صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 3456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 56

الموضوع: الطريق إلى طشقند ..رواية بقلمي

  1. #41
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    20



    كانت قرية العالية جميلة جدا، ولأول مرة أرى أشجار البلوط والسنديان في مصر، وكانت تقع على هضبة عالية منها اشتق اسم القرية، وما اقتربنا منها حتى قال الأستاذ أحمد:
    - هؤلاء قوم شرفاء وما أظنهم سيخيبوننا.
    دخلنا القرية آمنين، وقصد الأستاذ أحمد منزلاً في القرية، كان رحباً مؤلفاً من طابق واحد، وأمامه عرائش عنب مرفوعة على سقالة عالية، ووجدنا رجلاً متوسط العمر يجلس أمام منزله تحت السقالة، وما أن اقتربنا حتى وقف الرجل، وأول من نزل الأستاذ أحمد ثم جمال ثم السيد وأنا، وبعد سلام مشتاق جلسنا معه، وخاض هو والأستاذ أحمد حديثاً فلسفياً عن الصورة والمثال، يبدو أنه تتمة لحوار سابق، ثم قال الأستاذ أحمد:
    - هذا الشاب رفيق جمال واسمه عماد عادل الأسيوطي، وهذا الرجل الثاني أحد أقربائك الدكتور حسن باقر الأحوازي، وهو من أحفاد الإمام محمد الباقر، وأنتم أحفاد علي بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فهو ابن عمكم ومن أحفاد الرسول الكريم، وقد جئنا بغرض شريف وهو يريد يتزوج امرأة شريفة تناسبه، فهو رجل شهم وكريم.
    - طلبتم ما هو موجود عندي أنا، فإن ابنتي زينب كانت مخطوبة لضابط من العائلة استشهد في سيناء منذ أشهر، وموافقتي موصولة بموافقتها، ثم نادى يا زينب، فأقبلت فتاة هيفاء سمراء طويلة القوام مكتملة، عريضة الأرداف خامصة البطن بثياب جد محتشمة وعمامة بيضاء.
    سلمت الفتاة وجلست حيث أشار لها والدها، ثم قالت:
    - نعم يا والدي.
    - يا زينب هذا أحد أبناء عمومتنا الدكتور حسن باقر الأحوازي، جاءني خاطباً، وأنا معك كما تريدين. فهو من أحفاد الإمام الباقر صلوات الله عليه فهو من آل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
    قال السيد حسن:
    - أنا رجل كنت أسكن في طهران، ووحيد لوالدي ووالدي وحيد لوالده، وكذلك إلى الجد التاسع، وإذا لم أنجب فإن شجرتي ستنقطع، ولن يكون هناك نسيب، وقد تعرفت على هذا الشاب عماد في طهران واصطحبته إلى العراق وسورية حيث زوجته، ثم جئت معه إلى مصر آملاً أن أجد فيها ما أتمناه، من امرأة تحيي ذكري وتتفضل على عائلتي باستمرار النسل.
    قال والدها واسمه صادق:
    - أهلاً بك يا بني، وإذا وافقت زينب أسرعنا بالزواج، فكل شيء وقف على موافقتها.
    قالت الفتاة:
    - أنعم وأكرم بشجرة رسول الله الذي نحن فرع من فروعها، وإذا كان يستطيع الباءة فإنني أقبل به.
    قلت:
    - إن أمواله لا تحصى، وإنه يملك آباراً للنفط وشركات وأراض شاسعة، وحسابه الجاري يفوق مائتي مليون دولار، فعن أي باءة تتحدثين؟.
    تبسمت الفتاة وقالت:
    - وأنا لدي الكثير من الأملاك وأنا وريثة والدي ووحيدته.
    قلت:
    - لقد جئنا لنخلط نسب عبد الله بن جعفر والإمام الباقر، وأحسب أننا نستحق بعض الثواب.
    - أهلاً بكم يا ولدي وسنكون كما تتمنون وتريدون، ولدي سؤال: لماذا تأخر إلى هذا الوقت.
    - لقد تزوج وسرح بإحسان وأحسب أنها إرادة الله.
    - ونعم بالله العلي العظيم.
    - هل تسقينا القهوة يا زينب؟.
    - سمعاً وطاعة يا والدي.
    قامت الفتاة، لتعود بالقهوة، وقال السيد صادق:
    - نحن نزرع شجر القهوة في مكان قريب، وقهوتنا نقلناها من اليمن وهي شبيهة بقهوته، وتعتبر من أجود القهوة في العالم.
    شربنا قهوة طيبة فعلاً،وكانت عينا زينب مسمرتين على السيد حسن وهي تنظر إليه بغاية الإعجاب.
    سررت بهذا التوفيق الظاهر، وقلت:
    - ما حظ الآنسة زينب من التعليم؟.
    - إنها مجازة بالعلوم الطبيعية من جامعة أسيوط.
    ابتسم السيد حسن مطمئناً. قلت:
    - متى سنعود؟.
    - غداً صباحاً نقرأ الفاتحة ونتفق على المهر، والباقي متعلق بكم، وبنا رغبة للانتهاء بسرعة فإن السيد يجب أن يختصر الوقت قدر الإمكان.
    قلت:
    - ونحن في عجلة من أمرنا.
    قال السيد حسن
    - هل تحسنين قيادة السيارة يا زينب؟.
    - نعم ولدى والدي سيارة، وهي ضمن المرآب هناك.
    - وأين تفضلين السكن؟.
    - في أي مكان يختاره السيد.
    قالت زينب بحياء.
    - القاهرة لا تسكن فهي مدينة ملوثة، ومغطاة بسحابة من هباب الفحم.
    - كما تريد.
    - في طريقنا مررنا على الفيوم، وهي مدينة جميلة ونظيفة، وبها فيلات كثيرة للبيع.
    ابتسمت الفتاة بسعادة وقالت:
    - الفيوم جميلة يحلم بهام متوسطو الدخل حلماً.
    - سنشتري فيلاتين واحدة لنا والثانية لأخيك الأستاذ عماد وزوجته السيدة ميا وهي فتاة شامية من سورية.
    كان الأستاذ أحمد الترابي يجلس باسماً وقد أخذته المتعة بهذا الحوار المتصل، وحينما سأله صادق عن سبب هذا السرور، قال:
    - الحديث مليء بالوداد، وهذا الشاب يذكرني بشبابي، فقد كنت شبيها له، وأشار إلي، لقد كنت عاقلاً ومتحدثاً لبقاً، وأحسب أنه كرر مع السيدة ميا ما كنت به مع زينب مارية.
    قلت:
    - لا أعرف علاقتكما أنت والسيدة زينب، ولكن علاقتي بميا روحانية.
    - لقد أجدت التعبير يا بني.
    عدنا إلى ساقية الفضة، وأكملنا السهرة هناك، وأغلب الحديث كان عن سورية وقال الترابي:
    - الحل دائما هو الوحدة، والوحدة هي التي تساوي جميع المواطنين، لقد وصل حزبنا إلى الحكم مبكراً بعد عشرة أعوام من تشكيله، فلم يتبلور فكره، وقد وصل إلى رئاسته من هو غير مؤهل، وهمه الوصول إلى السلطة. في دولة الوحدة تذوب الطائفية والمذهبية والعنصرية وتصبح أقليات.
    وجاءت السيدة زينب، لعلها كانت نائمة وقالت:
    - لعلها كانت زيارة مقبولة.
    قال الأستاذ أحمد:
    - هي كذلك وسيصبح السيد نسيبك.
    - كيف؟.
    - غداً سيخطب ابنة خالك صادق.
    - والله لقد أفرحتني وهي من خيرة بنات أخوالي، بل هي خيرهن، وقد استشهد خطيبها في نهاية العام الماضي في سيناء، رحمه الله.
    قلت:
    - حدثانا عن معرفتكما، وقد قرأنا وسمعنا عنها الأساطير.
    قالت زينب:
    - قرأت ساقية الفضة، ففيها تمام خبرنا.
    - قرأتها ولكنها انتهت عام ثلاث وستين، فحدثانا عما بعدها.
    - يا بني إن الحب شجرة من ثمارها السعادة والأولاد، وقد فاز باللذة الجسور.
    - من دون شك فماذا حدث بعد العودة إلى ساقية الفضة؟.
    - أنت كاتب يا بني؟.
    - وذو تجربة.


  2. #42
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    الجزء الثالث
    1



    في اليوم التالي بكرنا إلى العالية، وقال السيد صادق:
    - مبروك إن زينب لا تريد مهراً.
    قال السيد حسن:
    - هذا لن يكون ولتكتب ما تشاء.
    وضع أمامه رزمة من مائة ألف دولار، وقال:
    - فلتجهز زينب، ويجب أن نعود إلى القاهرة، فعماد عريس وقد فضل المجيء على عرسه، ولن أتركه يغيب أكثر، وسأعود بسيارتي.
    قلت:
    - بل أعود أنا بالطائرة، وتبقى أنت هنا وفي المنزل سيارات كثيرة وكلها من فضلك أستخدمها هناك.
    قال الأستاذ أحمد:
    - بل سيعيدك جمال بسيارته، ويتعرف على المنزل فإننا سنذهب للتهنئة بالزواج.
    - أنتم الآن في مأتم، ولن أكلفكم هذه المشقة.
    قال جمال الذي لم يتركنا بعد قدومنا:
    - بل سأوصلك، وأسلم على زوجتك.
    - أهلاً بك أخاً عزيزاً.
    وصلنا القاهرة عند المساء وقبل غياب الشمس، ودخلنا المنزل، وحين استقر بنا المقام جاءت ميا، سلمت على جمال ولم يلتقيا سابقاً فعرفتها عليه، وقالت:
    - أنت ابن الأستاذ أحمد الترابي.
    - نعم.
    - وأنتم في قرية ساقية الفضة حالياً.
    - نعم.
    - وكلكم أحياء؟.
    - نعم عدا عمي عبد الله وشهيرة.
    - ومتى توفيا؟.
    - في العام الماضي توفيت شهيرة، وهذا العام ومنذ يومين توفي عمي عبد الله وحينما استضفنا عماداً كنا في العزاء.
    - وأبوك وأمك.
    - هما حيان وبصحة جيدة.
    دخلت راية وسلمت على جمال، وكأنها لم تلتق به من قبل.
    - لم تعرفني على رفيقك؟.
    - هو جمال الترابي ابن أحمد الترابي.
    - إياه؟.
    - نعم ونحن قادمان من ساقية الفضة.
    وأكمل الأستاذ جمال:
    - ألم تتعرف يا عماد على ابني عبد الرحيم.
    - لعلني التقيته مرة واحدة في مقر شركتكم.
    - نعم فهو عماد الشركة حالياً فقد طور برامجها، وقد ضاعف أرباحها.
    - حفظه الله وأبقاه.
    - سيأتي إلى هنا للتهنئة، وأتمنى أن يتعرف إلى راية، فأراها ممتازة من جميع الوجوه.
    - أشكرك، وسنترك ذلك لهما، فإن مثل هذه الأمور لا تتم بالانتقاء، فليتعارفا ويقررا.
    - كل عمرك وأنت عاقل يا عماد.
    - أنتم من أعز الناس علي، وتذكرونني باللاذقية، فقد عرفتها كأول مدينة سورية، ولم أصعد الجبال مع أنني كنت أتشوق لذلك.
    قالت ميا:
    - وأين السيد حسن لم أره معكم.
    - السيد حسن سيتزوج من العالية، وهي قرية قريبة من ساقية الفضة.
    - والله لقد أسعدتني. وسأزغرد.
    وتابعتها راية وهي لا تعرف، وعندما عرفت وبأنها قريبة لمارية زينب، انطلقت تزغرد أيضاً، فأقبلت أم عماد وعندما رأتهما سرَّت بالخبر وقالت:
    - أجلوا الزغاريد، إلى عرسه. ولا تنقصوا الفرحة به قبل أوانها.
    غادرنا جمال وودعناه إلى السيارة وقال:
    _ سأعود إلى ساقية الفضة للمشاركة بالعزاء.
    - رحمه الله وإنها لخسارة لمصر وللعرب.
    عدت إلى المنزل لأجلس مع الأهل وأتعرض لسيل من الاستفسارات. التي أجبت عليها باقتضاب.
    في الصباح أخذت مارية نتنزه على ضفاف النيل، ودخلنا حديقة الأندلس ومنتزه فراج على الضفة الأخرى، بعد الخروج من الكوبري من جهة الزمالك، ثم عدنا إلى كورنيش النيل وبقينا نمشي إلى الغرب من ميدان رمسيس ومقابل برج القاهرة، ووصلنا إلى ميدان العتبة وحديقة العتبة، فأعجبت ميا بالعصافير المتنوعة والببغاوات البرية، وألقت نظرة على حديقة الأزبكية، التي كان ينصب فيها المسرح الذي تغني عليه أم كلثوم.
    أحست ميا بالتعب فعدنا إلى المنزل، وصعدت تنام. في حين انشغلت أنا بذكرى ساقية الفضة والعالية، وتمنيت راجياً الله أن يكون السيد حسن سعيداً وأن يحيي الله ذكره، فقد تفضل علي كثيراً.
    في كل صباح كان السيد حسن يضع في جيبي رزمة من الدولارات حتى تخمت بهباته وقلت له:
    - يا سيدي لقد زادت عطاؤك لي عن قدرتي على الشكر، وقبلها إمكانية الوفاء بحقك، فقال:
    - يا بني كله من مالك، ولن أحب أحداً كما أحبك، ولو كان من صلبي.
    - فرج الله كربك يا سيدي ورزقك من صلبك ما تتمناه.
    - يعلم الله أنني أحبك أكثر من كل مولود، وقد جاء في الحديث: رب أخ لك لم تلده أمك، وينطبق هذا على كل صلة عدا الأم فإنه لا يعدلها إلا عفو الله.
    في صباح اليوم التالي، لاحظنا غياب سيارة السيد حسن، وهذه سيارتي قد ركنت مكانها، فعلمت أن السيد قد عاد، ولو كان لوحده لدخل المنزل، واستنتجت أن السيد صادق قد زوجه، وأنه حضر مع زينب، وأظنه سيتصل بين لحظة وأخرى.
    بعد الإفطار رن جرس الموبايل فإذا السيد حسن :
    - أنا في فندق شيبرد القاهرة في قصر النيل، ألن تحضروا للمباركة، وهذه زينب.
    - ألو مرحباً صباح الخير.
    - صباح النور والرضا كيف أنت أستاذ عماد والأهل.
    - مبروك، وكم أتمنى لكما الخير والأولاد.
    - --- أشكرك أستاذ عماد، وإن لك في نفس السيد مقاماً لا نملكه نحن ولا غيرنا، فقد كان جل كلامه عنك.
    - نتبادل التقدير والثقة. كيف وجدته يا زينب.
    خجلت وبان الإحراج على صوتها المرتجف:
    - نعم الرجل. قالت وهي تذوب خجلاً.
    - أعيديه لي.
    أعطت الموبايل للسيد، فقال لي:
    - ماذا فعلت لها، إنها تذوب خجلاً.
    - سألتها عنك، فظنت أنني أسأل عن شيء آخر.
    - يا رجل؟!.
    - إن من الكلام ما يحمل أوجهاً، ولكنها أجابت بجواب أعرفه منذ فيينا.
    ضحك السيد فقلت له:
    - حضر نفسك للزيارة، فسنحضر جميعاً للمباركة



  3. #43
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    2

    الزيارة
    ذهبت العائلة كلها لزيارة السيد والمباركة له، وقد استقبلنا السيد على مدخل الفندق، وتبعناه إلى جناحه الواسع، وهناك كانت زينب تنتظرنا، فسلمت بحرارة، ونظرت إلى ميا فقالت:
    - أنت ميا أليس كذلك.
    - بلى أنا ميا.
    - وأنت أم عماد.
    - نعم أنا أم عماد.
    - أنا راية.
    - تشرفت لو انتظرت لحظة لأخبرتك.
    قلت:
    - وهذا أبو عماد وأنا عماد
    - عرفتكما.
    كان ألسيد يضحك مستلطفاً الحديث، وقد حملنا معنا الكثير من الحلوى.
    اشترت ميا وأم عماد صيغة عبارة عن طقم من الماس ويضم عقداً وإسورة وخاتماً، فقامتا معا وألبستاها الصيغة، قالت زينب:
    - هذا كثير، ولقد أحرجتموني.
    قلت:
    إنه من مال السيد، ونحن واسطة نقل.
    أعجبها التعبير فضحكت وقالت:
    - سنظل نغار منك يا سيدي.
    - لا داعي للغيرة فأنا ظله.
    عادت زينب فضحكت، وقالت:
    - إن لك في نفسه منزلة لا تعدلها منزلة أحد وقد شرح لي ذلك، وحذرني بأن أراعي هذه المنزلة.
    أعجب الجميع بجمال الفتاة وحسن أدبها وجمال مخرج الكلمات من لسانها، كان حديثها موسيقى شجية كما عبرت عن ذلك راية.
    وقال السيد حسن الذي كان منشغلاً خارج الجناح:
    - لقد أعددت لكم مجلساً هادئاً، هيا ننزل ونشرب القهوة به.
    - أليس الوقت أبكر من موعد الشراب.
    - لا فكل الأوقات للشراب، ثم ضحك وأردف شرب القهوة طبعاً.
    - يسمونها القهوة يا سيدي.
    - أدري، ولكن لم ألاحظ هنا أحداً يبكر في شرابها.
    - إذن فلتكن قهوة طيبة.
    نزلنا إلى الصالة ومنها إلى مطعم الفندق، وقد ابتدأ موسم الصيف، فجلسنا في حديقة المطعم، حيث أعد لنا طاولة ممتدة عدة أمتار وجلسنا نتسامر فرحين.
    عدنا إلى المنزل في ظهيرة اليوم، وما أن استقر بي الجلوس حتى رن الهاتف، فقمت أجيب، وكان الدكتور شوقي، وقال لي:
    - لعلني محرج بهذا الحديث فقد جاءتني المرأة النمساوية إياها، تقول أنها حامل، وقد فحصتها بالإيكو فوجدت أنها حامل فعلاً، وهي تسأل إذا كان صديقك يريد الطفل فسترضى أن تكمل شهور الحمل، وتشترط أن يأخذ طفله بعد ولادته، وهي لن تسجله عليها، وعليه أن يأخذه في نهاية الشهر الأول.
    قلت له:
    - أمهلني قليلاً فسأخبره، وأخبرك فهو عريس الآن.
    - وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
    - أشكرك دكتور شوقي وأنا مثلك، سأخبر الرجل وأتصل بك.
    في الزيارة الثانية، انتحيت بالسيد حسن وأخبرته ما حدثني به الدكتور شوقي فقال:
    - موافق وسنأخذ الولد إذا كانت رغبتها كذلك، وسأقدم نفقته كما تريد هي.
    أخبرت الدكتور شوقي فقال:
    - لو كنت مكانه لاستمهلت، وبعد الولادة أجريت للطفل اختبار الدي إن إي ثم قررت، وسأسألها عن طلباتها.
    - أشكرك وسأخبرك.
    حدثت السيد حسن حديث الدكتور شوقي، فشكره ووافق عليه، فأخبرت شوقي فاستحسن الرأي.
    - الرياح السائدة هنا الشمالية وهي تمر فوق الدلتا فلا أمل في تحسن الجو بالقاهرة ولعل خير حل السكن في الإسكندرية فإن جوها أنظف بكثير، وفيها المرفأ فهي مدخل مصر، وسنبحث فيها عن بناء أو فيلتين على البحر، فتعال نأخذ زوجتينا إلى الإسكندرية وننزل في هيلتون الإسكندرية فهو فندق فخم وخمس نجوم.
    - أنا رهن أمرك فلا مواعيد ولا ارتباط، وسنكون سعيدين بالقرب منكما.
    أخبر السيد الفندق وحجز لكل منا جناحا واسعا منفصلاً. وطلب إلي تجهيز نفسي.
    ذهبنا إلى المنزل وأعددنا نفسنا للسفر بسيارتين منفصلتين وأخبرت السيد فقال:
    - على بركة الله، وسنسافر بعد الظهر.
    في الإسكندرية التي وصلناها قبل المساء، كان الهواء ساكنا، ويبدو القيظ هنا أصعب من حر القاهرة، بسبب رطوبة الهواء، وجو الإسكندرية شبيه بجو اللاذقية، ولكن اللاذقية أقل حرارة.
    في هيلتون تكون الإقامة مريحة بعض الشيء، تضايقها فقط تدخلات الفندق ورنين الهاتف المتواصل الذي دفعني إلى سحب الشريط وقطع الاتصال، وبعد قليل دق النادل الباب وأشار إلى أنه لا يجوز قطع الاتصال، وأن الفندق يجب أن يبقى ساهراً على راحة الزبائن. وأعاد وصل الهاتف.
    تحدثت مع إدارة الفندق وطلبت إليهم عدم الاتصال من جهتهم، وسأتصل بهم عندما أحتاج ذلك، وطلبت ذلك للسيد أيضاً.
    تنزهنا على شاطئ الإسكندرية وذكرت ميا بأيام ميريديان اللاذقية، فضحكت بدلال وأخبرتني بأنها ستبقى تتذكر ساعة طرقت الباب عليها.
    أما السيد حسن وعروسه فكانا في نهاية السعادة والسرور، وهو أمر فرحت به وتمنيت أن تحمل السيدة زينب وأن يبدأ السيد حسن عصر الإنجاب، فقد اشتهر آل البيت بكثرة النسل.
    أجمل ما في هيلتون الشاطئ الرملي العريض التابع له على شاطى البحر، فهو واسع ونظيف.
    ويمكن لنزلاء الفندق السباحة والعودة، والاستجمام بحمام شمسي وقتما يشاؤون، كما أن خدمة الفندق لطيفة وهادئة، ويختلفون عن خدمة فندق شيبرد في القاهرة، فهو أكثر حضارية وإتقانا، ولعل السبب طول فترة إدارة الفندق بإدارة واحدة، لم تتغير منذ سنين كثيرة تطورت الخدمة في الفندق خلالها إلى ما هي عليه.
    قضينا أسبوعين رائعين في الفندق، وتجولنا في الإسكندرية، وتسوقنا من أسواقها، وأحسست بوجوب العودة، فاستأذنت السيد، فقال:
    - لن تعود قبل أن نشتري المنازل، وستكون كافية للأسرة كلها فلا تعود تفارقني مرة أخرى، وكان على اتصال مع السماسرة، وذات صباح اتصل به أحدهم فقال:
    - وجدنا طلبك، وهناك فيلتان متجاورتان لأحد المغتربين العرب ويريد أن يبيعها، وإنني أنصح بحسن المساومة فهو بحاجة لمن يشتريهما بالدولار.
    - كيف سنحاوره؟.
    - له وكيل هنا، أغروا الوكيل بمبلغ وستأخذونهما رخيصتين.
    - متى سنراهما.
    - وقتما تريدان.
    وعاد فاتصل وقال:
    - سأمر لاصطحابكما في أي وقت.
    مر الرجل بعد ساعة وذهبنا معه وأخذنا النساء معنا.
    كانت الفيلتان مناسبتين، وواحدة منهما كانت واسعة جداً تتسع لأسرة كبيرة، وأخبرنا السمسار أن الفيلتين لمغترب لبناني، اسمه يوسف، يعمل في أمريكا الجنوبية ، وأنه كان صاحب أسرة واسعة وتزوج من برازيليه فبنى الفيلتين الكبيرة للعائلة والصغيرة للبرازيلية التي لم تنجب.
    اشترينا الفيلتين، ولم نساوم فقد بدتا رخيصتين، وتم نقل الملكية في الشهر العقاري، وأكملنا بقية الثمن، وانتقلنا من الفندق إليهما فقد كانتا مجهزتين أحسن تجهيز، ومفروشتين بأثاث فخم، ويبدو أن الرجل لم يسكنهما، فاحتجنا إلى خادمتين للتنظيف، وهي متوفرة بكثرة، وتم إزالة الغبار والتهوية، في حين كنا نستجم على الشاطئ الرملي المقابل لهما

  4. #44
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    3

    كان على زوجتينا أن تزوران أهليهما. وقال السيد:
    - أنا العريس الأحدث، وأنا أولاً.
    - نعم ومن بعدك ودائما، ولن تذهب أنت إلى مكان إلا برفقتي، وأرى أن نذهب إلى أسوان بالطائرة، رأفة بزوجتينا فسترافقنا ميا.
    حجزنا إلى أسوان صباح اليوم التالي، ووصلنا في العاشرة صباحا إلى هيلتون أسوان، وهو بناء نظيف وخدمته جيدة، وأخذنا جناحين وبعد أن أحسنت النساء توضيب الجناحين وتغيير الشراشف وأوجه الوسائد، وتفقدتا الجناحين انطلقنا إلى ساقية الفضة، وكان العزاء قد انتهى.
    لم يكن اللقاء مع الأستاذ أحمد الترابي غريبا على زينب فهي قريبة زوجته، وكان السيد قد تعرف على العائلة سابقاً، أما ميا فكانت جد مندهشة وسعيدة باللقاء فهي والترابي سوريان، وقد تبادلا أسئلة غير سياسية، وسألها عن الأحوال في سورية، وعن سبب استعار القتل إلى هذه الدرجة فأجابته وهي تنظر إلي:
    - أعتقد أن الموضوع من قسمين، أحدهما مؤامرة تناولت جميع الدول التقدمية، والثانية تراكمات وإهمال التشكيلات الإرهابية، فقد غضت الدولة النظر عنها وراقبت الحركات والتجمعات القومية في البلاد، كما أن الفساد والتزلف والمحسوبية قامت بدور سيء في إسعار الفتنة.
    - لم أسمع تقييما أوضح من هذا الكلام.
    - كنت أريد أن أسألك عن الوالدة وأخبارها بعد عودتكم إلى أسوان ؟.
    - حين توفي جمال قتلت نفسها حزنا وعاشت بعده عاما تبكيه ثم توفيت في 28 / 9 / 71 أي في يوم وفاة الزعيم.
    - بعد انتقالكم إلى أسوان هل بقيتم على اتصال معه؟.
    - عندما ولد جمال زارنا في أسوان مباركاً، ولما سمع المواطنون بقدومه تجمعوا حتى شكلوا جمهوراً كبيراً، فوقف بينهم وجلسوا جميعا على الأرض فحدثهم عن الوحدة العربية، وعن لزوم الاشتراكية للوحدة، وقال: إن الوحدة والبناء والتحرير تحققها الطبقات الكادحة، وهي وحدها عماد الوطن ويجب أن تكون كل القوانين لصالحها، وعلى كل الحكومات الحالية والقادمة أن تعمل على خدمتها.
    سألته ميا كثيراً عن أسباب استقالته والانزواء هنا في أقصى الصعيد، فقال:
    - لعل الحكم على موضوع ما يجب أن يكون في حينه، لو عادت الظروف نفسها الآن لابتعدت كما فعلت وقتها، لقد كان قراراً جريئاً وقتها، وكان لازماً، فأنا رجلٌ عقائدي ملتزم بأخلاقي، ولا يمكنني غير ذلك، فالتزام الثوري بأخلاقه ونزاهته، جزء من تكونه النفسي والاجتماعي.
    كانت زينب الجدة تستمع ولا تبدي موافقة أو اعتراضاً، وكأنها غير مهتمة بالحديث كله، فسألتها ميا عن السبب، فقالت:
    - هذا الحديث معاد عشرات المرات.
    كان جمال في القاهرة يتابع أمور الشركة، وكان وحيدا بلا إخوة أو أخوات، فلم تنجب زينب بعده، وقد تزوج من قريبة والدته وأنجب عبد الرحيم على اسم جده أبو زينب، وقد كانت أسرة سعيدة، وسألت ميا:
    - أستاذي الكريم ألم تشتق إلى زيارة سورية؟.
    - بلى، وأنا أزورها كل يوم وكثيراً ما أقضي الليل كله متنقلاً بين ربوعها، يمنعني من زيارتها خوفي على أهلي وأصدقائي، وخفف من شوقي ما تشترك به ساقية الفضة مع قريتي، فأهلها من عائلتي وتضاريسها تتلاقى مع قريتي في كثير من المواطن مع بعض المواطن القريبة من قريتي، ولولا الحرارة هنا تمت السعادة بالإقامة، والكن من المبالغة المقارنة، وأنا أحب مصر أرضاً وشعباً، وأعتبر نفسي مصرياً كما أنني سوريٌّ، وقد تألمت كثيراً وأنا أتابع أخبار سورية وتقسيمها.
    - هل تظن أنه لا بد من تقسيمها ؟ .
    - إرادة الشعوب أقوى عادة من المخططات الاستعمارية، غير أن الصهاينة شياطين، وينسقون بشكل دقيق لا يصدقه العقل، ويتحكمون بالقوى العظمى ويسيرونها كما يشاؤون.
    - والحل؟.
    - الوحدة.
    - وأين الوحدة؟.
    - بعد اندحار الهجمة الصهيونية الإمبريالية، ستقوم الوحدة، وهذه الهجمة ستنتهي ويبدأ العصر العربي.
    - نتمنى ذلك يا سيدي، ودمشق ومحافظتها بألف خير، وهي تعود إلى سابق عهدها بسرعة، ومحافظات الساحل على ما كانت عليه، وستعود حوران ولن يبقى إلا إدلب وشرق الفرات.
    - وسيدحر المستعمر الأمريكي حتما وتسترد سورية عافيتها بعد هذا العداء الكبير.
    - وخسائر سورية.
    - تعوضها دول الخليج التي هي الرابح الأكبر بعد ارتفاع الضغط الكبير عنها.
    - هذا ما لم أفهمه؟.
    - عندما يندحر الصهاينة ويستسلمون سينتهي الضغط الغربي، وعندها يجد الخليج نفسه حراً. ويلتفت إلى قوميته وهي التي حمته من التسلط الغربي الذي نهب ثرواته، وأتذكر الكويت وعمان فقد كانتا معاقل قومية في الستينات.
    كان السيد وزوجته قد ذهبا إلى العالية على أن نلحق بهما. وقد منعنا الأستاذ احمد والسيدة زينب من الذهاب على أن نبيت في ساقية الفضة ثم يذهبان برفقتنا صباح اليوم التالي.
    العالية قرية جميلة بالمقياس السوري، وتشكل غابات السنديان والبلوط ظاهرة فريدة في بلاد النوبة، وفي عموم مصر، وسكان العالية من أشراف الطالبيين وأهل عادات وتقاليد موروثة، وسنأخذ فكرة عن علي بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقد كان المعرَّف فتى شاعرا كتب عنه صاحب الأغاني وقال إنه التقاه فإذا هو فتى خجولاً وناشده الله أن يقرأ له بعض أشعاره، فأنشده بعضاً أعجب بها الأصفهاني، وقال: هذا الفتى من أشعر العرب، ومن شعره : وعين الرضا عن كل عيب كليلة --- ولكن عين السّخط تبدا المساويا.
    ومنه أيضا: لا تنه عن عمل وتأتي مثله --- عار عليك إذا فعلت عظيم.
    ثار على الأمويين في الكوفة وانتقل إلى المدائن فخراسان وبها قتل.
    وكان من فرسان هاشم وأجوادها. وورد اسمه في المراجع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.
    حينما وصلنا العالية كانت المزامير تزغرد والطبول تقرع فسألنا عن المناسبة فقالوا إنه عرس زينب، فهي حامل، فدخلنا المنزل فوجدنا السيد . وحوله شيوخ العالية، وكان يحكي لهم عن تعرفه علي في طهران، وآخر ما قاله أنه تعرف علي في صدفة محببة، وعبر أشهر من معرفته بي لم ير بي عيبا، لا في الأخلاق أو الثقافة.
    بالطبع تظاهرت بأنني لم أسمع شيئاً من الحديث فقد كنت أعرف رأيه ولو لم ينطق به.
    نحن الآن في أوائل شهر تموز لعام 2018 ميلادي، الطقس قائظ ولكن غابة البلوط تلطف الجو كثيرا، وقد ابتدأ العنب بالنضوج فبدت الدالية مليئة بالعناقيد البيضاء، وقد قدم السيد صادق طبقا شهيا منها وقال:
    - وهذه أيضاً من أعناب اليمن، جلبتها من هناك ، وقيل لي أنه طعم مجلوب من سويداء سورية ، وثمرها أبيض طويل، يشبه حجمه أنواعاً من البلح الهجري المعروف.
    لم نر السيدة أم زينب، فسألت الشيخ صادق عنها فقال:
    - توفيت فاطمة أم زينب أثناء ولادة زينب، ولم أتزوج بعد وفاتها رأفة بزينب، وعاشت زينب بنتا وأما وأختا فهي أسرتي كلها، وبعد حين ستكون أم صادق إن شاء الله.
    - بعون الله.
    باركنا لزينب فأخذتني ميا إلى ناحية وقالت:
    - عدا ميا فإنه لا يبارك لها أحد.
    - أنت ضوء عيني وهذا يوم بهيج سيحتفل به الجميع.
    دخلت على القوم وأخبرتهم، فابتدأ إطلاق النار في الهواء، وقال الأستاذ الترابي:
    - سنكون من أسعد الناس بهذا الخبر البهيج، فعندما زارنا ناصر إلى الساقية قال:
    - فليشع التزاوج بين المصريين والسوريين فهو خير رابط يقوي الأواصر، ولعل الزواج يشيع بين الشعبين الأخوين.

  5. #45
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    4

    - سيصل أبوا ميا إلى مطار القاهرة مساء الغد، وسأكون أنا في استقبلهما.
    هكذا هتفت راية من القاهرة وأخبرتنا أنها ستكون في استقبالهما.
    - بل سنكون جميعا في استقبالهما وتكريمهما كما كرمونا.
    أخبرت السيد فقال:
    - سنكون جميعا في استقبالهما عدا زينب فستبقى أياماً مع والدها وهي وحيدته، وقد كرس عمره لتربيتها.
    عدنا لفورنا إلى القاهرة وفي المنزل تجدد الفرح بميا وزينب ونذرت النذور وغدا زيارة سيدنا الحسين والسيدة زينب.
    وفي المساء ذهبنا جميعاً لاستقبال ضيوفنا، السيد وأنا ووالدي وميا وراية والسيدة أم عماد، ولدى وصولهما ابتدأ العناق والترحيب، وقد كان والدانا في نهاية السرور والانشراح، وانتقلنا إلى منزلنا في شبرا فأعجبا به وبالشارع العريض أمامه، وأشجار النخيل المزروعة بين المسارين والزهور المتنوعة المعتنى بها في الحاجز الجميل، وأخبرتهما عن شراء الفيلتين في الإسكندرية، ونصحتهما بالانتقال إلى الفيلا فيها وسنذهب إذا وافقا فوراً، كان استقبالهما للسيد واستقبال السيد لهما أكثر حرارة وقالت الوالدة نحن هذه المرة أصحاب غرض، فإبراهيم مريض، وأظنه يشكو من تضخم البروستات.
    - هذا مرض شائع وأصبح سهلا، وسنستشير الدكتور محمد شوقي الذي أؤمن بفهمه، وعليكما أولاً أن تتناسيا المرض وتستريحا.
    ليل القاهرة لطيف نسبياً، والهواء رطب يتبلل بندى البخار الصاعد من مياه النيل، النيل ليس هبة الماء للسقاية والكهرباء فقط، بل لتلطيف حرارة الجو في صحراء مصر الشاسعة، فهو على طول مصر قد حول الرمال إلى أراض زراعية مخصبة بما يحمله النهر من الطمي والتراب المجروف من أواسط أفريقيا وحتى البحر المتوسط، وفي أواسط أفريقيا يكون الجو ماطرا أغلب أيام السنة وغزيرا فيجرف من أوراق الشجر ومخلفات البهائم والطمي المغذى.
    العزومة الآن مبكرة، وسنراجع اليوم الطبيب، ثم نعمل بمشورته، وبعدها نتفرغ للسياحة، سألنا عن بقية العائلة في دمشق، عن طارق وغريب وأخوي أبي طارق وزوجتيهما وأطفالهما، وبعد استعراض أحوالهم المطمئنة، جلسنا نتسامر، ثم تذكرت أننا لم نخبرهم بحمل ميا وزواج السيد فاستغرقنا في هذا بعض الوقت لنخفف من المفاجأة، ولكننا لم نكن مصيبين، فقد ابتدأت أم طارق بالزغاريد في حين جلس أبو طارق يبكي فرحاً، وكان الموقف شديد الانفعال فالتزمنا الصمت، كانت ميا تحضن أمها وتقبلها، وكنت أنا أطبطب على يدي أبي طارق مطمئناً ومهدئاً.
    ذهبنا لمراجعة الطبيب وكان السيد معنا، وأثناء فحص أبي طارق الذي استغرق بعض الوقت لأن الطبيب أخذ خزعة من البروستات نقلناها إلى مخبر معين مخصص لمثل هذه التحاليل، وتخلف السيد عند الطبيب بعض الوقت، عرفت أنه يسأله عن خبر النمساوية الحامل، وقد حكى لي القصة بعد عودتنا إلى المنزل وقال:
    - لقد عادت إلى النمسا، ولن تتخلى عن ولدها أبداً.
    - ألم تطلب شيئاً؟.
    - لا، وقال لها بأنني ميسور فاحتجت بغنى أبويها وأنهما من أغنى ما في النمسا، وقد سحباها من مصر لأنهما علما برغبتها في التخلي عن الطفل.
    اصطحبنا الوالدين إلى مينا هاوس على العشاء، وشربنا على العشاء كأسين من الويسكي، وكان العشاء غنياً ضم سلطات من الأعشاب البحرية والأسماك الطازجة، بحيث بدت الويسكي أطيب من العادة، وقد كنا جميعا سعيدين بهذا اللقاء المحبب.
    بعد عودتنا إلى المنزل تسامرنا إلى وجه الصبح ثم نمنا على أمل سلامة التحليل وسهولة العلاج.
    كان أبو عماد سعيداً بصديقه القديم، وقال:
    - الله يرضى عنك يا عماد، وقد عانيت الموت في الأسر، ومع ذلك فقد سدد الله خطاك، وأسعدتنا بهذا الزواج الميمون، وبهذا الحمل المنتظر، وعرفتنا على صديقك النبيل وسررتنا بزواجه الأصيل، وبحمل زوجته وعسى أن تكرر الحمل فمثله لا يجدر به انقطاع النسل، فهي بذرة نور يجب أن تظل بين البشر.
    رأيت الصمت أولى فسكت، وعند العاشرة ذهبت إلى المخبر وأخذت التحليل للدكتور شوقي الذي ضحك، ثم قال:
    - صديقك سليم، وكأنه بحاجة إلى علاج حلمبوحة، ولعله نسي أم طارق بسب السن ولا بد له من تحفيز لإفراغ الاحتقان الجنسي، فلتأتي غدا مساءً وحيدين أنت وهو.
    أخبرت الأسرة بأن أبا طارق سليم، وفرح الجميع واطمأن العم، والسيدة حرمه وفرحت ميا فرحاً غامراً، وسمعتها تدعو الله أن يديم السرور فقد اكتفينا حزنا أثناء أسر عماد.
    قالت أم عماد:
    - سنذهب أنا وأم عماد لتسوق الغداء، فهي تريد أن تتعرف على أسواق الخضار والفواكه في مصر.
    - طلبك سهل وسأكون معكما.
    أعجبت أم طارق بسوق الخضار والأسماك واللحوم، في القاهرة، ولاحظت تشابه الأسعار بين سوق الهال في دمشق وهذه الأسواق، غير أن البضاعة هنا أجود، وتوجد الخضار الصيفية والشتوية في وقت واحد بسبب دفء الأراضي المصرية وغزارة مياه السقي، ويوجد الجبس والبطيخ كل أيام السنة وهو رخيص نسبياً، وكذلك الأسماك الجيدة، وقد عقدت الحكومة المصرية اتفاقات مع أرتيريا والصومال واليمن للصيد في مياهها الإقليمية مقابل أجر بسيط، فابتدأت زوارق السمك المحملة بجميع الأنواع تتدفق على مصر.
    اللحوم متوفرة ويضاهي سعرها اللحوم السورية، ولحم البتيلو يعتبر من أفضل اللحوم وهو لحم عجول لا يضاهيه إلا لحم الخروف السوري من العواس، بينما الخراف المصرية من ذوات الذنب. وهي أرخص من لحم البتيلو.
    في عصر نفس اليوم زرنا السيدة زينب والحسين، وقد استغرب الحموان إقبال المصريين على زيارتهما، وهذه القداسة التي تحيط بالأخوين السبطين، وقالت أم طارق:
    - عندما مقام السيدة زينب لا يزوره إلا الشيعة الذين يبالغون في تقديسها وهناك في ساحة المسجد الأموي رأس الحسين لم أر أحدا يزوره فقلت:
    - حاكم دمشق هو الذي قتله، ولم يوال شعبها آل البيت.
    أحسست بأني أخطأت فصمت، وشتان بين حب المصريين لآل البيت، وموقف الدمشقيين منهم.

  6. #46
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    5

    حدثني السيد في الطائرة من أسوان إلى القاهرة عن نيته بشراء بناية في الجرجانية بجانب بلودان تكون مصيفاً لنا على أن نشتو في الإسكندرية والقاهرة، فأبديت موافقتي السريعة بحماس، وقال:
    - لن نظل هكذا فقد آن أن نفتتح شركة في الإسكندرية للاستيراد والتصدير، وسوف نفكر في كيفية العمل وطبيعة المواد المستوردة ومصدرها.
    - لعل الاتجار بالمواد الغذائية أفضل.
    - أي نوع من المواد.
    - المواد الناشفة كالذرة والفول السوداني وسواهما، وربما الأعلاف.
    - ما رأيك بالإلكترونيات؟.
    - الصين منافس بالبضاعة الرخيصة وماليزيا وفيتنام أيضاً، وخيرها الياباني ثم الكوري الجنوبي.
    - ربما كانت تجارة المولدات الكبيرة الغربية أفضل، فكل المشاريع بحاجة إليها، ولن نبيع عن طريق الدولة فنخضع للعمولات والابتزاز .
    - أظنها أفضل .
    وكان العم أبو طارق والسيد شديدا السرور بلقائهما وقد حدثه عن شراء فيلا أو اثنتين في الجرجانية، فسر العم بالموضوع قال لا بد أنه الوقت المناسب للشراء، فالعروض رخيصة هناك.
    اتفق الرجلان وأن السيد سيقوم بتحويل مبلغ مناسب إلى بنك سورية المركزي غدا باسم السيد إبراهيم السسا. وذلك عن طريق العراق لأن النظام المصري لم يجرؤ على فتح التعامل مع سورية ولن يفعل، وقد غمس السيسي مصر في وحل الخليج، يتلاعبون به كما يشاؤون، إنه لعار يتحمل السيسي وزره إلى يوم القيامة، فقد قبله الشعب وانتخبه وأعاد انتخابه، لكنه ارتهن للخليج وباع السعودية الجزر، وهذه بادرة جديدة للعرب، لم توجد في تاريخه، إلا بيع أمير رأس الخيمة الجزر لإيران، والغريب أن هذا البيع جرى أيام الشاه فقبل العرب ولم يعترضوا حتى انقلب الشعب الإيراني على الشاه، فاستعرت قومية الأعراب وطالبوا بإعادتها، وأمعنوا في العداء لإيران، ومولوا الحرب العراقية الإيرانية، حتى اكتشف المرحوم الرئيس صدام حسين أنه وقع ضحية لثقته بهم، فأنهى الحرب، وعاد الأعراب لمطالبته بالمليارت التي مولوا بها الحرب، وكانت مقدمة للحرب على العراق، وقتل نصف مليون عراقي وتشريد ستة ملايين آخرين في أصقاع الدنيا، وقد أعانوا الأجنبي على العراق، قاموا بتسليمه قواعد في أراضيهم انطلق منها لتدمير العراق.
    لن ينسى التاريخ هذه الخيانات الكبرى، فهل سيعيد السيسي تقويم موقفه ولا يحمل مصر الدولة العربية الأكبر وأم العرب مسؤولية تدمير الأمة التي ينسق لها حكام الخليج، ويشترك السيسي الآن معهم في الحرب على اليمن، ولا أعرف كيف سينجو بنفسه من هذه الخيانات المتواترة، والتي لم يسبقه إليها حاكم في تاريخ مصر كله.
    مررت بعجالة على هذا الموضوع المهم فأنا ابن مصر وأحس بالاشتراك جزئياً في هذه الجرائم النكراء.
    واكتفيت بالعزائم القريبة في مينا هاوس وسواه من مطاعم الهرم والمهندسين وهليوبوليس، وقد غادرنا السيد لإحضار زوجته وعاد في اليوم الثاني، وقد أعجب العمان أبو طارق وأم طارق بشخصية زينب تمام الإعجاب مما أراحنا جميعاً، فستجد زينب معارف في نهاية الوداد والمحبة.
    - صديقك سليم وأظنه بحاجة إلى علاج حلمبوحة.
    - لن يرضى بدواء حلمبوحة.
    خذ أعطه حبة الدواء هذه قبل ثلاث ساعات من اصطحابه إلي غداً.
    - وما هذا الدواء؟.
    - فياجرا خفيف.
    أخذت حبة الدواء وذهبت مسرعاً إلى المنزل، وأخبرت الجميع بان العم سليم معافى، ففرحوا أيما فرح، ووجدت زينب تغرد بأغنية نوبية وترقص على وقعها.
    قبل النوم بثلاث ساعات أعطيته الحبة، وانتظرت الصباح، وقد استيقظت متأخراً، فوجدت أبا طارق بنهاية السرور، وينظر إلى أم طارق نظرات لم أعهدها قبل ذلك، في حين أن أم طارق كانت مسرورة وتبادله نظرات السرور.
    علمت أن الفياجرا قد أسعد الزوجين الكهلين، وقلت في نفسي: لو أحصوا الأشخاص الذين يحتاجون هذا الدواء لفوجئوا بالأرقام. ولعل الجهل والخجل يمنعان أغلب الناس من مراجعة الطبيب لأخذ المنشطات اللازمة.
    اتصلت بالدكتور شوقي وأخبرته بما فعلته فقال:
    - لقد داويت مريضك بدون إحراج، وقد تكفيه حبة واحدة أو حبتان واحدة الإثنين والثانية الخميس.
    أعطاني اسم الدواء والشركة المنتجة وقال:
    - إذا استطاع الحصول على صناعة أمريكية يكون أفضل.
    أخبرت عمي، وتسوقت له الدواء صناعة أمريكية بعشرات الأضعاف في السعر وأعطيته خمس زجاجات منه.
    سعدنا كثيراً باستضافة أبي طارق وأم طارق في القاهرة، وسعدا هما كثيراً في الأوقات التي قضياها معنا وخاصة الصديقان أبو طارق وأبو عماد، وشعرنا بالوحشة والفقد لدى سفرهم إلى دمشق، وأثناء وداعهم التقيت بالمطار بالدكتور شوقي مسافرا إلى فيينا لحضور مؤتمر طبي فيها، وقال إنه سيلتقي بالفتاة التي حملت من السيد، فرجوته أن يتصل بي لدى عودته، وحينما أخبرت السيد حاول كتم سروره الذي لم يخف علي، وقال:
    - لقد آن أن نذهب إلى الإسكندرية ونباشر الترخيص، ونبحث عن مقر للشركة ومستودعات.
    عدنا إلى الإسكندرية فوجدنا الفيلتين نظيفتين وعلى أحسن ما يرام، وقلت لوالدي:
    - لقد اشتقت إلى الجلوس معكما ليوم كامل، بحضور راية العزيزة وميا.
    وقد كانت والدتي تنظر إلي بإعجاب وأنا بكرها، وكنت في حياتي كلها فتى عاقلاً عفيفاً، وكنت عصامياً أعيش من تعبي وأصرف على راية أيضاً، ولم أرسب في دراستي أبداً، وحينما كبرت كنت أجد عملاً مريحاً يقيم أودي، وحتى ما وهبني إياه السيد، فإنني سأعيده في الوقت المناسب إذا قبل إلحاحي، فقد كانت أخلاقي ترفض الصدقة، ولولا حبي له وتفانيه في سبيلي لما رضيت هذه الرفقة على الشكل الذي بقينا عليه، وكانت بالنسبة له تغيراً كاملاً في مسار حياته، وفألاً حسنا تزوج فيها من امرأة تناسبه وتسعده، وتنجب له بإرادة الله.
    وبقينا أنا وأمي وراية نتسامر طويلاً، تخلل المسامرة عدة فناجين من القهوة، وأصابع الحلوى، فقد كانت راية بارعة في مثل هذه الضيافات أثناء المسامرة، قالت راية:
    - لعلك تعرف يا عماد أن عبد الرحيم يحدثني على الهاتف، وهو الآن يطلب إذنا بزيارة أهله لنا، ولم أجبه.
    انتظرت جواب أم عماد، لكنها لم تفعل، بل نظرت إلي تريد مني أن أجيب، فلم أفعل وطلبت منها دعوة والدي للانضمام إلينا، فذهبت وعادت بأبي عماد، وبعدما جلس روت له موضوع عبد الرحيم، فنظر إلي لأجيب فقلت:
    - هؤلاء قوم عصاميون شرفاء، ولا يقدمون على شيء يخالف الأمانة والشرف.
    قال أبو عماد:
    - على بركات الله يا بنيتي.
    وقام مغادراً، فهنأت راية وقلت:
    - يا حبيبتي أنهيت السنة الرابعة طب وبقي لك سنتان وسنوات الاختصاص، أقول لك ذلك لأبصرك لا لأثنيك، ولا ندري الأيام ولا تخدعنا الأحوال، فاحصلي علي شهادتك وضعيها في جيبك، ثم تصرفي.
    قالت:
    - لست على عجلة من أمري، في العام القادم تكون الخطوبة والذي بعده في الصيف يكون العقد، ثم نقرر متى ننتقل إلى بيت واحد.
    - لم أعرفك إلا فتاة عاقلة واعية، فتصرفي برزانة.
    - أمرك يا عاقل مصر.

  7. #47
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    6

    في الثالث والعشرين من تموز، وهو ذكرى ثورة مصر العظيمة دعوت كل من أعرفه من قيادات الناصريين المنظمين والمستقلين، برئاسة الدكتور سامي شرف، إلى حفل غداء في مقهى شبرا الصيفي، وقد لبى أغلب المدعوين الدعوة واجتمعوا على شواء كبير ضم عدة خراف، وكثيراً من الخضار والفواكه، وقد استنهضت الجميع لتوحيد تنظيماتهم فوراً، وإعلان ذلك في هذه الجلسة، واقتراح أسماء المكتب السياسي، وقد فوجئنا جميعاً بدخول الرئيس السيسي واستقبلناه بحفاوة الضيف الوافد، وقال:
    - لستم ناصريين أكثر مني، وما ترونه وتعترضون عليه سيكون مؤقتاً وستعذرونني، وإن تغيير موقفنا في غير وقته كان سيضر بمصر التي أنهكتنا العهود المتعاقبة، وكل شيء سيعود ولن تروا إلا ما يسركم.
    قمت فرحبت بالرئيس السيسي وقلت:
    - وما أدراك يا سيادة الرئيس أن تمهلك الأيام حتى تقوم بإكمال مخططك، وأنت الذي خبرت العهود المتعاقبة، وتعرف المتربصين بمصر، فلعل ذلك يكون سريعاً، وتبدأ يا سيدي بإصلاح الدن المكسور، ولو بتجبيره.
    استأذن الرئيس وانصرف، وبعده جاء التلفزيون لينقل الوقائع، وقلت:
    - لعل التلفزيون جاء لتصوير الحاضرين، لأنهم سيحاسبون.
    تحدثت مع الدكتور شرف بشأن السيسي، فقال:
    - حينما استلم الحكم ذهب إلى أسرة عبد الناصر وقال كلاماً مشابها لما سمعتموه، وطلب تأييد العائلة له. وقال: إن الوضع المالي للدولة مثير للقلق، وسيقول إن الجزيرتين سعوديتان، ليتقاضى أربعة عشر مليار دور يحرك بها السوق المالية، وتذكرون بيان الدكتورة هدى، ونشر صوره مع عبد الحكيم، حتى الآن يوصل لهم الرسائل، على كل حال فقد انتظرناه طويلاً وسننتظره أكثر بقليل، واقترح أسماء قيادة الحزب الناصري الموحد، فذكرني بينهم فاعتذرت له، وقلت: إنني واحد من الجماهير، ويمكنني تقديم معونات لإنجاح تطور التنظيم وافتتاح مكاتب له، فقال:
    - على بركة الله وقمت فجلست إلى جانب المدعوين.
    انتهى الاجتماع بتشكيل المكتب السياسي، وقد أرسل السيسي موفداً أخبر الجميع بأن الدولة ستؤمن المقرات الدائمة في جميع المحافظات والمناطق، وأبدى دعمه الغير محدود.
    لقد أدخلنا الرئيس بالحيرة، وقال الموفد بأنه سينسق مع الدكتور شرف، وسيبلغ كل الأعضاء ابتداء النشاط.
    لقد كان الرئيس يحاول استيعاب التنظيم منذ البداية، وبذلك يكون على معرفة مبكرة بكل حركاته، وهذه مناورات رجل أمن متمرس في مهنته منذ عشرات السنين.
    عدت إلى الإسكندرية، يتملكني القلق والتخوف، فقد كنت في أمس الحاجة لتقييم موقفي، وقد دخلت في متاهة وحيرة، وحينما سألت السيد قال:
    - لا تتخوف من شيء، فما أردت إلا الصلاح، وإذا أراد السيسي تركنا له مصر كلها فبلاد الله واسعة، ورزقه كثير.
    - أنا لا أتخوف على نفسي، ولا أطلب شيئاً، وما أردت إلا صلاح الأمة، إن الناصرية لم تعد شخص عبد الناصر، وإنما هي طريق عريض يتسع لجميع المؤمنين بوحدة الأمة وقدرتها، إن الاستيلاء على مكاسب الطبقة العاملة وتجييرها لصالح الفساد والمحسوبية جريمة كبرى بحق غالبية الأمة، ولن نسكت، وما الخليج إلا دعائم للسياسات الأمريكية الصهيونية، والسير يجب أن يكون ضدها لا معها لأن الرفيق معها هو الشيطان.
    - لن نمشي مع الشيطان فهو عدونا الأزلي.
    اتصل من قال: إنه رئيس فرع الأمن العسكري في الإسكندرية يريد اللقاء معي بتوجيه الرئيس.
    وافقت على الاجتماع في مطعم سي جل على شاطئ الإسكندرية، وليكن على الغداء في الثانية بعد الظهر، وقد تأخرت قليلاً متعمداً، وحين دخلت المطعم قادني مديره إلى طاولة منزوية يجلس وراءها كهل خمسيني تبدو عليه علامات الهدوء.
    سلمت على الرجل واعتذرت عن التأخير لدقائق قلت بانها بسبب ازدحام السير، وقد أعاد التعارف بأنه لواء في الجيش وأنه خدم سنوات كثيرة مع الرئيس السيسي الذي كان يدير المخابرات العسكرية المصرية لفترة طويلة.
    قال الرجل بأن الرئيس أمره بتأمين مقرات في الإسكندرية، وأنه يريد لهذا الحزب أن يكون الأقوى في مصر، وإنه يصر على أن أقوم بدور ما في قيادة الحزب.
    - هل يعرف الرئيس السيسي أني كنت أسيراً عند الأمريكان في سورية، وقد نقلوني إلى حضرموت ثم إلى أفغانستان فأزبكستان حيث أطلق سراحي؟.
    - أنا ليس لدي المعلومة.
    - إذا سمحتم لا تدخلوني في الموضوع وعليكم بالمهندس عبد الحكيم، فهو موجود في ألإسكندرية.
    - ما على الرسول إلا البلاغ المبين، وسأقوم بإبلاغ الرئيس بالتفاصيل، أنا اسمي اللواء إبراهيم عزمي. ومكتبي ليس بعيداً من هنا. وهذا الكرت عليه جميع أرقامي، ورقم المنزل، وأنا في خدمتك في كل وقت.
    لم ينتظر طلب الغداء، ومضى، فقلت للميتر أن يشوي لي كمية أسماك تكفي سبعة أشخاص، ومعها اللوازم وأن يضعها في كيس.
    انتظرت حتى قدم لي علبة موضَّبة، فحاسبته وعدت إلى المنزل. دعوت السيد وزينب إلى الغداء وحضرت ميا اللوازم الباقية، وأكلنا وجبة غداء شهية فعلا، إنه مطعم محترم ويجيد تقديم الأسماك.
    حدثت السيد عن لقائي برئيس الأمن العسكري، بالتفصيل فلم يعلق وقال:
    - نيتك طيبة ولكن السياسة في مصر صعبة، وتشترك في رسمها أصابع كثيرة خارجية منها الغرب والصهاينة، وما أظن أنك ستنجح، فاكتف بما فعلته وانسحب من الحياة السياسية بهدوء.
    - قد فعلت ذلك، وأعتقد أن البلد بحاجة إلى ثورة جديدة كثورة يوليو.
    اشترينا لمكاتب الشركة بناء كاملاَ من خمسة طوابق، وكلفنا مهندساً بالفرش، وهتف السيد إلى كامل أن يسافر إلى أمريكا ويحصل على وكالة شركة كاتر بلر في مصر ولو اقتضى الأمر دفع المال.
    مرت الأيام بطيئة بعض الشيء، واتصل بعد شهرين العم أبو طارق أنه اشترى فيلتين كبيرتين في الجرجانية بثمن زهيد، وأنهما سليمتان لم تمتد إليهما يد الإرهاب، وأن فرشهما فخم وصاحباهما خارج البلاد ولديهما وكيلان جاهزان لنقل الملكية.
    أخبرنا العم بأننا سنكون قريباً في دمشق، وقد جهزنا زوجتينا للسفر معنا، في حين عادت الأسرة إلى القاهرة، وقد آن لراية أن تجهز نفسها للعام الدراس المقبل.
    سافرنا إلى دمشق على طائرات الخطوط الجوية السورية، وكان غريب في استقبالنا في المطار، وقد احتفل بنا العم أبو طارق والأسرة، وطلبت من الزوجتين أن تخلدا إلى الراحة لبعض الوقت حرصاَ على الحملين.
    كنا وصلنا مساء، وبعد سهرة مختصرة خلدنا إلى النوم، وفي الصباح توجهنا إلى الجرجانية، وعاينا الفيلتين فقد كانتا كبيرتين، في كل منهما في الطابق العلوي ستة غرف نوم وثلاثة حمامات، وفي الطابق الأول صالونات ومطبخ وأوفيس وحمام، وفي الطابق الأرضي غرفة للحارس ومستودع كبيرة وغرفة شوفاج.
    ثم عدنا إلى الدائرة العقارية فسجلنا الفيلتين واحدة باسم السيد والأخرى باسمي.
    أعجبت زينب بوادي بردى أيما إعجاب، ونظرت من بعيد إلى جبل الشيخ والجولان المحتل، وقالت:
    - هذه البلاد من الجنة وحرام أن تترك هذه الأراضي للعدو الصهيوني، يستثمرها على أعين العرب الكلاب.
    كانت الكلمة كبيرة لم أعهدها في قاموس زينب، فسكت.
    وعلمت أن انفعالها أطلق كلمات لم تتعود عليها. فسكت وكأني لم أسمع شيئاً في حين ضحك السيد بملء فمه.
    قالت ميا وزينب وكأنهما اتفقتا على الكلام:
    - ما زلنا في أوائل شهر أيلول ويمكننا الإقامة هنا أياماً، قليلة وإذا أردتما فاسبقانا إلى الإسكندرية.
    قال السيد:
    - نحن معكما لأيام، فلا شيء يستعجلنا للعودة.


  8. #48
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    7
    آن أن نعود إلى الإسكندرية فعدنا عن طريق بيروت ففيها الخطوط المصرية التي تهبط في الإسكندرية ثم تتابع إلى القاهرة.
    ووصلنا الفيلتين بسرعة فتمددنا نستريح من رحلة بدت طويلة، وخاصة لميا وزينب فقد بدتا منهكتين، وقد بانت أوائل الحمل عليهما ومنها الوحام والاستفراغ، وهذه الفترة تعتبر من أقسى الفترات على الزوجة، وتكون فيها مرهفة وفي نهاية الحساسية ويجب مراعاتها باهتمام وحرص، والاعتناء بتغذيتها لأنها تطرح أغلب ما تتناوله من الطعام أثناء التقيؤ.
    اتصل الدكتور شوقي الذي عاد من مؤتمره الطبي في فيينا، وقال: إنه اجتمع بالفتاة النمساوية ووالديها، وتحدثنا عن إمكانية قبول المساعدة من السيد كي لا يشعر الطفل بعدم الانتماء، فقال الوالد:
    - لقد أعلنت إسلامها ولبست الثياب الإسلامية. والغريب أنها أحبت أبا الطفل، وما زالت متيمة به.
    واستدعاها فأقبلت وسلمت، ثم جلست مطرقة، فحدثها عن السيد وأحواله وقال لها إن تعدد الزوجات مسموح بالإسلام وربما يمكنهما أن يتزوجا فتبقى هي في فيينا ويزورها بشكل متقارب، فأبدت حيرتها وقالت:
    - سأتصل بك، وربما به، لو أعطيتني عنوانه ورقم هاتفه.
    وقد أعطيتها عنوانه في القاهرة والإسكندرية، ويجب أن يعرف فلا يتفاجأ ويرتبك. فأخبره.
    رويت للسيد الحديث فغلبه السرور وقال:
    - أتمنى ألا تسمع زينب الحديث الآن، وفيما بعد سأخبرها أنا أو تخبرها أنت.
    - سمعاً وطاعة سيدي المنخل.
    لعل القارئ الكريم يعرف أن المنخل اليشكري كان يتيم النساء، فضحك السيد لهذا التشبيه، وقال لي:
    - كيف أوفيك حقك وقد غيرت حياتي وملأتها سعادة وغبطة.
    - يا سيدي أنا أعتبر أن معرفتنا قد افتتحت عمراً جديداً لي، أنت ربما لا تعرف شقائي عند الأسر ثم ضياعي عندما أطلق سراحي، وعندما التقيتك ودعوتني إلى المقهى وسألتني إذا كنت أملك ثمن المشروب، ثم عرفتني على نفسك وأنك تتسول الصدقة، وزاد من تعلقي بك زهدك، وكيف قاسمتني ما تملك، هل تعتقد أن هذا شيءٌ عاديٌّ لقد تآخت روحانا، وعلمت أنني أنتمي إلى جبلتك، وأنني مختلف، ربما كان هذا وهماً ولكنه شعوري بصدق.
    - نحن روح في جسمين، ولن أفارقك ما دمت حياً، وإذا مت قبلك أعهد إليك تربية أسرتي وتعهدها. ولتخص تلك الغريبة التي ساقتها الصدف إلي وساقتني إليها، فحملت وستنجب لي طفلاً فإذا كان ذكراً أو أنثى عليك أن توليه العناية اللازمة، وأن تتعهد والدته.
    - ستعيش عمراً طويلاً وسأذكرك بهذا الكلام حين نكون شيخين كبيرين، فلا تحزن.
    مر علينا قاسم ومعه الوكالة، وقال إنهم لم يتقاضوا مالاً بل طلبوا وضع أمانة في بنك في نيويورك قيمتها خمسون مليوناً، وقد وضعها، واستخرج الوكالة باسم السيد حسن باقر والسيد عماد عادل الأسيوطي.
    وسألت المستشار المحامي أحمد نصر ياسين عن طريقة الترخيص، فدلني على مكتب في اسكندرية وقال:
    - دعوا له كل شيء فسينهيها ويخبركم.
    فذهبنا إلى المكتب وطلب بعض الوثائق التي حصلنا عليها بسرعة، وبعد شهر جاء الترخيص المطلوب وأعطيناه ما طلب وكان زهيداً بالنسبة لتصوراتنا، فكثيراً ما تبالغ الناس وتضخم الرشوة في البلاد العربية.
    احتجنا عدداً من المهندسين الميكانيكيين والكهربائيين، وقد طلبت من أخي أحمد القدوم، فجاء على عجل وقلت له ستستلم مكتبنا في القاهرة، وتولي أحد أبناء عمومتنا شؤون المزرعة وتوريد اللحوم، فطلب مهلة وعاد إلى أسيوط.
    استشرت المستشار أحمد في بعض الموظفين من المهندسين فأعطاني أسماء، وخصص لي بعضاً منها يشتهرون بالأمانة والعمل الدؤوب، فأخذت العناوين.
    بدا السيد ساهماً مفكراً، وحين سألته عن السبب قال:
    - إذا حدثتني النمساوية عن الزواج ماذا يكون جوابي؟، هل سأرفض أم أوافق، لقد صار الحمل في ظروف غير طبيعية، ولا أعرف شيئاً عن المرأة، وأستغرب كيف سمحت بمضاجعتها دون معرفة، ثم هذا الحمل الاستثنائي، وهذا التعلق من امرأة برجل لا تعرف شيئاً عنه، كيف أظهرت إٍسلامها واعتزلت، وموقف والديها، القصة بكاملها استثنائية ويجب إعادة التفكير بها.
    التزمت الصمت، فليس لدي جواب مدروس مقنع، وقلت في نفسي: لعل الأيام تجيبه.
    في المساء قبل أن ننام حدثت ميا بحديث السيد، وما كنت لأخفي عنها شيئاً، فلم تعلق وزفرت زفرة مهموم.
    صباح اليوم التالي ونحن على الشرفة حدثتني ميا عن استغرابها للحديث الذي سمعته وقالت:
    - كيف رضي السيد بما جرى، ولم أجد من أخلاقه ما يشير إلى ذلك.
    - لقد كان مأزوماً بسبب انقطاع نسله وقد أراد الطبيب أن يتأكد من قدرته.
    - هذا كلام غير مقنع.
    - إنهم مازالوا يقولون بالمتعة وهي شيء من هذا القبيل.
    - قرأت المتعة ولكن شروطها غير متوفرة.
    - بل متوفرة جميعها، وفي حالة الحمل تتحول إلى زواج شرعي، ويقولون إن عبد الله بن الزبير كان من المتعة.
    - أستغرب ذلك، وأمه ابنة أبي بكر.
    - مجتمع مكة قبل الإسلام كان عجيباً. والنظام الاجتماعي عند العرب كان ذكورياً، وينظر إلى المرأة على أنها لمتعة الرجل.
    - على كل حال فهو في وضع لا يحسد عليه.
    - ما كنت لأخفي شيئاً عنك، وأرجو أن يبقى هذا سراً بيننا.
    - بئرٌ عميق فاطمئن.
    شعرت ببعض الراحة، ولكنني ما زلت مهموماً بالسيد وكيف سيحل هذا المشكل، وكنت أعرف أنه لن يتخلى عن الولد خاصة إذا كان ذكراً، فإلى الجد البعيد كانوا آحاداً.
    افتتحنا الشركة وكان الترخيص باسم الشركة العربية المصرية للآليات.
    كان المركز الرئيس في الإسكندرية، ونحن الآن ننفق من رأس المال من دون مردود، وقد وردنا أول الطلبات من القوات المسلحة، واللائحة كبيرة، تتضمن آليات هندسية ومجموعات كهربائية نقالة، بواكر حفر وتعبئة، وقد أرسلت الطلبية إلى الشركة الأم فأرسلوا لي الكاتلوكات واقترحوا آليات أخرى متممة فأرسلت الجواب للجنة، وجاء الرد بالموافقة سريعاً، وجاءت اللجنة ونظموا العقد، وتم توقيعه، وكان المستشار أحمد ياسين قد ابتدأ وقبل مساعدتنا في تأطير جميع أمور الشركة قانونياً.
    طلبت من ميا أن تتعرف على عائلة المستشار أحمد، وتجعلها قريبة منا، وقد فعلت ميا وقالت عندما عادت:
    - إنها أسرة نموذجية في كل شيء وسيكونون خير أصدقاء.
    عقدنا الصفقة مع الجيش، ووضع ثمن الصفقة في البنك المركزي، فتم توريد الآليات، وأرسلت لجنة الاستلام برئاسة لواء مهندس مدير إدارة المهندسين العسكرية، وتم الاستلام بسرعة وحضر مندوب من الشركة المركزية فاطلع على أحوال الشركة وموجوداتها، ووقع على استلام الأليات مع قطع غيار تكفي عامين، وحُوِّل كامل المبلغ بالدولار إلى البنك المركزي، وكان الجيش قد طور اللائحة وأضاف إليها الشاحنات والناقلات الكبيرة والترنابولات الكبيرة، ورؤوس حفر إضافية للبواكر، وبلغ ربحنا من الصفقة أكثر من مئتي مليون دولار بقليل.
    تحدثت النمساوية مع السيد الذي كان يجيد اللغة النمساوية منذ دراسته في فيينا، وقد أخبرني بموضوع المحادثة فقال:
    - اشتكت بأنها تعاني من آثار الحمل، وبأن والديها يساعدانها كثيراً في تحمله، فهي وحيدتهم ويتمنون أن يروا نسلهم يستمر، وقالت إنها ستأتي إلى مصر بعد أن تضع حملها، وستسكن في القاهرة أو الإسكندرية، وقالت إن والديها مليارديريان، وإن لديهم شركات كبرى في هولندا والمجر والتشيك، وبواخر تجوب بحار العالم، وسيكون الطفل غنياً من ولادته.
    - ألم تخبرها شيئاً؟.
    - بلى فإنني قلت لها، أنني سأكون سعيداً باستضافتها بالقاهرة بعد أن تضع حملها وتكون جاهزة للسفر. فقالت: إنها ستبقى على اتصال بي

  9. #49
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    8

    امتلأ وقتنا كله، وشكلنا مكتب دراسات في الشركة مهمته تبويب ودراسة وتصنيف كل ما يرد للشركة أو يخرج منها وتثبيت ذلك على الحاسوب الرئيس في الشركة، إضافة إلى الأرشيف الخاص والذي تديره محاسبة مختصة، وقد أرسلت الشركة الصانعة عدة نماذج جديدة لكل الآليات التي تصنعها، فأصبح مرآب الشركة في ظاهر المدينة يحتاج إلى توسيع فاشترينا بعض الأراضي وضممناها إلى الأرض الأساس، وقمنا بتسوير المنطقة وبناء مستودعات للقطع الغيار وغيرها من اللوازم والزيوت.
    اقترح أحد المهندسين أخذ مشاريع جديدة فالآليات كافية لذلك، فقلت لنفسي:
    - عسى أن يكون ذلك أثناء إعادة الإعمار في سورية وتبدو قريبة.
    كانت أمريكا تعمل على فصل العراق عن سورية، وجميع سياسات أمريكا في المنطقة صهيونية، وقد حالفت في سبيل ذلك أعداءها التقليديين كحزب العمل الكردي اليساري، وخالفت المصالح التركية خدمة للمصالح الصهيونية، كما أظهرت استمرار عدائها لسورية وإيران وحزب الله، وسحبت اتفاقها مع الدول الأوروبية وإيران وروسيا، وليس لها أي مصلحة مباشرة بذلك، بل لتطمين الصهاينة أنهم تحت حمايتها، كما أساءت لحلفائها الأوروبيين واحتقرتهم، وتحدث رئيسها بالعنصرية، وهذا شيء متخلف في العصر الذي نعيشه، وقد أظهر حقيقة النظام الرأسمالي المتوحش البعيد عن كل ما هو إنساني، ووصف رئيسها ترامب حلفاءه الخليجيين وفي العراق بأبشع الأوصاف، كما أعلن صفقة القرن، يريد بها تصفية القضية الفلسطينية على حساب العرب.
    ظهرت أمريكا معادية للعرب ولمصالحهم، وقال ترامب وهو يتحدث عن السعودية بأنها بقرة حلوب متى جف حليبها يجب ذبحها، وقال عن نفط الخليج إنه لأمريكا ولولا أمريكا ما وجدت حكومات الخليج، وتحدث عن شعب العراق بأقذع الألفاظ وكذلك عن رئيس سورية، وفي إهانة مباشرة لرئيس مصر قال له: إن أكثر ما أعجبه به هو حذاؤه، ولا أدري كيف لم يجبه الرئيس السيسي. عجباً إلى أي درجة انحدرت الأمة، وفي تاريخها كله لم توجه لها إهانات بهذا الحجم وتسكت عليها.
    كل هذا في رأيي من نتائج كامب ديفيد، ولا يتحمل السادات وحده وزر ذلك بل جميع المثقفين المصريين والأحزاب وخاصة الناصريون الذين قعدت همتهم وكأنهم تأقلموا مع تلقي الإهانات لهم ولأمتهم.
    تباً لهذا الزمن الرديء.
    أصبحت النمساوية تتصل بالسيد يومياً، وتتحدث معه حتى في التوافه، وقد لاحظت زينب ذلك فأطلعت ميا على شكوكها.
    سكتت ميا ولم تجبها، وحين عدت إلى المنزل أخبرتني ميا فقلت لها:
    - تجاهلي الموضوع، وقولي لها إنه رجل أعمال ولديه مصالح كبرى، ريثما أجد حلاً نهائياً لهذا، ويجب أن تعرف الحقيقة.
    في اليوم التالي في الشركة أخبرت السيد ما قالته ميا، فأحس بالإحراج والخجل، فقلت له أن يحدث زينب ويقول لها بأنه تعرف على النمساوية في صدفة، والآن تقول إنها حامل، ويصف لزينب أحوال أسرتها، وأن هذا يسمى زواج المتعة، ومجيء الولد يحول الزواج إلى زواج حقيقي يلزم بالولد والنفقة.
    رأيت السيد يتلون خجلاً، وقال:
    - هل تريحني وتخبرها أنت فأنا أشفق عليها، فهي زوجة مثالية، وفي نهاية الرقة.
    - سأفعل إن شاء الله.
    عندما عدنا إلى المنزل مساءً، وبعد حمام ساخن خرجت ونزلت إلى الصالون فوجدت زينب وميا تتسامران، فجلست وغمزت ميا أن تتركني مع زينب فقالت:
    - سأعد لكما قهوة ميا الطيبة، فحاولت زينب أن تنصرف، فقلت لها:
    - أريد أن أسألك سؤالاً تجيبن عليه بصراحة؟.
    - أفعل.
    - ما رأيك بعماد الأسيوطي؟.
    - أنعم وأكرم. أيما صديق.
    - أريد أن تعيريني انتباهك.
    - حاضر يا فندم.
    - كان لدي صديق التقى بفتاة أجنبية فتواعدا، وبعد ذلك لم يرها، وكان صديقي يريد أن يتبع الأصول فعقد عليها على أنه زواج متعة، وهو شيعي ويعتبرون زواج المتعة شرعياً، فإذا وجد ولد تحول إلى زواج عادي.
    بدا الاهتمام على وجه زينب فقالت:
    - وبعد ذلك ؟.
    - حملت المخلوقة، وعادت إلى بلدها بعد أن سحبها أبواها فهي وحيدتهما، ورفضا أن تجهض الطفل، فهما لا خلفة لهما إلا الفتاة، وتمنيا أن تنجب، وأحبا ألا يطالب الأب بالطفل فيربياه هما وابنتهما.
    - وماذا حدث بعد ذلك؟.
    - تزوج صديقي، من فتاة مثالية يتمناها كل شريف، وبعد ذلك بزمن، وقد اتصلت الأجنبية لتخبره بأنها تحتفظ بالولد، وأنها لا تريد شيئاً، ولكنها تتمنى أن ينتمي ابنها لأبيه.
    بدت زينب مهمومة، وقد تأكدت من أن السيد محور القصة فقالت:
    - عندنا زواج المتعة يصبح حقيقياً إذا أنجبت المرأة من الرجل، وقد مارس المسلمون زواج المتعة حتى منعه الخليفة الثاني، والزواج عند المسلمين مثنى وثلاث ورباع، فكيف وقد بدا الموضوع مفروضاً دون أن يحسب له حساب، وأنا لا أمانع في أن تأتي إلى الإسكندرية، على أن لا تسكن معي.
    - والله لقد أرحتني يا ابنة الأصول.
    - لا شيء معيب في هذا، بل سيظل المعزز المكرم.
    - عسى أن يكون هناك وضع مريح للسيد.
    - سيكون فهو عندي أغلى من أن أزيد همومه، وسيكون اباً لأطفالي، ولم أجد به ما يعيبه. شريف من شريف.
    سبحان الله، لقد سهل الله الموضوع وتستحق هذه السيدة العاقلة كل احترام ورعاية.
    جاءت ميا بالقهوة أربعة فناجين فقلت:
    - لمن الرابع؟.
    - للسيد فما كنا لنشرب القهوة من دونه.
    وكأن ميا سمعت أطراف الحديث فبدا عليها الانشراح والسعادة، وأخبرت السيد فحضر، ولما فتحت الباب أشرت له بان الموضوع قد انتهى.
    سر السيد أيما سرور وقال:
    - من نعم الله علي أنني تعرفت عليك، وأنك اخترت لي قرية العالية للزواج من ملاكي الطاهر.
    دغدغت الكلمات مشاعر زينب فضحكت بدلال وقالت:
    - من حظ أي سيدة أن تكون أنت زوجها، وكيف لا وأنت سليل النبوة، وحفيد الإمام وابن فاطمة، لقد جمعت الشرف كله. ولم تبق لغيرك إلى الثمالة، فته وافخر يحق لك.
    لعل بإمكان زينب أن تكتب وتكون أديبة مشهورة، كانت موفقة دائماً باختيار الكلمات، وأخبرتنا أن والدها السيد صادق سيحل ضيفاً علينا نهاية الأسبوع، فأبدينا السعادة والترحيب.
    اتصل القسم التجاري في الشركة أنه يجب الإلحاح على الشركة الأم بإرسال الآليات المطلوبة وقد تم تحويل ثمنها، وحينما أخبرت المدير العام قال أنه تم الشحن، وأنه لم يكن يتوقع أن تنشط المشتريات إلى هذا الحد فقررت الشركة تخفيض السعر 5% لكل المشتريات.
    قمت بإخبار أصحاب الطلبات بأن الشركة الأم خفضت أسعار المشتريات 4% لأن الضرائب ستلتهم 1% الباقية.
    كما أخبرتهم بأن الشحن قد تم، وعند وصول الطلبية سنخبرهم للحضور والاستلام

  10. #50
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    9

    سارت أمور الشركة بسرعة على أحسن ما يرام، وصارت أهم من آبار النفط في الأهواز. وزاد رصيدنا في البنوك بسرعة، وقد جاءت النمساوية فجأة إلى الإسكندرية فكان السيد في استقبالها في المطار، ونقلها إلى شقة مفروشة قريبة من الفيلتين، وقال:
    - إذا رأيت أنه من المناسب أن تزورها فهذا يسعدنا، ومن دون أن أحرجك.
    - سأزورها مع ميا إن شاء الله.
    ما زال الهاتف الذي أخذته من الأمريكان في حقيبتي القديمة وحينما كشفت عليه وجدته ما زال يعمل، وفور فتحه تحدث إلي شخص بأن الهاتف سيبقى وأنه يمكن استخدامه للتخاطب مع شركة كاتر بلر بدون مراقبة.
    يبدو أن الأمريكان ما زالوا يتابعونني، ويتابعون جميع تحركاتي، وقد أخافني هذا وعلمت أنني تحت المجهر، ولن أغير موقفي، وحدثت السيد فأبدى تخوفه، وزفر زفرة كبيرة وقال:
    - عليك الحذر يا أخي فهؤلاء مجرمون، ولا يرون فينا إلا أدوات ووسائل، وهم ساديون معقدون.
    قمت أنا وميا بزيارة النمساوية، وقد عرفت نفسها بأنها لارا كروسر، وما لبثت أن دخلت في حديث ودي مع ميا، التي أبدت إعجاباً بها بعد أن تبين لها أنها مهندسة معمارية على اطلاع بثقافة البلدان العربية وبحضاراتها.
    قالت النمساوية لميا: إنها مترددة بشأن عقد الزواج، فهي والسيد من حضارتين مختلفتين وأصول متباينة.
    - لكنكما تنتمون إلى إنسانية واحدة، والله يقول للرسول: وما أرسلناك إلا كافة للناس، أي لكل البشر، لم يفرق بين عربي وأعجمي وأبيض وأسود،
    - أشهد أن لا إله إلا الله أن محمداً رسول الله، لم أسلم لغرض، ولكنني آمنت واهتديت.
    حينما عدنا إلى المنزل قالت ميا:
    - إنها منافسة خطيرة لزينب، ولم أر أجنبية أجمل منها، حتى على شاشات السينما والتلفاز، إن جسمها مكتمل، ووجهها ملائكي، ولا ألوم السيد فإن جمالها فتان.
    - لقد كنت معه عند الدكتور شوقي ولم أنتبه وقتها إلى جمالها.
    كانت ميا قد شجعتها على إعلان الزواج وكتابة العقد على الطريقة الإسلامية، فهذا أحفظ للطفل وينجيه من فلتان الغرب.
    قالت النمساوية: إنها ستفكر في الأمر، وعسى الله أن يهديها إلى الصواب.
    بدت أحوال الخريف واضحة، لقد دخل شهر سبتمبر أيلول ومعه نسائم رطبة محببة، وفصل الخريف في القاهرة ومصر عموماً أحلى الفصول، وتبدو الشوارع نظيفة وقليلة الغبار، وإذا نزل المطر غسل الشوارع والأرصفة والأشجار والنباتات فبدت نضيرة لامعة.
    ابتدأت الشركة تحتاج إلى وجودنا أكثر، واستدعينا قناتين فضائيتين لتقديم برنامج خاص حول الشركة، فأجرتا لقاءين معي ومع السيد، وبث البرنامج فتناقلته محطات أوروبية وأمريكية، وشاهده أبوا النمساوية و(سأسميها من الآن فصاعداً باسم لارا)، واتصلا بلارا ليباركا لها، وتمنيا عليها إتمام الزواج، والحقيقة أن السيد كان يبدو أصغر من عمره، وأنه كان شاباً جميلاً بملامح عربية خالصة، عينان كبيرتان غامقتا السواد، ووجه أقرب إلى الطول، وشفتان مكتنزات، وجبهة عريضة وشعر أسود، وكان طويل القامة رشيق الحركات، فلا غرابة أن فتنت به لارا ولاقى هذا الإعجاب من أبويها.
    كانت زينب أيضاً في منتهى الجمال العربي، ولم أر في مصر فتاة أجمل منها، وكان حديثها مختصراً وعذباً، وكانت ثقافتها متينة ومنوعة، ومن عرفها سينكر أنها ابنة ريف قضت حياتها في القرية.
    أما لارا فكان جمالها أوروبياً محضاً، ومن الصعب ان ترى في أوروبا أجمل منها.
    قلت للسيد:
    - ستبلغ مشرق الشمس ومغربها بزوجتيك، وسيغار منك ذو القرنين.
    عقد السيد قرانه على السيدة لارا كروسر، وكانت حاملاً في نهاية الشهر الثالث وقد تجاوزت الوحام وبدا عليها الحمل واضحاً، وقد لاحظت أنها سعيدة، وإن بدت على وجهها علامات الغربة، فهي بحاجة إلى والديها ولو إلى فترة قصيرة، فقد شعرت بالوحشة بين الغرباء.
    وقد حاولت ميا تخفيف هذا الإحساس، وكانت على استعداد للذهاب معها حيث تريد في مقاصف الإسكندرية ومطاعمها، لكن المخلوقة بقيت حبيسة جدران شقتها، إلا زيارتان لمقر الشركة، حيث قام السيد بتعريفها بالشركة ثم انتقلا إلى المستودعات، فلاحظت زحمة في الآليات، فأخبرت السيد بأن عليه أن يفكر باستثمار هذه الآليات، فليس من الجائز أن تبقى في المستودعات.
    قال لها السيد: إنها للبيع. فأشارت عليه باستثمارها فسيفي هذا بمصاريف الشركة، وأنهم في النمسا يؤجرونها مع السائقين لأيام.
    جاء والداها إلى الإسكندرية على متن طائرات لوفتهانزا المريحة، وكنت أنا والسيد ولارا في استقبالهما، وكان السيد يتحدث معهما بالنمساوية فبدت عليهما علائم الارتياح والانشراح، وسمعتهما يقولان له
    كلاماً فيضحكان من جوابه.
    قال لي بالعربية: يقولان: إن طفلك سيكون من أغنى الناس، فلديهما المليارات، ووريثهما الوحيد هو.
    أجابهما السيد: إنهم هنا يورثون غير المال.
    فضحكا.
    أقام الأبوان عدة أيام، وقمنا بواجب الضيافة على أحسن وجه، ودعتهما ميا إلى المنزل مع السيد ولارا فجاؤوا، وقد رحبت ميا بهم أي ترحيب، ثم قدمت لهما سفرة كاملة لا ينقصها شيء، لحوم وأسماك وخضار وفواكه، وحاولت أن يكون الطعام مطبوخاً على الطريقة الغربية، فاستغرب أبوا لارا كمية الطعام على السفرة، وحدثاها بأن هذا إسراف لا لزوم له، ولكنهما أكلا بشراهة، وأشارا إلى أنهما قد نعسا فأدخلتهما غرفة نوم الضيوف فناما عدة ساعات، ولما أفاقا دعتهما إلى شراب القهوة أو الشاي وقدمت لهم طبقاً من الفواكه الطازجة المتنوعة، فأكلا أيضا وشربا القهوة، واستأذنا فأوصلهم السيد إلى شقة لارا.
    كانت زينب قد جاءت لتتفرج على الضيوف، وعندما شاهدت لارا فتنت بجمالها، وقد نظرت إليهم دون أن يروها، وقالت بعد أن ذهبوا:
    _ أنا لا ألوم السيد، فإنها تحفة.
    قلت لزينب:
    - مهما كانت فإنها لن تنافسك يا زينب فجمالك عربي لا يبارى.
    - أشكر لطفك، ولكنها جميلة للغاية.
    سافر الضيفان، وقد تركا للارا شيكا مفتوحاً وقالا لها:
    - حددي هدية الزواج أنت.
    دخلت وجلبت لهما جملة الهدايا التي قدمت لها، فأعجبا بها فقالا لها:
    - فلتشتري منزلا وسيارة وضعي حساباً بالبنك.
    قال السيد:
    - مني المنزل والسيارة، فاتركي لك حساباً بالبنك، كي لا تخجلي والديك.
    بدت السعادة على لارا، مع بقاء ظل من الشك يتماوج على وجهها الجميل، وقد حدثني السيد أنها قالت له ذات يوم:
    - ما أسعدني بك يا حسن لولا.
    ثم سكتت،
    سألتها:
    - لولا ماذا،
    فقالت:
    - شؤون.


صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 3456 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •