صفحة 5 من 5 الأولىالأولى ... 345
النتائج 41 إلى 43 من 43

الموضوع: الطريق إلى طشقند ..رواية بقلمي

  1. #41
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    20



    كانت قرية العالية جميلة جدا، ولأول مرة أرى أشجار البلوط والسنديان في مصر، وكانت تقع على هضبة عالية منها اشتق اسم القرية، وما اقتربنا منها حتى قال الأستاذ أحمد:
    - هؤلاء قوم شرفاء وما أظنهم سيخيبوننا.
    دخلنا القرية آمنين، وقصد الأستاذ أحمد منزلاً في القرية، كان رحباً مؤلفاً من طابق واحد، وأمامه عرائش عنب مرفوعة على سقالة عالية، ووجدنا رجلاً متوسط العمر يجلس أمام منزله تحت السقالة، وما أن اقتربنا حتى وقف الرجل، وأول من نزل الأستاذ أحمد ثم جمال ثم السيد وأنا، وبعد سلام مشتاق جلسنا معه، وخاض هو والأستاذ أحمد حديثاً فلسفياً عن الصورة والمثال، يبدو أنه تتمة لحوار سابق، ثم قال الأستاذ أحمد:
    - هذا الشاب رفيق جمال واسمه عماد عادل الأسيوطي، وهذا الرجل الثاني أحد أقربائك الدكتور حسن باقر الأحوازي، وهو من أحفاد الإمام محمد الباقر، وأنتم أحفاد علي بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فهو ابن عمكم ومن أحفاد الرسول الكريم، وقد جئنا بغرض شريف وهو يريد يتزوج امرأة شريفة تناسبه، فهو رجل شهم وكريم.
    - طلبتم ما هو موجود عندي أنا، فإن ابنتي زينب كانت مخطوبة لضابط من العائلة استشهد في سيناء منذ أشهر، وموافقتي موصولة بموافقتها، ثم نادى يا زينب، فأقبلت فتاة هيفاء سمراء طويلة القوام مكتملة، عريضة الأرداف خامصة البطن بثياب جد محتشمة وعمامة بيضاء.
    سلمت الفتاة وجلست حيث أشار لها والدها، ثم قالت:
    - نعم يا والدي.
    - يا زينب هذا أحد أبناء عمومتنا الدكتور حسن باقر الأحوازي، جاءني خاطباً، وأنا معك كما تريدين. فهو من أحفاد الإمام الباقر صلوات الله عليه فهو من آل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
    قال السيد حسن:
    - أنا رجل كنت أسكن في طهران، ووحيد لوالدي ووالدي وحيد لوالده، وكذلك إلى الجد التاسع، وإذا لم أنجب فإن شجرتي ستنقطع، ولن يكون هناك نسيب، وقد تعرفت على هذا الشاب عماد في طهران واصطحبته إلى العراق وسورية حيث زوجته، ثم جئت معه إلى مصر آملاً أن أجد فيها ما أتمناه، من امرأة تحيي ذكري وتتفضل على عائلتي باستمرار النسل.
    قال والدها واسمه صادق:
    - أهلاً بك يا بني، وإذا وافقت زينب أسرعنا بالزواج، فكل شيء وقف على موافقتها.
    قالت الفتاة:
    - أنعم وأكرم بشجرة رسول الله الذي نحن فرع من فروعها، وإذا كان يستطيع الباءة فإنني أقبل به.
    قلت:
    - إن أمواله لا تحصى، وإنه يملك آباراً للنفط وشركات وأراض شاسعة، وحسابه الجاري يفوق مائتي مليون دولار، فعن أي باءة تتحدثين؟.
    تبسمت الفتاة وقالت:
    - وأنا لدي الكثير من الأملاك وأنا وريثة والدي ووحيدته.
    قلت:
    - لقد جئنا لنخلط نسب عبد الله بن جعفر والإمام الباقر، وأحسب أننا نستحق بعض الثواب.
    - أهلاً بكم يا ولدي وسنكون كما تتمنون وتريدون، ولدي سؤال: لماذا تأخر إلى هذا الوقت.
    - لقد تزوج وسرح بإحسان وأحسب أنها إرادة الله.
    - ونعم بالله العلي العظيم.
    - هل تسقينا القهوة يا زينب؟.
    - سمعاً وطاعة يا والدي.
    قامت الفتاة، لتعود بالقهوة، وقال السيد صادق:
    - نحن نزرع شجر القهوة في مكان قريب، وقهوتنا نقلناها من اليمن وهي شبيهة بقهوته، وتعتبر من أجود القهوة في العالم.
    شربنا قهوة طيبة فعلاً،وكانت عينا زينب مسمرتين على السيد حسن وهي تنظر إليه بغاية الإعجاب.
    سررت بهذا التوفيق الظاهر، وقلت:
    - ما حظ الآنسة زينب من التعليم؟.
    - إنها مجازة بالعلوم الطبيعية من جامعة أسيوط.
    ابتسم السيد حسن مطمئناً. قلت:
    - متى سنعود؟.
    - غداً صباحاً نقرأ الفاتحة ونتفق على المهر، والباقي متعلق بكم، وبنا رغبة للانتهاء بسرعة فإن السيد يجب أن يختصر الوقت قدر الإمكان.
    قلت:
    - ونحن في عجلة من أمرنا.
    قال السيد حسن
    - هل تحسنين قيادة السيارة يا زينب؟.
    - نعم ولدى والدي سيارة، وهي ضمن المرآب هناك.
    - وأين تفضلين السكن؟.
    - في أي مكان يختاره السيد.
    قالت زينب بحياء.
    - القاهرة لا تسكن فهي مدينة ملوثة، ومغطاة بسحابة من هباب الفحم.
    - كما تريد.
    - في طريقنا مررنا على الفيوم، وهي مدينة جميلة ونظيفة، وبها فيلات كثيرة للبيع.
    ابتسمت الفتاة بسعادة وقالت:
    - الفيوم جميلة يحلم بهام متوسطو الدخل حلماً.
    - سنشتري فيلاتين واحدة لنا والثانية لأخيك الأستاذ عماد وزوجته السيدة ميا وهي فتاة شامية من سورية.
    كان الأستاذ أحمد الترابي يجلس باسماً وقد أخذته المتعة بهذا الحوار المتصل، وحينما سأله صادق عن سبب هذا السرور، قال:
    - الحديث مليء بالوداد، وهذا الشاب يذكرني بشبابي، فقد كنت شبيها له، وأشار إلي، لقد كنت عاقلاً ومتحدثاً لبقاً، وأحسب أنه كرر مع السيدة ميا ما كنت به مع زينب مارية.
    قلت:
    - لا أعرف علاقتكما أنت والسيدة زينب، ولكن علاقتي بميا روحانية.
    - لقد أجدت التعبير يا بني.
    عدنا إلى ساقية الفضة، وأكملنا السهرة هناك، وأغلب الحديث كان عن سورية وقال الترابي:
    - الحل دائما هو الوحدة، والوحدة هي التي تساوي جميع المواطنين، لقد وصل حزبنا إلى الحكم مبكراً بعد عشرة أعوام من تشكيله، فلم يتبلور فكره، وقد وصل إلى رئاسته من هو غير مؤهل، وهمه الوصول إلى السلطة. في دولة الوحدة تذوب الطائفية والمذهبية والعنصرية وتصبح أقليات.
    وجاءت السيدة زينب، لعلها كانت نائمة وقالت:
    - لعلها كانت زيارة مقبولة.
    قال الأستاذ أحمد:
    - هي كذلك وسيصبح السيد نسيبك.
    - كيف؟.
    - غداً سيخطب ابنة خالك صادق.
    - والله لقد أفرحتني وهي من خيرة بنات أخوالي، بل هي خيرهن، وقد استشهد خطيبها في نهاية العام الماضي في سيناء، رحمه الله.
    قلت:
    - حدثانا عن معرفتكما، وقد قرأنا وسمعنا عنها الأساطير.
    قالت زينب:
    - قرأت ساقية الفضة، ففيها تمام خبرنا.
    - قرأتها ولكنها انتهت عام ثلاث وستين، فحدثانا عما بعدها.
    - يا بني إن الحب شجرة من ثمارها السعادة والأولاد، وقد فاز باللذة الجسور.
    - من دون شك فماذا حدث بعد العودة إلى ساقية الفضة؟.
    - أنت كاتب يا بني؟.
    - وذو تجربة.


  2. #42
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    الجزء الثالث
    1



    في اليوم التالي بكرنا إلى العالية، وقال السيد صادق:
    - مبروك إن زينب لا تريد مهراً.
    قال السيد حسن:
    - هذا لن يكون ولتكتب ما تشاء.
    وضع أمامه رزمة من مائة ألف دولار، وقال:
    - فلتجهز زينب، ويجب أن نعود إلى القاهرة، فعماد عريس وقد فضل المجيء على عرسه، ولن أتركه يغيب أكثر، وسأعود بسيارتي.
    قلت:
    - بل أعود أنا بالطائرة، وتبقى أنت هنا وفي المنزل سيارات كثيرة وكلها من فضلك أستخدمها هناك.
    قال الأستاذ أحمد:
    - بل سيعيدك جمال بسيارته، ويتعرف على المنزل فإننا سنذهب للتهنئة بالزواج.
    - أنتم الآن في مأتم، ولن أكلفكم هذه المشقة.
    قال جمال الذي لم يتركنا بعد قدومنا:
    - بل سأوصلك، وأسلم على زوجتك.
    - أهلاً بك أخاً عزيزاً.
    وصلنا القاهرة عند المساء وقبل غياب الشمس، ودخلنا المنزل، وحين استقر بنا المقام جاءت ميا، سلمت على جمال ولم يلتقيا سابقاً فعرفتها عليه، وقالت:
    - أنت ابن الأستاذ أحمد الترابي.
    - نعم.
    - وأنتم في قرية ساقية الفضة حالياً.
    - نعم.
    - وكلكم أحياء؟.
    - نعم عدا عمي عبد الله وشهيرة.
    - ومتى توفيا؟.
    - في العام الماضي توفيت شهيرة، وهذا العام ومنذ يومين توفي عمي عبد الله وحينما استضفنا عماداً كنا في العزاء.
    - وأبوك وأمك.
    - هما حيان وبصحة جيدة.
    دخلت راية وسلمت على جمال، وكأنها لم تلتق به من قبل.
    - لم تعرفني على رفيقك؟.
    - هو جمال الترابي ابن أحمد الترابي.
    - إياه؟.
    - نعم ونحن قادمان من ساقية الفضة.
    وأكمل الأستاذ جمال:
    - ألم تتعرف يا عماد على ابني عبد الرحيم.
    - لعلني التقيته مرة واحدة في مقر شركتكم.
    - نعم فهو عماد الشركة حالياً فقد طور برامجها، وقد ضاعف أرباحها.
    - حفظه الله وأبقاه.
    - سيأتي إلى هنا للتهنئة، وأتمنى أن يتعرف إلى راية، فأراها ممتازة من جميع الوجوه.
    - أشكرك، وسنترك ذلك لهما، فإن مثل هذه الأمور لا تتم بالانتقاء، فليتعارفا ويقررا.
    - كل عمرك وأنت عاقل يا عماد.
    - أنتم من أعز الناس علي، وتذكرونني باللاذقية، فقد عرفتها كأول مدينة سورية، ولم أصعد الجبال مع أنني كنت أتشوق لذلك.
    قالت ميا:
    - وأين السيد حسن لم أره معكم.
    - السيد حسن سيتزوج من العالية، وهي قرية قريبة من ساقية الفضة.
    - والله لقد أسعدتني. وسأزغرد.
    وتابعتها راية وهي لا تعرف، وعندما عرفت وبأنها قريبة لمارية زينب، انطلقت تزغرد أيضاً، فأقبلت أم عماد وعندما رأتهما سرَّت بالخبر وقالت:
    - أجلوا الزغاريد، إلى عرسه. ولا تنقصوا الفرحة به قبل أوانها.
    غادرنا جمال وودعناه إلى السيارة وقال:
    _ سأعود إلى ساقية الفضة للمشاركة بالعزاء.
    - رحمه الله وإنها لخسارة لمصر وللعرب.
    عدت إلى المنزل لأجلس مع الأهل وأتعرض لسيل من الاستفسارات. التي أجبت عليها باقتضاب.
    في الصباح أخذت مارية نتنزه على ضفاف النيل، ودخلنا حديقة الأندلس ومنتزه فراج على الضفة الأخرى، بعد الخروج من الكوبري من جهة الزمالك، ثم عدنا إلى كورنيش النيل وبقينا نمشي إلى الغرب من ميدان رمسيس ومقابل برج القاهرة، ووصلنا إلى ميدان العتبة وحديقة العتبة، فأعجبت ميا بالعصافير المتنوعة والببغاوات البرية، وألقت نظرة على حديقة الأزبكية، التي كان ينصب فيها المسرح الذي تغني عليه أم كلثوم.
    أحست ميا بالتعب فعدنا إلى المنزل، وصعدت تنام. في حين انشغلت أنا بذكرى ساقية الفضة والعالية، وتمنيت راجياً الله أن يكون السيد حسن سعيداً وأن يحيي الله ذكره، فقد تفضل علي كثيراً.
    في كل صباح كان السيد حسن يضع في جيبي رزمة من الدولارات حتى تخمت بهباته وقلت له:
    - يا سيدي لقد زادت عطاؤك لي عن قدرتي على الشكر، وقبلها إمكانية الوفاء بحقك، فقال:
    - يا بني كله من مالك، ولن أحب أحداً كما أحبك، ولو كان من صلبي.
    - فرج الله كربك يا سيدي ورزقك من صلبك ما تتمناه.
    - يعلم الله أنني أحبك أكثر من كل مولود، وقد جاء في الحديث: رب أخ لك لم تلده أمك، وينطبق هذا على كل صلة عدا الأم فإنه لا يعدلها إلا عفو الله.
    في صباح اليوم التالي، لاحظنا غياب سيارة السيد حسن، وهذه سيارتي قد ركنت مكانها، فعلمت أن السيد قد عاد، ولو كان لوحده لدخل المنزل، واستنتجت أن السيد صادق قد زوجه، وأنه حضر مع زينب، وأظنه سيتصل بين لحظة وأخرى.
    بعد الإفطار رن جرس الموبايل فإذا السيد حسن :
    - أنا في فندق شيبرد القاهرة في قصر النيل، ألن تحضروا للمباركة، وهذه زينب.
    - ألو مرحباً صباح الخير.
    - صباح النور والرضا كيف أنت أستاذ عماد والأهل.
    - مبروك، وكم أتمنى لكما الخير والأولاد.
    - --- أشكرك أستاذ عماد، وإن لك في نفس السيد مقاماً لا نملكه نحن ولا غيرنا، فقد كان جل كلامه عنك.
    - نتبادل التقدير والثقة. كيف وجدته يا زينب.
    خجلت وبان الإحراج على صوتها المرتجف:
    - نعم الرجل. قالت وهي تذوب خجلاً.
    - أعيديه لي.
    أعطت الموبايل للسيد، فقال لي:
    - ماذا فعلت لها، إنها تذوب خجلاً.
    - سألتها عنك، فظنت أنني أسأل عن شيء آخر.
    - يا رجل؟!.
    - إن من الكلام ما يحمل أوجهاً، ولكنها أجابت بجواب أعرفه منذ فيينا.
    ضحك السيد فقلت له:
    - حضر نفسك للزيارة، فسنحضر جميعاً للمباركة



  3. #43
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    2

    الزيارة
    ذهبت العائلة كلها لزيارة السيد والمباركة له، وقد استقبلنا السيد على مدخل الفندق، وتبعناه إلى جناحه الواسع، وهناك كانت زينب تنتظرنا، فسلمت بحرارة، ونظرت إلى ميا فقالت:
    - أنت ميا أليس كذلك.
    - بلى أنا ميا.
    - وأنت أم عماد.
    - نعم أنا أم عماد.
    - أنا راية.
    - تشرفت لو انتظرت لحظة لأخبرتك.
    قلت:
    - وهذا أبو عماد وأنا عماد
    - عرفتكما.
    كان ألسيد يضحك مستلطفاً الحديث، وقد حملنا معنا الكثير من الحلوى.
    اشترت ميا وأم عماد صيغة عبارة عن طقم من الماس ويضم عقداً وإسورة وخاتماً، فقامتا معا وألبستاها الصيغة، قالت زينب:
    - هذا كثير، ولقد أحرجتموني.
    قلت:
    إنه من مال السيد، ونحن واسطة نقل.
    أعجبها التعبير فضحكت وقالت:
    - سنظل نغار منك يا سيدي.
    - لا داعي للغيرة فأنا ظله.
    عادت زينب فضحكت، وقالت:
    - إن لك في نفسه منزلة لا تعدلها منزلة أحد وقد شرح لي ذلك، وحذرني بأن أراعي هذه المنزلة.
    أعجب الجميع بجمال الفتاة وحسن أدبها وجمال مخرج الكلمات من لسانها، كان حديثها موسيقى شجية كما عبرت عن ذلك راية.
    وقال السيد حسن الذي كان منشغلاً خارج الجناح:
    - لقد أعددت لكم مجلساً هادئاً، هيا ننزل ونشرب القهوة به.
    - أليس الوقت أبكر من موعد الشراب.
    - لا فكل الأوقات للشراب، ثم ضحك وأردف شرب القهوة طبعاً.
    - يسمونها القهوة يا سيدي.
    - أدري، ولكن لم ألاحظ هنا أحداً يبكر في شرابها.
    - إذن فلتكن قهوة طيبة.
    نزلنا إلى الصالة ومنها إلى مطعم الفندق، وقد ابتدأ موسم الصيف، فجلسنا في حديقة المطعم، حيث أعد لنا طاولة ممتدة عدة أمتار وجلسنا نتسامر فرحين.
    عدنا إلى المنزل في ظهيرة اليوم، وما أن استقر بي الجلوس حتى رن الهاتف، فقمت أجيب، وكان الدكتور شوقي، وقال لي:
    - لعلني محرج بهذا الحديث فقد جاءتني المرأة النمساوية إياها، تقول أنها حامل، وقد فحصتها بالإيكو فوجدت أنها حامل فعلاً، وهي تسأل إذا كان صديقك يريد الطفل فسترضى أن تكمل شهور الحمل، وتشترط أن يأخذ طفله بعد ولادته، وهي لن تسجله عليها، وعليه أن يأخذه في نهاية الشهر الأول.
    قلت له:
    - أمهلني قليلاً فسأخبره، وأخبرك فهو عريس الآن.
    - وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
    - أشكرك دكتور شوقي وأنا مثلك، سأخبر الرجل وأتصل بك.
    في الزيارة الثانية، انتحيت بالسيد حسن وأخبرته ما حدثني به الدكتور شوقي فقال:
    - موافق وسنأخذ الولد إذا كانت رغبتها كذلك، وسأقدم نفقته كما تريد هي.
    أخبرت الدكتور شوقي فقال:
    - لو كنت مكانه لاستمهلت، وبعد الولادة أجريت للطفل اختبار الدي إن إي ثم قررت، وسأسألها عن طلباتها.
    - أشكرك وسأخبرك.
    حدثت السيد حسن حديث الدكتور شوقي، فشكره ووافق عليه، فأخبرت شوقي فاستحسن الرأي.
    - الرياح السائدة هنا الشمالية وهي تمر فوق الدلتا فلا أمل في تحسن الجو بالقاهرة ولعل خير حل السكن في الإسكندرية فإن جوها أنظف بكثير، وفيها المرفأ فهي مدخل مصر، وسنبحث فيها عن بناء أو فيلتين على البحر، فتعال نأخذ زوجتينا إلى الإسكندرية وننزل في هيلتون الإسكندرية فهو فندق فخم وخمس نجوم.
    - أنا رهن أمرك فلا مواعيد ولا ارتباط، وسنكون سعيدين بالقرب منكما.
    أخبر السيد الفندق وحجز لكل منا جناحا واسعا منفصلاً. وطلب إلي تجهيز نفسي.
    ذهبنا إلى المنزل وأعددنا نفسنا للسفر بسيارتين منفصلتين وأخبرت السيد فقال:
    - على بركة الله، وسنسافر بعد الظهر.
    في الإسكندرية التي وصلناها قبل المساء، كان الهواء ساكنا، ويبدو القيظ هنا أصعب من حر القاهرة، بسبب رطوبة الهواء، وجو الإسكندرية شبيه بجو اللاذقية، ولكن اللاذقية أقل حرارة.
    في هيلتون تكون الإقامة مريحة بعض الشيء، تضايقها فقط تدخلات الفندق ورنين الهاتف المتواصل الذي دفعني إلى سحب الشريط وقطع الاتصال، وبعد قليل دق النادل الباب وأشار إلى أنه لا يجوز قطع الاتصال، وأن الفندق يجب أن يبقى ساهراً على راحة الزبائن. وأعاد وصل الهاتف.
    تحدثت مع إدارة الفندق وطلبت إليهم عدم الاتصال من جهتهم، وسأتصل بهم عندما أحتاج ذلك، وطلبت ذلك للسيد أيضاً.
    تنزهنا على شاطئ الإسكندرية وذكرت ميا بأيام ميريديان اللاذقية، فضحكت بدلال وأخبرتني بأنها ستبقى تتذكر ساعة طرقت الباب عليها.
    أما السيد حسن وعروسه فكانا في نهاية السعادة والسرور، وهو أمر فرحت به وتمنيت أن تحمل السيدة زينب وأن يبدأ السيد حسن عصر الإنجاب، فقد اشتهر آل البيت بكثرة النسل.
    أجمل ما في هيلتون الشاطئ الرملي العريض التابع له على شاطى البحر، فهو واسع ونظيف.
    ويمكن لنزلاء الفندق السباحة والعودة، والاستجمام بحمام شمسي وقتما يشاؤون، كما أن خدمة الفندق لطيفة وهادئة، ويختلفون عن خدمة فندق شيبرد في القاهرة، فهو أكثر حضارية وإتقانا، ولعل السبب طول فترة إدارة الفندق بإدارة واحدة، لم تتغير منذ سنين كثيرة تطورت الخدمة في الفندق خلالها إلى ما هي عليه.
    قضينا أسبوعين رائعين في الفندق، وتجولنا في الإسكندرية، وتسوقنا من أسواقها، وأحسست بوجوب العودة، فاستأذنت السيد، فقال:
    - لن تعود قبل أن نشتري المنازل، وستكون كافية للأسرة كلها فلا تعود تفارقني مرة أخرى، وكان على اتصال مع السماسرة، وذات صباح اتصل به أحدهم فقال:
    - وجدنا طلبك، وهناك فيلتان متجاورتان لأحد المغتربين العرب ويريد أن يبيعها، وإنني أنصح بحسن المساومة فهو بحاجة لمن يشتريهما بالدولار.
    - كيف سنحاوره؟.
    - له وكيل هنا، أغروا الوكيل بمبلغ وستأخذونهما رخيصتين.
    - متى سنراهما.
    - وقتما تريدان.
    وعاد فاتصل وقال:
    - سأمر لاصطحابكما في أي وقت.
    مر الرجل بعد ساعة وذهبنا معه وأخذنا النساء معنا.
    كانت الفيلتان مناسبتين، وواحدة منهما كانت واسعة جداً تتسع لأسرة كبيرة، وأخبرنا السمسار أن الفيلتين لمغترب لبناني، اسمه يوسف، يعمل في أمريكا الجنوبية ، وأنه كان صاحب أسرة واسعة وتزوج من برازيليه فبنى الفيلتين الكبيرة للعائلة والصغيرة للبرازيلية التي لم تنجب.
    اشترينا الفيلتين، ولم نساوم فقد بدتا رخيصتين، وتم نقل الملكية في الشهر العقاري، وأكملنا بقية الثمن، وانتقلنا من الفندق إليهما فقد كانتا مجهزتين أحسن تجهيز، ومفروشتين بأثاث فخم، ويبدو أن الرجل لم يسكنهما، فاحتجنا إلى خادمتين للتنظيف، وهي متوفرة بكثرة، وتم إزالة الغبار والتهوية، في حين كنا نستجم على الشاطئ الرملي المقابل لهما

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى ... 345

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •