني.
    سر القيرواني كما سرت فاطمة بهذا الاختيار، وأحست ابنة إسماعيل بن القائم بن ابنة المهدي بالأمومة لأول مرة، فألقت بهجة على الأسرة، وجاء أبوها إسماعيل بن القائم بن المهدي للتهنئة، حاملاً هدايا قيمة للطفلين وأميهما، وكان مركز القيرواني مرموقاً في تونس كلها، ولم يكن يتدخل في السياسة.
    عاصر القيرواني أفول دولة الأغالبة التميمية، فلا يمتدح أو يعارض الخليفة العبيدي، فهو لا يقيم السياسيين الذي كانوا ينتمون إلى عالم غير عالمه.
    كبر الطفلان قليلاً، فأصبحا يزحفان ويدبان على الأرض يناغيان ويضحكان، ومعهما تضحك العائلة كلها سعيدة بهما.
    قال سالم لمصر:
    - سأسافر إلى طبرية وأتدبر بثروتي هناك، وأنظر في أحوال أصحاب أبي وأعود.
    - وماذا عن محمد؟.
    - سيسافر بعد عودتي ليتفقد أملاكه ، وينظر في أحوال أصدقاء أبيه.
    - يبدو أن السفر مقرر مسبقاً، وأنا لا أريد أن تغيب عني طرفة عين، وأصبحنا الآن أسرة، ولديك هنا ما يغنيك عن هناك.
    - يا مصر إنه مرباي، وكل جزء منه يعني لي قيمة كبرى في نفسي، وهناك ما يتعلق بالشرف والوفاء، فقد ربيت بينهم وكان فيهم من هو بمثابة الأخ لوالدي، وقد حدثت والدك بهذا وأعطاني أذناً بالغياب لفترة محدودة، كما أن تجارتي بحاجة إلى أن أكشف على منابعها.
    - يبدو أنه لا مفر من ذهابك، أما أنا فسأعد الساعات والأيام حتى تعود.
    - سأشتاق إليك وإلى ابنك وإلى الأسرة، وسأعود بعون الله على عجل.
    ركب سالم جواده الأشقر إلى سوسة حيث كان عبادة بانتظاره، وأصعد الجواد على ظهر السفينة، ومعه أعلافه وماء الشرب، ثم انطلقا باتجاه صيدا.
    في الخريف يكون البحر رهواً والرياح خفيفة، وقد انطلق من سوسة مطلع شهر أيلول سبتمبر، فوصلا إلى صيدا بعد ثلاثة أيام ونيف، وكان جميع الملاحين والعمال على ظهر السفينة من صيدا،
    كانت صيدا في تلك الأيام أشهر من صور التي اكتسبت الكثير من أمجاد الفينيقيين، وبسبب من تطور الحياة واختلاف بنية المجتمع، وبسبب من طريق حمص بعلبك صيدا، ودمشق زحلة صيدا، فقد أصبحت عاصمة مهمة للعباسيين، وولي عليها وعلى طبرية بدر بن عمار صاحب والد سالم، الذي رافقه في كل حروبه.
    نزل في صيداً ضيفاً على أسرة عباده ابن خالته، وكانت أسرة متوسطة الحال، مؤلفة من الأبوين وأربعة أطفال ذكرين وفتاتين. وقد تلقته العائلة بالترحيب والفرح، وسر سالم بأنسبائه الذين عاملوه باللطافة والحب. وقد اجتمعت الأسرة حوله وسألته عن قصة ذهابه إلى تونس، فقضى السهرة يحدثهم بالتفصيل الممل كيف ساقه قدره إليها، وعن رفيقه محمد بل هو أخوه، وعن القيرواني، وعن زواجهما بابنتيه، ثم زواجه هو بابنة الخليفة العبيدي. وعن تجارته وتعرفه على عبادة ومجيئه إلى صيدا، وقد استهلكت القصة السهرة كلها ونام بعض الأطفال على جرس الحكاية.
    اتفق سالم مع عبادة على أن يذهب عبادة إلى إنطاكية ويشتري حمولته منها، وأن يتسوق الأقمشة من بيروت ويضيف عليها الجوخ الشامي الشهير، لزوم ثياب الشتاء القادم.
    أما هو فسيذهب إلى طبرية لمدة أسبوع، يعود بعدها إلى صيدا فيرجعان إلى سوسة.
    طبرية قريبة من صيدا على مسيرة يوم على ظهر الجواد، استقبله أصدقاء والده بحفاوة، ورووا له عن مرض والده الفجائي وكيف توفي بعد وعكته بساعات، ثم تبعته والدته بعد شهر، وبدون مقدمات ولا شكاية.
    ووجد أن وكيله في طبرية الشيخ محمود الطبراني تولى شؤون الأرض والتجارة، وقال الشيخ محمود أنه يحتفظ له بمبلغ مهم يعتبر ثروة في طبرية، فشكر سالم له أمانته وطلب إليه أن يقتطع زكاة المال ويوزعها على المحتاجين.
    مكث سالم في طبرية أسبوعاً عاد بعدها إلى صيدا، فوجد عبادة قد عاد محملاً ببضاعة جديدة صادف وصولها من الهند. وزع على أطفال عبادة الهدايا والدنانير الذهبية، ثم صعدا إلى السفينة ونشرت الأشرعة عائدين إلى سوسة.
    وصلت السفينة إلى سوسة بعد ثلاثة أيام، فاستأجر قافلة حملت بضائعه ورافقها إلى القيروان فوصلها مساء، وفرغ الحمولة في المستودعات وعاد إلى منزل القيرواني حيث فاجأ الجميع بوصوله، وكانت الفرحة كبيرة، وقد حمل معه من طبرية ومن صيدا هدايا قيمة من الحلى والثياب والعباءات المذهبة، وحاجات الزينة، وحمل للقيرواني ثيابا من الجوخ الشامي الشهير تتضمن القنابيز والسراويل والمعاطف والعباءات والعمائم والطرابيش الشامية.
    عرف الطفل والده فحمله فضحك الطفل سعيداً بوالده، كما أن مصر طارت فرحاً وبدا عليها ما يشبه العرس. كما أن فاطمة بدت في غاية الشوق والاهتمام، أما القيرواني فكانت دموعه تعبر عن مقدار فرحه بعودة ابنه البار.
    جاء دور محمد بالذهاب إلى دمشق لتفقد أملاكه وأصدقاء أبيه، وسيتبع نفس الطريق فينزل في صيدا، ومنها إلى دمشق، مروراً ببانياس الشام فسعسع فداريا، وهي مسيرة يومين.
    وقد كانت شام في نهاية القلق لهذه الرحلة، ولكن القيرواني شجعها بقوله:
    - إذا ذهب فقد يطول أمامه الوقت ليعود مرة أخرى، أما إذا لم يذهب فإنه سيظل مسافراً ولو كان بيننا.
    كانت شام تعرف ذلك إنما خافت عليه من وعورة الطريق، ومما يمكن أن يلاقيه في هذا السفر الطويل، وكانت تعرف أنه لن يرضى أن يعيش عالة على أحد، وإن كان مقرباً إليه كالقيرواني.
    ودعت شام محمداً بالدموع، ونظرت إليه وهو يحمل فاطمة، وعيناه مغرورقتان بالدموع، أما القيرواني وسالم فقد أظهرا له الجلادة وقال سالم: سأرافقك إلى سوسة، وأودعك على ظهر السفينة.
    - لن تفعل.
    - لماذا؟.
    - أنا كنت سأرافقك وأحجمت لكي أشعرك بالثقة بالسفر.
    - كما تريد.
    - على بركة الله قال القيرواني متأسياً، في حين كانت فاطمة تبكي، وأعطت محمداً سلسالاً به فيروزة زرقاء قالت:
    - هذه من جدتي زينب، وأنت في حرز حتى تعود.
    سافر محمد وحيداً إلا من أرواح تحبه وتكاد ترافقه، ووصل إلى سوسة ليجد عبادة في انتظاره فأقلعت السفينة لدى وصوله.
    كانت تجارة سالم ومحمد في القيروان قد اشتهرت إلى درجة أن أفضل زبائنه كان الخليفة إسماعيل بن القائم بن المهدي، وقصر الخليفة يضم حاشية كبيرة تحتاج وحدها إلى مخازن، وكان إسماعيل بن القائم بن المهدي يدفع بالذهب، بينما كان أغلب الناس يدفعون بالدينار.
    عاد محمد بعد غياب أربعين يوماً، عاد مستبشراً سعيداً وحينما سلم على القيرواني قال له:
    - كم اشتقت إليكم ، لم أنعم بالنوم كالعادة ، وكانت صوركم لا تبارح ذهني حتى تخوفت من أن لا أعود.
    - وكيف أصدقاء والدك؟
    - هم بخير وكانت المواسم جيدة والتجارة كذلك، وقد وليت أحد الأصدقاء أمرها، وحملت معي مبلغاً محترماً من المال.
    قال سالم لمحمد:
    - عندما ينتهي الشتاء سأذهب في رحلة فكرت فيها كثيراً.
    - إلى أين ؟.
    - إلى ساحل أفريقيا الغربي.
    - لم أسمع بأن أحداً قد ذهب إلى هناك.
    - لا بد أن أحداً قد سبقنا، فالعرب تجار.
    - نحن الآن أرباب عائلات ووراءنا تجارة، فكيف العمل؟.
    - تبقى أنت وأسافر أنا.
    - وكيف أتركك تمضي في رحلة إلى مناطق مجهولة، وعبر بحر الظلمات.
    - هناك ما يدفعني لذلك، إحساس مبهم، وهاجس ملِّحٌّ.
    دخل الصديقان على القيرواني، وأعلمه محمد بنية سالم، فضحك القيرواني قائلاً:
    - فليذهب حيث يأمره حدسه، فإن حدسه لا يخيب.
    - ظننتك ستعينني عليه.
    - فليذهب بحفظ الله.
    وفي منتصف شهر أيار جاءت قافلة محملة بالحرير، أرسلها عبادة وكتب رسالة أوضح فيها أنها واصلة لتوها من الهند وهو حرير كشميري غال وأسعاره أغلى من الإيراني. وقال إنه ينتظر سالماً للرحلة في محيط الظلمات.
    سر سالم أيما سرور، وجهز القافلة بما ارتآه من البضائع، وأغلبها من حرائر دمشق وكانت وقتها متوسطة الجودة. ثم سافر معها إلى سوسة.
    قال له عبادة فور وصوله:
    - لقد جهزت السفينة بلوازم السفر، وقمت بعمرة السفينة وطلائها، وأظن أنا سنساحل بها، ولا أخاف عليها إلا الأمواج العالية والجزر البركانية، وسنتوكل على الله صباحاً.
    - وماذا عن طاقم السفينة؟.
    - إنهم من أشداء البحارة الصيداويين.
    - على بركة الله.
    في اليوم التالي أقلعت السفينة، وبقيت يومين حتى وصلت إلى جبل طارق وفي اليوم التالي كانت تشق عباب المحيط الأطلسي، ثم ساحلت جنوباً مقابل الشواطئ المغربية فالصحراوية فالموريتانية، ثم جنوباً، لم يكتب أحد عن هذه المناطق قبلاً، وقد حمل سالم معه دفاتر من جلد الماعز والغزال، مقصوصاً على شكل كراريس مربوط في طرفه بخيوط من جلد البقر قوية ومتينة، وحمل معه حبراً وأقلاماً من القصب، كتب في أول صفحة:
    - أنا سالم بن سليمان الطبراني صاحب بدر بن عمار، دخلت بحر الظلمات من مضيق جبل طارق واتجهت جنوباً حتى جاوزت بلاد العرب إلى بلاد الزنج، وكان اليوم غرة ربيع الأول لعام 338 هـ وأريد أن أصل إلى أقاصي الجنوب.
    بحر الظلمات واسع ومخيف، ظلت السفينة تتجه جنوباً قريبة من الساحل نسبياً، بحيث يظهر الساحل واضحاً، كان الربان يبتعد قليلاً بالسفينة ليلاً خوفاً من الصخور البركانية، ويقترب نهاراً، وقد لاحظ سالم في الشاطئ وجود ضوء ولعله نار فقال لعبادة ، دعنا نقترب من اليابسة، وكلما اقترب زاد ضوء النار حتى وصلت السفينة إلى قرب الشاطئ فلمح النار تشع من جبل قريب، فاقترب أكثر فوجد مرفأ طبيعياً صغيراً، فانتظر إلى الصباح، كان المرفأ خالياً من الزوارق، فدخلته السفينة ورست على طرفه الجنوبي، ونزل سالم وعبادة إلى اليابسة، وبقي البحارة على ظهر السفينة.
    كان الشاطئ رملياً واسعاً، يمتد إلى عشرات الأمتار وبعده كانت غابات متراصة من الأشجار الاستوائية، وكانت أشجار جوز الهند والجميز ترتفع فوق شجيرات الموز، وهناك بعض القرود والنسانيس تقفز فوق الأشجار وتعربد في كل مكان منها.
    نظر سالم في هذا الرمل فوجده متوهجاً، وتنعكس أشعة الشمس على بلورات مختلفة الحجوم فيها، فابتدأ سالم وعبادة بجمعها، ولكن كمياتها كانت كبيرة جداً، فعاد عبادة إلى السفينة وأحضر أكياساً فارغة، ولم يمض النهار حتى ملآها من هذه البلورات، ونقلاها إلى السفينة، ثم أبحراً ليلاً باتجاه الشمال، وقفلا عائدين إلى سوسة.
    - لا أعرف قيمة هذه البلورات يا عبادة، سننقلها إلى القيروان، وبعدها سيراها القيرواني فلعلها من الزجاج، وأنا أشك أنها من الأحجار الكريمة، فإذا كانت كذلك فإننا سنبني سفينة أكبر بكثير.
    - وهو كذلك وسأبحر أنا عائداً إلى صيدا.
    عاد سالم مع القافلة المحملة بالأكياس إلى القيروان، وأدخلها المستودعات وحمل في كيسه بعضاً منها، ثم توجه إلى المنزل فاستقبله الأهل بأفضل ما يكون من الاستقبال، وعرض الأحجار على القيرواني الذي دهش تماماً، وأحضر قطعة زجاجية ثم استخدم إحدى البلورات فقطعت الزجاج، وقال القيرواني:
    - كم اصطحبت معك من هذه البلورة ؟.
    - كثير.
    - هذا ماس خام وهنا يهودي يقوم بصقله وتحويله إلى جواهر.
    - وهل تأتمنه ؟.
    - أنا تاجر مجوهرات، وسآخذ واحدة فقط ليصقلها.
    ذهب القيرواني إلى دكان اليهودي، وأعطاه البلورة ليصقلها، وبعد أن قام بمعاينتها وتجريبها، قال:
    - هذا ماس جيد، وإذا صقلتها تكون أجرتي ما يزيد عن الجوهرة أثناء الصقل.
    قال له القيرواني
    - ماذا عن الزمن؟.
    - بعد غد تأتي وتأخذها عصراً.
    - اتفقنا.
    عاد القيرواني ليخبر سالم، فقال سالم:
    - سيدي إن ما يجري غير معقول، ولا منطقي، إننا نحمل الآلاف من هذه البلورات.
    - إنها من أفضل أنواع الجواهر، فهل نتلفها؟.
    - والله كما ترى يا سيدي، أما أنا فسأنجح في هذا الاختبار وسيكون ثمنها كله لإنفاقه للفقراء والمحتاجين وتحسين أحوالهم.
    - لن تكتمل التجربة إلا بثلاث. في المرة القادمة سأكون أنا رفيقك.
    - على الرحب والسعة، ولكننا سنبني سفينة أكبر بكثير وأقوى، ونزودها بأشرعة أصلب.
    - فلنفعل ذلك.
    ذهب سالم إلى سوسة فوجد أن عبادة قد عاد إلى صيدا، فعاد إلى القيروان، وبعد يومين ذهب القيرواني وأحضر الماسة ملفوفة بقطعة طرية من الجلد، وحين دخل المنزل فالبهو وكشف عن الماسة أضاء نورها البهو كله، وكأن به مائة قنديل، وهرعت النسوة إلى البهو ظناً منهن أنه يحترق، فلما نظرن إلى الماسة دهشن وقالت فاطمة ابنة إسماعيل بن القائم بن المهدي، سبحان الله ما هذه الجوهرة؟.
    - هي لأحد الأصدقاء يريد بيعها.
    - أنا أشتريها.
    - يجب أن نعرف سعرها الحقيقي قبل أن نتصرف بها ونقول لصاحبها ونتفق معه فلا يغلو عليك شيء يا فاطمة.
    - بل سأشتريها لوالدي الخليفلة يزين بها عمامته.
    - وهي لا تغلو على إسماعيل بن القائم بن المهدي وإذا اتفقنا مع صاحبها اشتريناها وأهديناها للمهدي.

  3. #23
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    3

    استقر وضع مصر برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي لاقى شبه إجماع بانتخابه رئيساً، ولكن الوضع في سيناء يتدهور، والأرض بين الجيش المصري والإرهابيين في كر وفر، أما في العراق وسوريا فبحار من الدماء، وأصبحت السيارات المفخخة رائد الإرهابيين في قتالهم مع الجيوش، يرسلونها إلى المدن فيفجرونها في المواطنين الآمنين الأبرياء الذين يتسوقون، أو الذين يتدفقون على محطات النقل بغية السفر، أو الانتقال ضمن البلدان، فيفجرونهم بدون وازع أو ضمير.

    كان الجيش المصري يقاتل في سيناء، وظل هؤلاء المجرمون يختبؤون نهاراً، ويسرحون ليلاً ليزرعوا جوانب الطرقات عبوات ناسفة يفجرونها عن بعد، أو تنفجر فور اقتراب أحد منها، وكانوا يتخذون من المواطنين دروعاً بشرية تمنع القاذفات من ضربهم خشية على السكان، ويقتلون معارضيهم من المدنيين ويذبحونهم في ساحات المدن، ولم تعرف الأمة العربية بتاريخها الطويل ما يشبه هؤلاء المجرمين الذين لا يجيدون إلا سفك الدماء، فقد بليت الأمة مرات كثيرة بمهاجمين، كان المغول مثلاً يمرون أياماً ويذهبون، أما هؤلاء فسبع سنوات من الذبح والتحريق والقتل والاغتصاب، إنه لشيء كثير.
    لقد عانى شعب مصر ما يكفيه من الإخوان ومشتقاتهم، وكان سيد وإيناس بحاجة للذهاب إلى سيناء لإنهاء المسألة في جبل الطور، لأنهما خشيا من انتقال الملكين للحياة معهما في المنزل.
    قالت إيناس:
    - لنتوكل على الله، ونذهب إلى سيناء فالمناطق القريبة من القناة أقل خطراً.
    - قال سيد: يجب دراسة الموضوع وتأمين متطلباته ومنها جرافة أو ما شابه وعمال.
    يبدو أن الرئيس جمال عبد الناصر جاء على تاريخ مصر وتاريخ العرب كوقت مستقطع، فبعد وفاته جاء السادات، وبكل العقوق ونكران الجميل سار بعكس جمال عبد الناصر، وبدلاً من اللاءات الثلاث وقع اتفاقيات الصلح المنفرد في كامب ديفيد، وعاش حياته كأنه الملك فاروق، وسلم قيادة الأمة للسعودية التي أكبر همها أن تمنع وحدة العرب وتقدمهم، وحالف الإخوان وأطلق مجرميهم من السجون، وابتدأ بخصخصة القطاع العام، فقتله طمعه وانحرافه، واغتاله حلفاؤه من الإخوان، وخلفه مبارك رجل بلا ثقافة ولا رؤى، فتابع السادات بكل خطاياه، وظهرت طبقة الفاسدين لتستولي شيئاً فشيئاً على السلطة، وابتدأت جمهورية المنافع.
    خلال الفترة بين 1973و 2010 تم سحق الطبقات الكادحة، وهي عامة شعب مصر، وابتدأ تطبيق المخطط المجرم لتدمير المجتمعات العربية بما سموه الربيع العربي، وهو مؤامرة صهيونية إمبريالية رجعية، هدفها تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، وشق المجتمعات المتآلفة والمتحابة منذ بدايات التاريخ، فأيقظوا الشعوبية والطائفية والمذهبية، وأدخلوا الإرهابيين من مختلف أنحاء المعمورة لتدمير المجتمعات، بعد أن أوصلوا لهم السلاح، وأقاموا لهم معسكرات التدريب تحت اسم معارضين.
    كانت تونس عينة من عينات المؤامرة جربوا بها ربيعهم المجرم، وسحبوا التجربة على ليبيا فدمروها تماماً، واستشهد رئيسها القذافي الذي كان عوناً للشعب الفقير المظلوم، فقتلوه بوحشية حيوانية وبدون سبب، وما زالوا يتقاتلون، وما زال نفط ليبيا يسرق لم تمتد له يد.
    وبعد ذلك اكتملت المؤامرة بمصر، فأوصلوا الإخوان إلى الحكم، وهم التنظيم الذي فرخ جميع التنظيمات الإرهابية في الأمة.
    وانتقلوا إلى سوريا التي صمدت وما زالت تقاتل فلول الإرهابيين وتقتلهم.
    كتبت هذه الحوادث في هذه الرواية لأنها جزء من سياقها التاريخي والاجتماعي، ولم أدخل في ذكر تفصيلي للحرب على اليمن التي تشنها محميات الخليج نيابة عن الصهيونية والغرب الطامع، لأنها لا تقع في سياق الرواية.
    على كل حال فقد وجد سيد أنه لا بد من إعداد خطة، وتأمين احتياجاتها للتوصل إلى جلاء هذا الموضوع، والكشف عن مدفن الملكين المغدورين.
    سأل سيد الدكتور سعيد عن جهة تقوم بهذا العمل، فأفاده أنه سيتصل به، وقال له:
    - سأحصل لك على رخصة تنقيب أولاً ثم نتحادث، وسأرافقك للموقع فإنني على ثقة من وجود سر لا نعرفه.
    - أكون لك من الشاكرين.
    أخبر سيد إيناساً بالحديث الذي أجراه مع الدكتور سعيد فقالت:
    - وأنا سأرافقكما لأنني أخشى أن لا يتم حل اللغز إذا لم أكن موجودة. فهناك ما يشير إلى ذلك.
    تنظمت أمور المزارع والمداجن، وأصبحت تسير كالساعة وذلك بحسن إدارة المهندس يوسف، وأصبح المشروع رابحاً، وبدأ يسدد نفقات إنشائه، ولقد كانت العائلة في منتهى السعادة والانشراح، حتى كأنها قد استعادت شبابها.
    زار الزوجان وادي الملوك في الأقصر، فظهرت لهما اللوحة في كل مكان، وفي إحدى المرات نزل الملكان وجلسا إلى جانبهما، وصارا يحدثانهما بالهيروغليفية فيترجم سيد لإيناس، وأصبح الملكان يتوددان إليهما ثم قال حور:
    - نظن أنا أخفناكما، ولم نقصد ذلك، فأنتما مختاران للكشف عن مكان دفننا، وإن أخاها الملك منكاو قد لقي جزاءه، وهو موجود في بركان في غرب أفريقيا، يكوى بجمره يوماً من الأسبوع، وإننا سنحرسكما من كل من يحاول أن يؤذيكما، وعندما تكشفان عن مكان الدفن، ستنقلان الرفاة إلى هرم خوفو وفيه مكان مخصص لنا لم يتم اكتشافه، سندلكما عليه، وبعد ذلك ستحسان ببعض الاختلاف في صوركما وطباعكما، وستكون مؤقتة جداً، وبعدها ستشعران بسعادة ما فوقها سعادة، ثم غاب الشبحان وهما يتأبطان ذراع بعضهما.
    كان الحديث في نهاية الغرابة، ولم يشعر سيد أو إيناس بالهلع، بل تسللت إليهما الطمأنينة واستوطنت في فؤادهما، كان الشخصان يبدوان أليفين للغاية، وعيناهما تنطقان بالمحبة والإخلاص، وقد تمنى الزوجان أن يكونا صديقيهما أو أكثر من ذلك.
    لا يجب أن يناقش هذا الذي يجري، فهو لا يخضع لأي قانون عقلي أو رؤى روحية، وقد بدا كأنه حلم، ابتدأ كابوساً وفي طريقه إلى النهاية لا يخلو من سعادة ومتعة.
    حين عادا إلى البيت رجعا مستبشرين ضاحكين فسألهما الجد عن السبب، فحدثاه بما شاهداه وسمعاه، فقال:
    - الزما الحذر يا ولدي، ولا ترويا ما رأيتماه لأحد، وهو بعون الله طريق خير.
    حاول يوسف أن تظل مستودعات الشركة مليئة، فالأيام قد تخبئ لمصر أحوالاً ضيقة تؤدي إلى تدهور العملة، وفعلاً فقد ابتدأ النقد يفقد بعض قيمته، وكان قسم مهم من الأعلاف يزرع في الأرض، وقد أضيف له نوى التمور المطحون فوجد يوسف أنه مجد، ويجعل الأبقار تحس بالشبع، أما المدجنة فأعلافها مشتراة من معامل الدولة، ووسع يوسف صناعة أعلاف الأبقار، وصار يصدر الكسبا خارج المزرعة بما يدعم اقتصاد المزارع.
    لقد ابتدأ سيد يتفرغ للرسم، يساعده جو بديع وغنى في المواضيع الأثرية والطبيعية، وكان في بعض الأوقات ينزل اللوحة إلى الأراضي وينصبها على حاملها أمام منظر جميل، وفي الأماكن الأثرية كان يستعين بالكاميرا، فيصور الأثر من جهات مختلفة، ثم يدخله في لوحاته، كان اعتماده على الألوان الزيتية في أغلب الأحيان، ويستخدم القلم الرصاص في بعضها، وقد يلجأ إلى الحبر الصيني الأسود في بعض الحالات.
    الزمن يمر، ونعيم يكبر، أصبح يلهي البيت كله، فكلماته القليلة وإشاراته المحببة جعلت منه محور البيت، وكان الجد يجبره على السهر ليتمتع برفقته، وكان يغني له ويخاطبه بلغة يفهمها الأطفال، نصفها إشارة، وكان الطفل يحب جده حباً جما.
    وضع إيناس الصحي يثير بعض القلق، ولدى مراجعة الطيب أخبرها بأنها حامل بطفلها الثاني، ففرحت وعادت إلى المنزل، فلم تستطع أن تكتم سعادتها فأفضت إلى أم سيد والعجوزين بسرها، فعمت الفرحة البيت.
    عندما عاد سيد إلى المنزل وجد هرجاً ومرجاً، وحين أخبرته أمه بحث عن إيناس فوجدها مستلقية في سريرها، فتعانقا بحب ووداد وحاول أن يبث الطمأنينة والسكينة في فؤادها المفعم بالحب والعطاء.
    سأل سيد وإيناس عن رحلات طائرات مصر للطيران من الأقصر إلى شرم الشيخ ذهاباً وإياباً، وكانا قد اتفقا على رحلة استطلاعية يحددان فيها مكان الحفر إذا تعرفا عليه، وحدثا الدكتور سعيد عن نيتهما، فأشار عليهما باستئجار دليل من شرم الشيخ وأن يلبسا ثياباً وأحذية متماسكة لوعورة المنطقة، واستوضحا عن مواعيد العودة فعلما أنهما يستطيعان العودة في نفس اليوم لكثرة شركات الطيران التي تعمل على الخط. لم يكن الشابان يملكان الأحذية والثياب المطلوبة، فقررا أن يتسوقا حاجتهما من الأقصر. وسألا الجدين عن حاجتهما وحاجة المنزل، فقالت أم سيد:
    - لقد استهلكنا تموين البيت فأحضرا معكما من كل شيء.
    - أمرك يا أم سيد.
    - أمرنا جميعاً لله..
    في الأقصر حجز الزوجان على متن شركة مصر للطيران، لرحلة الثلاثاء بعد عشرة أيام، واشتريا لوازمهما من الأحذية والثياب، وتموين المنزل ثم عادا إلى بيتهما في الأقصر.
    قالت إيناس:
    - تعرف يا سيد لقد اشتقت إلى مَنْ ؟.
    - لا أعرف .
    - لقد اشتقت إلى نانا.
    - حقاً يا أم نعيم؟.
    - والله لقد أنست لها كثيراً، وما زلت أحلم بلقائها.
    - أظن الموضوع سهل، فلنذهب إلى معبد حورس في أدفو فسنجدهما. ولكن أليس من الواجب أن نزور بغداد، وتراك والدتك مع نعيم وبقية أهلك، فأنا أحس بالتقصير.
    - هذا أمر يمكن تأجيله حالياً فعسى أن يوجد حل ما في العراق.
    في صباح اليوم التالي توجها إلى أدفو، وهناك شاهدا الملكين يتنزهان خارج المعبد، فالتحقا بهما، وقد فرح الملكان بلقائهما وحدثهما حور بالآرامية هذه المرة فكانت إيناس تترجم، واستفهم الملك عن التوقيت الحالي، فشرحت له إيناس بتؤدة وعلى مهل، وقالت له بأنه مضى على حادثتهما أكثر من أربعة آلاف من السنين الشمسية، وأفهمته ما يحتاجه الحديث عن طول السنة الشمسية، فقد كانت الشعوب السامية تعمل بالتقويم القمري، فسألها هل هذه السنين بعد الطوفان أم بعد ماذا؟.
    - حالياً نحن نؤرخ بتاريخين، الهجري بعد هجرة نبي المسلمين من مكة إلى المدينة، والثاني ميلادي يبدأ بولادة النبي عيسى بن مريم.
    قال حور:
    كنا نؤرخ في دمشق بعد الطوفان، فمثلاً في العام الذي دفننا فيه منكاو كان التاريخ ألفان وسبعمائة وأربع وثلاثون بعد الطوفان.
    - أنتما الآن لا تأكلان ولا تشربان؟.
    - لا، نحن روحان نظهر بهذه الأشباح لكما فقط، حتى يكشف عن جثماننا، وعندها يكون للإله شأن آخر معنا لا نعلمه.
    كانت نانا تتحدث مع إيناس، وتضحك إيناس ويظهر الفرح على وجهيهما، وكانت نانا أيضاً سعيدة، ثم نظرت إلي وقالت:
    - ما رأيك بصديقك يا سيد؟.
    - أنا أحبه، حقاً أحبه.
    - فكيف أنا؟. إنك كلما عاشرته ازداد حبك له، هو رجل وسيم وصادق ومحب.
    - لقد تفهمت ذلك؟. سنسافر إلى جبل الطور ونكشف عن مكان الدفن، قبل إحضار العدد اللازمة لذلك، ونريد أن تذكرانا المكان، فربما نكون قد نسينا شيئا؟.
    - انظرا أمامكما .
    - لحظة واحدة حتى أرسم.
    - خذ وقتك .
    أخذ سيد ورقة وقلماً، ثم ابتدأت المناظر تنداح أمامه، ابتداء من شرم الشيخ صعوداً حتى كنيسة القديسة كاترين. ثم اتجه شمالاً حوالي خمسمائة متر، إلى تل قريب ووعر، ثم بدا في الموقع قطع صخري عال، وفي أسفل ذاك القطع، مكان واضح ردم أمامه بفوضى، أتربة وحجارة كبيرة، وبدا لا يوجد أمام الجرف إلا هذا الردم الواضح.
    - بقي لدي سؤال واحد، لماذا تحدثتما في المرة الأولى بالهيروغليفية؟.
    - ظننا أنكما مصريان أنتما الاثنان. وبما أنك أنت مصري وإيناس من بين النهرين تحدثنا بلغتيكما.
    - هل سنراكما هناك.
    - إذا احتجتمانا.
    - وبعد أن نكشف المدفن، تتركانا وتغيبان عنا .
    - سنتركها مفاجأة لكما.
    - أنتما تعرفان أننا أحبيناكما وألفناكما، ولا نريد أن نفقدكما.
    - لن تفقدانا أبداً. وقد كنا دائماً معكما.
    عاد سيد وإيناس سعيدين فرحين. وحين وصلا إلى منزلهما في نجع الشيخ،، وحدث سيد جده، الذي بدا سعيداً هو الآخر، وقال:
    - يا بني إن هذا الذي تسيران إليه موضوع خير، ولن ينالكما منه إلا الثواب. فتوكلا على الله، فقد حببتماني بهاذين الشخصين.
    مرت الأيام بطيئة حتى جاء موعد السفر، فسافرا صباحاً إلى شرم الشيخ، المسافة بين الأقصر وشرم الشيخ جواً بالطائرة أربعون دقيقة، فوصلا إلى شرم الشيخ فاستأجرا سيارة وقادها سيد إلى كنيسة القديسة كاترين، ومنها مشياً على الأقدام إلى الموقع الذي حدده الملكان لهما، فوجداً أنهما بحاجة إلى جرافة كبيرة لفتح طريق من أمام الكنيسة إلى موقع المدفن، اقتربا من الجرف الشخصي فوجداه كما وصفه الملكان، وقد ظهر لهما حور ونانا لبرهة وأشارا إلى الردم، وقالا: هذا هو المدفن. فعادا أدراجهما إلى شرم الشيخ، وقد وجدا أن حور ونانا صعدا السيارة معهما، فسعدا بهما، ورغم أن المسافة تحتاج إلى ساعة من القيادة إلا أن سيد وإيناس تمنيا أن يطول بهما المسير، فقاد السيارة مستمهلاً، قال حور:
    - ما تسمون هذه العربة؟.
    - نسميها سيارة.
    - وتلك التي تطير ؟.
    - نسميها طائرة.
    - أنتم لا تضيعون وقتكم إنكم تتطورون بسرعة.
    - سأسألك سؤالاً لا أعرف إذا كنت ستجيبني عليه؟.
    - ما هو؟.
    - لماذا تريدان نقل رفاتكما إلى أبي سنبل؟.
    - بالنسبة لي أريد لنانا أن تخلد كملوك مصر، وليست بأقلهم استحقاقاً، وأتمنى أن أدفن إلى جانبها حيثما دفنت.
    - وما الفرق؟.
    - أحبتني نانا، وضحت بحياتها في سبيل حبنا، ووجب علي أن أقدم لها عربون وفائي، ومنذ كنا حبيبين هان الملك علي، إن عرش القلوب أهم بكثير من عرش الملك.
    نظرت نانا إلى حور بهيام وشغف ثم قالت:
    - انظر إلي يا حور.
    - لماذا؟.
    - أريد أن أثمل من عينيك.

  4. #24
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    4

    جاء عبادة من صيدا إلى سوسة، وقدم مع القافلة إلى القيروان، وبعد أن وضع البضاعة في المستودعات استضافه سالم، وعرفه على الأسرة ابتداء بالقيرواني ثم فاطمة وبعدها مصر وشام، وكان عبادة قد أثرى أيضاً، بما أعطاه سالم من الجواهر وأجرة نقل البضاعة، قال عبادة:
    - كم يسعدني أن تنزلوا ضيوفاً علي في صيدا، وسآخذكم إلى مدن ساحل الشام، فهي شبيهة بقرطاج وتونس وسوسة، وسأقلكم عبر مياه المتوسط إلى الضفة الأخرى وفيها بلاد الإفرنج، وفيها غرائب الشعوب والعادات.
    قال القيرواني:
    - أريدك أن تبني سفينة كبيرة قوية، وسأسافر مع سالم إلى حيث كنتما في غرب أفريقيا، فلدي إحساس بأن هناك سر ما.
    إنني أجهز الآن سفينة كبرى أصنعها من أرز لبنان القوي، وستكون كما تطلب. فتعتبر صيدا من أشهر البلدان التي تصنع السفن، ولسفنها ميزتان الأولى قوة الهيكل والصواري، والثانية شكلها الانسيابي إذ أنها تصبح أسرع في شق الماء وعبور المحيط.
    بات عبادة ليلة ضيفاً عند سالم وعاد مع القافلة في اليوم التالي.
    قال القيرواني:
    - إن قريبك يا سالم رجل شجاع.
    - وملاح ممتاز، وأظنه قادراً على أن يبحر شهوراً، ولديه في عنابر السفينة ما يكفيه لمثل هذه الرحلة، كما أن رجاله في السفينة كلهم من صيدا، وهم أشبه بهاني بعل.
    - لقد سررت بذلك، إن رحلتنا القادمة قد تكون خطيرة، فلنحسب حساب كل شيء.
    كبر الولدان أحمد وفاطمة وأخذا يدرجان معاً في أرجاء القصر، تحيط بها الرعاية والمحبة، وخاصة من فاطمة والقيرواني.
    وقد تحدث سالم ذات مرة مع القيرواني:
    - ألا تلاحظ يا سيدي أننا ننصرف شيئاً فشيئاً عما جئنا من أجله، وأن الرغبة في المال والاكتشاف قد حلا مكان التأمل والمجاهدة، وأن مشاعرنا تنحسر شيئاً فشيئاً عن الزهد والتصوف؟.
    - من قال لك إن التصوف زهد؟.
    - وما هو؟.
    - التصوف عزوف عن الحياة.
    - إنك لتدهشني يا سيدي، وما عرفت التصوف إلا زهداً ومعاناة للوصول إلى الفناء.
    - أتعتقد أن الله يريد أن نفنى بعبادته؟.
    - أليس الفناء نهاية الحب.
    - لا حب من طرف واحد.
    - لم أفهم ؟.
    - أما قرأت: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.
    - وما يعني ذلك؟.
    - يعني أن أتباع الرسول هو الشرط لمحبة الله.
    - ألا تعني المجاهدة بالتأمل والانصراف إلى الله صوفية.
    - ألم تقرأ { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ }.
    - قرأت، ولكن ما معنى الجلسة التي جلسناها ذات يوم في بهو الصالة، وحضرناها مع أولئك الدراويش الذين يلبسون الأبيض؟.
    - هؤلاء تلاميذ في المدرسة الصوفية في القيروان، وهم مبتدئون، دعوتهم إلى العشاء، فصلينا ومارسوا رقصتهم على موسيقى الدفوف.
    - وما حكاية الفراسة والمكاشفة والمشاهدة؟.
    - هذه أحوال ومقامات، يبلغها المؤمن بالعبادة.
    - وحكاية الأقطاب؟.
    - ما لهم؟. هؤلاء بشر مختارون منذ ولادتهم، وحينما يأتي يومهم يحسون بتحولات كبيرة، ويكون لهم كرامات.
    - وكيف يعرفون الأمور الغيبية؟.
    _ هذه هي المكاشفة، وعن طريق الصلاة، وأعمال الخير، والتقرب إلى الله.
    - سيدي لعلك حيرتني، فقد كان ذهني على يقين من أنك ستجعلنا نمارس التأمل والمجاهدة، ونصوم عن اللحوم، ونقضي أوقاتنا كلها في الصلاة والتعبد.
    - هذا ما لم يفرضه الله على المسلم.
    - وماذا فرض عليه إذاً؟.
    - فرض عليه الصلوات الخمس، وإذا أراد فالنافلة، وإذا كان لديه وقت فالتطوع بالمستحبات، والحج أنت تعرفه، وكذلك الزكاة بالجزء المقسوم من المال والحلال والمواسم. وصوم رمضان، والجهاد في سبيل الحق.
    - سيدي لقد جئنا لنسألك عن الخلق، وأنت تعرف سؤالنا، وذات مرة قلت: إن الإجابة فيكم، وقد سألتك يومها كيف تكون فينا، فأجبتني بأنه الشك.
    - نعم قلت ذلك.
    - يا بني كان سؤالكما عن بداية الخلق، أليس كذلك.
    - بلى.
    - أي قبل الزمان.
    - كيف يمكن أن يكون قبل ولا زمان.
    - نحتاج دائماً إلى كلمات نستخدمها للتوضيح، إن الله كان ولا زمان ولا مكان.
    - فكيف جاء الزمان والمكان والذات سرمدية ؟.
    - الزمان يا بني نسبة، وبحاجة إلى شيء آخر غير الذات لأنها مطلقة والمطلق لا تقيده نسبة، ولا يدخله الزمان والمكان.
    - وماذا عن العلم والقدرة؟.
    - الذات عالمة وقادرة بذاتها، فلو لم تكن عالمة قادرة لكانت جاهلة وعاجزة، استغفر الله.
    - الذات مطلقة فكيف أوجدت المحدث؟.
    - ألا تعتقد يا بني أن هذا فوق العقل، وأنه لا يجب أن نبحث فيه لقصور أذهاننا؟.
    - أعتقد أنني مسؤول عن معرفة هذا.
    - لماذا؟.
    - لكل سؤال جواب.
    - أتعتقد أن الله كلفك بمثل هذه المستحيلات، وهو القائل: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
    - لقد تعبت وسنؤجل الحديث إلى يوم آخر.
    - كما ترى يا بني.
    حينما وضع سالم رأسه على الوسادة أحس بدوار، فهذا الحديث الذي تبناه القيرواني بدا له غير مقنع، فأن يكون العقل عاجزاً عن تقري معارفاً بهذا المستوى، يعارض قول الله: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }. وقد شرح المفسرون هذه الآية فقالو: يعبدون أي يعرفون وأجمعوا على ذلك.
    على كل حال فإن غداً لناظره قريب، وسيخوض الحوار مع القيرواني لاحقاً لكي يستنير.
    قالت فاطمة: إنَّ والدها إسماعيل بن القائم بن المهدي سيزورها في بيتها هذا المساء، ولقد رأيت القيرواني مسروراً بالزيارة، أما أنا ومحمد فبدونا قلقين، فكما قلت سابقاً إن يد الحكام ثقيلة على المواطن العادي، وقد سألنا القيرواني عما إذا كان يجب أن نتغيب، فقال:
    - لا ولكن لا تحضرا إلَّا بناء على طلبه.
    أقبل إسماعيل بن القائم بن المهدي مساء، وكنا قد دخلنا منازلنا أنا ومحمد وزوجتينا، وقد جاء في موكب متواضع، ولم نلاحظ وجود الكثير من الجند أو الحاشية.
    وبعد وقت قليل طلب إسماعيل بن القائم بن المهدي أن يرانا، فدخلنا عليه بزي حسن، وسلمنا بأدب، فقال إسماعيل بن القائم بن المهدي:
    - لا ينقص صهريك أدب أو هيبة، ولا أعيب عليهما إلا أنهما من الشام.
    - يا سيدي فهمنا قصدك وعرفنا تلميحك، فقد كانت الشام التي تكرهها مغتصبة بأجناد البدو وأجلاف العرب، وهي الآن غير ذلك وفيها من شيعة أمير المؤمنين ما يطمئنك عليها.
    - من أي الشام أنتما؟.
    أجاب محمد:
    - أنا من مدينة دمشق وأخي سالم من مدينة طبريا.
    - حدثاني عن بلاد الشام؟.
    - عن أي حديث يا سيدي؟.
    - عن المعيشة فيها والرزق؟.
    - رزقها على الله، وفيها الماء والغيطان، وفيها الأمطار والجداول.
    - وأهلها؟.
    - أهلها شتى، وأغلبهم عندما تركناها من أهل السنة، لكن الشامي رجل تجارة ومال، وفرح. ولا يتعصب لشيء.
    - وأنت يا سالم حدثني عن طبرية، ولي فيها معارف.
    - يا سيدي طبرية بلد علم وأدب وتاريخ وفن.
    - كأن طبرية حاضرة الشام؟.
    - يا سيدي إن حاضرة الشام والعرب دمشق.
    - لماذا؟.
    - لتنوعها، ففيها لكل طالب طلبه، فإذا كنت من طلاب العلم وجدته، أو الدين حصلته، أو الدنيا حظيت منها بما تحب.
    - صدقت فقد كانت دائماً كذلك، وما أرى في العرب حاضرةً تضاهيها.
    نادى الحاجب وقال له:
    - أكرم هذين الشابين.
    أجاب سالم:
    - يا سيدي لقد أكرمتنا بزيارتك، وإن وجودك في منزل سيدنا القيرواني أكبر إكرام لنا، وستجدنا دائماً في خدمتك.
    - هؤلاء هم أهل الشام يا قيرواني. نعمَّا صهريك، بارك الله لك فيهما.


  5. #25
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    5

    دخلت إيناس شهرها التاسع، وستضع غلامها الثاني بعد ايام،
    وكان العجوزان في نهاية الفرح، خاصة أنهما علما بأن المولود ذكر وسيسميه أبواه منصوراً، وكان الشيخان قد عادا إلى أيامهما الغابرة من النشاط والعمل، أما السيدة أم سيد فقد أعاد لها نعيم رونق الحياة وبهجتها، وتألق وجهها الأبيض الجميل.
    كان لزواج نعيم من لارا أم نعيم قصة أخرى، فقد تعرف عليها أثناء خدمته الإلزامية، ومع أن نعيماً كان وحيد والده وممن لا يكلفون بالخدمة الإلزامية، فإن خطأ في سجلات النفوس أدى إلى سوقه لخدمة العلم، وأثناء إجازة قصيرة قضاهافي مدينة بور سعيد، تعرف على الفتاة، وكانت لأم يونانية وأب مصري، بيضاء الوجه ملونة العينين، ذات ثقافة وحشمة، وسرعان ما أحبا بعضهما حباً جامحاً انتهى بالزواج، ولم يترك له الأهل فرصة استدعاء والديه، فقد كانا سيسافران إلى اليونان حيث أملاك أمها في ضاحية أثينا، والأقارب والعائلة، وقد توفي أبواها، ولن تترك إرثها يذهب سدى، وهناك في اليونان توفي الزوجان، كما استشهد نعيم فقامت على تربية ولدها، ولم يخطر ببالها أن تبحث عن ثروة أمها وقتها، كان همها أن تربي فتاها كما يجب، واضطرت للقبول بالعمل كمربية لدى بعض أغنياء القاهرة، ثم اشترت بيتها في العتبة وتفرغت لتربية ولدها وتعليمه.
    قصة عادية كغيرها من القصص، وفيها اختلطت الشهادة باليتم، وقد أهملت ما رواه لها نعيم أنه وحيد ومن أسرة غنية في نجع الشيخ، وخافت من متابعة هذا الموضوع، الذي سيشكل في نظرها عقدة صعبة على الحل.
    كان هذا إحساسها، وبعد فترة نسيت الموضوع واعتادت على حياتها العادية التي لا تخلو من اللهفة والحرص، وبالحقيقة أن لارا كانت أنانية في هذا الاتجاه، ولم يخطر ببالها أنها ستسبب ألماً أكبر منه لأبوي نعيم.
    ما زالت المزرعة تنمو، وقد أضيف لها معمل آخر لتعليب التمور ومطحنة للنوى، وكان عمال المزرعة الكثيرون يشكلون جيشاً صغيراً من العمال المنتجين نساء ورجالاً، وأصبحت المزرعة تنتج التمور الجيدة المعدة للتصدير، وكذلك النوى المطحون المضاف للأعلاف، وقد تبين أنه علف ممتاز يحتوي على عناصر جديدة غير متوفرة في بقية الأعلاف.
    سأل سيد جده:
    - كيف سمح لك باقتناء أكثر من مائتي فداناً وهو أكثر مما سمح به قانون الإصلاح الزراعي؟.
    - وقتها كانت أملاك والدي قد وزعت بيني وبين أختين غير متزوجتين، ولم تكن جدتك قد ورثت لأن أباها كان ما زال حياً، فكنا من المحافظات الجنوبية وجنوب الخط المطري، فلم يشملنا قانون الإصلاح الزراعي.
    وضعت إيناس مولودها الثاني، كان طفلاً جميلاً أبيض الوجه مستديره فاحم العينين، وكبر الصغير بضعة شهور، فكان يظهر من الحركات والمناغاة المحببة ما جعله يدخل الأسرة من بابها الواسع.
    سموا الولد الجديد منصوراً على اسم جد سيد، فزاد حب الجدين له، ونال من الرعاية والدلال ما ناله نعيم وأكثر، وغرقت الأسرة في نشوة الخروج إلى الحياة بعد يأس مرير، لقد اشتبكت الحوادث في ذهن منصور الشيخ، وكان يمضي الساعات قبل النوم ليصلي ويشكر الله على فرجه بعد الضيق، لقد اطمأن على عادة العرب أن نسله مستمر وأنه لن يخمد ذكره بعد حياة جبر كسرها، وشفي جرحها، أن مع العسر يسراً.
    مرضت والدة إيناس فاضطرت للسفر إلى العراق، وقد صحبها سيد إلى مطار القاهرة، ولم تتركه يذهب معها فالجدان ووالدته بحاجة إليه، وكذلك العمل في المزرعة، وكانت تحدثه على النت وبالهاتف، ويناغي له ولداه على الماسنجر، وقد تأخر شفاء الوالدة أشهراً، والجديد أن والدها السيد مهدي البياتي جد الطفلين شغف بهما، وصار يترك عمله المهم ليأتي إلى المنزل لرؤيتهما ومداعبتهما ما استغربته إيناس إلى درجة أنها سألته فأجابها:
    - يا بنيتي هذا دليل على دخولي سن الشيخوخة، فهما أول أحفادي، وقد أضفى وجوده المتكاثر في المنزل ظلاً جديداً لا يخلو من سعادة لأم إيناس التي كانت تنظر لحفيديها بكل فخر واعتزاز.
    ما زال الوضع في العراق يسوء، وما زال أمراء الحرب يسيطرون على نواحي الدولة، وما زالت الاتفاقات الأمنية ودستور بريمر الطائفي يزيدون في تشظي المجتمع العراقي، وأقام الأكراد في الشمال حكومة ومجلس نواب وكأنها دولة مستقلة، وفي وسط العراق أغلبية الناس ناقمة على حكومة المالكي المذهبية، وفي الجنوب يسيطر الإيرانيون وكأنهم شركاء شعب الجنوب في كل شيء.
    قال والدها متخوفاً:
    - أعتقد أننا سننزلق إلى حرب مذهبية تزيد في تدمير العراق وتشظيه، وأظن أنني سأصفي أملاكي هنا وأنتقل مع أمك للحياة في مصر، وفور عودتك ستبحثين أنت وزوجك لي عن منزل في الاسكندرية، فإنها مناسبة لي وسيكون مرفؤها مسهلاًلتجارتي.
    - لماذا وهناك منزل في القاهرة لم نسكنه وهو واسع وفسيح وعلى نهر النيل.
    - الإسكندرية أنسب لعملي وطقسها معتدل ورطب يناسبني أكثر، ولا تنسي يا بنيتي أنني أتقدم في السن.
    - سمعاً وطاعة ، وهناك خط جوي بين الأقصر والإسكندرية، ويمكن أن نكون عندكما بعد ساعة ونيف. ولكن ما وضع زوجتيك يا والدي؟.
    - لم ينجبن وسأسرحهما سراحاً حسنا، وأعطي كل واحدة منهما ثروة.
    لم تبد إيناس اهتماماً بطلاق والدها لزوجتيه، ولكنها كانت مغتبطة في سريرتها لقرب أمها منها، وثوابها في العناية بوالديها الذين سيعودان أسرة صغيرة متضامنة.
    أخبرت إيناس سيداً بما حدثها به أبوها، فكلف المهندس مصطفى بالسفر إلى الإسكندرية، وشراء فيلا ضمن المدينة وتجهيزها بشكل ممتاز، فسافر مصطفى لتوه.
    اشتاق الجدان وأم سيد للطفلين، وصاروا يذكرانهما مرات كثيرة باليوم، وقالت العجوز:
    - والله لقد اشتقت أنا إلى أم نعيم، فقد كانت تملأ المنزل محبة وعقلاً، ومن العجيب أن تكون سيدة فتية بهذا التوازن والهدوء والعاطفة.
    عاد المهندس مصطفى من الإسكندرية وقد اشترى فيلا جديدة على كورنيش الإسكندرية، وليس بينها وبين البحر إلا الكورنيش، وفرشها فاخر، وبمبلغ أقل من معقول، وقال إن صاحب الفيلا هاجر إلى أمريكا فور الانتهاء من بنائها، وقام مصطفى بتغيير الأقفال وتأمين النوافذ والمرآب. فأخبر سيد إيناس بأن والدها يستطيع الانتقال إلى الإسكندرية ساعة يريد.
    أخبرت إيناس والديها، ففرحت والدتها بالخبر، ولكن سؤالاً لمع على وجها فأجابتها إيناس:
    - أماه سأكون قريبة والمسافة بين الأقصر والإسكندرية بالطائرة ساعة فقط، وسنكون رهن إشارتكما، ولولا أن جدي سيد حيان لنقلنا سكننا إلى الإسكندرية، لكنهما متعلقان بسيد والطفلين.
    - خيراً يا بنيتي على كل حال فإن الإسكندرية أقرب من بغداد.
    آن أن تعود إيناس، وقد استقبلها في مطار القاهرة سيد وأمه، وغيروا الطائرة إلى الأقصر ومنها انطلقوا بالسيارة إلى نجع الشيخ، ولا تسأل عن فرحة الجدين، وكأن نعيم عرف جديه فلبث بحضنه، ولم يفارقه، وهو يداعب وجهه ولحيته.
    الأيام البائسة تعقبها أيام جميلة وقد بني الكون كله على التوازن، ومنه أن الأفراح والأتراح لا تدوم، تتوالى وتتغير معها الأحوال والعادات، كما يتغير الأعداء والأصدقاء أيضاً.
    لقد أنهى سيد مجموعة كبيرة من اللوحات، ومنها لوحات عن نانا وحور، حازت إعجاب إيناس ثم قالت:
    - أريد أن أسألك يا سيد.
    - عن ماذا؟.
    - هل تذكرت وجهي الملكين حتى رسمتهما بهذا الوضوح؟.
    - هذا ما خيل إلي.
    - هل لاحظت الشبه بيننا ؟.
    - بين من ومن؟.
    - إنهما نسخة عني وعنك، وكأننا نحن بطلا اللوحات.
    - لم أنتبه لذلك، فعلاً إن نانا تشبهك، وهذا شيء لاحظته من البداية.
    - ولكن حور أيضاً يشبهك.
    - هذا ما لا أعرفه، ولا يلتفت الإنسان كثيراً إلى صورته.
    - ألا يجب أن ننتهي من هذه المسألة، فقد طالت أكثر مما يجب.

  6. #26
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    6

    كان القيرواني شخصاً مهماً في القيروان، وفي تونس عموماً، وكان الهلاليون ما زالوا في مصر، ولم يهاجروا إلى شمال أفريقيا بعد. فكان الموجودون منهم في تونس نجوماً، هنا أسرة وهناك أسرة، وكان القيرواني يتابعهم ويقدم لهم المساعدة في أمور دنياهم، وكانوا يطلبون منه فيلبيهم، وقد اعتادوا على ذلك. ولا يجدون حرجاً عندما يأتون إليه من نواحي المغرب وخارجه طالبين المؤازرة المادية أو الوساطة لدى أمير أو حاكم، والآن بعد أن صار صهراً لإسماعيل بن القائم بن المهدي فقد طالت ذراعه، وتمكن من تثبيت موقعه كداعم للهلاليين في دولة الفاطميين الوليدة.
    تميز الفاطميون عن كل حكام المنطقة قبلهم وبعدهم في أنهم لم يتدخلوا بعقائد الناس، وتعاملوا مع مواطنيهم حسب كفاءتهم ونزاهتهم، ورغم أنهم من غلاة الشيعة إلا أنهم لم يدخلوا الدين بالدولة، فكان وزراؤهم والقادة الآخرين من مختلف الملل والنحل.
    الهلاليون شيعة، وهم في مواطن هجرتهم مقاتلون أشداء، وهم وإن لم يكونوا من الباطنية إلا أنهم من موالي أهل البيت، وكان على عاتقهم وطائفة من بني سُليم أن يحرروا شمال أفريقيا، وأن يصلوا إلى مغارب الأرض وأقاصي بلاد العرب.
    لم يستغل القيرواني مكانته أو سمعته أو ثروته للتقرب من الولاة، وكان يتعامل معهم بنهاية الحذر، ولا يتدخل في الوساطات هنا وهنا، وإذا وقع واحد من الهلاليين في مشكلة كان القيرواني يعطيه ما يفدي به نفسه بصمت وبدون أذى.
    الآن هو صهر الخليفة، وكان الخليفة يقضي أوقاتاً طويلة في القيروان، فالمهدية حديثة البناء، وأغلب سكانها من القادة وحاشيتهم، وكان لا يتردد على قصر الخلافة، ولا يتدخل في أي شأن سياسي أو قبلي، وكذلك كان أجداده مع الأغالبة، لقد حاول الأغالبة استعمالهم وزراء أو قادة، فرفضوا وابتعدوا عن السياسة، وكان القيرواني يتبرع بقسم مهم من ثروته للبر والأعمال الخيرية، كما كان بيته مغلقاً بوجه أصحاب المصالح، وقد اعتذر بأنه ليس طرفاً في أي معادلة.
    كان ما جلبه سالم من الماس يكفي لتجارة الجواهر ألف عام، كان يصقل الجواهر عند اليهودي واحدة واحدة، وقد أثرى اليهودي من بقايا الماس، فمنها ما كان كبيراً يضاهي جواهر القيرواني قبل العثور على الكنز.
    أما تجارة سالم ومحمد فحدث عنها ولا حرج، لقد توسعت أكثر مما يمكن أن تتوسع تجارة، وكان القيرواني يلبيهما بالسرعة المطلوبة وطارت سمعتهما في الآفاق، ووصل خبرها إلى أقاصي المغرب العربي، وإلى أعماق الصحراء الأفريقية، فتواردت القوافل عليهما من كل مكان، ولم يعد باستطاعتهما تأمين كل الحاجات، فطلبا إلى عبادة زيادة الرحلات، والإكثار من البضاعة، في حين عاد اليمني إليهما بأطيب أنواع البخور والعطور، من أواسط وشرقي إفريقيا، ومما يصل إليه من سرنديب وسيلان وبلاد الهند والسند.
    كبر الطفلان وآن الأوان لأن تحمل مصر وشام ثانية، وفعلاً أخبرتا زوجيهما أنهما سينجبان ولداً جديداً، وكان سالم يحب أن ترزق مصر ولداً آخر لتخرج من حلمها المخيف.
    مرت الأيام والشابان غارقان في تجارتهما، ووضعت مصر وشام طفليهما، هذه المرة كانا ذكرين جميلين، وعم الفرح في قصر القيرواني، وأولمت الولائم لطهور الصبيين، وأطعم الفقراء ووزعت عليهم النقود والملبوسات، وساد الجو شعور بالسعادة والحبور.
    سمى سالم ابنه حسناً، وسمى محمد ابنه حسيناً، وبدا القيرواني معجباً بصهريه، والسيدة فاطمة مولعة بحب الفتاتين وأطفالهما، وانتقل إسماعيل بن القائم بن المهدي إلى المهدية فخفت الحركة في شوارع القيروان وحاراتها، وقد أصبحت عاصمة للتجارة والعلوم، والفن والموسيقى.
    كانت الأسرة سعيدة، تعيش برغد ضمن جو من المحبة والتآلف والتفاهم، وكان اندماجها بالمجتمع من خلال تجارتها فقط، وقد أضافا مبرة كبرى للأعمال الخيرية ارتادها فقراء القيروان وضيقو الأحوال الوافدون إليها لغرض ما.
    بعد مدة وأثناء اختلاء الأسرة وبحضور فاطمة قال سالم:
    - سيدي، تذكر حين كنا بالقافلة وتعرفنا عليك، لاحظنا عدة أحوال، منها أنك أخبرتنا بوفاة أهلنا، وقد تأكدنا من صحة الخبر، ومنها عناقك للديراني بعد حوار موجز، والثالثة أخبرتنا بوفاة الكاظمي وقد تأكدنا من صحته، والرابعة أنك أخبرتنا بوفاة الديراني وقد جرى أمامنا وحضرناه، وعندما عدت أنا من رحلتي إلى غرب أفريقيا قلت أنك سترافقني في المرة القادمة، واقترحت سفينة أكبر وأقوى. فلماذا.
    - يا بني إن علم البلايا والمنايا، علم كبير وقد خصني الله بطرف منه، وهو ما رأيتماه.
    - وما قصة السفر معي؟.
    - ما يمنع أن أكون قد أملت ثروة من هذه الرحلة؟.
    - أنت لست بحاجة إليها، فتخاطر من أجلها.
    - أي شيء يصيبك أتمنى أن أكون شريكك به.
    - وماذا سيصيبني؟.
    - هناك خطر شديد قادم، وهذا حدسي ولعلنا معاً قادران على درئه.
    - شغلت بالي يا سيدي، لماذا ننتظر الخطر؟، دعنا نذهب إليه.
    - وهذا ما سنفعله.
    مرت الأيام بطيئة كأوقات الانتظار، وبقيت التجارة مزدهرة، والعائلة كلها بخير، وثمة أقوال بأن إسماعيل بن القائم بن المهدي سيقدم على غزو مصر واحتلالها، فوضع الإخشيديين انتهى وآل الأمر إلى جعفر بن الفرات الذي انصرف للعبادة والتقوى، وبالعبادة والتقوى لا تعمر البلدان، فصار شعب مصر يشكو، وارتفع صراخه حتى وصل إلى إسماعيل بنالقائم بن المهدي. ولكن إسماعيل توفي وتولى ابنه المنصور الذي تابع آباءه بكل مهنية وحرفية.
    حدت فاطمة على وفاة والدها ولبست وشاحاً أبيض على رأسها على عادة الحداد وقتها، وشاركتها الأسرة الحزن، وأقفل الجميع حوانيتهم أربعين يوماً، ثم عاد الوضع إلى ماكان عليه قبل الوفاة.
    كانت الأيام تتوالى بطيئة كخطى الطفل الصغير، وكانت تونس تتوقع شيئاً ما، والحديث يدور حوله بصمت وسرية، علم سالم أن الفاطميين يرغبون في الوصول إلى مصر، ويعدون العدة لذلك، وقد جهز المنصور حملة لجس النبض واستخدمت السفن حتى وصلت الإسكندرية، لكنها لم تكن كافية لإقامة رأس جسر فيها، فانسحب الجيش الفاطمي إلى تونس بعد أن فقد بعض رجاله، ويبدو أن غرض المنصور كان خداع المصريين، وجعلهم يعتقدون أن الحملة قد فشلت ولن يعود بعدها لمهاجمة مصر، على كل حال فإن المصريين كانوا مهيئين لتغيير الحاكم، فبعد موت كافور عمت الفوضى وتبعها الفقر وظهور طبقة من المستغلين والسارقين وقل الأمن، وكثر قطاع الطرق فتوقفت العجلة الاقتصادية في عموم مصر.
    من الغريب لماذا يطلب الفاطميون التوسع وخلافتهم تمتد إلى شمال أفريقيا في تونس والجزائر والمغرب واعماق الصحراء، وهي مناطق يمكن الدفاع عنها لقربها، وإذا احتلوا مصر فسيكون أمرهم كالخلفاء العباسيين، ما تلبث الأقاليم أن تستقل، ويضمحل إنتاج الدولة وبالتالي قوتها، ثم تصبح رهينة لحاكم أقوى في إقليم من هذه الأقاليم.
    في نهاية الربيع عاد عبادة إلى سوسة ومعه سفينة كبرى كتب عليها " قاهرة البحار"، وكانت فعلاً سفينة عملاقة بثلاثة صفوف من الأشرعة، وكانت قمرات القبطان ومعاونه والضيوف والبحارة واسعة نسبياً، ومنظرها أنيق ومؤثثة بشكل ممتاز، كما أن العنابر والمستودعات والمطبخ على درجة من الإتقان، وقد قدم إلى القيروان مع القافلة، فاستقبل في منزل القيرواني أيما استقبال، وصار الجميع متشوقين لرؤية السفينة الجديدة قاهرة البحار.
    - إنها أفضل سفينة في المتوسط، ولم أجد بها عيباً يذكر، وهي مصنوعة من أحسن الأخشاب وأمتنها، وصرت أشعر بالأمان أكثر بعد بنائها.
    قال القيرواني:
    - مبروك عليك سفينتك، ومتى نستطيع أن نسافر عليها؟.
    - اعتباراً من الغد إذا أردت، وقد جئت أتسوق تمويناً للسفينة ولحوماً مقددة، كما أن السفينة مجهزة لصيد الحيتان والأسماك الكبيرة، وهي كثيرة في غرب أفريقيا.
    - سنسافر غداً أو بعد غد فاطمئن.
    استيقظت مصر في صباح اليوم التالي مذعورة، وقالت لسالم:
    - رأيت حلماً مزعجاً، وقمت أرتجف.
    - ما هو؟.
    - رأيت أننا في سفينة كبيرة والبحر هائج مائج، فوصلنا إلى شاطئ رسونا به، ونزلنا إلى البر، وأثناء وجودنا على اليابسة اهتزت الأرض وتعالى الموج، فأسرعنا إلى الزوارق، وابتدأنا التجديف للعودة إلى السفينة، جدفنا وجدفنا كثيراً، وكانت الأمواج تعيد الزورق إلى الشاطئ فامتلأنا رعباً. وأفقت وأنا أرتجف.
    - من الطبيعي أن يكون هاجس سفرنا يقلقك، وترين منه الكوابيس.
    - ولكنني رأيت نفسي في صورة الملكة نانا، وأنت في صورة الملك حور ومعنا طفلينا، لقد أكلني الفزع عليكم.
    - لا تجزعي يا مصر، سنذهب ونعود، وليس من دافع لذهابي سوى هاجس يأمرني بالرحيل، وكأنني مكلف بمهمة غريبة.
    - سيظل ينهشني الجزع عليك وعلى أبي حتى تعودا من رحلتكما.
    _ لا تخشي شيئاً فنحن قادران بعون الله على تجاوز هذا الامتحان.
    في عصر اليوم ركب القيرواني وسالم وعبادة خيولهم ومضوا باتجاه سوسة، فوصلوها قبل الغسق، وحينما غابت الشمس تماماً كانت السفينة في عرض البحر.
    اقترح القيرواني أن يساحلوا بالسفينة، وأن يمروا على المدن المهمة على الشاطئ، بداية بقصبة الجزائر، ثم طنجة وهما حاضرتا شمال أفريقيا الغربية، وعندما وصلوا إلى قصبة الجزائر ودخلت السفينة ميناء الجزائر، نزل القيرواني وسالم، وبحثوا في أسواقها فوجدوا قسماً من زبائنهم، وتعرفوا عليهم أكثر، وتساءلوا لماذا يذهبون عن طريق البر وطريق البحر أقرب وأسلم، فأجابوا بأن لهم زبائنهم في أنحاء الجزائر، وفي الطريق يؤمنون لهم حاجاتهم واصلة إلى محلاتهم ودكاكينهم، كما أنهم يبيعون لقوافل الجنوب.
    غادروا الجزائر إلى طنجة وهي حاضرة تقع على الرأس المقابل لمضيق جبل طارق وهي الآن من الأراضي المغربية، وهما أقدم مدينتين في غرب البحر المتوسط، وفي طنجة تعرفوا على بعض التجار الذين يسافرون إلى الأندلس، واتفقوا معهم أن يوصلوا لهم البضاعة إلى طنجة.
    ثم توجهوا جنوباً على موازاة مع الساحل للمغرب العربي والصحراء، وكانوا يقتربون من الشاطئ ويبتعدون ويراقبون الغابات والساحل، فلم يروا به أثراً لسكن أو حضارة، وظلوا كذلك أياماً وفي الليل لمحوا ناراً على الساحل، فقال عبادة :
    - هنا كنا المرة الماضية، وتوقفت السفينة حتى ينتشر النهار.
    في الصباح بان الشاطئ والخليج، وتأكدوا من أن هذه النار وهذا الشاطئ، ولكن الوهج الذي رأوه قد اختفى، وقد اقتربت السفينة ودخلت الخليج ونظر القيرواني فإذا ما رأوه في الليل فوهة بركان فعال، وطلب القيرواني أن ينزل وحيداً، فإذا تأخر تبعه سالم، وأنزلوا له زورقاً وابتدأ يجدف نحو الشاطئ القريب، وظل سالم يتتبعه حتى اختفى عنه بين شجيرات الموز الموزعة على طول الخليج.
    لم يستطع سالم صبراً، فركب زورقاً آخر وتوجه إلى حيث اختفى عنه.
    وجد القيرواني رجلاً زجاجياً يجلس على صخرة فاقترب منه غير وجل ولا خائف، فأشار له الرجل أن لا يقترب كثيراً، وبدا على الرجل صورة بشرية لكن من زجاج وبحجم أكبر من الحجم العادي، وقد تحدث معه القيرواني يستوضحه فأجابه بلغة لا يفهمها، وحاول أن يغير من كلامه فلم يستطع، كان الرجل يئن بشكل دائم.
    وصل سالم ثم أخذ يبحث عن القيرواني ، وبعد قليل وجده جالساً مع الرجل البلوري، وما أن رأى الرجل سالماً حتى هب واقفاً وهو يصيح:
    - حور، حور ، حور . ثم ارتجف مذعوراً، ملقياً كل البلورات مكانه، وخرجت منه مضغة سوداء سارعت إلى السقوط بفوهة البركان.
    جمع الرجلان البلورات التي سقطت عن الرجل، ونقلاها إلى الزورقين، ثم ابتدآ يجدفان إلى السفينة، وحاولا أن يزيدا من سرعتهما، وما أن وصلا إلى السفينة وتم سحبهما وسحب الزوارق حتى ابتدأت الأرض تهتز، قال عبادة:
    - هيا أيها البحارة وانشروا قلوعكم، أسرعوا.
    نشرت السفينة أشرعتها وما كادت تبتعد قليلاً عن الشاطئ حتى علا الموج وصخب المحيط، وسارت السفينة بأقصى ما يمكنها، لكن البحر أصبح عاصفاً والأمواج عالية، وأخذت تطغى على ظهر السفينة والسفينة تتأرجح، سأل القيرواني عبادة عن مدى خطورة الوضع، فأجابه أن السفينة قوية ولكن ما يراه هنا لم يره سابقاً، وقال:
    - إذا صمدت الصواري، فربما خرجنا إلى عمق البحر. ولكن ما هذا الذي يجري؟.
    - أظن أن البركان سيثور ويلقي بحممه، وعندها لا أستطيع تخمين ما سيحدث، وعلى الأغلب أن خروج الحمم سيقلل من غضب المحيط.
    نظر القيرواني إلى السماء التي أصبحت ملبدة بغيوم سوداء من هباب البركان، فأخذ يقرأ ويتمتم، وثم لاحظ أن السفينة تبتعد عن الشاطئ وأن التيار يحملها إلى أعماق المحيط. فنادى عبادة وأمره بأن يطوي الأشرعة، فنادى عبادة على البحارة فطووا الأشرعة، ولكن التيار استمر في إبعاد السفينة.
    بذل البحارة جهوداً مضنية في منع المياه من التسرب إلى عنابر السفينة ونجحوا، ولم تكن العاصفة وليدة رياح شديدة أو أمطار غزيرة، لقد كانت بسبب اهتزازات الأرض المتوالية.
    وما لبث السماء أن أضاءت بألف صاعقة ثم سُمع دويٌّ بعيد، وبعد ساعة هدأ كل شيء، الليل يخيم على الوجود، والسماء مضيئة بآلاف النجوم المتلألئة، وصارت صفحة اليم كأنها مرج متموج، لقد انتهت ثورة الطبيعة، وبدلاً من هدير الموج وصرير ألواح السفينة فقد عمَّ الوجود صمت محبب.
    نظر القيرواني إلى السماء بإمعان، وقال:
    - لقد ابتعدنا قليلاً عن اليابسة لكننا في الاتجاه الصحيح، وقريباً سنصل إلى الجزر.
    نبه القيرواني عبادة إلى وجوب تحاشي الجزر المرجانية التي ستظهر بعد يوم أو أكثر، وقال له:
    - لقد جرفنا التيار بعيداً جداً عن الشاطئ وباتجاه الشمال، وسنصل إلى جزر الكناري، ولم نفقد اتجاهنا الصحيح.
    قال سالم :
    - لماذا يا سيدي أصريت على هذه الرحلة؟.
    - لكي تتخلص أنت من منكاو، لقد عكر صفو حياتك زهاء أربعة آلاف عام. وقد ابتلعه قدره، وسيظل في باطن الأرض إلى يوم يبعثون، وبقي علينا أن نبحث عن رفاة حور ونانا، فلن تكمل راحتك أنت ومصر حتى تنكشف الرفاة وتدفن بالاحترام والتقدير اللائقين.
    - ما زلت تحيرني يا سيدي؟.
    - يا بني ألم تسمعه عندما رآك ظلَّ يصرخ مذعوراً، ويناديك باسم حور، ثم خرجت روحه السوداء ودخلت فوهة البركان، إن لؤمه وحقده فجرا البركان، وقد ظن أنه سيقتلنا بذلك فقال علي وعلى أعدائي. وكان ما كان.
    - وماذا بيني وبينه حتى يحمل هذه الأحقاد؟.
    - بينك وبينه جريمة كبرى، كانت نانا أخته وكانت هي الملك، وقد تآمر عليها وردم مكان إقامتكما وأنتما أحياء فعاقبه الله، وتركه يشوى كل أسبوع يوماً في البركان.
    - سيدي وما أدراك أنت بذلك ؟.
    - لم أكن أدري، حتى حدثتني مصر عن أحلامها، فتراءى لي كيف أقدم على جريمته، وكيف عاقبه الله العقاب الذي يستحقه.

  7. #27
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    7


    الآن على الشابين سيد وإيناس أن ينهيا عملهما، وأن يسافرا إلى جبل الطور، وكان قد سبقهما الدكتور سعيد، وأمن اليد العاملة اللازمة للحفر من سكان المنطقة، ثم اتصل بسيد وأخبره أنه ليس بحاجة لآلية، ويكفي عشرة عمال لإنهائه، وهناك طريق ترابي على نفس الطريق المؤدي إلى الكنيسة كاترين، وهو درب سالك يؤدي إلى أسفل الجرف، واستغرب أن يكون الموقع سليماً طول هذا الوقت، دون أن تمتد له يد المنقبين.
    سأل سيد جده:
    - هل لديك اقتراح أو وصية حول هذا الموضوع؟.
    - إذا أمكن أن تتخذوا احتياطات بشأن العدوى من الجراثيم، فإن رفاة منذ آلاف السنين قد تحتوى على أشياء لا يمكن التنبؤ بها، وإذا كان المكان مردوماً كما تقول فإن الرفاة تتعفن، وقد تبقى الجراثيم بعدها، فاستحضروا كمامات أو أجهزة مما يمنع تلوثكم، أما المسائل الروحية فستكون محلولة على ما أظن، وليتك تتصل بالمهتمين بالبيئة وتأخذ رأيهم، كما أرجو أن يكون التلفاز موجوداً والأمن كذلك، لأن لصوص الآثار سيكونون موجودين، وهذا مسكن ملوك.
    كانت نصائح الجد مفيدة للغاية، وقد خاطب فيها الدكتور سعيد الذي كان قد أخذ الاحتياطات اللازمة، وأخبر الجهات الأمنية والصحية، أما الإعلام فستحضر بعثة كبرى من تلفزيونات مصر، وسترافق الرفاة عناصر الأمن والإعلام إلى هرم خوفو حيث ستدفن، وستقيم حراسة الآثار هناك حتى توثق المحتويات وتنقل إلى المتاحف.
    - يبدو يا إيناس أننا سنحصل على كشف أثري ضخم، وحدث تاريخي مهم، وسيخلد اسمنا هذا الكشف.
    - المهم أن نقوم بواجبنا تجاه هذين الشخصين الذين وثقا بنا.
    وسافر الزوجان إلى الأقصر، ثم إلى شرم الشيخ، وتسلقت السيارة على طريق القديسة كاترين إلى قبل الكنيسةبحوالي سبعمائة متر فوجدا سيارات كثيرة تنتظر، وسلكا الطريق الترابية التي أوصلتهما إلى أسفل الجرف، فوجدا أن المنطقة تعج بالمصورين والصحفيين ورجال الأمن، وقد سلطت عليهما الأضواء، وأراد الإعلاميون منهما أن يعطوهما المعلومات الكافية لتسجيل القصة.
    - ما هي القصة؟.
    - كيف عرفتما بوجود المدفن:
    قال سيد:
    - كنا هنا منذ فترة وقد لفت انتباهنا هذا الردم أمام الجرف، وأخبرنا الدكتور سعيد وهو معنا، اسألوه ما الذي يؤكد وجود شيء وراء هذا الردم؟.
    - سألناه فقال : إن الملكين قد دلاكما على الموقع.
    - سنستوضحه عما قال، ولكن دعونا نصور كشف الردم وبعدها لكل حادث حديث.
    ابتدأ العمال يبعدون الردم، وكان الناعم منه نقل بقفف وعربات يدوية، والأحجار تدحرج بعيداً، وقد أخذ العمل وقتاً طويلاً حتى عصر اليوم، ثم انكشف أعلى الباب، وتابع العمال عملهم ساعة أخرى فظهر الباب كله، فأمرهم الدكتور سعيد بالتوقف واقترب من الباب، فوجده من الصخر العريض وبحجم كبير، وجاء إلى الشابين يستوضحهما عن طريقة فتحه، فاستمهلاه واقتربا من الباب وأبعدا الجمهور من الصحافيين والمصورين عنه، وعلى الباب ظهر لهما الملكان قال حور:
    - دليهما يا نانا على كيفية فتح الباب، كانت نانا شديدة الاضطراب وتبكي فتتساقط دموعها على الأرض، ثم تقدمت من الباب فوضعت أصابعها الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى، ووضعتها في مكان معين، وأعادت و ضعها عدة مرات، وقالت لسيد أن يتقدم ويضع أصابعه مثلها، فوضع أصابعه فظهرت قبضة من المعدن فأشارت له نانا أن يمسك بها ويلفها شمالاً، فصر الباب وابتدأ يفتح، وتنحى الملكان فتقدم سيد وإيناس ووقفا أمام الباب، وبعد لحظات خرج منه ضوء ساطع، واشتعلت مشاعل في الداخل فدخل الزوجان أمام ذهول الحاضرين، وابتدأ ينجلي المنظر أمامهما، كان منزلاً من حجرات متعددة، وكان الفرش من الخشب المتداعي بعامل القدم، وفي غرفة أخرى أوان من الفضة والذهب، وفي أخرى سرير عليه رفاة ثلاثة أشخاص، كأنهما لرجل وامرأة وطفل، وقد خرج سيد لينادي على الدكتور سعيد في حين منع الأمن جميع الناس من الدخول، وما أن رأى سعيد المنظر حتى تملكته الدهشة، فسمح بدخول مصورة واستخدم هو والزوجان أجهزة الموبايل فصورا كل ما شاهداه، حتى الموقد والمطبخ، وقد استغربا وجود فتحات كثيرة للتهوية تؤدى إلى شقوق في الجرف، فلم يكن بالإمكان أن تلاحظ من خارج الجرف.
    كان المساء قد اقترب، ويجب أن تنقل الرفاة، فخرج الزوجان إلى الخارج، وأخذا يردان على أسئلة الصحفيين باقتضاب، وأغلب الأسئلة أحالاها للدكتور سعيد فهمي، ووجدا مصلحة الآثار تنقل الرفاة والجيش يحرس الموقع بكثير من العنف والحرص.
    استغرب الزوجان نظرة الصحفيين إليهما فاستفهما عن ذلك، فقالوا :
    - هناك تغييرات في وجهيكما فلماذا؟.
    لعله بسبب الإرهاق والمفاجأة، وسرعان ما سيذهب فور اطمئناننا، وغادرا إلى المطار عائدين إلى القاهرة، وسينتظران الرفاة حتى يدلهما الملكان أين يوضعا؟.
    دخل سيد بيت العتبة فهو قريب إلى المتحف، وبعد حمام ساخن للزوجين استلقيا في سريرهما واستسلما لسبات عميق.
    استيقظا في الصباح المتأخر على هاتف الدكتور سعيد يدعوهما إلى الأهرام لحضور مراسيم الدفن، فأسرعا إلى الموقع، وهنا كانت الفرقة القومية وفصيلة من الجيش معها مدفع، وباقات من الزهور والرياحين، ودخلا إلى الهرم مع الدكتور سعيد ومعهما الملكان يتضاحكان، وفي جدار على رواق الهرم في الطرف الشمالي من الرواق أشار إليهما على الحجرة، فسارع الدكتور سعيد وأدخل العمال وابتدؤوا ينقبون الجدار، وبعد ساعة انكشفت لهم الحجرة، وتم هدم الجدار بهدوء، وكان قسم من العمال يرحل الناتج خارج الهرم، إلى شاحنة متوقفة، وبعد أن انتهوا انكشفت الحجرة عن ثلاثة توابيت تم فتحها فإذا هي فارغة، وخرجوا جميعاً فجلسوا على المكان المخصص وابتدأت مراس الدفن بالأناشيد الجنائزية، ثم أطلقت إحدى وعشرين قذيفة من المدفع، وقامت ثلة من المراسم تحمل ثلاثة توابيت خشبية فدخلت بها إلى الهرم.
    دخل مع الجنازة الدكتور سعيد وعاد والدهشة تتملكه:
    - ما أن نقلنا الرفاة إلى التوابيت الحجرية حتى عمها نور عميم، وبعد لحظة نظرنا إليها فإذا هي مومياء محنطة، وقد أغلقناها وخرجنا.
    كان الاحتفال لائقاً حضره وزير الثقافة، وكان منقولاً بالتلفاز على كل القنوات المصرية والمهتمة خارج مصر، وبعد الانتهاء وقف الزوجان والدكتور سعيد لتلقي التهاني، ووقف الملكان مبتسمين، ثم نظرا إليهما بامتنان عظيم، وأشارا لهما فيما إذا كانا سيغيبان عنهما إلى الأبد. فرفضا الفكرة وقالا لهما، سنكون دائماً معكما ونحن أنتما.

  8. #28
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية عفاف
    الحالة : عفاف غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 295
    تاريخ التسجيل : Oct 2006
    الدولة : مقيمة بمصر
    المشاركات : 12,232

    افتراضي

    الحلقة 8 والأخيرة

    تفقد عبادة السفينة فوجدها صامدة كالقلعة، وقدر سرعتها بعشرين عقدة، فقد ساعد تصميمها الانسيابي على زيادة كبيرة في سرعتها، أضف إلى ذلك الهواء النشط وهو يخفق بالأشرعة فتصر له الصواري.
    ظهر لهم بعض الحيتان الكبيرة، ثم اقتربت من السفينة وسبحت معها.
    - قال عبادة هذه حيتان العنبر العملاقة، وقيمتها في رأسها، وسنحاول اصطياد أحدها، ثم نادى البحارة :
    - هيا إلى حرابكم، ولتكن رمايتكم سديدة.
    انتشر البحارة على جانبي السفينة، ومعهم حرابهم المربوطة على جانبيها، واقترب أحد الحيتان من جانب السفينة، فرماه البحارة وأصابوه بثلاث حراب، ثم أخذ يتقلب ليلقي الحراب عنه، فالتفت عليه الحبال، وأصبح كلما حاول أن يتقلب تعمقت الحراب فيه أكثر، إلى أن لفظ أنفاسه، فرفعه البحارة بالبكرات والسلاسل بعد أن نزل اثنان منهم بالماء فربطوه بإحكام، وصار إلى جانب السفينة فوق الماء، كان حوتاً كبيراً وبذل البحارة جهداً قاسياً حتى أنزلوه على ظهر السفينة، ثم ابتدؤوا بتقطيعه، وبعد أن فتحوا رأسه وسحبوا العنبر منها، ووضعوه في أوعية محكمة، حملوا الشحوم وبقايا اللحم إلى العنابر، ورشوا عليها الكثير من الملح، على أمل أن يبيعوها في أقرب مدينة يصلون إليها.
    بعد يومين ظهرت في الأفق جزر الكناري، فتجاوزها عبادة حسب تعليمات القيرواني، وبقي متجهاً إلى الشمال، وبعد يوم آخر اتجه نحو الشرق، وما هي إلا ساعات حتى دخل في باب المندب، ثم في ميناء طنجة، حيث باع عبادة الشحوم واللحوم، واشترى قوارير صغيرة ملؤوها بالعنبر. وحملوها معهم إلى سوسة.
    وصلت السفينة إلى سوسة بعد يوم من بحر هادئ ورياح عادية، وعاد عبادة بالسفينة إلى صيدا في حين ذهب القيرواني وسالم إلى القيروان، فوصلا متعبين منهكين.
    سرت العائلة كلها بعودتهما، وبعد حمام دافئ وطويل تبعته قيلولة، خرجا لتلتف العائلة حولهما، قالت مصر:
    - اصمتا فقد رأيت ما فعلتما، وقد انتهى الخطر وارتاح الجميع، ولن يكون بعد الآن من يزعج الأسرة.
    - وماذا رأيت يا بنيتي؟.
    - رأيتك على الشاطئ تبحث عن شيء، فرأيت رجلاً بلورياً يجلس على صخرة فاقتربت منه تحدثه، وتبعكم سالم لكن الرجل حين رآه جن جنونه وصار ينادي حور،حور، حور، ثم سقطت بلوراته عنه وخرجت منه مضغة سوداء هبطت في فوهة البركان، فجمعتما البلورات ووضعتاهما في كيسين ونقلتماهما إلى الزوارق، وجدفتما إلى السفينة، وقد ابتدأت الأرض تهتز، فرفعكما البحارة إلى ظهرها وأقلعت السفينة محاولة الابتعاد عن الشاطئ، وثار البحر من كفره وجبروته، وأخذت السفينة تبتعد، ثم انفجر البركان، وصار يلقي بحممه التي شكلت سيلاً بركانياً وصل إلى البحر، وهدأ البحر بعدها ثم جرفكم التيار بعيداً، أليس هذا ما حصل.
    - تماماً وكأنك كنت معنا.
    - وسأظل معكما فأنا ملاككما الحارس.
    - نعم وأكثر.
    أخرج القيرواني بلورة من بلورات الرجل، كانت بحجم التفاحة، وكانت أشد لمعاناً من سابقاتها، وقال:
    - سنأخذ واحدة من هذه الجواهر لليهودي، وسنراها بعد الصقل.
    قالت مصر :
    - لو كنت مكانكما لعدت مرة أخرى فإن السيال الذي خرج من البركان سيخلف آلافاً من الجواهر، وذهبت وبعتها في الهند، فإن ملوكها يتباهون بالجواهر، ويعتبرونها حجراً كريماً مهاباً.
    - ثم ماذا؟.
    - وعدت إلى دمشق.
    - وماذا في مشق؟.
    - بها قبر والدتي.
    - ثم ماذا؟.
    - نسكن فيها؟.
    - لماذا؟.
    - تنقلان تجارتكما إليها.
    - ما مصلحتك بذلك.
    - أحب الشام والجوري والياسمين.
    - ولماذا الشام وليس مصر؟.
    - عيون الفاطميين على، مصر وجو دمشق قريب من جو القيروان. وكلها بلاد العرب.
    - إنك حكيمة يا مصر، ولكننا أسسنا هنا لتجارات صارت واسعة.
    - دمشق حاضرة التجارة، ويمكنك أن تشكل لجنة هنا من الهلالية للاستفادة من ثروتك، ويمكن لسالم ومحمد أن يعودا فالشام منبتهما ولعلها تكون مضجعهما.
    - ولا زرقاء اليمامة يا مصر، لا تمارسي هوايتك في الكهانة، فقد تعريننا فعلا بما تقولين.
    - أنتم أحرار وقد أسمعتكم، فسيكون لكم شأن هناك على غير ما أنتم عليه.
    - وفاطمة؟.
    - منها نصف الكلام ومنا أنا وشام النصف الآخر.
    - سنسأل أفراد الأسرة، وإذا وافقوا فإننا سنخطط لما تقولين.
    ولدى اجتماع العائلة اتفقوا جميعاً على تنفيذ خطة مصر.
    في القاهرة عندما استيقظ سيد وإيناس ، غادرا إلى ميناء القاهرة الجوي وصعدا على طائرة أول رحلة إلى الأقصر، ثم سافرا إلى نجع الشيخ، وحين دخلا الفيلا كان الجميع ينتظروهما هناك، والفرح يلفهم، قال يوسف:
    - لقد نقل التلفزيون المصري بكل قنواته ما قمتما به من جبل الطور إلى هرم خوفو، لقد كنتما في غاية الشجاعة والإقدام. وستظل مصر شاكرة لكما هذا العمل الكبير.
    - أين الولدان؟.
    قالت أم سيد:
    - لقد ناما منذ قليل.
    - سأذهب لمداعبتهما، فأنا في شوق كبير لهما.
    قالت إيناس :
    - وأنا أيضاً.
    دخلا غرفة الطفلين فوجداهما مستغرقين في النوم فقبلاهما وعادا إلى الصالة، فقالت الجدة لإيناس:
    - كأنك يا إيناس قد عدت أعواماً إلى الوراء، وفي يومين فقط ازددت بهاءً وحسناً.
    - وماذا عن سيد؟.
    - وهو أيضاً، فهل من سبب.
    - هي راحة بعد أداء واجبنا ومساعدة الملكين، أو كانت لفتة كريمة منهما، وهبة من رب السماء.
    آن الأوان لمعارض الرسم، ويعتبر فن الرسم عند سيد خليط بين السريالي والانطباعي المطعم بالبعد التاريخي، ولم يختبر سيد بعد رسومه، وقد عرض عليه الدكتور سعيد أن يقيم المعرض في حديقة المتحف لصلتها بالبعد التاريخي ولاشتهار سيد بين المهتمين بالفنون الأثرية في مصر وخارجها، فقد نقلت المحطات العالمية الكشف الذي حققه مع زوجته باكتشاف منزل نانا وحور وهما الملكان العاشقان الأسطوريان.
    وفي المعرض تعرف الزوجان على كبار الفنانين في مصر وغيرها، وتم الاحتفال بهما في حديقة المتحف، وبيعت اللوحات على الهواء بأسعار عالية، ونقلت المعرض محطات التلفزة العالمية والعربية والمصرية، وحضر المعرض وزير الثقافة المصري وكثير من رجال الصحافة والأدب، وأجاب الزوجان على تساؤلات الصحفيين باقتضاب، وشكرا الجميع وقالا في النهاية:
    - إن الإنجاز الكبير هو عودة الرفاة إلى مكانها الطبيعي، وإضافة صفحة جديدة كانت مجهولة من تاريخ مصر.
    نعم فقد سارت الأمور على ما يرام، واستمرت الحياة.

    انتهت

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •