صفحة 6 من 6 الأولىالأولى ... 456
النتائج 51 إلى 56 من 56

الموضوع: الطريق إلى طشقند ..رواية بقلمي

  1. #51
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    10

    قلت للسيد: في رباعيات الخيام عجز بيت يقول فيه فليس من طبع الليالي الأمان، فماذا أعددنا لآخرتنا يا أخي، أنت أعددت، أما أنا فلست راضياً عن نفسي.
    - تصرف بما تحت يديك من أملاكك وأملاكي كما تشاء، وأرض ضميرك، فلن نأخذ معنا شيئاً في النهاية إلا أعمالنا، ولكني أراك تظلم روحك، لقد قدمت روحك لأمتك، وكان في الإمكان أن يقتلك الأمريكان في الأسر، ولكن الله أعانك بعد طول معاناة.
    - لم تصل الشركة إلى الحد الذي نتمكن فيه من تقديم المساعدة على المستوى العام، وسنبحث عن دور الأيتام والعجزة، وبعض المنكوبين وتقديم المساعدة الضرورية، وقد كلفنا النسوة بهذا العمل، وقالت زينب:
    - سنحصي هذه الدور في الإسكندرية والقاهرة، وربما كان في بقية المحافظات دور للرعاية تحتاج الدعم أكثر من التي في الإسكندرية والقاهرة. ولعل دور الأيتام أولى من غيرها، فهؤلاء ليس لهم إلا الأيدي التي تمتد إليهم بالمساعدة، وهناك عجزة وقاصرون غير قادرين على تأمين لقمة العيش وستر العورة.
    أخذتني زينب إلى ناحية من الصالون وقالت:
    - ليس من الشرف أن تبقى زوجته الأجنبية لوحدها، فلا أهل ولا أقرباء، ولا من يرعاها وأنتما مشغولان بأعمالكما.
    - ماذا نفعل، يعطيها النقود ويمر عليها.
    - هذا غير كاف، فالمرأة بحاجة إلى الحماية في مجتمعنا المريض.
    - هل لديك اقتراح ؟.
    - نعم تأتي وتسكن معي.
    - لعلك من أنبل النساء يا زينب.
    أخبرت السيد فطار فرحاً وقال:
    - الفيلا واسعة وسأحدث لارا بالانتقال إليها.
    انتقلت لارا إلى الفيلا، وكان في استقبالها زينب، التي سلمت عليها بوداد واحترام واضح، وقد فتنت لارا بجمال زينب، وقالت: إنها نموذج مثالي لجمال المرأة العربية، ولا أظن أن بلاد العرب أنجبت أجمل من زينب.
    سارت الأمور بهدوء في منزل السيد، ووجدت لارا تتخلى عن الحجاب لصالح الثياب الطويلة والسروال، والوشاح الملون المسمى عندنا إشارب، أو منديل. فعلمت أن زينب قد ثنتها عن الحجاب، وقالت لها: إنه غير مطلوب بهذا الشكل، فإن العفاف هو أكبر حجاب.
    حينما رأى السيد لارا بثيابها الجديدة علم أن زينب وراء كل الموضوع فأبدى ارتياحه وسروره، وقال لي ذات مرة:
    - زينب امرأة حضارية متحررة وبسيطة غير معقدة، ومن نعم الله علي أنها كانت زوجتي.
    حضر العم صادق من العالية، حاملاً معه مواسم العالية وكيسين من القهوة اليمانية التي لا تبارى، وصناديق من عنب السويداء، وحاجات كثيرة، وقد لاقى الترحيب والمودة الصادقين، ووجد لارا في بيت زينب فاستغرب، وجلست معه زينب تحكي له الحكاية، فكان تعليقه:
    - أصيلة من أسرة الأصالة. لقد أثلجت صدري.
    كان العم صادق مهموماً، وحين سألته عن السبب قال:
    - أنا حزين على السيد، فزوجتان يمكن أن تتعبانه صحياً ونفسياً، وزوجة واحدة كافية لتكون وبالا عليه.
    رويت القصة للعم صادق، ففكر ملياً قال:
    - هذه قصة تكتب فتكون درساً أخلاقيا يُحتذى به.
    كان العم صادق يصلي الأوقات الخمس مع نوافلها وقد يستطيل بالمستحبات، فقد كان عابداً، ويذكر ربه كثيراً.
    عملت زينب مترجماً بين والدها ولارا، فأعجب بذكائها ولطفها، وقال:
    - لو أن ظروف الفتاة طبيعية، لكان يجب أن تتزوج أهم رجال العالم.
    قالت زينب:
    - لا يوجد في العالم أهم من السيد.
    سألت السيد عن أحوال لارا، وفيما إذا كانت ستتحمل حياة الشرق؟. فقال:
    - أظن أن جذوة الحب لن تنطفئ، وأنا أقوم بكل ما يسعدها، وأتمنى أن نجد معلمة تدرسها اللغة العربية، فستحتاجها عنما تضع حملها.
    - أنا أظنها ستضع طفلاً ذكراً، رأيتك في حلمي تمسك بيدها وترفعها إلى الأعلى، ولا يرفع شأن المرأة بعد زوجها إلا أبناؤها الذكور.
    - هذه النظرة عربية شرقية، فرضها مجتمعنا الذكوري منذ القدم.
    - عادة تكون أحلامي صادقة، وكثيراً ما يروي لي الأهل أحلامهم.
    - يا أخي إن قضاء الله وقدره هما السائدان، وتنبؤاتنا تحتمل الخطأ والصواب.
    - حقاً. آمنت وصدقت.
    افتتحنا مكاتبنا في القاهرة العاصمة، وتدفقت عليه طلبات كثيرة، نبهت أخي أحمد أن يكون في نهاية الحذر والترتيب، خاصة بالأمور المالية، فلا نخضع لنصب أو احتيال، أو سرقة أو رشوة، وأنه يجب أن يستشير في الموظفين جهة موثوقة في القاهرة أو الأرياف. وقلت له:
    - في اختيار الموظفين تراعى الشهادة والخبرة، والماضي، والسجل القضائي، وطبقة الموظف وما يرشح عن أحواله، وأحوال أسرته، ويمكن البحث عن هذه المواضيع خلال المرحلة التجريبية وهي ستة أشهر يقرر بعدها المدير صلاحيته للعمل، أو نقله إلى عمل آخر يجيده.
    كان قسم العاملين في الإدارة يضم أمناء على تقويم الموظفين، وكانوا جميعاَ مسجلين في التأمينات الاجتماعية، وتدفع الشركة سبعة بالمئة من راتب الموظف، وأربعة عشر بالمائة من الراتب من الشركة، وذلك لتعويضه وتقاعده.
    يبدو أن المهندس عبد الحكيم جمال عبد الناصر قد سمى لمدير الأمن العسكري أسماء في الإسكندرية والمحافظات كرؤساء فروع مؤقتين، ريثما يتم اكتمال تنظيم الحزب وتسجيل المنتسبين له.
    وقد رأيت لافتات على الأبنية منها مقر فرع الإسكندرية للحزب العربي الناصري الموحد.
    وعلمت أنه تم افتتاح المقر الرئيس في القاهرة، وأن الرئيس السيسي قد أعلن أنه الرئيس الفخري للحزب.
    ضحكت ملياً لدى سماعي للخبر، وقلت:
    - تم احتواء الحزب، والوضع العربي سيبقى متردياً. ولا أمل حالياً من الأمة، وقد خنقت فيها بذور الثورة.
    احتجنا السفر إلى الولايات المتحدة، ويقع المقر الرئيس للشركة في بيوريا بولاية إلينوي، وقد كاتبنا الشركة، وقررنا زيارتها معاً على أن نأخذ النساء معنا، وفي الخريف كان الطقس في إلينوي متقلباً، فوجب اصطحاب الثياب المناسبة.
    قالت لارا:
    - أنا أعرف الولاية جيداً وقد زرتها ووصلت إلى شيكاغو حيث فقدت حقيبتي يدي، فقد مر شاب ملون على مزلجة مسرعاً وأخذها من يدي وولَّى هارباً. ولكنني لم أزر بيوريا.
    قال لي السيد:
    - سأذهب أنا ولارا فقط، وإنني أخشى عليك هناك فما زالوا يتابعونك.
    - وأنا لم أرغب في حياتي بزيار أمريكا.
    - لماذا؟.
    - يدهم ملطخة بدمائنا، وهم مسؤولون عن تفرقنا.
    - ليسوا مسؤولين أكثر منا.

  2. #52
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    11

    تحسنت الأحوال في سورية، حررت الغوطة ثم حرر الجنوب حتى الحدود الأردنية ثم حدود الجولان المحتل، وبقيت إدلب والمناطق التي احتلها الأتراك في الشمال، كما لم يغادر الأمريكيون منطقة شرق الفرات، وتغير طائرات دول التحالف على القرى السورية شرق الفرات بحجة داعش وتقتل سكانها المسالمين، وأمام سورية وقت طويل نسبياً قبل أن تستكمل تحرير أراضيها.
    على كل حال فقد فشل المخطط الصهيوني الأمريكي في تدمير سورية، وفشل في صفقة القرن، وسيكمل قريباً فشله في العراق، وفي اليمن، بقي مصر وهي بيضة القبان، وإذا صدق الرئيس السيسي وهذا احتمال بعيد فإنه سيخرج مصر من ظلمات كامب ديفيد، ويعيد لمصر وجهها النقي وتكون القائد والرائد، وترسم مستقبل العرب وابتداء دولتهم الموحدة، على أسس مدروسة تناسب كل الأقطار.
    لقد أعطى ما يسمونه الربيع العربي نتائج عكسية، وخاصة بالنسبة للعدو الصهيوني ودول الخليج، التي أهدرت ملياراتها الضخمة، وباءت بالفشل والخذلان، وسيجد الآن الجيش الصهيوني أمامه ملايين من الجنود السوريين وحلفائهم، ممن تمرسوا بقتال الأنفاق والشوارع وهان عليهم الموت في سبيل تحرير القطر الفلسطيني الشقيق.
    في القاهرة كثرت طلبات الآليات، نظراً لكبر العاصمة وتوسطها بين البلدان، فأصبح سكان المحافظات يتصلون بمكتب القاهرة، فزادت الحاجة إلى الآليات، وقمنا بتأمين الطلبات، وشغل بالنا قطع الغيار، وهذا سبب الذهاب إلى إلينوي بالولايات المتحدة، فنحن بحاجة إلى قطع غيار لكل الآليات وبكميات كافية، فلا نصل إلى مرحلة توقف الآليات والاحتجاج على الشركة بهذا السبب، لنقص قطع الغيار لديها.
    وظفنا شاباً يمنياً مديراً تنفيذياً للشركة، وكان قومياً مخلصاً، نزيهاً وشريفاً، وقد أنهى دراسته في جامعة ميشيجن في الولايات المتحدة ويحمل إجازة الدكتوراه في إدارة الأعمال، وقد عمل لدى وزارة المواصلات الأمريكية سنوات وعاد إلى اليمن، وغادرها بعد اندلاع الحرب اليمنية بقيادة السعودية، وكان الشاب ناصرياً حقيقياً. يؤمن بوحدة الأمة وقدرتها على اللحاق بالأمم المتقدمة.
    أصبح بإمكاننا الحركة كما نريد فقد قام الشاب اليمني واسمه نور الدين بترتيب وجدولة جميع موجودات الشركة وفروعها، وأحصى العاملين فيها بجداول وبطاقات عمل، ووضع آلة على المدخل تطبع وتحصي توقيع جميع العاملين، وأصبحت الشركة توازي أي شركة أخرى نشيطة في الولايات المتحدة، لقد كان الرجل هدية من السماء.
    الآن بإمكاننا التغيب عن الشركة لفترات طويلة نسبياً، فالشركة بيد أمينة وبإمكان السيد نور الدين الذهاب إلى إدارة الشركة في أمريكا لتأمين قطع الغيار، وبإمكاننا التفرغ لحياتنا الخاصة جزئياً، وربما زيارة سورية لفترة لا بأس بها، وكان في نيتي هذه المرة أن أزور الساحل السوري، والصعود إلى الجبل، واكتشاف جماله الأسطوري الذي يتحدثون عنه، فسورية بلد متنوع في التضاريس والتاريخ والحوادث.
    حدثت السيد فأبدى رغبة بالسفر وما زال شهر أيلول لم ينقص، وفي السنوات الأخيرة اعتاد السوريون على امتداد فصل الخريف إلى بداية العام.
    وقد أعجب السيد بالفكرة، وقال:
    - يجب أن نستطلع المقاصف والمطاعم والفنادق هناك. فإنها أماكن بكر، وقد لا تكون مخدَّمة كما يجب.
    - الناس هناك كرام وسيستقبلوننا في بيوتهم، إذا لزم الأمر، وإذا عرفوا اسم السيد سيحتفلون بك فهم من الغلاة بحبكم.
    - وماذا يقولون فينا.
    - أنا لا أعرف التفاصيل، وقد قابلت واحداً منهم في ميريديان اللاذقية، وقال إنهم يقولون في محمد وعلي وفاطمة والحسنين وبقية الأئمة أنهم أنوار يظهرون بالأجسام لبث تعاليم الله بالتوحيد والشريعة.
    - ربما لا يكون في ذلك مغالاة، فالروايات تثبت شيئاً منه.
    - فلنكتشف ما يقولون بعقر دارهم.
    ذهبنا إلى سورية عن طريق بيروت ومنها اشترينا سيارتين تويوتا هايلوك جديدتين حملنا أوراقهما إلى سورية، وسافرنا بهما إلى اللاذقية، ونزلنا في ميريديان اللاذقية، فعرفني مديره وعرف ميا، وقال:
    - سمعت بأنك اختطفت في أثناء عودتك من حلب.
    - نعم حدث ذلك.
    - وماذا فعلوا لك؟.
    - لا شيء.
    - كيف؟. لم أفهم؟.
    - كان الخاطفون من الشركات الأمنية الأمريكية. يرأسهم ضباط من الجيش الأمريكي المارينز، وعندما عرفوا من جوازي أنني مصري، تخابروا مع قيادتهم، فأمرتهم بإطلاق سراح جميع الركاب والاحتفاظ بي، ففعلوا ثم نقلوني إلى أماكن مختلفة متباعدة من الظهران إلى حضرموت إلى العراق ثم أفغانستان وأزبكستان، وأطلقوا سراحي في قاعدة ترمذ في أوزبكستان.
    سعدت النساء بهذه الرحلة وانتظرن الصعود إلى الجبال، وكانت ميا على دراية بالمخطط من قبل، وقالت إنها زارت صلنفة مرة واحدة، وجوها بديع وفي مكان شرق المدينة هضبة تشرف على سهل الغاب من الشرق وعلى شواطئ اللاذقية من الغرب.
    في صباح اليوم التالي توجهنا إلى صلنفة.
    ابتدأ الطريق بالتسلق بعد عدة كيلو مترات من اللاذقية، وابتدأت قرى العلويين تتابع، ولاحظ عماد مقدار التفاوت بين المساكن في القرى، فمن منازل التراب القديمة، إلى الفيلات الحديثة المغطاة بالقرميد.
    علمنا أن التفاوت سببه الفساد وإن مالكي هذه الفيلات هم من الضباط أو الموظفين الفاسدين. وقد كانت القرية الكبيرة تحتوي فيلتين أو ثلاث، أما بقية المنازل فقد كانت متواضعة وعبارة عن غرفتين أو ثلاث غرف بنيت بأوقات متفاوتة، فبدت الوصلات واضحة، وأغلبها مبني بالحجر، وسقف من الخرسانة المسلحة.
    مررنا بمدينة الحفة، وهي قرية كبيرة كانت تسكنها عائلات من الإخوة المسيحيين، وقد هاجرت العائلات إلى اللاذقية واستوطنت فيها.
    وصلنا إلى منطقة صلنفة فظهرت تجمعات منسقة للمنازل مبعثرة هنا وهناك، ولا شك أنها مشاريع سكنية أو جمعيات، وحين ابتدأت غابات العزر دخلنا مدينة صلنفة، وبحثنا بها عن مطعم، فوجدنا الكثير، ودلنا أحدهم على أهم منتزه، فدخلناه، وإنه لمنتزه جميل تظللك به أشجار العزر الشبيهة بأشجار الكستناء.
    نصحنا الشيف بالدجاج المشوي والكباب المحلي فإن المطعم يذبح ذبائحه كل يوم، وهي من الخراف أو الماعز السوري، وذكور دائماً.
    وقد أحضر المازات مبكراً وقال:
    - إذا كنتم تريدون مشروباً أنصحكم بعرق التين المحلي، وهو مميز.
    طلبنا الكباب والدجاج المشوي، وليتراً من عرق التين، وأضاف صحوناً من البزورات والفستق الحلبي الجيد، وقد سكبنا كأسين من العرق الذي يتحول إلى اللون الحليبي بعد مزجه بالماء، وقد أعجب به السيد وقال: إنه شراب طيب، وحلو.
    تمتعت النساء بالغداء وقلن:
    - إنه من أطيب الطعام الذي قدم لنا في مطعم.
    وأحسست بلارا سعيدة مبتهجة قالت:
    - أحسست أني في جبال الألب. غير أن القوم هنا طبيعيون كرماء.
    طال بنا الجلوس حتى الليل، وصعدت السيدات ليرتحن في الفندق في الطابق العلوي، بينما دخلت مع السيد في نقاش تاريخي، فقد قلت له:
    - كيف وصل الإسلام إلى سقيفة بني ساعدة والرسول لم يدفن بعد؟.
    قال:
    - هل اطلعت على ماجرى في السقيفة؟.
    - نعم وبمختلف الروايات.
    - هل قرأت البيعة بحضور رجلين؟.
    - قرأت.
    - دعنا من هذا فهو موضوع خلاف، ونحن نريد وحدة الأمة، ورأي من هنا أو هناك لا يفيد.


  3. #53
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    12

    كان الليل في صلنفة بارداً نس بياً، وقد غيرت النساء أغطية الفرش والوسائد مما حملنه معهن. وقد احتجنا إلى أغطية صوفية سميكة، جلبها لنا العاملون في الفندق، وفي صباح اليوم التالي تركنا صلنفة لنجد لوحة مكتوب عليها ( الفاخورة القرداحة ) فسلكناها، وبعد أقل من ساعة وصلنا إلى القرداحة، وهي مدينة صغيرة عمارتها متباينة بين العمارات الواسعة والفقيرة، وسألنا عن مقصف اسمه نسمة جبل فوجد من دلنا على الطريق.
    سلكنا جنوب شرق القرداحة طريقاً معبداً واسعاً نسبياً، وبعد ربع ساعة وجدنا من جهة الشرق لوحة كتب عليها: مقصف وفندق وموتيلات نسمة جبل، فصعدنا الطريق المنحدر صعوداً فإذا نحن أمام مقصف في منتزه من الغابات المتنوعة الأشجار، ففيها الصنوبر والبلوط والسنديان والبطم ولا أثر لأشجار العزر التي شاهدناها في صلنفة، ودخلنا المقصف فرحب بنا أي ترحيب، وعرض علينا أمكنة الجلوس وسألنا مدير المقصف إذا كنا سننام، فأجبناه بالإيجاب، فأجلسنا في مكان مسقوف بالقصب، وقد سرت النسوة بالموقع، وقالت لارا:
    - هذا مطعم في البرية.
    فعلاً فقد كان وحيداً في صفحة الجبل، ومطلاً على البحر والجبال المحيطة به، ولا أبنية قريبة. فسأل السيد صاحب المطعم:
    - ألا تهاجمكم الوحوش؟.
    - ما من وحوش هنا إلا الضباع، وهي تتحسس بقايا الطعام، ونحن نبعد هذه البقايا عن المقصف، وقد نقتل الضباع والثعالب إذا اقتربت، وبيننا صياد وحوش يلقي القبض عليها وهي حية ويبيعها.
    - هذا وحش آخر.
    ضحك الجميع، وطلبنا الغداء وطلب السيد لتراً من عرق التين إذا وجد. فقيل له موجود هنا ونتمون منه.
    جاء المدير وأعلمنا بأنه تسوق سمكاً طازجاً صباح اليوم من اللاذقية وأنه ينصح به، فقلنا له: نريد غداءً على ذوقك.
    قدم المطعم السمك المشوي وقد أضيف إليه الملح والبهارات والفلفل المشوي وبعد نضوجه أضيف إليه الثوم والحامض، ومعه مازا متنوعة، وقد طلبت أنا كأس ويسكي فالبارحة لم أصمد لشرب العرق، وأحسست بفعل الخمرة مضاعفاً.
    كان الغداء طيباً وهذا المطعم مستواه جيد، وكان في المازا عصافير التين المشوية والمنكَّهة، والتبولة وكبة وكثير غيرها، قالت لارا:
    - اطلبا لي كأس بيرة، فجلب لها النادل علبة بيرة ألمانية صغيرة، وقد شربتها بهدوء وخلال الطعام.
    قالت لها زينب:
    - أليس الخمر محرماً؟.
    أجابت لارا:
    - لا أعرف ولو كان كما تقولين ما شرب منه السيد.
    ضحكنا جميعاً، لقد كان الجواب ذكياً ومحكما.
    فقال السيد:
    - لا يمكن أن نذهب إلى الله بدون ذنوب ليغفرها، فنحن لا نضر بالناس.
    ونحن جالسون دخل شاب وزوجته وأسرع كل من المطعم إليه، فأشار لهم أن ينصرفوا وقال:
    - شوف شغلك.
    تمليت بوجهه قليلاً، إنه الرئيس بشار الأسد رئيس سورية، كان يبدو طبيعياً وجاءه المدير فحياه وظل واقفاً، فهمس في أذنه وهو ينظر إلينا، وبعد قليل جاء إلينا المدير وقال:
    - يريد الدكتور أن يتعرف عليكما.
    ذهبنا إلى طاولة الرئيس وحيينا بأدب وأومأنا إلى زوجته بالسلام واضعين يدينا على صدرنا، ابتسم الرئيس وقال:
    - أيمكن أن نتعارف؟.
    - بلى يا سيدي، أنا حسن باقر الأهوازي، وهذا عماد الأسيوطي، وتلك زوجاتنا.
    قال الرئيس:
    - اسم عماد الأسيوطي معروف في سورية، ألست الباحث الذي قبضت عليه العصابات المسلحة وقادته بعيداً بعيداً.
    - بلى يا سيدي، وليست العصابات المسلحة وإنما الشركات الأمنية برئاسة ضباط أمريكان.
    - اجلسا.
    جلسنا. وبعدها سأل الرئيس:
    - أيمكن أن تروي لي القصة؟.
    رويت له القصة بإسهاب، وحتى التقيت بطهران بالسيد فقال:
    - أكملْ.
    رويت له القصة كاملة إلى اليوم، وهو جالس لا يتكلم، ثم استأذنا. فقال:
    - أنتما وعائلتكما في ضيافة رئيس الدولة السورية، ولو علمت بقدومكما لاستقبلكم وفد رسمي، ومعه الإعلام فمثلكما ندر وجوده، وإنني كرئيس الدولة السورية أرحب بكما أشد الترحيب، وسنؤمن لكما إذا رضيتما الإقامة معنا في سورية، وكل ما يريحكما.
    - نشكرك كثيراً ونحن كما حدثتك رجلا أعمال ورزقنا موفور، وإذا التقينا بعد مدة سأروي لك بقية الحديث.
    في صباح اليوم التالي غادرنا باتجاه الجنوب فوصلنا إلى مفترق طرق يمر ضمن القرى، وهذه القرى البعيدة تعطيك فكرة عن أحوال هؤلاء القوم، فالأراضي ضيقة ولا تكاد تكفي إلا البناء، وكانت البيوت متفاوتة قليلاً إلا أنها تصرخ بالفقر والحاجة، كنا نسأل عن الطريق وكان الناس يقولون: تفضلوا ومنهم من يقسم علينا أن يستضيفنا، وبعد لف ودوران للطرق بحيث أضعنا الجهات به، وسألنا كثيراً وصلنا إلى موقع جميل به أشحار السنديان الوارفة تشكل ظلالاً واسعة، وتحتها ضريح عقدت فوقه قبة، فسألنا عن الموقع فقيل لنا إنه الشيخ مبارك، ونظرنا على بعد أقل من كيلومتر مقصفاً وفندقاً اسمه إكليل الجبل، فاتجهنا نحوه، كان الموقع رائعاً، وصعدنا إلى المقصف فاستقبلنا مديره وعرَّف نفسه بأنه من دمشق، وقال:
    - نحن في منطقة عالية ومن الأفضل أن تجلسوا في الصالة، فالبرد مؤذ في أوائل شهر أيلول، سلكنا درجاً طويلاً ودخلنا صالة المطعم، كانت صالة فسيحة مرتبة، وعلى محيطها الأمامي طاولات تطل على جانب من الساحل السوري الجميل، وقد عرض المدير خدماته وقال:
    - كلوا طعاماً خفيفاً على الغداء، وستكون الوجبة الرئيسة على العشاء، ولدينا مغن عراقي جميل الصوت.
    - نحن جائعون فماذا لديك للغداء؟.
    - عصافير السمان المشوي وتبولة وبعدها مجدرة عدس طيبة.
    - هذا مقبول.
    وضعت السفرة بعد نصف ساعة وكانت مقبولة، ولكنها لم تكن كافية لخمسة أشخص وخاصة إلى ثلاث نسوة حوامل، تجاوزن فترة الوحام ودخلن فترة الشراهة. طلبنا تجديد الغداء فعاد بعد قليل بما تبقى عنده من عصافير السماني المشوي، والمجدرة.
    سألت المدير عن جهة يمكن أن تعرفني قليلاً بعقائد العلويين؟. فقال اسأل ذلك الكهل الجالس على تلك الطاولة، وليكن ذلك بهدوء وأدب.
    ذهبنا أنا والسيد إلى طاولة الرجل، وسلمنا بهدوء وقال السيد:
    - سيدي الكريم أنا حسن باقر الأحوازي، وهذا عماد الأسيوطي من مصر، وجئنا نتساءل عن سبب تكفير السنة للعلويين.
    - اجلسا أولاً.
    جلسنا، ونادى النادل وقال:
    - هل تشربان القهوة معي.
    - نعم.
    طلب ثلاثة فناجين من القهوة، ولاحظت أن كل من في المطعم يجلون الرجل، ويحاولون استراق السمع للحديث.
    قال الرجل:
    - يا بني سأجيبك على تساؤلاتك، على أن لا تكونا صحافيين.
    - لسنا صحافيين.
    - يا بني منذ السقيفة والاتهام نفسه، والتكفير شائع عند المسلمين، وعند بعضهم يصل إلى تكفير كل البشر.
    - هذا مفهوم وحقيقي ونريد معلومات مختصرة عن عقيدة العلويين.
    - يا بني العلويون شيعة اثنا عشريون.
    - لماذا لا يسمونكم شيعة، ويتهمكم المتاولة بأشنع الأقوال وبأنكم من الغلاة.
    ليس المتاولة فقط بل كل المسلمين.
    - يا ولدي نحن كما قلت لك ومن صوفية الشيعة، ولنا رأي في الوجود.
    - أيمكن أن تعطينا فكرة؟.
    - يا ولدي نحن نقول بأن الوجود الكامل للذات الإلهية، المنزهة عن الشيئية، وإن بقية الموجودات موجودة بالإضافة، فهي لم تكن شيئاً يذكر .
    - ماذا تعني بتعبير الوجود الكامل؟.
    - لقد قلت لك: الذات حقيقة دائمة أقدم من الزمان، والموجودات محدثة.
    - هذه آراء فلسفية متفق عليها بين أغلب العلماء.
    - لا شيء متفق عليه، وقد اختلف المسلمون منذ السقيفة على حقائق كونية.
    - مثل ماذا؟.
    - مثل أحقية الإمامة، وهل الخلافة حقيقة إسلامية أم أنها بدعة.
    - ماذا تقولون في ذلك؟.
    - نقول إنها بدعة.
    - والدليل؟.
    - في الحديث المتفق عليه يقول الرسول لعلي: أما رضيت أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟. وفي القرآن : اجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري.
    وإشراكه في الأمر أي في الرسالة. ألا يكفي هذا.
    - لم تزيدوا على احتجاج الشيعة.
    - ألم أقل لك إنهم صوفية الشيعة.
    - أشكرك يا سيدي وقد أمتعتنا بالحديث.
    لم يفدنا الرجل كثيراً، فلم يحدثنا عن المغالاة التي يتهمون بها، ولعل ذلك على سبيل التقية.
    وقد اكتفينا من السياحة في جبال سورية الغربية، وقررنا العودة إلى دمشق فوصلناها مساءً في الليل.
    استقبلنا أهل ميا بالحفاوة المعهودة، وخاصة لارا التي لاقت من الترحيب ما لم تره ميا أو زينب، وذلك بسبب غربتها، ولقد ظهرت لارا سعيدة وودودة، وبعد أن استقر بنا المجلس قالت:
    - لقد وجدت بينكم من السعادة ما لم أجده بين أهلي، فأنتم ودودون، وقلوبكم طيبة وليس لكم غايات.
    - ترجم السيد كلامها ثم قال:
    - في الغرب لا توجد الحياة الأسرية الحميمة، وربما انفصل الشاب أو الفتاة عن عائلتهما وهما في سن المراهقة، وسكن كل منهما مع صديقة أو صديق، وعندما يضيق بهما الرزق أو يقع أحدهما في مشكل، يعود لعائلته بعض الوقت.
    سألت أم طارق عن أحوال أبي طارق الصحية فأجابت:
    - كما يجب.
    بتنا في منزل العم أبو طارق وفي اليوم التالي بعد تناول وجبة الغداء صعدنا إلى الجرجانية، وقضينا أياماً سعيدة لا ينغصها إلا أخبار التفجيرات الانتحارية، فقد كان بعض اليائسين في تنظيمي داعش والنصرة يقومون بتفجير أنفسهم في شوارع المدن، فيؤدي ذلك إلى استشهاد الكثير من المواطنين غدراً وبدون ذنب.
    كانت زينب ولارا كأنهما أختان، ومن الغريب أن زينب لم تشعر بالغيرة، ولعل التربية الصحيحة للسيدة زينب، والأصول الأخلاقية التي نشأت عليها قد ساعدتها في ذلك.
    عدنا إلى القاهرة على طائرة الجمهورية العربية السورية، ونزلنا عند أهلي، وسعدت كثيراً برؤيتهم ورؤية راية، وفي المساء جاء أحمد وقال:
    _ أنتما في المصيف ونحن لا نجد من يرد علينا.
    - وماذا عن المهندس نور الدين؟.
    - ألم ترسلاه إلى الولايات المتحدة؟.
    - ألم يعد؟.
    - عاد اليوم، خالي الوفاض.
    عدنا فوراً إلى الإسكندرية، فوجدنا نور الدين في مكتبه، فسألناه عن رحلته فقال:
    - لم يقابلني المدير إلا بعد ثلاثة أيام ليقول لي:
    - أليس من الأفضل أن يأتي صاحبا الشركة لنتعرف عليهما.
    ثم أنهى مقابلتي.
    طار السيد فوراً إلى الولايات المتحدة، وقد قابله صاحب الشركة، وسأله عني فقال له:
    - لا نستطيع أن يغيب الاثنان، في المرة القادمة سيكون هو.
    لبت الشركة الأم جميع طلبات شركتنا، وشحنت البضاعة، وفي فترة غياب السيد انتقلت زوجتاه إلى فيلتنا، وكانت النسوة الثلاث في سعادة وهناء

  4. #54
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    13
    نتابع الحياة بروتين عجيب لا يخلو من الملل، ونحن البشر حيوانات تتألم من دون سياط أو عصي، في بلادنا الألم حاكم الحياة، حتى في المناسبات المفرحة يضحك الناس بألم، تذكرت الممثل إسماعيل ياسين وهو يضحك، وقد ضحكت أنا ألماً، حتى فَهْمُنا للصيرورة نفهمه بألم، ونعترف أن الإنسان في محنة كبرى، لا يتعرض لها بقية الحيوانات، وذلك الواعظ الذي يتربع على كنبة في المسجد ليهدي الناس، تحس الخوف والألم في نبرات صوته الحائر المرتجف.
    حينما أهبط آدم وحواؤه إلى الأرض، فإن هذه الرواية الرمزية الناطقة بالألم والحسرة تستجلب التفكير بأناة وحذر.
    اعتدنا أنا والسيد إذا نزلنا إلى القاهرة، أن نمشي أوقاتاً في الأحياء الفقيرة، وأن يكشف عن شيء مفجع في حياة شخص، في حي العتبة رأى من عرف عن اسمه بأنه متولي قد براه الضعف والحشيش، فقال له:
    - يا رجل الفقر والحشيش معاً؟.
    - أليسا متلازمين؟.
    - ليس بالضرورة.
    - يا سيدي ما أطيب الحشيش إذا لم يكن الإنسان فقيراً، ولكننا نأخذه لكي ننسى.
    - تنسى ماذا؟.
    - تعال معي.
    أمسك العم متولي السيد من يده وأدخله إلى منزل كأنه خرابة، كان المنزل كبيراً لكن الزمن ترك منه القليل، ونادى متولي:
    - يا وليه .
    أقبلت امرأة لا أحسن تقدير عمرها وتبعها ولدان عرف عنهم:
    - هي زوجتي وهذان ابناها، حسن وحسين.
    منظر مقرف، الزوجة تلبس ثياباً مهترئة والطفلان قد مرمرتهما الحياة، فتلون وجههما بكل ألوان الشقاء.
    همس السيد في أذني:
    - ألا تعرف كيف سنساعده؟.
    - انتظر.
    حدثت الدكتور شوقي، فقال سأرسل لك حلمبوحة، وسيكون عندك بعد ربع ساعة، وفعلاً جاء حلمبوحة، نحن الاثنان نعرفه، سلم بوحشية، وقال:
    - رهن إشارتك يا مولاي وأشار بيده وحنى جذعه.
    - كما ترى يا عيروط فإن هذا الرجل البائس يسكن في هذا المنزل الذي يوشك أن يتداعى.
    - يا مولاي إن كل الأحياء القديمة فقيرة متداعية.
    - لماذا يا عيروط؟.
    - يهاجرون، وإذا جمع أي من أبنائهم بعض المال ينتقل إلى أحياء أخرى.
    - ألا يحنون إلى أهلهم وإلى الحارة والبيت الذي عاشوا به؟ .
    - لا ولا إلى وطنهم، ولا للنيل العظيم، ولو آوتهم بلاد الهجرة لبقوا فيها، أليس هناك مثل أو حديث يقول: كاد الفقر أن يكون كفراً، ولا ألومهم، فنحن يا سيدي أموات وإن كنت ترانا أحياءً.
    - يا رجل ؟!.
    - يا سيدي اسأل أي شخص يخبرك بهذا.
    - لا حول ولا قوة إلا بالله، كيف وصلوا إلى هذا الحد من اليأس؟.
    - هناك من أوصلهم، إن موت النفس يميت الجسم.
    قال حلمبوحة:
    - سآتيك بمهندس قريب، وغاب قليلاً وعاد ومعه رجل وسطي بطين.
    - هذا مهندس الحي.
    - أهلاً به،
    غاب الرجلان قليلاً وعادا قال البطين:
    - البناء بحاجة إلى هدم سريع، ثم إقامة مشروع عليه وهم الآن يسمحون ببناء أربعة طوابق، الأرضي تجاري، والثلاثة الباقية سكن.
    قال له السيد:
    - اهدم وابن، وابحث له عن منزل يؤويه ريثما ينتهي البناء.
    - لدي عرض.
    - ما عرضك؟.
    - أبني له البناء وأختص بنصف الطابق الأرضي، ويأخذ هو النصف الآخر، وطابقان فوقه.
    - يا مهندسنا اهدم وابن وسأدفع لك الكلفة وأتعابك.
    - كما تريد، وسأسير في معاملة الترخيص، وتحتاج إلى ثلاثة أشهر.
    كتب له السيد شيكاً وقال له:
    - ألا يوجد محام قريب يكتب عقداً.
    - قال حلمبوحة:
    - بسرعة الريح.
    ذهب حلمبوحة وعاد برجل بطين آخر، وقال:
    - هذا المحامي.
    كتب المحامي عقد البناء وفصله، وقال لمتولي ألا تحمل سند تمليك.
    - بلى .
    دخل الرجل وعاد بسند التمليك، وبعد أن تفقد الهوية والسند طابقهما مع سند البناء، وأعادهما إلى متولي وقال له:
    - لقد أعطيته مهلة ستة أشهر وبعدها يخضع لغرامات تأخير مهمة، وسيكون البيت موافقاً للشروط وجاهزاً بالمفتاح.
    - شكراً.
    - حين تركنا متولي كانت عيناه تبحثان عن جواب، وثغره فاغرٌ حتى آخر حنكه، ولم يسأل من نحن، ولعله سيعود ليأخذ نصيبه المضاعف من الحشيش.
    قلت للسيد:
    - يكفينا ما فعلته حالياً.
    وغادرنا حلمبوحة وهو يحمل مبلغاً جيداً من المال، وقال وهو يودعنا:
    - لعلك يامولاي ستكلفني بصناعة الفرش.
    - سيكون بعون الله.
    عندما ترى السوق القديم فإنك ترى معه قسماً مهماً من تاريخ مصر، وإذا تفرست في وجوه الناس وهيئاتهم تكتشف مقدر الاضطهاد والبؤس والشقاء، يندر أن تلتقي بوجه مرتاح. حتى أولئك الذين يضحكون فإنهم يضحكون بكاء، لم يحكم مصر بعد عبد الناصر من يحب شعبها، كلهم لاهثون وراء الثروة، وكلهم قد باع نفسه للشيطان.
    عدنا إلى الإسكندرية، وبقي حلمبوحة يتابع أمور متولي، وصرنا بحاجة إلى السفر للولايات المتحدة، فقد تراكمت الطلبات لآليات جديدة، ودوري الآن للذهاب، وقد أبدى السيد تخوفاً ظاهراً وقال:
    - أخشى أنهم يريدونك هناك لغرض، ربما ليؤذوك كما أذيتهم.
    - أنا لم أؤذ أحداً، ولا بد لهم أن يراعوا رغبة الشعوب.
    - أية شعوب؟. لو كانت شعوبنا حية لما استطاعوا اختراقها والتسبب بمقتل ملايين العرب.
    - ليفعلوا ما يريدون.
    - أنت تعرف مقدار حرصي عليك، وإذا أصابك شيءٌ لا سمح الله، كنت الذي يليك قهراً وفرقاً.
    - لن يصيبني إلا ما كتب الله.
    - ما زلتُ متخوِّفاً.
    _ لا بد مما ليس منه بد، لست أخافهم، وسأنهي هذا الشعور.
    - لعلك على صواب يا أخي.
    كانت ميا وزينب أكثر المتخوفين، ولكن لارا لم تخف وقالت:
    - خطفوك بالغلط، وهم سيحاولون التقرب منك.
    - سنكتشف ذلك هناك.
    جمعت كل المعلومات المطلوبة، وقرأت عن تاريخ إلينوي، وتفاصيل عن الشركة وأصحابها ونظامها المالي.
    وكان في ذهني أن تعلن الشركة عن إنشاء فرعها في مصر، وتضع عليه بعض التعريفات، فاصطحبت معي الكثير من الصور عن فرعينا في القاهرة والإسكندرية.
    التعديل الأخير تم بواسطة حسين جنيدي ; 21-08-2018 الساعة 03:16 AM

  5. #55
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    14

    طائرات بان أمريكان مريحة، إلا أنها تهبط في مطارين قبل أن نصل إلى بيوريا في إلينوي، أحدهما في دبلن في إيرلندا، والثانية في نيويورك، وفيها سنغير الطائرة إلى أخرى تعمل على خط نيويورك بيوريا في إلينوي،
    كانت ميا معي وقد أرادت التملص من السفر، فلم أعفها من ذلك، وأصررت على أن تغير الأجواء فحين تضع حملها ستكون أماً، وعندها لن تستطيع السفر.
    وصلنا إلى دبلن، وهناك ثلاث ساعات توقف، وقد نزلنا إلى المدينة والتقينا بالكثير من الزوار والمهاجرين العرب، من مختلف الأقطار العربية، ولم نجد فيها ما يستحق حمله غير ستة معاطف نسائية من الفرو الطبيعي، فحملناهما معنا، فمن الممكن ألا نَمُرَّبها أثناء العودة إلى مصر.
    وفي نيويورك توقفت الطائرة لدقائق ريثما بدلنا الطائرة، وتابعنا بعدها إلى بيوريا حيث كان بانتظاري موفد من الشركة ومعه رجل وسطي العمر.
    تم اقتيادنا إلى فندق وسط المدينة، وتركا لنا مفاتيح سيارة ومعها بطاقة تُقَدَّم لشرطة المرور، وقالا اليوم للراحة وغداً للعمل، وأعطياني خريطة للمدينة محدد عليها مقر الشركة.
    نقية بيوريا كما اسمها، وشوارعها أنيقة، وهي مدينة صغيرة على العكس من المدن الصناعية الكبرى في الولايات المتحدة، كديترويت وشيكاغو وبوسطن، وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مقر الشركة، وقد استقبلني على المدخل رجل أنيق، وقادني إلى مكتب عبارة عن غرفة واسعة حسنة الفرش، وبها مكتب عليه هواتف كثيرة، ودخل الرجل الذي شاهدته في مطار بيوريا عند وصولي، وتحدث فقال:
    - أنا اسمي جوزف من المخابرات العامة، ولقد التقينا سابقاً في قاعدة ترمذ.
    - نعم فقد كنتَ ضابطاً وقد تذكرتك، وأنت من أطلق سراحي وأعطاني مبلغاً، وقلت لي: عد إلى بلدك بوسائطك الخاصة.
    - لقد عدتَ إلى سورية فما السبب؟.
    - هل أنا الآن أسيراً فتخضعني للاستجواب؟.
    - أبداً فنحن نتعارف.
    - لقد كانت خطيبتي وهي زوجتي الحالية في دمشق.
    - لقد زدتني علماً.
    - معي هنا هاتف الثريا وأريد إعادته.
    - هو هدية ولن نسترجعه. ولكنك لا تستخدمه.
    - سأستخدمه حين أحتاج الحديث به.
    - ما سبب عدائك لأمريكا؟.
    - لا أحد يعادي أمريكا.
    - ولكنكم تعتبروننا مسؤولين عن مشاكلكم.
    - ألستم كذلك؟.
    - لا ولكننا حريصون على مصالحنا وأهمها النفط.
    - وما علاقة مصالحكم بتجزئتنا وتناحرنا.
    - تحتاجوننا لحمايتكم فنأخذ ما نريد.
    - هذه ميكافيلية بغيضة.
    - نحن دولة عظمى ونحتاج إلى تأمين مصالحنا.
    - هنا لا يمكن أن نلتقي، فمصالحكم تتناقض مع مصالحنا، على كل حال ماذا تريد مني.
    - طلب إلي أن أعتذر منك على المعاناة التي سببناها لك.
    - هذه أضرار جانبية، وقد مرت وانتهى مفعولها.
    - هل يمكن أن تفسر أي أن معاناتك لدينا التي استمرت شهراً خلاله لم تتأفف ولم تطلب شيئاً، فما سبب ذلك؟.
    - هو طبعي منذ طفولتي.
    دخل مدير الشركة فسلم بوداد، وقال:
    - لقد أردنا التعرف عليك شخصياً، وشركتكم أنشط الشركات التي تعمل معنا، ونتمنى أن نتمكن من تلبية جميع مطالبكم، ورن جرساً فجاء أحدهم بالقهوة وزجاجة ويسكي، فشربت كأساً من الويسكي، ثم تناولت فنجان القهوة وقربته إلي، فوجدت الرجلين يبتسمان، وقال الرجل الآخر مستر بروكلمان:
    - لم ننصب لك شركاً إلا وتخلصت منه.
    - أنا أتصرف بطبيعتي، ولا أقصد بتصرفاتي غرضاً معينا.
    - أهنئك على ذلك وعلى لغتك المتينة وتتحدث باللهجة الأمريكية وكأنك من واشنطن.
    - لغتكم عالمية ويجب على كل العرب إتقانها.
    - أتغمز إلى شيء؟.
    - لا لقد كانت لغتنا شائعة في أوج حضارتنا وكان كل الناس يتحدثون بها، هكذا الأمم تتحرك بين الأوج والحضيض.
    - هل لديكما شيئاً آخر ؟.
    - نحن أردنا أن نتعرف عليك، وأنا كاتب، فهل تأذن لي بأن ننشر قصتك؟.
    - على أن توثقها وتطلعني على فصولها، وتذكر اسمي الصحيح، بدلاَ من اسم مستعار، فتبدأ من حلب وتنتهي في ترمذ.
    - موافق.
    - أتريد توثيق ذلك؟.
    - نعم.
    - أليس من محام لدى الشركة؟.
    - بل يوجدعددٌ منهم.
    - اكتب فأوقع لك. ولكن أخبرني أصلاً كيف تحولت من ضابط إلى كاتب؟.
    - لقد كنت احتياطياً فانتهت خدمتي وأنا كاتب بالأصل.
    - وكيف تعمل مع السي آيإي؟.
    - حينما عدت من أوزبكستان، طلبوا إلى العمل معهم. يا هذا أنت تستجوبني الآن، ولن يرضى العم سام بذلك.
    أنهيت عملي في الشركة وقال لي المدير:
    - يمكن أن نعتمدكم وكلاء الشرق الأوسط وأفريقيا.
    - وماذا يعني ذلك؟.
    - البضاعة التي تشتريها أنت تتقاضى عنها 25% أما التي تطلب من الوكلاء الفرعيين فإنك تتقاضى عنها 12,5% ، ويتقاضى الوكلاء الفرعيون 12,5%.
    - هذا جيد.
    - نحن نريده أن يكون جيداً
    دعوت المدير والسيد بروكلمان لزيارة مصر، فأظهرا السرور ووافقا على الزيارة، وقالا:
    - يقولون إن الأجواء في مصر تكون منعشة في فصل الخريف، وسنحاول توقيت الزيارة خلاله.
    زرت مصانع كاتربيلر في بيوريا، وكانت مصانع جبارة، فيها فرن عال لصهر الحديد، وهم يعالجونه بإضافة الفحم ومواد أخرى بحيث يمكن استعماله بجهد عال تحتاجه الآليات الهندسية في أشغالها في الصخر والتراب، وقد شرح لي المهندس المختص آلية الصنع، حيث يتم الإنتاج بعدد قليل من العمال، وهم وراء لوحات إليكترونية، والعمل الخطر يقوم به الآليون، وهم الذين يتابعون الإنتاج من أوله لآخره، وأفاد المدير بأن المنطقة تحتوي عدة معامل من هذا النوع، حسب تصنيف الآلات، وأن خطوط الإنتاج يمكن تطويرها بين الحين والآخر.
    شحنت الشركة ما طلبناه من الآليات وقطع الغيار، وأبحرت الباخرة ونحن في بيوريا، في حين تسوقت ميا الهدايا، وقالت:
    - أغلب البضائع في السوق صناعة صينية، وهي أجود بكثير من مثيلاتها في أسواقنا بحيث لا مجال للمقارنة، ولاحظت بأنها بالغت في كمية الهدايا، فسألتها لماذا كل هذا فقالت: كله في مواضعه، وقد أكثرت من القطع الزجاجية للمطبخ والسكاكين، كما تسوقات البهارات الرائعة التي لن ترى مثلها، والفستق الحلبي الكبير الثمرة، وخلاطات جنرال الشهيرة، وأشياء كثيرة أخرى، وابتعت بذلات خروج متنوعة على قياسكما، وقد علمت أن شركة أوروبية تعمل على خط نيويورك الإسكندرية مباشرة، بدون محطات أخرى.
    أنهيت التعرف على كل ما أريد أن أعرفه، وقد قال لي المدير السيد هنري كوفمان بأن الشركة قد أعادت التأمين وهو خمسون مليوناً من الدولارات إلى البنك الأمريكي المصري في القاهرة.
    حدثني السيد بروكلمان أنه وإدارته باتوا مسرورين من هذه الزيارة، وأنني سأحظى بدعم الإدارة دائماً ولو إلى منصب رئيس الدولة المصرية، وتم منحي الجنسية الأمريكية من النوع الريادي، وهذا يعتبر تأميناً مادياً يؤمنني طيلة الحياة.
    شكرت السيد كوفمان، وتمنيت عليه لمصلحة شركتنا أن لا يتدخلوا في حياتي السياسية، وسأكون بعيداً عن هذا الجو الذي أمقته. فقال ضاحكاً:
    - تفاجئنا دائماً، ونقدر ذلك ونحترمه.


  6. #56
    A Passerby
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 55

    افتراضي

    15 والأخيرة

    عدنا إلى الإسكندرية كانت رحلة عشرة ساعات متواصلة في طائرة بوينغ عملاقة، وقد كنا متعبين فاستقبلنا الجميع في المطار وبينهم عبد الرحيم، وكان الوالد والوالدة وراية، فعلمت أن شيئاً ما قد حدث فالتزمت الصمت.
    وقالت زينب وهي ترى عربات مليئة:
    - هل تسوقتم كل ما في أمريكا.
    قالت ميا:
    - لك فيها حصة الأسد.
    كان لقاء السيد محزناً كان يضمني ودموع السعادة تتساقط من عينيه، وقد احمرت عيناه وتورد خداه، فقلت له:
    - لا تحولها إلى مناسبة شقاء يا سيدي.
    فأجهش في البكاء، وقال:
    - لن أتركك تسافر وحيداً أبداً.
    كنت أعلم أن صداقتنا عميقة إلى درجة الألم، وكان السيد رقيق القلب ملائكي المشاعر.
    قابلنا على المدخل تلفزيون مصر، وابتدأت فتاة جميلة بطرح الأسئلة.
    كنت أقف إلى جانب السيد، وقد وجدت الفتاة تسيخ وتهتز وتكاد تقع، وهمست بأذن السيد أنها من الأفضل أن تدخل الحمام، فضحك السيد ثم استغرق بالضحك، وقد طرحت عدة أسئلة تتعلق بالعمل، ومدى تجاوب الشركة الرئيسة مع حاجات مصر، فشكرت للشركة حسن استقبالها ووجهت تحية خاصة للسيد كوفمان مديرها العام.
    حين عدنا إلى منزلينا دخلنا جميعاً إلى فيلا السيد، وقد استغربت الترحيب الحار من لارا بحيث أظهرت لهفة خاصة، فسألتها عن السبب فقالت:
    - هي شيء بسيط من لهفة السيد عليك.
    سألوني عن سبب إصرار الأمريكان على ذهابي إلى أمريكا.
    - لقد راقبوني خلال فترة الأسر، وشاهدوا من أخلاقي وصبري ما لم يعهدوه، واعتقدوا أنه يمكن لهم التعامل معي في كل الأمور.
    - ألم يقدموا تسهيلات للشركة؟.
    - بلى لقد أصبحنا وكلاءهم في الشرق الأوسط وأفريقيا، وعلى جميع فروعهم أن يرسلوا طلباتهم عن طريقنا، وسنرى مفعول ذلك قريباً.
    جاءني رئيس فرع الأمن العسكري إلى إدارة الشركة مهنئاً بالسلامة، وقال لي:
    - ستقدم لك الدولة المصرية كل التسهيلات اللازمة، وأنت اطلب وسترى.
    - أشكرك يا أخي وأتمنى للحكومة المصرية أن تعيد مصر إلى أيام عزها فتكون كما خلقها الله أم العرب وحامية حماهم.
    ابتسم الرجل ومضى، بعد أن ترك ورقة عبارة عن رسالة من الرئيس السيسي يشيد فيها بنشاط الشركة، وينوه على قدرة الشركة الوصول إلى تنفيذ مشاريع كبرى لصالح مصر ولصالح أفريقيا والعرب.
    بوركت يا مصر الحضارة والتاريخ والهندسة والطب، بوركت يا أم العرب وواسطة عقدهم، متى تنزعين القيود وتكسرين الأغلال، وتعود أم العرب إلى حضن الأمة، وتتخلصين من عبودية الخليج المتصهين، ومن حلفهم اللعين المجرم، فهم مسؤولون مباشرة عن مصرع آلاف العرب، من خيرة شبابهم في العراق وليبيا وسورية واليمن، وسيدفعون الثمن من أموالهم ودمائهم.
    تدفقت طلبات الشراء من مختلف البلدان ومن داخل القطر، وابتدأنا بتجميعها وطلبها كل شهر، وصارت الشركة ترسل الطلبات إلى الإسكندرية حيث توزعها السفن على البلدان الطالبة، ومن أحد الموانئ تنقل إلى مكان الطلب، حيث تحتسب كلفة النقل وتدفعها الجهات الشارية بتحويلات تتم قبل استلام الطلبات.
    تتضخم أرباح الشركة بشكل عمودي وسنكون في عداد المليارديرية خلال هذا العام، وحينما أخلد إلى نفسي أفكر في هذه الثروة التي هبطت علينا، وأتمنى أن أنفقها على ما يفيد شعبي، وبعد أزمة سد النهضة بين مصر وأثيوبيا صرت أفكر في وصلة جزء من مياه نهر الكونغو لرفد نهر النيل، وهو مشروع مقترح اطلعت على بعض تفاصيله، ومع الزمن استولى المشروع على تفكيري، وأخذت أبحث عن ذوي خبرة، فأرشدت إلى عميد كلية الهندسة في جامعة عين شمس، فذهبت إلى القاهرة واجتمعت بالأستاذ يدر الدين لطفي عميد كلية الهندسة، فطلبت إليه إعطائي رأياً واضحاً بهذا الموضوع، ونصائحه لتنفيذ المشروع، وأطلعته على إمكانيات الشركة من التمويل والآليات، فطلب إلي مهلة بعض الوقت، وقال إنه سيتصل بي.
    عدت إلى الإسكندرية بنفس اليوم وكان والداي وراية في الإسكندرية، وكنت قد زرت فرعنا في القاهرة، وقال لي أخي أحمد:
    - نحن هنا بألف خير، ولا ينقصنا شيء، وقد توسعنا في الأراضي المشغولة من الشركة خارج القاهرة، وسوينا وضعها العقاري فأصبحت ملكاً للشركة.
    وصلت الإسكندرية متعباً فذهبت إلى المنزل، وصعدت إلى الطابق الأول وكانت الفيلا فارغة، فدخلت غرفة نومي واستسلمت لسنات المتعب الذي يريد أن يستريح.
    نمت لفترة طويلة، ولم أستيقظ إلا بعد غروب الشمس، فسمعت أصواتاً في الصالون، فهبطت إلى الدور الأول، فوجدت ميا والوالد والوالدة وراية يتحدثون بنقاش مسموع، وكان الموضوع حول عبد العظيم وراية، وحينما وصلت سكتوا، فغيرت موضوع الحديث وسألت ميا إذا كانت قد وزعت الهدايا، فقالت:
    - لم أكن لأتصرف من دون رأيك، وأنا كما عهدتني لم ولن أتغير.
    علمت بأن ميا تغمز إلى الحديث الذي سمعت أطرافاً منه.
    - يا ميا نحن هنا والسيد معنا عائلة واحدة، ولا يجب أن تتباين آراؤنا، لقد شاورني أهلي وراية بشأن عبد الرحيم وامتدحت الرجل، وانتظر والدي رأيي، حتى أجاز الموضوع. و أتمنى أن لا يتكرر ما سمعته، إن أبا عماد والسيدة والدتي قد عانيا الأمرين حتى وصلنا إلى هنا.
    - أنا أعتذر عما بدر مني وأعدك بأن هذا لن يتكرر.
    - لم أطلب اعتذاراً، وقد اتفقنا.
    - كما تريد يا أنبل البشر.
    دخل السيد وزوجتاه، وقال:
    - كيف حالك يا أخي، وما غرضك في القاهرة؟.
    - لقد زرت المهندس بدر الدين لطفي عميد كلية الهندسة بجامعة عين شمس، فقد عرفت أن مياه نهر النيل لن تكفي حاجة مصر، ولا بد من البحث عن مصدر آخر للمياه، وقد تمت دراسة مشروع لوصل نهر الكونغو بنهر النيل، وهو مشروع معقد.
    - هذا مشروع قومي بامتياز، وقد قرأت عنه منذ سنوات فإلى أين توصلت؟.
    - سأسير في الطريق حتى آخره، وأحلم بأن لا يكون إنجازه مستحيلاً.
    - ليس هناك مستحيل يا أخي، لقد أفرحتني.
    - سأحاول أن تقوم مصر بإنهاء الأمور القانونية ودراسة الحقوق المترتبة على هذا المشروع وإعداده للتنفيذ.
    - شكر الله سعيك يا أخي.
    - قامت ميا بفتح الهدايا وقد فتنت السيدتان زينب ولارا بالمعاطف، وقلن إنها من النفائس، وقالت لارا:
    - قليل من نساء العالم يرتدين مثلها.
    كما أعجبت الوالدة وراية بها.
    قالت لارا:
    - لمن هذا؟.
    قلت:
    - لأم طارق، وهل بقي غيرها؟.
    فضحك الجميع. فتحت ميا البضاعة وفيها عدد من بزات الخروج لي وللسيد، وكثير كثير من حاجات المطبخ والأحذية وغيرها.
    وقد سرت النساء بهذه الهدايا القيمة، ووجدت راية تبكي فجلست إلى جانبها.
    - ما وراءك يا راية؟.
    - أبكي من تكالب الهموم عليك يا أخي فنحن ومصر وكل العرب، ولو كان لدى العرب الكثير مثلك لأفاقوا من كبوتهم القاتلة، حتى وصل همك إلى وصل نهر الكونغو بنهر النيل؟! هذا كثير.
    - الشكر للسيد، فقد آثرني على نفسه ولن أنسى ذلك أبداً، وبالنسبة لي أنا رجل زاهد وستر عورتي ورغيف خبز يكفيني، ولكن أفراد الأمة كلهم يعانون وستزيد معاناتهم.
    وإلى اللقاء في القسم الثاني من رواية الطريق إلى طشقند على أمل أن تتم الرواية بعد الانتهاء من بناء الوصلة بين نهر الكونغو ونهر النيل، عندها تتضاعف مساحة الأراضي المصرية عدة أضعاف، وتكون الكهرباء فائضة عن حاجة الصناعة والزراعة، وتكون مصر العزيزة القوية أم العرب وصانعة انتصاراتهم.




صفحة 6 من 6 الأولىالأولى ... 456

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •