صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 23456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 40 من 56

الموضوع: الطريق إلى طشقند ..رواية بقلمي

  1. #31
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    10

    كان اللقاء حاراً، عمي أبو طارق كان رجلاً جسورا شأن رجال الميدان في دمشق، مع ذلك فقد تهالك على كنبته مدعياً وجعاً في الرأس، في حين وصلت دموعه إلى ذقنه وتساقطت أمامه، وقال:
    - كم عانيت يا ولدي!. جئتنا خاطباً فكان نصيبك الأسر، وثم أخذوك ضارباً في مشارق الأرض ومغاربها.
    في هذه الأثناء نزل السيد حسن فاستغربوا وجوده عدا عمي فقلت:
    - هذا السيد حسن باقر الأحوازي، وهو من أفضل الرجال الذين التقيتهم في حياتي، فقال:
    - أرجوك لا تستطرد يا ولدي فأنا عربي من الأحواز، وهذا المهم.
    قال أبو طارق:
    أهلاً بالضيف كنت عربياً أو غير ذلك، نحن هنا في دمشق نحب العرب، ولكننا نستقبل الضيف كيفما كان جنسه أو لونه أو فكره، ولدي فكرة عن السيد حسن، وقد تشرفت بوجوده في منزلي. وقالت ميا:
    - كما اعتبرك ابنه فإنني سوف أعامله وكأنه أبي، ولن يرى مني أقل ما يراه الأب من ابنته.
    - بارك الله بك، لقد أحزنتموني بهذا الكلام المؤثر، وأنا لكم من الشاكرين، وقد قررت تبني عماد ونقلت له أملاكي وهي لا تحصى.
    - وهل وافق عماد على ذلك؟. قالت ميا بغضب.
    - كان مجبراً فلم أستشره.
    - وكيف سيتمكن من رد جزء من هذا الجميل؟.
    - ومن يطلب منه رد هذا الجميل، وإذا رده هل يبقى كذلك.
    بدا الألم وعدم الفهم على وجه ميا فقال:
    - لن يعود إلى القاهرة إلا متزوجاً، ويجب عليه أن يحضر والديه وغيرهم بأقصى سرعة، فأنا لا أرتاح إلى الأيام.
    كانت هذه الكلمات كافية لكي تضحك ميا بسعادة.
    - يوم المنى يا سيدي، ولكنه خاض تجربة قاسية قريبة، فهل سيقدم على الزفاف في مثل هذه الظروف.
    - بنيتي الحب لا يعرف العوائق والإحباطات، وخطيبك رجل شجاع، ولم أر أحداً صبر مثله وبقي راضياً.
    - وهذا ما يخيفني يا سيدي.
    - لا تخافي وكوني بشجاعته.
    - أحبه أكثر من الكون كله، وقد تعلقت به، وكم عانيت بغيابه، كانت حياتي كلها كوابيس.
    - استعيني بالله وتوكلي عليه فهو حسبك.
    في دمشق سأل عماد عن طبيب بالأمراض الجنسية فدله الدكتور السمان على الطبيب القنواتي، بعد أن حمده وقال:
    - إنني أثق بخبرته وعلمه.
    _ أيمكن أن نحصل على توصية خاصة؟.
    - نعم وعلى موعد .
    بعد قليل تحدث الدكتور السمان وحدد موعداً مساء في الساعة السابعة.
    - يا عماد لا تتحدث شيئاً بموضوع السيد حسن، فمثل هذا الكلام لا يجب ان تتقاذفه الألسن.
    - ماذا ستطعمنا أم عماد يا ميا. قال السيد حسن، ثم أسر بأذني بأنه يود أن يعزم العائلة إلى أفضل مكان في دمشق.
    - ذلك سيكون يوم العرس فما رأيك.
    - ظننتك ستؤجل موضوع الطبيب إلى القاهرة.
    - لا يوجد أفضل من أطباء سورية، وهنا جميع الاختصاصات والصور الشعاعية المتطوره من الإيكو إلى الطبقي إلى الرنين إلى الوميض. وستعجبك دمشق والإقامة فيها، والنظام فيها قومي عربي منذ أكثر من نصف قرن. كما أن طقسها جميل وبقربها أحلى المصايف عند العرب.
    - سنشتري فيها منازل وفي المصايف أيضاً، وأرى الأمن هنا يعود إلى الاستقرار.
    - نعم كانت المؤامرة رهيبة وصهيونية بالدرجة الأولى، وعلى العرب أن يتنبهوا إلى أن عداءهم مع أمريكا وأوروبا والعالم سببه العدو الصهيوني، المتغلغل في نخاع هذه الدول.
    - هم في إيران يتحدثون بنفس الأسلوب، ويحاولون الوصول إلى إضعاف الصهاينة وثم إنهاء الدولة الصهيونية المعتدية.
    - وهذا سبب غضب الحكام الصهاينة في الخليج وغيرهم من العملاء العرب.
    - الصهاينة يستجيرون بالعالم بحجة النووي، ويكذبون كعادتهم.
    - ذكرتني بحكاية فقد كان في صفنا طالب ضعيف ونشيط في دراسته، ولكن الطلاب كانوا يكرهونه فقد كان لئيماً، وظلوا يتحملونه إلى أن طفح الكيل به، فضربوه وأشبعوه ضرباً، وقد اشتكي إلى الإدارة التي لم تكن متحمسة له بسبب لؤمه وقلة أدبه. وذات يوم خرج الطلاب فوجدوه قد استأجر مجموعة من الزعران فهاجموا رفاقه بالمدى، وكان أحدا اتصل بالشرطة فجاؤوا بسرعة وأطلقوا النار في الهواء، وللأسف فقد أصابت الطالب الضعيف رصاصة دلفت من سطح قريب، وانجلت المعركة عن قتيل واحد هو ذلك الطالب المنحوس. وأظن هذا مصير العدو الصهيوني البغيض.
    - تفاءلوا بالخير تجدوه.
    - إنشاء الله فلا يعيق وحدة العرب وتقدمهم إلا هم. ولولاهم لكان العرب دولة واحدة.
    حان موعد الغداء وقمنا إلى السفرة فأطعمتنا أم طارق أطيب الطعام، قال السيد حسن:
    هذا الطعام شبيه بطعام الأحواز، وفيه الخضار وفي الأحواز اللحوم.
    ضحك الجميع.
    كان للسيد حسن طبعه، فهو شديد الكرم ومبالغ في الخجل، والصفتان من أصالته وشرفه، لقد كان يحمل الكثير من صفات القدماء، ولم يكن الطائي بأجود منه ولا قيس بن مسعود بأكثر عفة وشرفاُ،
    وكان فوق ذلك قومياً رائعاً، يحفظ الشعر والتاريخ ولديه تفاصيل لا يعرفها جلُّ المثقفين العرب، وفوق ذلك كان مهندس نفط من الطراز الرفيع، ودكتور في تفاصيل جيولوجية غير شائعة.
    شخص لا يمكنك إلا أن تحبه وتقتدي به، سألته مرة:
    - هل رضي الأحوازيون بضم إيران لهم؟.
    - لا ولم يستشاروا لقد قص الإنكليز الأمة وخلقوا بها المشاكل، فما من دولتين إلا وترك بينهما مشكلة تنغص وحدتهما، انظر إلى الأحواز وإيران، وإلى الممالك والأمارات العربية في الخليج، التاريخ بين السعودية والكويت وبين السعودية واليمن، وبين مصر والسودان وبينهما وبين الحبشة وكذك دول المغرب العربي وبين دول المغرب العربي، لقد كان هم الإنكليز تشتيت العرب ومنع توحدهم

  2. #32
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    11


    في المساء ذهبنا إلى عيادة الدكتور القنواتي، كان شاباً بهي الطلعة جميلاً، وكان السيد حسن خجولاً فانتحيت بالطبيب لأخبره القصة.
    - يا دكتور هذا الذي تفحصه من أحفاد الرسول، وهو على خلق كريم، وكم أتمنى أن يستفيد على يديك فتكون الشام محل سعادة لي وله، فهو وقد كبر بلا أولاد، وأقنعته بأن المانع يمكن أن يكون مرضيِّاً.
    خرجت إلى الانتظار كي لا أحرج السيد عند الفحص، وجلست أنتظر، وبعد حوالي الساعة خرج الطبيب مبتسماً، ثم اقترب مني، وقد كنت وحيداً في الانتظار، وقال:
    - صديقك مريض وأعتقد بأن به مرض ثان، وقد أخذت عينة من سائله المنوي وسأفحصها في مخابر الجامعة اليوم، ومعه دوالي مؤذية سنستأصلها غداً، وهي جراحة بسيطة يخرج منها في المساء، وستحضره أنت إلى مشفى الجامعة غداً صباحا بدون طعام، وأتمنى أن تتفاءل.
    صباح اليوم التالي وهو يوم الأحد الأول من نيسان 2018، الربيع يغمر غوطة العرب، جميع الروائح العطرة والأزهار المتنوعة، تنفست على الأغصان والحقول، الآن تبدو الغوطة عروسة الدنيا، ولا شعب بوان ولا جنات عدن، ولا إرم ذات العماد، لقد خلقها الله لوحدها، هذا العام بعد سبعة أعوام، وبعد أن نظفت من الإرهاب سيتمكن سكان دمشق من الخروج إلى الغوطة كما اعتادوا، يأخذون فرشهم البسيط، بساطات مشغولة باليد وحصر وأراكيلهم، وربما عدة الطبخ ليفترشوا جنبات الطرقات، ويشعلوا الحطب ويطبخوا الطعام والشاي، وأهل دمشق أكثر الشعوب التي تحب النزهة، وذلك فقيرهم وأميرهم.
    ذهبنا إلى المشفى وجرت الجراحة بسرعة، ومشفى الجامعة مشفى قديم ما زال يعمل منذ أيم المستعمر الفرنسي، وقد كانت ميا معنا، فسلمت على كثير من الطبيبات والأطباء، وانتظرنا انتهاء الجراحة، وكأنها لم تستغرق الساعة، فأخرجوه ونقلوه إلى غرفة في الطابق الثاني فتبعناه وجلسنا إلى جانبيه، وقد شاهدت ميا تضحك فسألتها:
    - ما السبب، أنا أسر لأن تكوني منشرحة وأود أن أعرف سبب الانشراح.
    - يا عماد ما زلت أكتم إحساسي منذ عرفتك، أتذكر يوم فتحت غرفتي في الميرديان بالخطأ.
    - وكيف أنسى.
    - منذ تلك الدقيقة وأن أشتهي أن أعانقك. ولكنني أعتقد أن القدر هو سيد الموقف، وأنا أخاف من القدر.
    - أنا أسميه رحمة الله، إن ما جرى معي يا ميا نادر ولم يقع لأحد، لقد أحاطني الله بعناية منه، وقد نقلوني بين البلدان ولم يؤذوني على غير عادتهم وطباعهم، والتقيت بهذا الرجل القديس في طهران، من بين اثني عشر مليوناً من الناس صادفته، واستضافني بأكرم الضيافة، ثم كتب لي ثروته التي لا تحصى ورافقني، وأنت ستتعرفين إليه أكثر، ولن أتركه ما حييت.
    - وكيف تتركه والله جمعكما بأغرب مصادفة، وكأنه عاش عمره ينتظرك، وهو لن يتركك، هل استدعيت والديك يا عماد؟.
    - نعم ولدى راية الآن مشاغل وهم حريصون على أن تحضر زفافي، وسيحضرون قبل نهاية الأسبوع.
    - بشارة المنى، ولن نضيع وقتنا، سنعتني بضيفنا العزيز حتى يقوم من جراحته ويذهب معنا.
    - من دون شك فإننا سنقضي شهر العسل هنا في دمشق.
    ضحكت ميا وبدا عليها تمام الانشراح. والإرهابيون لم يقصفوا حي الميدان، فكأنه لم تكن هدفاً لهم، وبعد قليل حضر الدكتور القنواتي وقال:
    - كل شيء سليم عدا التحليل المنوي فإن جرثومة تأكل الحيوانات المنوية، وعلاجها سهل ودواؤها موجود، وسترون بعون الله أطفاله.
    ضحك عماد بسعادة كبيرة.
    لقد أفاق السيد وسمع كلامهما فذرف دموعاً منها تأثر، ومنها فرح بالخبر السعيد.
    علمني الدكتور القنواتي كيف أغير الضمادات على الجرح،وقال لي:
    - يكفي مرتان في اليوم مرة صباحاً وأخرى مساءً، ولن يستغرق الموضوع أكثر من ستة أيام بعدها تلقي بالضماد، واحرص على أن تهوِّي المنطقة لمدة ساعة، وتشرف عليه بدقة ليأخذ الدواء في مواعيده.
    راودني شعور بالحزن لفترة قصيرة، وتذكرت كيف لهذا الرجل أن يلبس ثياباً قديمة ويجلس ليتسوق الحسنة، ويشارك الفقراء بعض أحزانهم ويقضي ما شاء الله من حوائجهم.
    وكيف قابلته وطلب مني دفع أجرة المقهى، وبعد أخذ ورد دعاني إلى منزله، فصعدنا إلى سيارة فخمة مركونة بعد أمتار، فحملني إلى منزله وكان ما رويته.
    جلب لنا أبو طارق طعاماً إلى المشفى، وقد أخذنا بعضه وأعطينا الباقي للعاملات في المشفى. وعند المساء أعادتنا ميا إلى المنزل، فلاقانا الجميع بالترحيب، وهنئوه بالسلامة، وما أن استلقى في فراشه حتى أخذته عاصفة من النحيب، فجلست إلى جانبه أكفكف دموعه، وأنا أعلم سر هذا الشعور اقوي الذي انتابه.
    لقد كان يبكي امتناناً وحباً، وبدلاً عن كلمات الشكر. فقد عاش الرجل وحيداً بلا جذور، وكافح ووصل إلى الغنى وبقي لا يدري لمن سيؤول ذلك، ولكنه الآن يعرف أن تعبه لن يضيع فقد وضعه في مكانه.
    رحم الله زهير بن أبي سلمى فهو من قال:
    ومن يجعل المعروف من دون عرضه*** يفره، ومن لا يتقي الشتم يُشتم.
    خلال يومين تحسن وضع المريض وتنشف الجرح البسيط، وقد قمت بالعناية اللازمة، وكان الرجل خجولاً عفيفاً، يأخذه الحياء في كل مرة أنظف له الجرح وأغير الضمادات.
    تأخرت الأسرة عن القدوم، وقال والدي بأنهم لا يستطيعون الحضور قبل يوم الأحد، واعتبرت التاريخ مناسبا فيكون السيد قد أبل من جراحه، وتكون ميا قد خرجت مما يصيب النساء كل شهر، وقد راجعنا الطبيب يوم الخميس، فقال:
    - الحمد لله على السلامة، وفي الأسبوع القادم نقوم باختبار المنى.
    - على بركة الله، ويحق لنا أن نشكرك سيدي الطبيب فقد كنت بنا حفيا.
    خرجنا جميعاً يوم الجمعة إلى الغوطة، واحتفلنا بتحرير الغوطة وبربيعها الفتان، وسر السيد كثيراً بعادات الدمشقيين الذين كانوا يرقصون مبتهجين.
    سيظل السيد يذكر هذه الأيام إلى آخر العمر، ويحمد هذه العائلة الرضية الجميلة.
    من يعرف رائحة عرائش العنب في أول تكوين الورق، ستجد زهر العنب ومن أطيب وأخف الروائح التي خلقها الله.
    في الغوطة أشجار الجوز تزرع على طرفي الطريق ثم تشكل مظلة فوقها، تتخللها الشمس ببراقع كالتي وصفها المتنبي بقوله
    وألقى الشرق منها في ثيابي ** دنانيراً تفر من البنانِ
    في حين تغطي الزهور البساتين، وتتطلع إليك أكمامها، متلألئة فوق أغصان الأشجار المثمرة بمختلف الألوان.
    في المساء عدنا إلى المنزل متعبين، وذهبنا في سبات متصل.

  3. #33
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    12


    اليوم الأحد الثامن من نيسان أبريل، موعد وصول أهلي من مصر، وسيكونون في نقطة المصنع حيث الحدود السورية اللبنانية، وسيذهب غريب وميا لنقلهم إلى دمشق، ولم يسمح لي السيد حسن بالذهاب معهم:
    - لعل الهموم قد تراكمت في وجدانك، وقد لا تصمد لهذا اللقاء، وربما كان اللقاء هنا أقل ألماً لكم جميعاً.
    - لعله كذلك يا سيدي.
    كنت قد تعودت كتمان مشاعري منذ كنت صغيراً، كانت جدتي تخوفني من البكاء وتقول:
    _ الرجال لا يبكون، بل ينتقمون ممن اعتدى عليهم.
    لم أعرف وقتها أن هذه عادة الثأر عند أهل الصعيد، وحينما عرفت معنى الكلام كنت قد كبرت وكانت جدتي قد توفيت.
    في جميع الأحوال فقد كنت صبوراً في محنتي هذه، وسيطرت على مشاعري خلالها، ويبدو أنني كنت أخزن هذه المشاعر وستنفجر في لحظة معينة فتشقيني، فقد كانت أكبر من أن يتحملها جسمي الرقيق المدلل.
    بعد الساعة الواحدة ظهراً استطال الزمن، صار بساطاً لا نهاية له، أحس بأنه زمن فضائي، الدقيقة كأنها ساعة، وحين رن جرس الباب وسمعت صوت ميا عرفت أن ساعة الوصل حلت، وأخذ القوم يدخلون، ميا غريب راية ثم والدتي ووالدي، غطت عيني غشاوة، وحينما تقدمت راية لتسلم لم أستطع النهوض، فانحنت نحوي وقبلتني مرات كثيرة، وأنا جامد كالصنم، ثم اقتربت أمي، وانحنت فوقي:
    - ما بك يا حبيبي أنا أمك.
    كنت جداراُ ميتاً أو قطعة أرض صلدة صماء.
    - ويلي ماذا فعلوا بك يا بني قاتلهم الله؟.
    حانت لحظة الانفجار، ووجدتني أغرق في بحر من الألم، امتلأ أمامي دموعاً، بحيرة صغيرة من القهر، كان السيد حسن خلفي يشد رأسي إليه وكان أبو طارق وأم طارق غارقان أيضاً بدموعهما، أما ميا وراية فلم أعد أراهما.
    - أين ميا وراية؟.
    أجابني صوتهما المختنق من خلفي، ومعهما غريب فقد جلسوا على أسفل الدرج، فقمت وذهبت لأغسل وجهي، وحينما عدت شعرت ببعض الراحة، فجلست وقلت:
    - أين أبي؟.
    - أنا هنا.
    - تعال إلي وأعطني يدك.
    جاء والدي فقبلت يديه بدموعي أيضاً، وعادت أم عماد فنزلت أقبل يديها وقدميها، فصاح السيد حسن:
    - أوقفوا هذه المأساة الموجعة، واشكروا الله على النهايات السعيدة، وأنتم قادمون إلى عرسه، ولديكم فكرة عن معاناته، فساعدوه بشيء من الصبر، فإنه رجل شجاع.
    وكأن كلمات السيد جاءت برداً وسلاما، فقد أفقت كمن كان في كابوس، وأحسست براحة في صدري وأطرافي، وكأن دملة انفجرت وقد تم الشفاء منها، وطلبت راية فجاءت وعيناها متورمتان، فقبلتها، ثم أقبلت ميا وقالت:
    - لقد كنت رابط الجأش في الأيام السالفة فماذا حدث؟.
    - نعم يا حبيبتي، وقد عانيت عبئاً لا طاقة للبشر به، فلا تلومي.
    ضمتني ميا ثم قالت:
    - أفسح لي إلى جانبك لكي أجلس فلن أتركك أبداً.
    ناديت أبي أن يسرعوا في تجهيز العرس، فإنني أتحرق شوقاً لمصر.
    خرجت العائلتان وعادتا محملتين لم أعرف الوقت الذي غابوه فقد كنت مخدراً.
    قالت أم طارق:
    - كنا في سوق العرائس وجئنا بما تذكرناه من حاجات العروسين.
    ثم أردفت
    - وجلبنا معنا قطعاً من البروكار الدمشقي الفاخر تكون ثياباً لما بعد العرس.
    قالت الوالدة:
    - ونحن سنضيف عليها ما جهزناه بمصر، لقد كسونا الطابق الأول بأحسن كسوة وفرشناه بأحلى فرش جلبناه من دمياط، وفرش سليب كنفورت شغل الموسكي، وحسبنا حساب السيد.
    - بارك الله بك أنت أم عماد وأطهر وأنبل الأمهات.
    - والله يا حبيبي لا يغلو عليك شيء، وسأرى أبناءك بعون الله.
    - وأحفادك بعون الله.
    - لعل وعسى.
    - بل بعون الله سترينهم وتزوجيهم.
    قال السيد:
    - أنا لا أعرف المحلات الشهيرة بدمشق لإقامة الأعراس.
    - أنا سأدلك عليها،
    قال غريب وضحك.
    - على بركة الله، قم بنا .
    خرج السيد ومعه غريب وتأخرا بالعودة، وعندما رجعا قال :
    - كل الصالات جيدة وأعجبتني القاعة الشرقية في مطعم المعرض، وهي كافية من حيث المساحة وستزين بكل ما يلزم، وقد تعاقد مع فرقة موسيقية شهيرة، وهذه الفرق معدة بشكل فني ممتاز.
    قال والدي وأبو طارق:
    - شكرا لك يا مولانا.
    - لا مولى لنا جميعاً إلا الله، وبإمكانكم مناداتي بيا أخي.
    - ومتى الموعد؟.
    - مساء الخميس.
    اليوم الأحد وبيننا وبين الخميس أربعة أيام، يجب أن نقضيها في اصطحاب السيد إلى أماكن جديدة، وخطر ببالي أن أسأل ميا فقالت:
    - معك حق، سنخرج إلى وادي بردى، ثم بعده إلى عرنة في جبل الشيخ، وأظنه سيسعد بهما.
    - سمعاً وطاعة، ومن سيقود السيارات فسنصطحب أهالينا.
    قلت
    _ أنت وغريب وأنا إذا لزم الأمر.
    - عندنا في سورية إذا صادفت شرطة السير أحدا بدون شهادة سوق، اعتبروه صيداً ثميناً، يجب أن يدفع عليها ثروة صغيرة، ولا يجب أن يخالف السائق مخالفة فاحشة كما يسمونها، وهم في جميع الأحول سيخالفونك ولو كتبوا مخالفة ما، والأفضل أن تدفع مبلغاً صغيراً وتمر.
    - غداً صباحاً سنتوجه إلى وادي بردى.

  4. #34
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    13

    يوم الاثنين 9/ 4 / 2018
    الزيارة اليوم إلى وادي بردى، الذي يجري به النهر الصغير، فينقسم إلى سبعة فروع، تتوزع على سهل الغوطة لتروي كل أراضيه، وهي الآن تلوث كل السهل بمياه المجارير، وعندما تحدث السيول في دمشق ونادراً ما يحصل ذلك، تفيض المياه على الأقبية والشوارع، وتنتشر الروائح الكريهة في جميع أنحاء المدينة، ولكن المياه في المنابع نظيفة وباردة في الصيف، مقبولة الحرارة في الشتاء.
    تحدث عمي أبو طارق قال:
    - سكان دمشق على زماني كانوا ربع مليون فقط، وكانت مدينة نظيفة، ومقاهي ومنتزهات جميلة ورخيصة، وكانت الحياة في دمشق متعة، وكان شعب الشام القديم على زمني يكاد يعرف بعضه، الصالحاني والميداني والمزة والشيخ محي الدين، ودمشق القديمة في الأسواق وحي العمارة وغيره.
    يومها كانت الغيمة البيضاء تعبر سماء دمشق وعيون أبنائها، واضحة جميلة، وكان الخضري يمر أمام المنزل، وكان الناس يحصلون على الخبز الطازج بسهولة ويسر، كما كان بائعو اللحم كثيرين في الأحياء وفي سوق اللحم، وكانت أجرة الحافلة التي تنقل الركاب إلى قلب المدينة رمزية حولي قروش قليلة.
    أما لآن فعدد سكان المدينة في النهار حوالي ستة ملايين لا تكفيهم المياه ولا الطعام فعم الغلاء، وصعبت الحياة وجاء الغلاء وانخفض دخل السوري إلى العشر، ومع ذلك فقد خاض الشعب السوري هذه الحرب الكونية وسينتصر.
    صعدنا إلى المصائف، أخذت الطريق اتجاه دمشق بيروت وعند بلدة الهامة اتجهنا شمالاً إلى عين الخضرة. وقد وصلنا إلى وادي بردى المتدفق من ينابيعه، ولم يكن وقت الغداء قد حان، فتابعنا إلى عين الفيجة القريبة، التي كانت كافية للاستخدام المنزلي، وكانت مؤسسة مياه الفيجة توصل الماء إلى المنازل فيشتري المواطن ربع متر أو نصف متر أو مترا من الماء النقي البارد حسب الأسرة، فتكفيه وتزيد عليه.
    أما الآن فيشترك نهر بردى وكثيراً من الآبار الجوفية ولا تكاد المياه تكفي.
    تركنا عين الفيجة واتجهنا إلى الزبداني، ومنها ينبع نهر بردى.
    وقد بني على النبع سد كبير، فنظرتُ إلى ميا.
    - لماذا هذ السد مليء بالطمي، ألا يجب تنظيفه
    - بلى ولا أعرف سب عدم تنظيفه؟.
    - لماذا لم تسألي؟
    - السبب بسيط هو أنني لم أنتبه .
    - لعله سبب وجيه.
    ضحك الجميع، وقد كانت الزبداني بلدة مدمرة، تجعلك حزيناً.
    فاتجهنا إلى بلودان، وفيها نبع شهير اسمه أبو زاد، ومطعم معروف، وقد كتب عنه الكثير في عهد الوحدة، فوصلنا بعد الظهيرة بقليل، ضحكت فقالت ميا:
    - مالك يا رجل؟.
    - كأننا لسنا مسلمين يا ميا، فلا وقت يعرف ولا صلاة تقام.
    يبدو أننا الرواد الوحيدون في المطعم، فجاء النادل وقال:
    - لم يبدأ موسمنا بعد، وليس لدينا طعام إلا المشاوي، وهي من الفراخ، والفراخ عندنا حي ونستخدمه عند الحاجة، وفي يوم الجمعة يجيء إلى المطعم بعض الرواد، على كل حال فكم من الفراخ تريدون؟.
    فقالت ميا بعد أن عدت الأشخاص
    - نحن نريد ستة وواحد لك.
    - الفراخ كبيرة وخمسة تزيد عن الحاجة. وأقترح أن تقوموا أنتم بإعداد التبولة والسلطات، فإننا نزرع البقدونس هنا وهو جيد ونظيف وطيب.
    - وماذا ستفعل أنت؟.
    - أحضر الفراخ وأشويها، ومعها البصل والطماطم.
    - والخبز.
    - عندنا خبز تنور طري.
    قلت أنا:
    - إن هذا المطعم شعبي، وإن نادله خفيف الظل.
    أحضر الرجل حاجات التبولة والسلطات وكل ما يلزم وقال:
    - أنبه النساء أن الحد طيب فلا يجرحن أنفسهن.
    ينبع النبع من رأس الجبل، ويجري أمام الرواد، وقامت النساء فغسلن الخضار بمائه النقي، وابتدأن بتقطيع الخضار، وأحضر الرجل بعض الزبدة والشنكليش والبصل الأخضر وقال:
    - ربما كان بينكم من جاع، فليأخذ القليل.
    - ألم أقل لك يا ميا: إن النادل كريم بطبعه.
    - لا تفاجأ إذا كان نوادل دمشق ظرفاء وكرام كأهل دمشق.
    - أنعم وأكرم بدمشق وأهلها.
    في الساعة الثالثة والنصف كنا نتناول طعام غداء اقتصر على ما رويته، وبعد إنهاء الطعام طلبنا فنجان قهوة فقالت ميا:
    - هذ ما سنؤجله إلى دمشق، وقد أحسست بقرصة برد، واحتجت الراحة.
    قالت أم عماد:
    - نسيت يا عماد أننا سكان مناطق حارة وأن مثل هذا الجو يمكن أن يمرضنا.
    - نعم يا أم عماد لقد أنساني القدر الكثير، وأعطاني درساً لن أنساه.
    عدنا إلى دمشق متعبين ومتخمين فخلدنا إلى الراحة، واستسلمنا لسلطان النوم، وعندما استيقظت سمعت أصواتهم في الصالة فنزلت.
    قالت ميا:
    - أفقنا جميعاً في وقت واحد، وآن أن نشرب قهوة ميا.
    قالت أم عماد.
    - نِعْمَ القهوة.
    كان الوالدان من أسعد الناس بهذه العلاقة، وبدت الراحة وتحسن الصحة على وجهيهما.
    وقال أبو عماد:
    - إلى أين ستأخذوننا غداً.
    قال أبو طارق:
    - إلى عرنة في جبل الشيخ.
    - وأين تقع؟.
    - في سفح جبل الشيخ.
    - ألا يوجد فيها صهاينة؟.
    - لا فهي بلد سوري، وسترون منها الجولان المحتل.
    سكت الجميع فقال أبو طارق:
    - لا داع للتخوف فإن الأمن مستتب هناك.
    قلت:
    - وعلى الطريق.
    - الطريق سالك، ولا إراهبيين عليه.
    قالت أم عماد وراية معاً:
    - لن نذهب وعسى أن نراها في مرة أخرى.

  5. #35
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    14


    الثلاثاء العاشر من شهر نيسان أبريل 2018، لابد من النصر، كانت أصوات الانفجارات تصم الآذان واهتزازتها ترجف البيوت، قررنا أن لا نغادر المنزل حتى تهدأ المدينة بعض الشيء، وقررت أنا وميا أن نتسامر مع أهلي، وجلست ميا على سرير والدتي تقبل أمي، التي طلبت منها أن تستلقي بحضنها، ففعلت ثم ابتدأتا الهمس، فتركتهما ونزلت إلى الصالة، ووجدت السيد جالساً فجلست بجانبه وقلت:
    - صباح الخير سيدنا.
    - صباح السعادة يا ولدي.
    - كيف ترى صحتك بعد انتهاء الدواء؟.
    - جيدة بعون الله.
    - عندما نصل إلى مصر سأزوجك بأجمل وأفتى بنات الصعيد، فهن الأجمل والأولد.
    - يا ولدي لقد رزقني الهو بك، وهذا يكفيني.
    - سأتزوج أنا ثم أنت، ونتسابق في الإنجاب.
    - رويدك يا ولدي فلقد كفيتني الحاجة للأولاد.
    - يا سيدي أريد أن أفرح بك وبأولادك كما فرحت بي، وأتعهدهم كما تعهدتني.
    - بارك الله بك، إن أصوات الانفجارات تصم الآذان.
    - لقد ابتدأ تحرير الغوطة، وسيستغرق أياماً.
    - هل هذا يعني أننا سنسجن هنا؟.
    - لا وفي ذهني أن نصعد إلى قاسيون. يا ميا.
    أجابت ميا وحين سألتها إذا كان بإمكاننا الصعود إلى قاسيون.
    - بالطبع فلا يوجد سبب يمنعنا.
    - فأعدوا العدة لذلك.
    صعدنا إلى قاسيون عن طريق جسر دمر، ومنه إلى الجبل.
    قال السيد حسن:
    - ما أجمل دمشق من هنا.
    جلسنا في مقهى ومطعم مطل، كانت الطائرات تقصف جوبر، وكان الدخان والغبار يتصاعدان من عدة أماكن فيها، لم يعد في جوبر أكثر من خمسة أبنية عالية والباقي تهدم، وكانت صواريخ أرض أرض تنفجر فتهتز المدينة كلها.
    تحمل ميا منظارا كبيرا ، أعطته للأهل فصاروا يتفرجون ويسألون عن هذه الأماكن فتجيبهم ميا، قالت راية:
    - هل يمكنك أن ترينا منزلكم؟.
    دلت ميا راية على منزل والدها فاعترفت راية بأنه شديد الوضوح، وطلبنا غداء خفيفاً من الشواء كباب وشقف وطيور، وقد سر الجميع، ثم نزلنا إلى المدينة، قال السيد:
    - ألن نتفرج على دمشق اليوم ؟.
    - لا فإنني أتخوف عليكم من هذه الصواريخ التي يطلقها المسلحون.
    قالت ميا وهي تحذرنا.
    - فلنخرج نحو الجهة الأخرى الربوة ودمر.
    - رأي حسن.
    توجهنا على طريق بيروت فالربوة، وفي ساحة الأمويين انفجرت قذيفة، وجاءت في الحديقة فأصدرت صوتاً ولم توقع أضراراً، وتجاوزنا دمر إلى الديماس ودخلنا مطعم صحارى، وكان خالياً إلا من بعض الرواد، وطلبت النسوة النراجيل وجلسنا نتسامر.
    قال والدي:
    - أتمنى أن أسمع من السيد حسن شيئاً عن ماضي الأحواز. وأعطاها الإنكليز لإيران في أوائل القرن الماضي
    قلت:
    - دعونا من الأحاديث المزعجة فإننا موتورون.
    - ليس هناك ما أخبرك به، غير الأسى، فسكانها عرب، وأعطاها الإنكليز لإيران في أوائل القرن الماضي أما من تفاصيل؟.
    قال السيد:
    - مساحة الأحواز حوالي 150000 كم2 ي أنها بمساحة سورية تقريباً.
    ويبلغ عدد سكان شعب الأحواز نحو 8 ملايين نسمة، كان 99% من أصل السكان عربا، ولكن هذه النسبة اختلت فأصبحت 95% من العرب، والـ5% الباقية من الفرس والقوميات الأخرى. وذلك بفعل سياسة الحكومة الإيرانية في تشجيع الفرس على الهجرة إلى إقليم الأحواز والاستيطان فيه، وفي تهجير العرب السكان الأصليين منه، لإضفاء الصبغة الفارسية على هذا القطر بهدف طمس هويته العربية.
    - هل هناك تاريخ للأحواز؟.
    - تعود جذور شعب الأحواز إلى العديد من القبائل العربية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "بني كعب"، و"بني طرف"، وقبائل "آل سيد نعمة"، و"بني تميم"، و"آل كثير" وغيرها من القبائل، كما أن هناك أقليات دينية عربية مثل الصابئة والمسيحيين واليهود.
    عرب الأحواز يعتنقون المذهب الشيعي و المذهب السني ولكن في الآونة الأخيرة أكثر شباب الشيعة في الأحواز اتجهوا نحو التسنن والبداية منذ عام 1988 ميلادية ويتحدثون باللهجة الرافدية، فيما يعتنق عرب الجزر والمواني الشمالية للخليج المذهب السني ويتحدثون باللهجة الخليجية وتفرض اللغة الفارسية كلغة رسمية للتعلم في الإقليم. ويلاحظ أن العديد من عرب "الأحواز" يقيمون خارج الإقليم، إما في دول الخليج أو في الدول الأوربية، وذلك لأسباب سياسية أو اقتصادية.
    ويتميز عرب الأحواز بتاريخهم الأدبي ومخزون فقهي خاص بهم حيث صدرت لهم العديد من الأعمال المميزة بعد الإسلام في هذا المجال. وكانت النهضة الأدبية الثقافية الأحوازية قد بلغت ذروتها إبان حكم المشعشعين والكعبيين أواخر القرن السابع عشر، وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
    - إنه تاريخ واضح ومشرق.
    وفي مقهى ومطعم صحارى جرى الحديث التالي:
    قالت أم طارق:
    - أين سيسكن عماد في القاهرة:
    قالت أم عماد:
    - في منزله، فبناؤنا أربعة طوابق، وقد جهزنا له الطابق الأول وهو منزل كبير مساحته أكثر من مائتين وخمسين متراً.
    وقد جهزناه بأحسن الإكمالات والفرش، وحسبنا حساب السيد بجناح مرتبط بالسلم والمنزل.
    - وكيف ستقوم ميا بتنظيفه؟.
    - عندنا في مصر توجد خادمات لهذا الغرض.
    - ومن أين سيعيشان؟.
    كان السيد يستمع فقال:
    - إن عماداً من أغنى أغنياء مصر. ويمتلك بئري نفط والكثير من الأملاك الأخرى.
    - لا تخافوا علي فإنني سأباشر العمل عند عودتي.
    قال السيد:
    - بل إنك ستفتح أكبر تجارة هناك، وإن باسمه أكثر من مائتي مليون دولار، قسم منها في بنوك مصر.
    عدنا إلى المنزل، وقد تحررنا حتى يوم العرس، فغداً ستذهب النسوة إلى سوق الحميدية، وسيكون يوم راحة لنا.

  6. #36
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    15

    اتفقنا أن يكون يوم غد الأربعاء يوم استراحة واستعداد للعرس، وقد سألت منذ صباح اليوم التالي عن رحلة الخطوط العربية السورية القادمة إلى القاهرة؟، فقيل لي: إن الرحلة القادمة ستكون يوم الخميس، في الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً، فأعطيت ميا لتحجز لنا ستة مقاعد في الدرجة الأولى، وحينما نزلت النسوة ليتسوقن حجزت ستة مقاعد وقالت بعد أن عادت:
    - هناك رجل في عمرك سألني عنك وقال لي أنكما كنتما رفيقين في الجامعة، اسمه ماهر الحموي.
    - نعم إنني أعرفه، فقد كنا رفيقين في كلية العلوم، فماذا يعمل اليوم؟.
    - لا أعرف فكان مثلنا يشتري بطاقة.
    - دعونا نتسامر.
    جلسنا نتسامر، وفتح الحديث عمي أبو طارق متحدثاً إلى السيد فقال:
    - عندنا في دمشق الكثير من الشيعة، ومنهم عائلة شهيرة اسمها عائلة المرتضى.
    - أنا غير متدين ولا تهمني هذه المواضيع، ولا أبحث عنها، فقد كرهت المذهبية ، ويكاد هؤلاء المجرمون يكفروننا بالإسلام.
    قلت أنا:
    - ما علاقة الدين بهؤلاء، إن الدين يأمر بالمعروف، وينهى عن الفحشاء والمنكر، وهذه الأعمال التي يفعلونها تدخل في الفحشاء والمنكر، واللوم يقع على مشائخهم الذين يفتون لهم بأكره الفتاوى.
    قال السيد:
    - دعونا من هذا الحديث المثير للشجون، ولنتسامر في المفيد، وإذا سمحتم فإنني سأروي لكم حكاية.
    قال الوالد:
    - تفضل.
    - كنت في أمستردام بغرض شراء رؤوس حفر ولوازم الحفارات، فجاءني شاب جميل وقال:
    - كأنك عربي.
    - أنا كذلك.
    - اسمع قصتي يا سيدي.
    - تفضل.
    - اسمي جون، وأنا هولندي من أصول قديمة، وكنت أعمل في منظمة أطباء بلا حدود في الصومال، وبالصدفة عالجت فتاة صومالية، رأيتها أجمل النساء، فخطبتها من أهلها واستكملت علاجها، حتى شفيت فتزوجتها، وأنجبت منها ولدين إبراهيم وسعد، وحين وجب علي العودة إلى هولندا، منعها أهلها من السفر بحجة أن الزواج غير مقبول لاختلاف الديانتين، ورغم أنني أعلنت إسلامي، وشهدت الشهادتين لم يغير ذلك شيئاً في موقفهم، وهي لا تستطيع الهرب مخافة من القتل، والآن أتضور شوقاً إليها وإلى ولدي.
    - وماذا يمكنني أن أفيدك وأنا من سكان إيران؟.
    - كلما رأيت عربياً شكوت له.
    أخذت بعض المعلومات منه، وقلت له:
    - سأبذل جهدي يا سيدي.
    - ولك الثواب.
    اتصلت بصديق يمني ورويت له الحديث فقال:
    - سنجد حلا لهذا الموضوع.
    وبعد فترة اتصل بي وقال:
    - إلا أين سنرسل الفتاة؟.
    - إلى ستوكهولم، وسأحول لك مبلغاً تعطيها منه.
    اتصل بي صاحبي وقال ستصل إلى ستوكهولم بعد ساعتين، فهتفت للرجل:
    - انتظر زوجتك في المطار.
    بعد أيام أرسل لي رسالة شكر وعبر عن فرحته وراحته، وقال:
    - كم أتمنى أن أرد لك هذا المعروف.
    - عندما ترده لن يبقى معروفاً، ولذلك لا تحاول، وكن سعيدا بعائلتك.
    أرسل لي صورة لزوجته وولديه، والحقيقة أن زوجته في منتهى الجمال العربي، وقد عجبت لإخلاصه وإلحاحه إلى أن حقق غايته.
    عادت النسوة محملات بجهاز العرس، فقلت لميا:
    - خففي حملك، وخذي معك ما قَلَّ، والباقي دعيه هنا فأظن أننا سنعود.
    ضحكت ميا بسعادة ثم اختفت في المنزل، لم يكن لدي أي تجربة في الحب، وكانت ميا ساذجة إلى درجة البساطة، لكن هذا يناسبني فأنا أيضاً كنت غراً.
    كان غداؤنا ليوم الأربعاء بسيطاً وأغلبه من الشواء خارج المنزل، وأعدت النسوة بعض البصل المفروم شرائح مع القليل من الطماطم، متبلة بالزيت والسماق.
    استراحة بعد الغداء متوقعة مع إغفاءة قصيرة، فنزلت إلى الصالة فوجدت والدي ووالدتي يجلسان وحيدين، فسلمت وتقدمت إلى أم عماد وقلت لها:
    - هل تعطيني يدك أقبلها.
    - تعال يا حبيبي فإني أريد أن أضمك إلي كما لو كنت طفلاً، جلست إلى جانبها وأخذت يدها أقبلها وأتركها على خدي، وضمتني إليها فأحسست بعودتي إلى طفولتي، وقد شعرت بالنعاس فغفوت على صدرها وما زالت يدها على وجهي.
    الأمومة شعور مقدس، وللأم منزلة في النفس تبقى طيلة العمر تتعمق مع الزمن حتى يصبح محراب الأمومة جاهزاً للخشوع.
    كانت دموعها تتحرج على خدي لتمتزج بدموعي، وشعرت بمن يراقبنا فاستيقظت لأرى راية تضع رأسها بين يديها وتغرق في نحيب مسموع.
    دخلت ميا وقالت:
    - ما هذا ألسنا في عرس ؟!.
    قالت راية
    - بل نحن في غاية التأثر، بكل ما حصل.
    - الحمد لله على فرجه، لقد كنت أعرف دائماً ما عانيتموه، وأظنكم تعلمون ما عانيت أنا وأهلي، إن لعماد في قلوبهم منزلة أكبر من منزلة طارق وغريب، وهما ابنان باران.
    كنت أسمع الحوار وأنا شبه مخدر، ولا أظن الوالدة سمعته فقد كانت مغيبة إلا عن الشعور بي.
    لقد كان دوستويفسكي رائعاً في كل كتاباته، وكل تحليلاته النفسية، لكنه لم يتحدث عن علاقة رجل مثقف بوالدته بهذا العمق، كتب العباقرة كلاماً كثيراً غدا سائراً بين الناس، لكنهم يعجزون عن إظهار شعورهم بما يكتبون، حتى غوركي في كتابه الخالد الأم كان سطحياً، وكان شارلز ديكنز عميقاً جداً لكنه لم يرق هذا المرقى.
    نزل السيد حسن فوجدنا على هذه الحالة، فقال:
    - هيا استيقظوا، غداً عرسه ولا أحد يحاول التخفيف عنه في مأساته، إنكم تشقونني بشقائه، وهو وحيدي وعندكم غيره، ارحموه وارحموني معه، كان كلام السيد كافياً، وحين نزل أبو عماد وأبو طارق كان المنظر مختلفاً.
    قالت راية:
    - أرجوك يا ميا ضعي لي أسطوانة فإنني أريد أن أرقص.
    وضعت ميا أسطوانة راقصة، وابتدأتا ترقصان وتبكيان، كان الموضوع بكامله مؤثراً، ووجدت الجميع حتى السيد حسن يبكون بصمت، وهم في غاية التعاسة والشقاء.
    قال السيد حسن:
    - ألا يكفيني عبث الزمن بي حتى نكبت بعائلتين حساستين، ألا تعرفون شيئاً عن الفرح، اجلبوا ليتراً من الويسكي أو أكثر فأنا أريد أن أشرب.
    دخلت ميا وعادت بليترين من الويسكي وبعض المازات الخفيفة من البسطرمة والشنكليش والمكسرات، وابتدأنا نشرب، وقال السيد حسن:
    - أريد من عماد وميا أن يقبلا بعضيهما أمامي.
    - لعلنا نملك بقية من خجل يا سيدي، وغداً عرسنا وبعدها سترانا نقبل بعضنا بشوق.
    ضحك الجميع.

  7. #37
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي


    16

    شربنا الليترين وغاب عمي ليعود ومعه صندوق من الويسكي الفاخر، وقال:
    - ليتكم تكتفون الآن فغدا العرس.
    - غدا سنكون في طريقنا إلى القاهرة إن شاء الله.
    - لقد نسينا، ولكن لنطلب عشاء محترماً يتمم الجلسة.
    قالت ميا:
    - سنعد نحن التبولة ونضع المخللات.
    قالت والدتي:
    - لقد فزنا بالكنز والباقي لا يهم.
    قامت النسوة وابتدأن بإعداد بعض المقبلات، قلت:
    - أنا من فاز بالكنز بيت عمي أبو طارق والتعرف عليهم ومصاهرتهم بجوهرة دمشق، والذي يعرف ميا يعرف قيمتها فهي المنى وحبيبة العمر.
    قالت راية:
    - اسمعوا قيس فإنه يجيد الغزل.
    حضر الشواء المتنوع، وجلس الجميع يستمتعون بهذا اللقاء العذب.
    استيقظنا متأخرين صباح الخميس واليوم العرس، كانت ميا وأهلها وطبعاً أهلي في غاية السرور، وحضرت الصبايا أنفسهم للتجميل، والتفنن في إظهار العروس تحفة فنية، وقلت:
    - لا تتعبن أنفسكن فليس من مدعوين غير أصحاب البيت، ولا يوجد مدعو واحد من خارج الأسرة فلا بأس.
    ابتدأ العرس في الثامنة مساء، وكانت الموائد عامرة بما لذ وطاب، ومن جميع المشروبات الكحولية والغازية والعصائر، وكان الحضور عائلة ميا وأبواها وأخواها وزوجة طارق وولداها، وعما ميا وزوجتاهما وأبناؤهما، ونحن أبو عماد وأمي وأختي راية، والسيد حسن.
    في حولي التاسعة مساء دخل صالة العرس شاب أربعيني جلس على طاولة وحيداً، فقمت لعنده وقد دعوته لينضم إلينا فقال:
    - أنت العريس الأستاذ عماد.
    - نعم بلحمه وشحمه.
    - أنا الرائد محمد من الأمن العربي السوري، وقد بلغنا أنك خطفت في سورية ودارت بك الطائرات إلى أوزبكستان.
    - نعم وفيها أطلق سراحي، فركبت القطار إلى طهران، وفي طهران تعرفت إلى صديقي من الأحواز الذي كان في نهاية الكرم وقد حملني إلى دمشق وفيها خطيبتي، وهذا عرسنا، وسنغادر إلى القاهرة بعد ساعتين.
    - بارك الله بك ولك، ونتمنى لك السعادة والبنات والبنين.
    غادر الرجل معتذراً عن الانضمام إلينا لمشاغله، وعدت لتبدأ السهرة، وقد سأل الحضور عن الشاب فقلت لهم:
    - هو أحد الذين اعتادوا الوفادة على المطعم، ولم يعلمه أحد أنه محجوز، فاعتذر وذهب.
    - ألم تدعه؟.
    - بل دعوته فلم يقبل الانضمام إلينا.
    قال والدي:
    - لعلنا لن نفرط في الشراب فنحن اليوم على سفر.
    قلت:
    - يا أبا عماد اليوم خمر وغداً أمر، هل سمعت بشخص غير مخمور يقدم على الزواج.
    - نعم يا ولدي وأنت منهم.
    - سأبقى سكراناً بميا حتى آخر العمر.
    - أنا لست نداً لك، فعندك أجمل الكلام.
    قال أحد الأعمام:
    - دعه يثبت على كلامه، وسنراه بعد أعوام .
    ضحك الجميع وابتدأت السهرة، وبعد قليل دخلت الفرقة الموسيقية ومعها مطرب، وفرقة دبكة، فطلبت من الفرقة الموسيقية أنغاماً هادئة ومن المطرب أغان خفيفة ورومانسية، وأننا سننهي الحفل في الحادية عشرة، لأننا سنسافر إلى القاهرة في الساعة الحادية عشرة والنصف، وبإمكانكم حضور عرس آخر، فضحكوا سروراً وابتدؤوا الموسيقى.
    ابتدأت الزفة في العاشرة والنصف، وتقدمت مع العروس على أنغام أجنبية، وأجلسونا على كنبة عريضة موضوعة في صدر الصالة، وحضر المأذون فكتب الكتاب ومضى.
    وهذه صورة عن الزفة الشامية، وفيها الكثير من الأدب الشعبي المضحك:
    شـن كليلة شـن كليلة شو هالليلة ... شو هالليلة
    مـن هالليلة حمل السلة ومن هالليلة صار له عيلة
    الله يعينه على هالليلة!
    عريـس الزين يتهنّـى يطلـب علينا ويتمـنى،
    عريـس الزين يا غالي أفديه بالـروح والمال
    يا عريـس كفّك محنى يا عريـس كتر ملبّس
    يا سـباع البـرّ حـومي اشـربي ولا تعـومي
    اشـربي من بير زمـزم زمـزم عليها السـلام
    ويا سلام اضرب سـلام عللي مظـلل بالغـمام
    الغـمـامـة غـمتـو غـمتـو ومـا لمتـو
    غمتـو خـوفـاً عليـه وعلينـا ... وعـليـه
    وعلـى من زار قـبره وعلـى من حـج إليه
    وبين كل فترة وأخرى، يقف الموكب ويردد "قوّال" العراضة: "يا أهل العدية... يا أهل العدية... يا سامعين الندية، فيجيب الشباب جميعاً: هيه!
    فيقول: الله لا يقطع لنا ولا يقطع لكم ذرية... بجاه النبي محمد خير البرية... وإن كانت راية وراية عريسنا وبيّض الله.
    فيجيب الجميع بلحن معين: وجهوووووه...
    وعند الوصول إلى مدخل دار العرس (أو إلى بيت العروس) تشتد عزيمة الشباب.. وترتفع الأصوات بالهتافات: "جينا جينا جينا... جبنا العريس وجينا"... وتختلط الهتافات مع زغاريد النسوة
    تقبلنا التهاني وأصر الحضور على أن أقبل العروس، وهذا ما كنت أرغب به دائماً، ويمنعني عنه كبرياء وأناة فطرت عليهما.
    وخرجنا في طريقنا إلى مطار دمشق الدولي فكانت المذيعة تطلب من ركاب الطائرة السورية التوجه إلى الطائرة، ولم نجد صعوبات في المطار، وصرنا الآن في سماء دمياط، وبعد حين سننزل في ميناء القاهرة الجوي، وكان في استقبالنا لفيف من الأصدقاء والجيران، حملونا إلى منزلنا بعد المباركات.
    في المنزل كنا متعبين، وصعدت مع ميا إلى الطابق الأول الذي كان رائعاً، ودخلنا غرفة نومنا المعدة بترف، ولعله شغل راية، في حين بقي السيد حسن في الطابق الأرضي يحتل غرفتي أثناء العزوبية.
    أعطت العروس كل ما لديها بكرم وشرف، وقد كانت امرأة ودوداً بسيطة وصادقة:
    قلت:
    - هل آن الأوان لأتحدث عن معاناتي وآلامي يا ميا.
    - لا ومن الأفضل تناسي تلك الأيام الشقية وعدم تذكرها إذا أمكن، لقد عانينا جميعاً يا عماد، ليس بمقدارك باعتبارك صاحب التجربة، ويمكن كل منا أنا وأهلك وأهلي تأليف الكتب الطوال عن أحزاننا.
    طلع الصباح، ونحن الآن في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر أبريل. ونزلنا عند الأهل، ولم نشاهد القاهرة بعد، وجاء السيد حسن فقدم مباركته، وقال:
    - أحس أني مقيد، ولن أبقى هكذا.
    هتف السيد حسن إلى أحدهم وسمعته يتحدث عن سيارتي مارسيدس آخر طراز، وثلاث سيارات تويوتا أحدث موديل، وتبسم لينهي المكالمة ويجلس.
    - أين سنذهب اليوم؟.
    - اليوم استراحة، ويجب أن نحضر أنفسنا للمباركة، أما أنتم فلا تنشغلوا، فنحن هنا، وقد أرسل معنا أبو طارق حاجات الضيافة من الحلويات وسنجلب الفواكه

  8. #38
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    17

    أحسست ببعض الضياع، فأنا في أول شهر العسل، ولم أستطع أن أنزل ميا في فندق أو منتجع يشعرها بأنها في عرس، وعلي واجبات سريعة تجاه السيد حسن، فهو ضيف عزيز وغريب ويجب أن أراعيه، وشاورت ميا فقالت:
    - طالما أنت معي فما زلت في العرس، والزمن أمامنا، وسنزور مختلف الأماكن، ولكن اعتن بضيفنا كما يجب، وقد حدثتني عن موضوع أتمنى أن تكمله، وستقوم راية بما يجب.
    - نعم يا أميرتي فإنه أكثر ما يشغل بالي، ولا أجد عذراً يكفي لما حدث، ولعل شكري يعوض بعضاً من تقصيري، وإذا انتفى العذر بقي الشكر.
    - يا عماد أنا امرأة بسيطة بلا مطالب، وأنا أحبك إلى درجة لا تطلب منك الأعذار ولا حتى الشكر.
    - والله إني رجل محظوظ، ومن رضا الله علي أني التقيت بك صدفة، فكانت أغلى صدفة.
    - حبيبي فلنتجاوز هذا الحديث ولا نكرره،.
    كانت أم عماد قد حضرت نفسها لإعداد الغداء، وقال السيد حسن:
    - ما رأيكم أن أعزمكم إلى مطعم ترضونه لي ولكم.
    - نحن ضيوف لدى أم عماد، وستقوم بما يجب، ونحن قوم نعيش حياتنا ونشرب في مناسبات خيرها هذه المناسبة، ولقد أعدت أم عماد كل ما يلزم.
    قال السيد حسن:
    - أحس أني غير طبيعي، وستتركونني على حريتي فأنا أريد أن أعوض على عماد بعض عذاباته.
    قلت:
    - لن أتركك حتى أزوجك وعندها سأستمع إلى اقتراحك، فتوكل على الله وتحملنا حتى نكون نحن مطمئنين.
    أمضينا اليوم ونحن نأكل ونشرب، ونمنا باكراً، وقد أخذنا سلطان النوم إلى مملكته، ومع ذلك فلم نستيقظ إلى اليوم التالي قريباً من منتصفه.
    وقد سمعت ضجة صباحاً وصوت ناس دخلوا البيت ثم ذهبوا.
    نزلنا إلى الطابق الأرضي وقد لفت انتباهي وجود عدة سيارات جديدة أمام المنزل، وكانت ميا قد لاحظت ذلك، ونظرت إلي وقد قلبت شفتيها كناية عن جهلها لما جرى، وفي المنزل قال لي السيد حسن:
    - هذه مفاتح سيارتك السوداء.
    - لقد حزرت ذلك ولك منا الشكر الجزيل.
    - وهذه مفاتيح سيارة ميا.
    قالت ميا:
    - أنا أشكرك ولا أرى ثمة حاجة لها.
    - وهذا مفتاح سيارة راية. وهذا مفتاح سيارة أبي عماد أبونا كلنا.
    قال أبو عماد:
    - نحن قوم عصاميون يا سيدي، ونحس بالإحراج الدائم لهذه الهدايا الكبرى، ولن نستطيع سداد ثمنها.
    - لقد سدد عماد ثمنها، وأنا مجرد واسطة، ولو دخلتم إلى نفسي لفهمتم، فجميع ما ملكته لا يساوي عندي طيفا لمعاملتكم، فالرزق على الله والكن المحبة تبقى.
    - سيدي عندنا سيارات كافية لخدمتنا، وهي لا تعدل شيئاً من هديتك، ولكنها تفي بالغرض.
    - تصدقوا بها.
    اتصلت بالدكتور محمد شوقي، فوجدته في عيادته، وحدثته عن وضع السيد بالتفصيل وما أجراه الدكتور القنواتي في سورية فقال:
    - اليوم السبت وغدا الأحد موعدنا في الساعة الثامنة مساء.
    قلت للسيد:
    - موعدنا مساء الغد.
    -على بركة الله.
    لم يعرف الحاضرون شيئاً عن الموضوع عدا ميا، فنظرت إلي باستحسان.
    كانت ميا حالة خاصة، ومنذ اليوم الأول كانت زوجة وأماً وبنتاً، وكانت ذكية فقد كانت تفهمني من دون أن أتكلم، وفي أكثر الأحيان كانت لا تحيجني إلى طلب شيء، وبمجرد أن أنظر تفهم حاجتي، وتجلبها بسرعة، وقد كنت قليل الطلبات.
    قال السيد حسن:
    - أليس الأولى بك أن تأخذ عروسك إلى أي مكان هادئ وجميل.
    - بل الأولى بنا جميعاً أن نذهب معاً إلى مسرح البالون، ونخرج منه إلى مينا هاوس.
    - لقد زرت سابقاً مينا هاوس وهو مكان نظيف ويقدم طعاماً طيباً، ولم أزر مسرح البالون.
    - ظل مسرح البالون يمثل مسرح الفولكلور الشعبي، وكانت فرقة رضا تطور الفولكلور باتجاه الرقص والموسيقى والغناء الشعبي، وكانت السيدة فريدة فهمي تكره رقص هز البطن القديم، ونقلته إلى مستو فني رفيع وأرقى.
    - سنرى ذلك.
    ذهبنا جميعاً عدا أبو عماد فلديه غداً تلبية طلب لفرقة السويس، ويجب أن تصل بموعدها.
    وصلنا إلى المسرح، ولم نعجب بالبرنامج الذي يقدمه وبعد ساعة قمنا جميعاً وانتقلنا إلى مينا هاوس، فدخلت المطبخ لأسأل عن الطعام، وقلت للشيف:
    - معي ضيوف وأريدك أن تنتقي لنا طعاماً طيباً وسنشرب معه كأساً من الويسكي.
    وعدت ليأتي الميتر بعد لحظات ومعه نوادل يحملون المقبلات وليتراً من الويسكي، وسأل:
    - صودا أم ثلج؟.
    - الاثنان.
    أقبل أحد النوادل حمل بيده باقة من الورد وأشار إلى طاولة يجلس عليها الدكتور حنفي، فقمت إليه سريعاً وتعانقنا، ووجدت دموعه تتساقط على وجنتيه فالأرض، وقال:
    - اعتبرها فرحاً بالزواج الميمون، ولقد تفاجأت بك، فلم أخبر بعودتك، والحمد لله على سلامتك وألف مبروك.
    - كم أتمنى أن تنضم إلينا، فلدي شوق لا أستطيع وصفه.
    - بل يجب بعد أن أزورك وأقوم بواجب المباركة، ومتى تتمكن من استقبالنا أخبرني.
    - والله أنا أتشرف بزيارتك لي في جميع الأوقات، ومعي ضيف عزيز، وهو بحاجة لمدة أسبوع، وسنكون في الأرياف، وأريد بعد عودتي أن أستشيرك بمواضيع أخرى.
    انتبهت إلى طاولته فإذا معه ضيف عجوز، ولم يعرفني عليه، فعدت إلى طاولتنا، قال السيد حسن:
    - من الرجل اللطيف الذي ذهبت إليه؟.
    - هو أستاذي الدكتور سعيد حنفي ومن أقرب الناس إلي.
    مر يوم السبت بطيئاً كعادته، يظل هذا اليوم يحمل طيفاً من الكسل فهو يأتي بعد عطلة نهاية الأسبوع، وكنت أحس به بالنعاس، ولعل السبب عادة تعودت عليها، فلم يكن الجسم قد أنهى استرخاءه. نحن الآن في يوم الأحد، وفي المساء سأذهب إلى عيادة الدكتور شوقي في العباسية.
    قال السيد حسن:
    - عندي زيارة صغيرة لبنك بيمو وهو موجود في قلب المدينة.
    - لن أتركك تذهب وحيداً وسأكون معك.
    - أهلا بك يا ولدي فسأكون سعيداً بك.
    ذهبت معه إلى ميدان رمسيس حيث البنك المذكور، ودخل وحيداً وعاد بعد فترة، ثم عدنا إلى المنزل، فلم أنبس ببنت شفة، وكنت أشك بأنه دفع ثمن السيارات. وفي الطريق أعطاني كيساً كبيراً، وقال:
    - تتكبدون مصاريف كبيرة ربما لا يقدر عليها أبو عماد.
    - يا سيدي لسنا فقراء، ولو لم يكن لدينا إمكانية لحاولنا أن نكتفي بمستوانا المعتاد

  9. #39
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    18

    حلمبوحة
    لا ادري ما الذي ذكرني بالدكتور شوقي، لعله تداعي الأفكار، وقد كان رفيقي إلى أن حصلنا على الشهادة الثانوية، فسمح له مجموعه بدخول طب القاهرة، ودخلت أنا في كلية العلوم، ولم نلتق إلا قليلاً أثناء الدراسة لكن ذكراه بقيت حية في ذهني، كنت أحبه لظرفه وهيبيته، ولكنه كان ناصرياً منتمياً وعروبياً أصيلاً ويقول:
    - أنا أحب عبد الناصر، ولكنني معجب بمشروعه أكثر، ولو استمر من بعده على خطاه لكنا أفضل من كوريا الجنوبية ومن تايوان، ومن أغلب دول أوروبا الشرقية، لكن سوء حظ المصريين، ويقابله حسن حظ العدو الصهيوني وتخطيطه، فقد كان عهد عبد الناصر وسيبقى متميزاً، والغريب أن رفيقه بعده خالفه في كل شيء في ذكائه وزهده وحسن تقييمه و و و إلخ.
    بعد الجامعة أكمل دراسته في ألمانيا الاتحادية، وعاد ليفتتح عيادته في العباسية، وكان متخصصاً بالأمراض التناسلية.
    وصلنا إلى عيادته في الساعة السابعة والنصف، ووجدت الباب مفتوحاً فدخلنا السيد حسن وأنا، فإذا وراء طاولته رجل آخر، كبير الرأس ومنخراه كهفان، كان شكله كاريكاتورياً، نهض وقال:
    - أنت الأستاذ عماد.
    - نعم.
    - وأنا حلمبوحة.
    كنت قد قرأت كتابات الدكتور شوقي عن هذا الرجل، ولعل الكثير من القراء قد قرؤوه مثلي، وهو رجل شعبي جداً وله روايات وحكايات، وكان نجاراً يقوم بإصلاح الفرش، ولذلك يدخل المنازل، وبها أغلب حكاياته، وتلاحقه زوجته العملاقة وتضطهده، وبينهما بعض الاشتباكات كتب بعضها الدكتور شوقي.
    - نعم يا حلمبوحة، عندي فكرة عنك، مما كتبه الدكتور شوقي.
    - لقد جعلني الدكتور شوقي شهيراً.
    - كفريد الأطرش وحليم وفريد شوقي.
    وصل الدكتور شوقي مسرعاً، سلم بحرارة، وقال:
    - بعد زمان أبو عادل، أين كنت يا رجل، أحق أنهم خطفوك في سوريا وطاروا بك في المعمورة.
    - حدث ذلك. هل هذا صديقك المستحيل.
    - نعم هو أخي الكبير المتفضل علي.
    - تفضلوا اجلسوا.
    جلسنا بعد أن سلم على السيد حسن باحترام بالغ. ثم أدخله إلى غرفة الكشف، وبعد قليل عادا وقال الطبيب:
    - لم أر شيئاً غير عادي.
    بعد قليل دخلت إلى الغرفة صبية حسناء كأنها أجنبية، وجلست تحدق في الجميع وركزت بصرها على السيد حسن، وتحدثت بلغتها فرد عليها السيد حسن، وهي لغة لا أعرفها، فتبسمت المرأة، وتحاورت معه، فقال الدكتور شوقي:
    - لقد تعارفا إنها سكريترة في السفارة النمساوية، وهي على ماتراه.
    سكت فلم ألق إجابة لائقة، وأخذَتْه إلى داخل العيادة وغابا وقتاً وقال الدكتور شوقي:
    - تعال إلى جانبي فكأن الفيلم قد ابتدأ، وشغل التلفاز فإذا به متصل بكاميرا في الغرفة، وقد ابتدأ العناق، فخجلت وعدت إلى الكنبة وراء التلفاز، ولذت بالصمت، في حين قال الدكتور شوقي:
    - إيه ده ولا حلمبوحة ولا ستين منه.
    تناولنا أطراف الحديث لوقت طويل، تحدثنا عن السياسة، وعن مشاكل الحكم في عهد السيسي، وقال:
    - هذا الرجل لا يعرف أن يتكلم، وشخصيته غير معدة لأن يكون قائداً، وعلى الرغم من مضي خمسة أعوام على وجوده إلا أنه لم يترك أي بصمة تذكر على عهده، وكأنه وقت مستقطع بين عهدين متناقضين، وقد تتبعت وصوله إلى السلطة، فاستنتجت أنه معد لهذه المرحلة، ووضع السفارة الصهيونية أحسن من عهد مبارك، وزبانية مبارك صاروا في عهده أسياداً وازدادوا فساداً.
    قلت:
    - طالما بقي العهد رمادياً وليس له اتجاه معروف، فاعلم أنه حلقة ولعل القادم أسوأ أو عهد ثوري.
    - يا شيخ كيف تقوم الثورة بلا تنظيم ولا قيادة.
    جاء السيد حسن ودخلت المرأة بعده، وهي معقودة اللسان خائرة القوى، وجلست وعينها مسمرة على السيد حسن وقالت:
    - ريتشارد قلب الأسد.
    ضحك الدكتور شوقي وقال:
    - خذه وزوِّجه فإنه سيملأ الدنيا أبناء، لقد أشارت لي بستة مرات، وهو رقم أولمبي جديد.
    شكرنا الدكتور شوقي وحاول السيد أن يدفع فامتنع الدكتور شوقي عن ذلك وقال:
    - لم نتكلف شيئاً.
    أشار السيد إلى المرأة فقال شوقي:
    - هؤلاء لسن مومسات، ولا يتقاضين شيئاً، وعلى العكس فإنهن يدفعن إذا أردت.
    لذت بالصمت، ولاحظ السيد حسن فقال:
    - لعلك لائم.
    - بل محتار يا سيدي.
    - من الناحية الشرعية فلسن محصنات، ولا هن جواري، وهن ملك اليمين، ولا لزوم لعقد أو مهر.
    - لم أقم بذلك طيلة حياتي فلا تلمني، وما زلت محرجاً بيني وبين نفسي، أنا أحترم المرأة وأراها نصف المجتمع وهي الأم والأخت والبنت، وصعب علي هذا الذي جرى.
    - لا يجب أن يكون ذلك، وقد عشت في فيينا فترة، وهن لا يعتبرن الموضوع من هذا الاتجاه.
    - وماذا يكون؟.
    - إنه تبادل المتعة.
    - لا أرى أن المتعة تعادل طيف الشك الذي سيظل يتابعني.
    - لقد أخجلتني يا ولدي، ولا أرى وزراً في ذلك، وأنا عند طبيب.
    تابعنا السير إلى المنزل وصعد مباشرة، فعلمت أنه يريد الحمام، وقلت له:
    - هل ثيابك فوق؟.
    - قال نعم إنها كذلك.
    - ألا تحتاج إلي ؟.
    - لا أبداً.
    دخلت إلى المنزل فوجدت البعض قد نام وكانت ميا وراية سهرانتان

  10. #40
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    19


    ما زال طيف ما حدث بالأمس يعذبني، قال السيد حسن:
    - لو عرفت أن الموضوع سيحزنك هكذا ما ذهبت معك، وقد عشت في فيينا وأزورها في أوقات متعددة، وقد تكرر ما رأيته بها مرات كثيرة.
    ضحكت وقلت له:
    - حضر نفسك للسفر.
    - إلى أين؟. مشوار سيمتد إلى ما بعد أسوان.
    - والغرض؟.
    - سياحة يا سيدي سياحة.
    - سأكون جاهزاً عندما تريد، والسياحة نؤجلها حالياً.
    - إن لي معارف يجب أن أزورهم، وستكون معي.
    - سمعاً وطاعة.
    - لك طاعتي يا سيدي وسنزور السيدة زينب قبل سفرنا.
    - متى سيكون ذلك؟.
    - بعد يومين.
    كنت حديث العهد بالزواج، وجاءت هذه الحادثة، وقد قالت ميا:
    - أراك حزيناً، وغير مقبل علي.
    - حبيبتي، أنت دنياي كلها، ولكن التجربة التي مررت بها كانت قاسية بل مؤلمة، وعندما تعود إلي ذكراها فإنني أصبح غليظاً لا أُحْتمَل.
    - لو استطعت أن أقاسمك عذاباتك، وأشاطرك أحزانك لفعلت، ولكن عبء السيد حسن واهتمامك الزائد به قد أتعبك وزاد في تعقيدات حالتك.
    - لا ينشغل بالك علي فإنني قوي، وقد تنتهي هذه الحالة إلى غير رجعة.
    كانت ميا زوجة رائعة، وقد أعطتني أكثر من المطلوب، وكانت تحس بي وأنا بعيد عنها إلى درجة أخافتني، فحين اختطفت الحافلة أثناء العودة من حلب قالت لي فيما بعد:
    - لقد رأيتك وهم يخطفونك.
    - كيف؟.
    - نعم فقد كنتم في حافلة خضراء، زهاء ثلاثين شخصاً، وأوقفكم حاجز بعد خناصر وصعد من الحاجز ثلاثة أشخاص أحدهم قاد الحافلة، وكانوا مسلحين، حتى وصلتم إلى قرية صغيرة، فصفوا الحافلة بجانب جدار عال، واقتادوكم إلى مكان تحت الأرض.
    - هو كذلك، وإنك تفزعينني ويملؤني العجب، وأظنك عرافة.
    - أما من تفسير غيره.
    - بل إن روحينا ملتقيتان، وبيننا تخاطر المحبين.
    - أحسنت يا عماد هذا هو الحق، وطوقتني بذراعيها ثم وضعت رأسها على صدري، فإذا بها بعد برهة مستغرقة في النوم.
    الحياة الزوجية سعيدة، قليلون من كان لهم حظي بالاتجاهين، أولهما الحظ الحسن بهذا الزواج الميمون، وثانيهما الحظ المرعب المتعلق بالاختطاف والدوران في المعمورة.
    تأهبنا لرحلة أسوان، وسنسافر بسيارتي، وسأقود طريقاً يمتد إلى ألف كيلو متر، وابتدأنا من الطريق الصحراوي القاهرة الفيوم، ويبدأ من الجيزة، ثم يمر بجانب الأهرامات ثم يتجه جنوباً في منطقة مقفرة من الصحراء، وينتهي في الفيوم، وطوله حوالي مائة كيلو متر اجتزته في ساعة، وأشرفنا على الفيوم، وهي حاضرة جميلة عليلة الهواء، صافية السماء، وقد أصبحت القاهرة ملوثة خطيرة، مياهها وهواؤها، هنا يبدو الأمر مختلفاً جداً، وأشجار الفيوم خضراء زاهية، وأغصانها غضة ليست كأشجار القاهرة المرتدية ثوباً من الهباب الأسود.
    بحثنا عن مطعم فإذا بها الفنادق والمطاعم الفخمة، وبها فيلات جميلة منها الكبير ومنها العادي، وكثير منها للبيع.
    قال السيد حسن:
    - سنشتري فيلاتين هنا.
    - ما زال الموضوع مبكراً على القرارات، ويجب أن تختار بهدوء وبعد استكمال استطلاعك لجميع الأماكن، وهنا بلادي وقريب من هنا أسيوط وفيها ولدت وفيها أخي أحمد.
    - تناولنا وجبة خفيفة وواصلنا السير في الطريق المحاذي للنيل من جهة الشرق، ومررنا على أسيوط ومزرعتنا فلم نجد أخي وقيل إنه في السويس، فتابعنا الطريق إلى دمنهور ثم الأقصر. فقلت:
    - هل تريد بعض الراحة في الأقصر.
    - لا فالمسافة طويلة ويجب أن نقطعها بسرعة.
    - ولماذا السرعة؟.
    - يا بني هل نسيت أنك عريس؟. ولا ينبغي أن تطيل الغياب.
    - أنا أطمح أن نكون عريسين وأخلي نفسي من مسؤولية أحسبها كبيرة.
    سكت السيد وعند الساعة الرابعة مساء كنا في مدخل أسوان، فتجاوزناها واتجهنا شرقاً إلى ساقية الفضة، وفيها وجدت صديقي جمال الترابي ووالده السيد أحمد شيخاً كبيراً، ووجدتهم في عزاء، استقبلني بالترحيب المبالغ فيه، وسلمت على والده الذي عرفني وأجابني بحزن.
    - هذا العزاء بأخي وأستاذي وسيدي الدكتور عبد الله العالم. فقد توفيت شهيرة العام الماضي، وقد ذبل بعد وفاتها كما تذبل الورود وتوفي البارحة.
    - البقاء لله وحده، لقد حزنت عليه وكنت قد قرأت رائعتك ساقية الفضة، وأستطيع تلمس حزنك يا سيدي.
    دخلنا إلى منزل جمال، رفيقي العزيز وخيرة من عايشت من الأصدقاء، ولديهم شركة مقاولات كبرى في القاهرة، وهو مهندس مدني كما والده، وبعد قليل جاءت السيدة زينب التي كانت تبدو في منتصف السبعينات امرأة قوية وعليها مسحة من جمال ذابل.
    - أنت السيدة زينب.
    - نعم يا ولدي.
    - تشرفنا يا دكتورة.
    خاطبت الأستاذ أحمد :
    - أستاذي الكريم هل تذكر عن جمال عبد الناصر ما لم تكتبه في ساقية الفضة؟.
    - بعد أن ولدت زينب جمال جاء عبد الناصر مهنئاً، وجلب معه ضيافة الولد، وقد احتفلت به ساقية الفضة وجوارها إلى أن شكلوا جمهوراً كبيراً، فوقف معهم وقال:
    - هذه القرية تضم أحب الناس إلي. نحن أمة عربية واحدة ومصر قلبها، وبها عزة العرب ، وإذا انضمت إليها الشام انتصرنا، وعبر التاريخ ما اجتمعت مصر وسورية وإلا كان النصر حليفهما.
    وسأله أحد الحضور إذا كان بالإمكان الالتقاء بين مصر والشام، فقال:
    - بالإرادة الصلبة والزهد، يمكن أن يلتقيا، وكما التقى أحمد الترابي بالسيدة زينب وأنجبا هذا الطفل، الذي تفاءلنا به، وأتمنى أن يكون الزواج بين المصريين والسوريين قاعدة، وتثمر فيما بعد.
    كان ذلك عام 1964 ثم افتتحت عملي بالقاهرة فكان يتابعني، وقد طلب إلي المشاركة بالعمل في مشروع السد العائلي فعملت عامين خسرت فيهما الكثير في شركتي، وبعدها لم أقابله، وحين توفي بكيته أكثر من أبنائه، وحددت عليه ثلاثة أعوام، وقد راقبت الأمور بعده وهي تنحدر إلى ما هي عليه، ثم قال: أنتما تعبان ويجب أن تستريحا وسيرافقكما جمال إلى جناحكما.
    دخلنا مع جمال، وقلت له :
    - أتعرف سبب قدومنا إلى هنا؟.
    - لا إلا لرؤيتي.
    - هذا الرجل كنت قد حدثتك عنه هاتفياً، وهو خير من اتقيت بهم.
    - كنت قد بسطت إلي حديثك عنه، ولدي تصور كامل، وقد حدثت والدي فقال بأن أهل البيت فوق كل الناس، وهم من يصلى عليهم في كل صلاة.
    - أنا أطمح أن أجد له عروساً هنا، وأتمنى أن تكون ذات أصل، وصحيحة البنية.
    غاب جمال حوالي نصف ساعة وعاد وقال:
    - ربما توجد فتاة غاية في الحسن في قرية العالية القريبة ويسكنها قوم من الطالبيين بيض الوجوه تتدفق النعمة على يديهم، وهم من أبناء علي بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أخي الإمام علي وجعفر هو ذو الجناحين في الجنة.
    - سنذهب إليهم، ولعل الله يجري علينا النعمة على يديهم.
    - هؤلاء أجداد زينب لأمها، وهي تقول إنهم مقدسون.
    عدت وحدي إلى الأستاذ أحمد وحدثته الحديث فقال إنه سيذهب معي وتمنى أن يكون طلبنا موجوداً لديهم.

صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 23456 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •