صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 43

الموضوع: الطريق إلى طشقند ..رواية بقلمي

  1. #1
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي الطريق إلى طشقند ..رواية بقلمي

    الطريق إلى طشقند
    الجزء الأول

    1

    في حي شبرا بالقاهرة أسرة مستورة الحال، الوالد رجل متوسط القامة أسمر الوجه، مستديره أفطس الأنف، يعمل مقاولاً ثانوياً لتقديم اللحوم للجيش، ممتلكاته في ضواحي أسيوط، ومنها مزرعة يجمع بها الخراف والعجول من البقر والجاموس، ويقوم كل يوم بذبح حاجة فرقة الجيش في السويس، ويذهب بها إلى السويس لتقديمها للجنة الإطعام، وعندما ينتهي من اللجنة يدور بسيارته الشاحنة من طراز هيونداي ليشتري عجولاً وخرافاً تكفيه لبقية الأسبوع، فيمر على جميع أسواق البهائم في محافظات الصعيد.
    تجارة رابحة مكنته من شراء منزله في شبرا، وتعليم أولاده، والحياة ببحبوحة مريحة،.
    اسمه عادل الأسيوطي ولديه أسرة صغيرة مؤلفة من شابين وفتاة، الأبناء الثلاثة درسوا ويدرسون في جامعات القاهرة ، أكبرهم عماد أنهى دراسته في جامعة القاهرة، وحاز على بكالوريوس في العلوم . ( ر.ف.ك )، رياضة وفيزياء وكيمياء، ونظراً لهوايته بالتاريخ فقد سجل في قسم التاريخ بالجامعة نفسها، كان يريد أن يحصل على وظيفة في إحدى مؤسسات الدولة، لكن والده منعه في ذلك لقلة الراتب الذي يتقاضاه، وأنه عوَّد الأسرة على حياة معينة، لن تؤمنها الماهية التي تدفعها الدولة. فتابع دراسة التاريخ حتى حصل على ليسانس في التاريخ العام الماضي، وقد حثه والده على إشباع هوايته فجال في أهرامات مصر ومعابدها ومقابرها، وهو الآن يجيد اللغة الهيروغليفية ويأخذ دروساً في اللغات السامية القديمة.
    الثاني أحمد تخرج من كلية الزراعة بجامعة الأزهر،
    ويدير مزرعة والده في أسيوط، والفتاة واسمها راية في السنة الرابعة طب في جامعة القاهرة وهي فتاة جميلة وذكية ومتفوقة.
    أما حسناء الوالدة فسيدة سمراء طويلة القوام، ما زالت تحتفظ بجمال هادئ أورثته لأولادها الثلاثة، وخاصة لعماد وراية.
    سأل والده ذات مرة:
    - هل يمكنك أن تنفق علي في رحلة إلى أواسط آسيا؟.
    - إلى أين يا ولدي؟.
    - إلى بلدان كثيرة عربية وفارسية وتركية واوزبكية.
    - كم تحتاج؟.
    - عشرة آلاف دولار.
    - هذا المبلغ سهل تأمينه علي، ولكن ما الغاية من هذه الرحلة الشاقة ؟.
    - أتعرف على البلدان وأدرس حوادث لا أصدق أنها وقعت.
    - كما تريد، ولعلك بحاجة لسيارة.
    - سأتعثر بها فالبلدان كثيرة ، ويمكن لوسائط النقل العامة أن تحل الموضوع.
    - سأزيد على العشرة آلاف ثمن سيارة، فقد تتقطع بك السبل في بلدان لا تعرفها، وأريد أن أنبهك إلى ما تعرفه من أحداث مؤسفة في سورية والعراق.
    - سأتحاشى ذلك إن شاء الله.
    كان عماد قد أدى خدمته الإلزامية وهو يدرس في قسم التاريخ، وقد قضاها في وحدة مقاتلة، وكان هو أفضل قنَّاص فيها.
    حضر عماد نفسه للسفر، وجلس يتفكر في رحلته، وانتبه إلى أن وجود الصهاينة في فلسطين يمنع العرب من التواصل، وكان بإمكانه أن يستخدم سيارة للوصول إلى أفغانستان لولا هذا العدو اللعين، ورغم اتفاقية الكامب فلن يقبل أن يسافر من غزة إلى رأس الناقورة، لكي لا يتعامل مع هؤلاء المستعمرين المجرمين.
    قال له والده:
    - لي صديق في دمشق من عائلة السسا، وسيقدم لك كل ماتحتاجه، وأتمنى أن تزوره.
    - ما اسمه؟.
    - إبراهيم شوقي السسا، وهو في حي الميدان بدمشق.
    - كيف تعارفتما يا والدي؟.
    - التقينا على غير موعد، فإن له ولداً في القاهرة يعمل حلوانياً، وقد جاء إليها منذ أول الأزمة السورية، صادفته يسأل في السوق عن دكان ليفتح تجارته به، فسهلت عليه المهمة، وأمنت له طلبه، وبقيت أزوره مدة، وفي الآونة الأخيرة عاد إلى دمشق بعد هدوء الأحوال بها، وقبل أن يعود ودعني وتمنى أن نزوره في دمشق.
    قال له أحمد:
    - ألم تلتق حتى الآن بفتاة تتزوجها؟.
    - التقيت، ومع المعرفة كان يبدر منهن ما يصرفني عن الزواج، فلم يكنَّ على قياسي.
    - قياسك، وهل هن بذلة تلبسها.
    - نعم يا أخي فقد ورد " هن لباس لكم وأنت لباس لهن " . أي لكل امرأة ورجل قياس، ويجب أن يتطابق القياسان ليحصل الزواج الناجح.
    - ولكنك بهذا تسد الطريق علي.
    - لا يا أخي خذ حريتك، والعيد الصغير يأتي قبل العيد الكبير.
    سأتحدث قليلاً عن الحياة في مصر عام 2017 فقد أدى استلام السادات للسلطة بعد وفاة جمال عبد الناصر المفاجئة إلى تبدلات كبيرة في المجتمع المصري، كانت السفارة الصهيونية التي افتتحت في القاهرة بعد اتفاقات كامب ديفيد تحدياً غير مسبوق للعقلية المصرية المتدينة تاريخياً، ولكن تدين المصريين كان لطيفاً ومسالماً، وعاشت مكونات الشعب المصري بوداد ومحبة، حتى تعاون السادات مع السلفيين والمتشددين، وأطلقهم من السجون ليمارسوا نشاطاً محموماً، وخاصة بعد الإحباط الذي أصيب به المجتمع الذي اعتقد لسنوات أن الاتفاقيات على سوئها قد تجلب الاستثمارات والرفاه الاقتصادي، وهذا لم يحدث، على العكس فقد زادت معاناة المصريين كثيراً حتى وصل بهم الأمر إلى أحداث 25 يناير، حيث نزل الناس إلى الشارع وعسكروا في ميدان التحرير، وهو ما يعرفه الجميع.
    لم يكن عماد مستعجلاً على السفر، ما زال يقرأ ويجمع التساؤلات، أولها كيف وصل الأمويون إلى الخلافة، وثانيها كيف انتقلت إلى بني العباس، والعباس أيضا كأبي سفيان من الطلقاء، ثم كيف خمدت جذوة العرب وحل محلها الفرس ثم السلاجقة فالمغول، فالعثمانيون؟.
    يصطدم القارئ بجدار مؤسف من الإحباط، وبصرف النظر عن الخلافات العقائدية بين جيلين من المسلمين الأوائل، جيل الملتزمين ويمثله علي بن أبي طالب ورفاقه كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار، وجيل الحالمين المشتهين للسلطة وعلى رأسهم أبو سفيان وحاشيته وخصوصاً ابنه معاوية، ومنهم العباس عم الرسول، وبعض العرب المسلمين حديثاً كالمغيرة بن شعبه وأبي موسى الأشعري وغيرهم.
    الجيل الأول لا يطلب السلطة بل نقاء الدين، والثاني يطمح إلى السلطة ومستعد لقتال ظلِّه في سبيلها إذا لزم الأمر.
    انتقل الحكم بعد وفاة الرسول إلى أبي بكر كما روي عن سقيفة بني ساعدة، وكان أبو بكر رضي الله عنه شيخاً كبيراً فهو في عمر الرسول، وقد أدى استلامه للسلطة أو ساهم بارتداد القبائل أو بعضها عن الإسلام، ما لم يسكت عليه الحاكم الشيخ، فأرسل الجيوش وفرض الأمن، وجرت خلال حروب الردة تجاوزات لقادة الجيش منها المهم ومنها العادي، وكان أبشعها قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة ودخوله بزوجته النوار بلا عدة، وهو ما لم ينسه له الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عمر من المتشددين.
    لم يطل حكم الخليفة أبو بكر، فقد توفي بعد أقل من سنتين لاستلامه، واستلم بعده الخليفة وصيه عمر بن الخطاب، الذي أسس لدولة المسلمين، ووضع أهم دواوين الدولة، وهي الخراج والبريد والجيش والشرطة، وفي عهده صارت الأحزاب، فهناك حزبه ومعه الكثير من رجال العرب ورجال قريش، وحزب علي بن أبي طالب ومعه الفكر الإسلامي وما أسميه الأرثوذكسية الإسلامية، ومن المسلمين معه فقراؤهم وعقائديهم المتشددون.
    كان على عماد أن يخطط بتؤدة لسفره، وأن يرسم مخططاً لها، وأفاده برنامج غوغل إيرث، فتصفح عى لابتوبه بعناية جميع الخرائط واستكشف الطرقات ومواطن ومدن الزيارة، ووصل إلى مخطط مدروس لطريق سفره المقترح، ابتداء من سورية ، ثم العراق فإيران فأوزبكستان وإذا أمكن مدينة بلخ في أفغانستان، أما مخطط العودة فسيهتدي إليه اعتباراً من آخر محطات طريق الذهاب

  2. #2
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    2



    سألت الوالدة عماداً:
    - أي بني عمرك الآن سبع وعشرون عاماً، ولم تجد عملاً، ولم تتزوج، وتريد الآن ثروة لتسوح بها في المشرق؟.
    - كلامك صحيح، وربما في السفر حلٌّ له.
    كان عماد لا يريد أن يجادل والدته، وهو بطبعه يكره الجدل، وراقب عيني والدته ووجهها، لقد زمت شفتيها وهزت رأسها وبدا على عينيها أنها لم تقتنع، وأن لا جواب لديه يمكن أن يوصلها إلى حل ترضاه، فالأوضاع في مصر سيئة، والذي أسس نفسه قبل عشرات السنوات ما زال واقفاً على قدميه، أما الأجيال الجديدة فستبقى عالة على أسرها، أو تسافر إلى خارج البلاد، وكان العمل في الخليج مهيناً، وبحاجة إلى كفيل، وليس من مصري يعمل بكفاءاته إلا القليل، وكان على المثقف أن يعمل أجيراً كعامل في أحد المشاريع التي ينفذها خليجي بعمال مصريين.
    كان عماد أبي النفس ولا يريد أو يسمح لأحد بإذلاله، ولم يعمل على الهجرة إلى الغرب، لأنه يعتقد أن الغرب هو الذي يقف وراء تمزق العرب ونهب ثرواتهم، وهو الذي أقام دولة الصهاينة خنجراً في صدر العرب. بل وافتعال المشاكل والفتن بينهم، ولا يريد شيئاً من مالهم النجس، هكذا كان عماد وطنياً مصرياً عربياً، كان يحب عبد الناصر ويعتقد أنه جاء قبل زمانه، ولولا ذلك لما حل محله بعد وفاته رجل حسود معقد.
    عادت والدته تحاول إقناعه بالزواج، وصرف النظر عن الرحلة، فقد قام أبوه بشراء العمارة المؤلفة من أربعة طوابق، كل طابق مساحته أكثر من مائتين وخمسين متراً مربعاً، والطوابق تنتظر الأولاد أن يتزوجوا ويسكنوها.
    - أنا أعلم ذلك يا أماه، ولكنني غير مستقر نفسياً، والرحلة بضعة أشهر ثم أعود فيكون ما كتب الله.
    - إلى أي بلد ستذهب أولاً؟.
    - إلى سورية توأم مصر.
    - وماذا في سورية غير الحرب.
    - فيها بدايات الانشقاق العربي.
    - وما علاقتنا بذلك؟.
    - أماه سورية ومصر هما ساقا الأمة، ومن دونهما لا تستطيع الوقوف.
    - وهل عليك أن توقفهما أنت؟.
    - عليَّ أن أعرف، وإذا عرفت أن أعمل بعقل وهدوء.
    - بنيَّ أنا لا أجادلك، ولكن انتقالك إلى بلد تعركه الحرب يجعلني أرتعد من الخوف، فأنا أمك، وأنت تعرف ما معنى خوف الأم على ولدها.
    - أماه هناك أسئلة تقرع في رأسي وأريد أجوبة لها.
    كانت راية حاضرة الحديث.
    قالت راية:
    - عماد اخطب بنت عمك سوسن أو ابنة خالتك جنان، فهما متعلمتان وجميلتان.
    - يا راية هاتان كأختَيَّ، ربينا معا. ولا أميل بل لا أستطيع أن أتزوج إحداهن.
    - ومتى ستسافر؟.
    - أجمع بعض المعلومات وبعدها السفر.
    - هل وضعت في حسابك أن أباك أمسى كبيراً، ويجب أن تحلوا محله؟.
    - هناك أحمد وهذا اختصاصه.
    وقال له والده ذات مساء:
    - يا بني أطلعني على السبب الحقيقي لرحلتك فأنا غير مقتنع بأن سببها التأكد من حوادث وقعت أم لم تقع ؟. فهذا السبب غير مقنع.
    - ليكن ما تقول يا والدي، فإنني أرى وأسمع أن سورية في خطر، وهناك كلام كثير يكتب هنا وهناك، وأغلب الفضائيات تأتمر بالأمر الصهيوني الأمريكي الخليجي، وأريد أن أعرف الحقيقة.
    - أنت قلت أواسط آسية، فما السبب؟.
    - لم أدرك حتى الآن كيف استطاع السَّلاجقة أن يستولوا على أواسط آسيا وخصوصاً إيران، ولم أفهم أسباب الضَّعف في موقف الخلفاء العباسيين.
    - هذا لا أفهمه يا بني؟، فإن تعليمي متواضع.
    - وهناك موضوع آخر :
    - ما هو؟.
    - كيف تعاهد نظام الملك مع الخيام وحسن الصباح، وكيف انتهى الحال بقتل النظام على يد أحد أتباع حسن الصباح، فهذا كلام مستغرب.
    - في الموضوعين ماذا يفيدك إذا عرفت؟. وما يضرك إن لم تعرف.
    - جميع الأمور مربوطة ببعضها، فسقوط الأمة له أسبابه، ويجب تتبع الأسباب التي أدت إلى هذا السقوط.
    - وما علاقة هذا بالثلاثة عمر الخيام والاثنان الباقيان؟.
    - هؤلاء الثلاثة عرب، الخيام ويقال أن أصوله قرشية، والنظام عربي وأخوله بنو حُمَيد الطوسي، والحسن الصباح حميري.
    - ومن حُمَيد الطوسي ؟.
    - هو رجل من طيء، كان أبناؤه وزراء في صدر الدولة العباسية، ابنه محمد بن حميد ممدوح الشاعر أبي تمام، وقد رثاه بمرثيته الرائية الشهيرة التي مطلعها:
    كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ
    فما لعين لم يفض ماؤها عذرُ
    وتعتبر أجمل ما قاله العرب في الرثاء.
    - بني إنك تعرف أن ثقافتي متواضعة، وكأنني سمعت جدك يقرأ شعراً مشابها، وسأذكرك بأنك نزلت ميدان التحريرفي 25 يناير، وعسكرت به مع غيرك، وكنت في 30 يونيو، ووقتها كنت قد تخرجت من كلية العلوم، وأحيي فيك وطنيتك وقوميتك، لكنني أرى الأمور تسير إلى أسوأ من عهد مبارك، وكذلك في تونس وليبيا، وقد أدى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى تحطيم الجبهة الشرقية للأمة، وقد طعن العرب في مقتل. وهم الآن يحاولون تحطيم سورية، ومع أن سورية تقاتل وتنتصر إلا أنها في النهاية ستعود كالسمكة التي اصطادها الشيخ في رواية الشيخ والبحر، عمودا فقاريا بلا لحم.
    - أبي سورية قادرة على العودة، وإذا سلمت مصر وسورية من المؤامرة الصهيونية ومهما كانت الخسائر فسيمكنهما إعادة العرب كلهم، إن الضربة التي لا تميت تقوي، وفي العراق جيل ناشئ جديد، مختلف وذو عزم.
    - ندعو الله يا بني أن يعيد لحمة العرب ومنعتهم.
    - أبي متى أدرك العرب السبب في مآسيهم ومن يعمل عليها، ويجمعوا على أن يتصدوا له، ينتهي كل شيء في عام واحد.
    مضى الوالد لعمله، ونزل عماد إلى مصر القديمة يتسكع في شوارعها وينظر إليها بغباء، وكأنه يودعها ويكتم مشاعره، وما أن وصل إلى كورنيش النيل حتى كانت عيناه تمتلئان بالدموع، ثم ابتدأ يبكي بصمت، وقد أحس به بعض المارة فوقفوا وكأنهم يريدون المساعدة، لكنه ابتسم ومشى في طريقه.
    وما أن وصل إلى ميدان التحرير حتى عادت شجونه لكنه تمالك نفسه، وأخذ يراقب زوار ميدان التحرير وهم يلتقطون الصور التذكارية فيه.
    لقد غيرت حكومة الرئيس السيسي من شكل الميدان وكأنها تحاول أن لا يتكرر مشهد 25 يناير المجيد.
    حينما نزل الإخوان المسلمون إلى الميدان في أوائل الثورة كانوا متفرقين بين الثوار، وما لبثوا أن تجمعوا وشكلوا فريقاً،
    كان بين عماد وأستاذه في التاريخ الأدكتور سعيد حنفي معزة وصداقة، فأكمل سيره إلى جامعة القاهرة، وحينما التقيا تبادلا الوداد المحبب وسأل سعيد عماد:
    - هل ستنفذ ماحدثتني عنه؟.
    - نعم وجئت للوداع، وسأراسلك من هناك.
    - اعتن برسائلك فربما نشرتها في ملحق الأهرام الثقافي.
    - سأفعل.


    التعديل الأخير تم بواسطة حسين جنيدي ; 10-02-2018 الساعة 06:28 PM

  3. #3
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    3

    عماد شاب طويل القامة أسمر الوجه، أسود الشعر والعينين، على خده الأيسر خالٌ يزيده جمالاً، وكان وجهه المستدير مزينا بغمزات في خديه وذقنه.
    كان جميلاً ولطيفاً ومثقفاً ويجيد اللغتين الإنكليزية والفرنسية إضافة للغته العربية الجيدة، وكان على خلق رفيع، وعادلاً في آرائه، وصريحا إلى الحد الذي جعله لا ينضوي تحت راية سياسية معينة، لأنه يعرف أن القيادات لن تتحمله وسيصطدم بها في أول فرصة، فاراح نفسه من هذا العناء المحسوب.
    في المطار أخبرته الموظفة بأن الطائرة ستهبط في مطار حميميم باللاذقية، وعندما جلس في استراحة المطار حاولت بعض المضيفات لفت انتباهه، فلم يعطهن ما أردن، وحينما طلب إلى الركاب المسافرين إلى سورية التوجه إلى الطائرة كان عماد في حيرة من أمره، ثم رضخ أخيراً لقراره فسار مع الركاب المسافرين.
    كانت طائرة الخطوط الجوية السورية من طراز بوينغ تنهب الأجواء واجتازت الدلتا وتوغلت فوق البحر قبالة الشواطئ الفلسطينية، ثم اللبنانية ثم السورية لتهبط في مطار حميميم بعد ثلثي الساعة من إقلاعها.
    لم يتحدث عماد مع جاره في المقعد، وكان خمسينياً جميل الكهولة، ورغم أن جاره حدَّثه عن أنه من حمص وعائد إليها بعد طول اغتراب في أمريكا الجنوبية.
    في مطار حميميم سأل عن فندق جيد في اللاذقية فنصح بفندق الميريديان، وحملته تكسي إلى اللاذقية ثم خرجت السيارة منها باتجاه الشمال لكيلومترات قليلة فوصل إلى الميريديان مساء الإثنين في الثامن من شهر يناير 2018.
    حمل معه حقيبتين الأولى تحتوي على ملابسه، والثانية على شراشف وأغطية، كما حمل معه اللابتوب الشخصي والموبايل، وكثيراً من الذكريات والأحاسيس الشفافة.
    المسافر خارج قريته في وطنه يحس بالغربة، ويتسلل الخوف إلى قلبه، فكيف بالمنتقل إلى قطر آخر، هو لم يأت إلى سورية بحثاً عن التاريخ ولكن للمساعدة في محنتها، فهو قناص مميز، ولعله يؤدي خدمة لأمته في قتال الجيش السوري للإرهابيين الذين تكاثروا في سوريا عاماً بعد عام من السنين السبع العجاف.
    سيسأل عماد عن طريقة للوصول إلى جبهات القتال، ومن الأخبار يسمع أنها في غوطة دمشق وإدلب والجزيرة، ثلاث جبهات وكل واحدة منها تحتاج إلى جيش، فقد اشترت أمريكا والصهاينة وعملاؤهم الكثير الكثير من العملاء والمأجورين، وأسعرت الفتن الطائفية والعرقية في البلاد، ثم احتلت أراض من سورية لإقامة قواعد عليها.
    يقع الميريديان على رأس شمال اللاذقية اسمه رأس ابن هانئ وليس ابن هانئ الأندلسي، وإنما ابن هانئ بن أم هانئ أخت الإمام علي بن أبي طالب، ومدفنه في نفس الموقع، وكان اسم أم هانئ فاختة، وكان زوجها هبيرة بن أبي المخزومي، وقد سأل مدير الفندق عن تأمين غرفة في الفندق فأجابه بأن الفندق فارغ تقريباً بسبب الشتاء، وأعطاه مفتاح الغرفة رقم 214 في الطابق الثاني، وحمل له الفراش أمتعته ورافقه إلى الغرفة، فوجدها غرفة فسيحة بها حمام وشرفة تطل على البحر.
    كان الفرش مريحاً وهناك سجادة في الغرفة وتدفئة مركزية، وحينما خرج إلى الشرفة لسعه البرد، فقد كان البحر هائجاً، والأمواج المضطربة تصفع الشاطئ الصخري، فتتحول إلى رذاذ أبيض كرغوة الصابون، والسفن قد خرجت من الميناء إلى عرض البحر درءً للعاصفة.
    ذكره المنظر بشاطئ الإسكندرية، وكان يعرف أن تضاريس بلدان حوض المتوسط متشابهة، لكنه هنا أحس بأن الشاطئ حزين، وأن الأمواج تعزف لحنا كالذي سمعه في فيلم روسي لهملت بطل شكسبير في مسرحيته التي تحمل نفس الاسم.
    كل سورية حزينة، بحرها أبنيتها وسهول الليمون التي ازدحمت بثمارها، لقد تحولت أرواح الآلاف من شهدائها إلى غمامة رمادية افترشت كل النواحي والعيون.
    دخل عماد إلى غرفته ثم نزل إلى الطابق الأرضي، فوجد مدير الفندق يبتسم له، فذهب إليه وقال له:
    - أنا عماد عادل الأسيوطي، من صعيد مصر ونسكن بحي شبرا في القاهرة، وأنا مجاز في العلوم ثم التاريخ.
    - أهلاً وسهلا بك في بلدك سورية.
    - لقد أتيت إلى هنا لأساهم في قتال الإرهابيين، وأنا من قناصي الجيش المصري.
    - مهلاً يا أخي أنت الآن في ضيافتنا، وستتعرف على وطنك الثاني وتتجول فيه، وبعدها تقرر، وسيكون لنا شرف مساهمتك في القضاء على المؤامرة.
    - لعل الفراش سيقوم بتغيير الأغطية في غرفتي.
    - نحن نغير الأغطية صباح كل يوم.
    استدعى المدير الفراش فأعلمه بأنه قد غير الأغطية. وأن بإمكانه أن يطمئن إلى النظافة التامة هنا، فأحس عماد بشيء من الراحة، وصعد إلى غرفته لينام.
    عند باب الغرفة وقف وحاول أن يفتحها فلم يفلح، وأخذ يشد الباب إلى الخارج ويدفعه إلى الداخل، لكن القفل لم يقبل المفتاح، وبعد قليل فتح الباب، فتحته فتاة بيضاء الوجه وكأنها استيقظت من النوم، وحينما نظرت إليه عرفت أنه أخطأ في الغرفة، فقالت له:
    - لعلك أخطأت في الغرفة.
    نظر إلى رقم الغرفة فوجدها 213 فاستدرك.
    - أنا آسف جداً، لقد أخطأت في الغرفة وغرفتي هي 214 أنا أبله لا تؤاخذيني.
    ضحكت الفتاة ، ولم تظهر أية تضايق، ثم قالت:
    - لا يهمك، لست الوحيد، كلنا نخطئ في الغرف بسبب تشابهها، وصغر كتابة رقم الغرفة، تصبح على خير.
    كانت غرفته إلى جانب غرفتها، فتح باب الغرفة، ودخل الحمام ليحظى بحمام مريح، وعاد ليلبس ثياب النوم ويندس في فراشه.
    في الصباح نزل عماد إلى الصالة، وسأل المدير، من ينزل بالغرفة 213؟.
    - إنها ميا إبراهيم مهندسة معمارية متخصصة في الآثار، تتكرر زيارتها إلى رأس شمرا وترسم مخططاتها وتعود إلى دمشق، ثم ترجع بعد شهر أو أقل أو أكثر.
    بعد قليل نزلت الآنسة ميا وسلمت عليهما، ونظرت إلى عماد:
    - لعلك أنت التائه؟.
    - بعينه، عماد الأسيوطي، من مصر.
    - ميا إبراهيم سورية من دمشق.
    قال عماد:
    - تعودت أن أجري لنصف ساعة أو تزيد.
    قال مدير الفندق:
    - أنا سمير يزبك، دبلوم فنادق، من مدينة جبلة.
    - عماد الدمنهوري، بكالوريوس علوم وليسانس تاريخ.
    - ميا إبراهيم مهندسة معمارية أعمل في مديرية الآثار منذ سنتين.
    قال الأستاذ سمير مدير الفندق.
    - تبدين أصغر من ذلك.
    - لا تنخدع فنحن النساء نصبغ كل شيء.
    ضحك الجميع، ثم أردفت:
    - وأنا أجري كل صباح لمدة نصف ساعة وأعود إلى غرفتي لنصف ساعة أخرى ثم أنطلق إلى العمل.
    - إذاً ستكونين دليل الأستاذ عماد في الجري.
    خرج عماد وتبعته ميا، وابتدآ الجري في طريق ترابي يبعد عن البحر خمسين متراً.
    كان رذاذ الموج يصل إليهما فيحسان بلسعته ورائحة الملح، كما كان للبحر رائحة أخرى مشبعة بزنخة الحيوانات والأعشاب المائية، كان كل منهما يلبس ثياب الرياضة، بيجاما شتوية، وحذاء رياضياً مريحا، ولم يتبادلا الحديث، وإن نظرا إلى بعضهما باستحياء.
    ميا فتاة طويلة القد ممشوقة القوام ليست بالنحيفة أو السمينة، شعرها أسود طويل و عيناها خضراوان في وجه أبيض كاللبن الحليب، ورقبة طويلة، لقد كانت ميا جميلة جداً، ولم يستطع عماد أن يهرب من ذلك، فطفق ينظر إليها بإعجاب.
    وصلا إلى الفندق وصعدا إلى غرفتيهما، وبعد حين نزلا إلى الصالة بثياب العمل.
    - ما مشاريعك أستاذ عماد.
    - ليس لدي اليوم مشاريع، وأنا هنا غريب.
    - ما من مصري غريب في سورية، وحتى كل العرب فسوريا وطنهم.
    - لا أقصد غربة الوطن بل غربة معرفة الأماكن.
    - إذا اذهب معي إلى أوغاريت وتفرج على خرائب أَولى من غيرها بالترميم وإعادة البناء.
    - أمرك يا آنستي وتتفضلين علي.


  4. #4
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    4

    صحبت ميا عماداً معها إلى أوغاريت، وهي قريبة زهاء خمسة كيلو مترات، وقد دعته إلى قيادة السيارة، فاعتذر بأن شهادة قيادته مصرية وتحتاج إلى إجراءات لكي يستطيع قيادة سيارة في سورية، وحينما وصلا إلى الموقع ترجلا ومشيا على الأقدام زهاء مائتي متر، فوصلا إلى أطلال المملكة القديمة. فحدثته ميا عن الموقع وتاريخه:
    - أوغاريت مدينة أثرية قديمة وقد بينت الحفريات والأسبار الأثرية أن موقع رأس شمرا يشمل على حوالي 20 سوية أثرية (استيطان) تعود حتى العام 7500 ق.م. إلا أنه مع حلول الألف الثاني قبل الميلاد تضخم الاستيطان في الموقع لتتشكل ما عرف باسم أوغاريت هذا الاسم الذي كان معروفًا قبل اكتشافها - صدفة في العام 1928م - من خلال ذكرها في نصوص مملكة ماري. وهي الآن خرائب، وبحاجة إلى إمكانات وخبرة لإحياء هذه المدينة الموغلة في القدم.
    يقدر عدد سكان مدينة أوغاريت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد بـ 8000- 6000 نسمة وذلك اعتمادًا على بقايا البيوت العشرة آلاف المكتشفة فيها، أما سكان باقي المملكة فيقدرون ب 35000 إلى 50000 نسمة، موزعين على 150-200 قرية ومزرعة تابعة للعاصمة. وتبين النصوص وجود سكان حوريين وحيثيين وقبارصة في العاصمة أوغاريت، كذلك بعض الجبيليين والأرواديين والصوريين والمصريين.
    وقد تميزت ممالك الساحل بصغر رقعتها، وقلة عدد سكانها، بالنسبة للسكن في أوغاريت فقد توزع في مكانين رأس شمرا ورأس ابن هانئ.
    المكان مهجور تملؤه الأعشاب البرية التي شكلت شجيرات تعيق الحركة فيها.
    تتميز حضارة أوغاريت بعدة مناح حضارية، منها الأبجدية، والأرقام العربية، وكثير من الاختراعات الأخرى.
    حينما عادا إلى الفندق جلسا يتسامران حول الحضارات القديمة بسورية، وقد أكد عماد على رقم 7500 قبل الميلاد مستغرباً، فلم يقرأ في كتب التاريخ هذه المعلومة، ثم طفقا يتعارفان، قالت ميا:
    - أنا فتاة شامية تخرجت من جامعة دمشق منذ عامين، أسرتي صغيرة وميسورة، والأسرة أبوان وثلاثة أبناء، أخوي طارق وغريب وأنا.
    - ونحن أيضاً أبوان وثلاثة أبناء أنا وأخي أحمد وأختي راية.
    - لعل صغر الأسرة إجباريٌ مع الانفجار السكاني في الأرياف.
    - ربما كان الفقر والبطالة سببان في تفشي الأمية وزيادة عدد السكان.
    - نعم من دون شك، ماذا تعمل أختك راية.
    - هي الصغيرة وتدرس رابعة طب في جامعة القاهرة.
    - أليست جميلة؟.
    - يقولون أنها جميلة.
    - وأنت ألن تزور دمشق؟.
    - بلى من هنا إلى دمشق.
    - أنا موظفة في مديرية الآثار، ومركز عملي في المتحف الوطني قريباً من جامعة دمشق القديمة.
    - سازورك في دمشق بعون لله.
    - ومتى ستسافر؟.
    - في أقرب وقت.
    - سأسافر أنا يوم الخميس، وأتمنى أن تنتظرني ونسافر معاً.
    - سأنزل إلى مدينة اللاذقية لأشتري خطاً من سيريتيل وكمية من الوحدات، وأريد أن أسألك إذا كان في المدينة ما يستدعي زيارته والاستفادة منه؟.
    - هناك المتحف الوطني، والكورنيش الشمالي، وأسواق اللاذقية في شارع هنانو والأميركان، وشارع الثامن من آذار، وإذا أردت مشاهدة المدينة فاصعد إلى حي القلعة، فسترى المدينة وكأنك في طائرة منخفضة.
    نزل عماد إلا اللاذقية التي تبدو شبيهة بالإسكندرية إلى حد ما، مع اختلاف في التضاريس، ففي اللاذقية تفاوت كبير في المناسيب بين أحيائها، ففيها حي القلعة المرتفع والذي يشرف على مينائها وعلى كورنيشاتها العريضة، وعيبها أن المرفأ قد احتل جُلَّ شاطئها، ولم يبق منه إلا جزء في جنوب اللاذقية وهو شاطئٌ رملي جميل.
    كتب عماد إلى أستاذه الدكتور سعيد حنفي الرسالة الأولى معنونة بِ:
    الرسالة الأولى في يوم الأربعاء 10 يناير 2018 وهذا نصها:
    أستاذي العزيز، كما وعدتك فقد وصلت إلى اللاذقية، ونزلت في فندق ميريديان اللاذقية، وهو فندق مقبول يطل على البحر وعلى رأس ابن هانئ في شمال اللاذقية، وقد حظيت باستقبال ودود، وتعرفت على مهندسة معمارية تعمل في الآثار، جميلة ومؤدبة، وكانت دليلي في الاطلاع على آثار أوغاريت وتاريخها، بعد أن صحبتني إليها، وقد تجولت في أحياء اللاذقية التي لم تعان من الحرب إلا القليل.
    في حين عانى الشعب معاناة كبرى من استشهاد شبابه في حرب مجنونة، وهنا الحجاب قليل، ولكن أغلب النساء يتشحن بالسواد حداداً على أبنائهن الذين استشهدوا خلال حرب عبثية غزيرة الدماء.
    قالت الفتاة واسمها ميا إبراهيم: أنها ستقلني إلى دمشق يوم غدٍ الخميس، وأنها ستريني معظم المناطق الأثرية الواقعة على الطريق.
    الجو هنا أميل للبرودة والناس لطفاء للغاية، وتعج المدينة بالخضار والثمار والأسماك الطازجة.
    عموما فإن انطباعي عن المنطقة والأحوال فيها يكاد يكون مقبولاً، وسأكتب لك عن أي تطورات جديدة.
    تلميذك الذي يقدرك عماد الأسيوطي.
    التوقيع.

    كان يرسل الرسائل على الماسنجر من لابتوبه، وكان الفندق يؤمن لرواده خدمة النت بشكل مقبول.
    وصله رد الدكتور حنفي في اليوم التالي، شاكراً ومتمنيا له تحقيق الهدف الذي سافر من أجله. وذيله بقوله حدثت عنك أحد أصدقائي بجامعة دمشق، وقد تمنى أن يلتقي بك، اسمه زهير السَّمَّان، وهو دكتور في التاريخ باختصاص المدن القديمة.
    صباح الخميس صباحاً انطلق الرفيقان نحو دمشق، وفي مدينة طرطوس التي تبعد عن اللاذقية حوالي ثمانين كيلو متراً باتجاه الجنوب عرَّجا على متحف طرطوس فتفقداه، ثم انتقلا إلى مدينةعمريت الأثرية التي تقع إلى الجنوب من مدينة طرطوس على الطريق القديم إلى دمشق وتبعد عنها حولي 13 كم. وهي كأوغاريت خرائب لم تتجدد.
    هناك حواجز للجيش على الطرقات، تفتش السيارات وتتأكد من هوية الركاب، وعندما كانوا ينظرون إلى جواز سفره كان يبتسمون ويرحبون به.
    قالت ميا:
    - لن نعرج على آثار أخرى والحواجز كثيرة، وأخشى أن نتأخر إلى الليل، لعلنا في مرة أخرى نرى ما يمكن الوصول إليه من الآثار.
    قال عماد
    - لعل لهذه الحواجز ما يبررها.
    - نعم. ولكنها مفسدة، فقد خبرني بعض المستوردين وتجار الفواكه والخضروات أنهم يدفعون أتاوات على الحواجز، عموماً فهم عساكر فقراء، ودخلهم لا يطعمهم أسبوعاً.

  5. #5
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي


    5

    التحق الطريق القديم بالأوتوستراد الجديد مقابل بلدة المنطار الساحلية، وابتدأ باتجاه الجنوب ثم صار يتجه شيئاً فشيئاً نحو الشرق، وعند مدينة تلكلخ أصبح باتجاه الشرق تماماً وهو الآن يقصد مدينة حمص في المنطقة الوسطى.
    المواطنون المصريون يعرفون الكثير عن مدينة حمص، لكثرة المصريين من أصول حمصية، مررنا قرب المدينة، ومن بعيد تبدو أحياؤها المهدمة كأنها مسينا الإيطالية بعد زلزالها الشهير.
    لقد دمعت عيناي لأول مشهد مريع أراه بعد قدومي إلى سورية، فما بقي منها أطلال وشواهد وكأن ألف تسونامي قد عركها، وتصورت المآسي والأحزان التي سببتها هذه الحرب المتوحشة.
    لم أكن قد خضت أي حديث سياسي مع ميا، وحينما رأت عيني تغرورقان بالدموع قالت:
    - إنها حرب ملعونة وضحاياها في أغلبهم من الأبرياء.
    - وماذا بعد؟.
    - مهما طالت فلا بد من الجلوس على طاولة المفاوضات.
    - ومع من تتفاوض الحكومة السورية؟.
    - مع الدول الداعمة للأرهاب.
    - ومتى كانت الشاة تتفاوض مع الذئب؟.
    - عندما تجبر على ذلك.
    - هل ستطعمه يدها أم فخذها أم ظهرها؟.
    - لقد تساءلت كثيراً كما تتساءل، ولم أجد الجواب المريح.
    - على سورية أن تقاتل حتى تنتصر.
    - الانتصار صعب إذا لم يكن مستحيلاً، فالحرب على سورية كونية وفيها أمريكا وروسيا والباقي.
    - إذا لم تنتصر فلتحافظ على التوازن في الحرب، فحلفاؤها أقوياء.
    - حلفاؤها جيدون ولكن لديهم مصالح وأهداف غير تحرير سورية.
    - فلتستفد سورية من هذه الأغراض لمصلحة انتصارها.
    - كيف؟.
    - ما هو هدف روسية؟.
    - تريد روسيا قواعد دائمة لسفنها وطائراتها، وربما أكثر من ذلك.
    - لأمريكا قواعد في أكثر الدول العربية، وقيادة الأساطيل وقيادة المنطقة الوسطى، وسفن حربية جوالة على طول البحار وعرضها، ولا أحد يستنكر ذلك، وحينما تطلب روسيا قاعدة أو اثنتين تقوم الدنيا ولا تقعد، هل كُتِب على العرب أن يكونوا عملاء لأمريكا وحدها، وحين تريد أمريكا أن تدمر دولة عربية يمولونها ويقدمون أكثر مما يطلب منهم.
    - أراك منطقياً، وأرى العرب بأكثرهم يخدمون المصالح الصهيونية.
    قريباً من مدينة النبك جنووب حمص ثمانون كيلومتراً، انعطفت ميا بسيارتها إلى اليسار، ودخلت المدينة ودلفت إلى شارع عريض وأوقفت السيارة أمام مطعم صغير وقالت:
    - لقد جعنا، وسأعزمك على طعام تشتهر النبك بصنعه.
    كان عماد جائعاً فعلاً ولم يذق الطعام منذ الصباح، فدخلا المطعم وكأنهم يعرفون ميا فرحبوا بها بحرارة، وجلسا على طاولة مربعة متقابلين، وبعد فترة وجيزة أقبل رجل خمسيني وسلم على ميا فقبلها، ثم سلم على عماد، فقالت ميا:
    - هذا خالي حيان، فأمي نبكية.
    أقبل النادل يحمل صينية عليها طعام وضعه أمامهما وبيده الأخرى إبريق عيران، كان الطعام خبزا مشروحا غطي وجهه باللحم الفروم الناعم وأدخل مع الرغيف إلى الفرن، فبدى اللحم ناضجا وبدا الخبز محمصاً، قالت ميا:
    - يسمونها هنا صفيحة الخبز، وهناك صفيحة بالعجين تشتهر بها دمشق، ولكنني أرى هذه أطيب.
    عاد النادل بصحنين صغيرين من المخللات يسمونها بمصر ( طرشي )، ويجيد السوريون صناعة المخللات أكثر من غيرهم من العرب، وهناك عائلات كثيرة تعيش على صناعتها، وليس لديها عمل إلا إعدادها، وجميع هذه الأسر تعيش ببحبوحة ورضا.
    أنهى الشابان طعامهما الذي اعتبره عماد شهياً، وودعت خالها ثم استمرا في طريقهما إلى دمشق.
    بين النبك ودمشق ثمانون كيلو متراً، وأغلبه منحدر باتجاه الجنوب، فالنبك عالية عن البحر، وفي مكان ما على الطريق وضع شاخص يشير إلى أن الآرتفاع هنا 1220 متراً، وجوها بارد، وفي الغرب قمم بعيدة مغطاة بالثلوج. قالت ميا:
    - هذه المنطقة قريبة من الحدود السورية اللبنانية، وبعض الجبال في الأفق الغربي تابعة للبنان، وهنا كانت المعارك الكبرى بين داعش والجيش السوري، حتى طهرت المنطقة من داعش.
    وصلت السيارة إلى بلدة القطيفة، وهي مدينة صغيرة أشبه بالمدن العسكرية، وبعدها انحدار شديد يُسمى التنايا، ومنه تبدو أطراف دمشق، وتظهر غمامة التلوث تغطي سماء المدينة، وما لبثا أن دخلا في ضواحي المدينة والليل في بدايته، وقد أعتمت الدنيا واحتاجت ميا لأن تستخدم أضواء السيارة لرؤية الطريق.
    قال عماد:
    - أنا غريب ويجب أن تنزليني أمام أحد الفنادق.
    - سأنزلك أمام أجمل فندق في دمشق.
    - أكون من الشاكرين.
    دخلت المدينة وتبعت المحلق الجنوبي وفي مرحلة منه دارت على عقدة صغيرة ودخلت حياً كبيراً سمته حيَّ الميدان، ثم توقفت أمام منزل جميل وقالت:
    - وصلنا إلى الفندق.
    - أيعقل أن يكون هذا فندق من طابقين؟.
    - نعم إنه أنظف فندق في دمشق.
    استخدمت بوق السيارة فخرج شاب وساعدها في إدخال الحقائب، وحينما دلفا إلى البيت جلسا في غرفة الاستقبال فجاء رجل في العقد السادس من عمره فألقى السلام فقامت ميا فقبلت يده، وقالت:
    - عماد هذا والدي إبراهيم شوقي السسا.
    - نهض عماد ليسلم على الرجل وحاول أن يقبل ده كما فعلت ميا.
    وقد بدت الدهشة على عماد وارتبط لسانه، ثم تشجع وقال:
    - أنا عماد عادل الأسيوطي من مصر من القاهرة.
    ضحك الوالد ونظر إليه مرحباً.
    - إذا فأنت ابن أخي عادل، أي ولديه أنت، نعم أنت عماد الكبير بأولاده، وكنت تدرس في جامعة القاهرة في قسم التاريخ بعد أن حصلت على ديبلوم في رِ فِ ك، لقد حدثني كثيراً عنك.
    كانت ميا أكثر ذهولاً ولم تعد تفهم شيئاً من الحديث، فقال عماد:
    - سبحان الله ياسيدي لقد أوصاني والدي أن أزورك، وكنت مهموما بكيفية الوصول إليك، فإذا بي أتعرف على الأستاذة ميا في اللاذقية، وهاهي وقد غلبتها المفاجأة فما أحد منا عرف الثاني إلا الآن.
    - رويدك يا ولدي فرب صدفة خير من ميعاد.
    كان اللقاء غريباً، ولعل الأقدار كانت سيدة الموقف، فمن النادر أن يحصل ما حصل.
    - سيدي أنا بحاجة إلى فنجان من القهوة، فقد أخذتني المفاجأة.
    - فوراً وقد انشغلت أم طارق بإعداد غرفتك وهذه ميا تغلي القهوة.
    نهضت ميا وما زالت المفاجأة ظاهرة عليها، ودخلت إلى المنزل، فقال طارق:
    - أنا أعرف والدك جيداً وأنا الذي افتتح دكاناً للحلويات في شارع سليمان باشا.
    - لقد حدثني والدي عن ابتداء معرفته بالسيد والدك وكيف تحولت المعرفة إلى صداقة.
    بعد أن شرب فنجان قهوة لذيذ استأذن قائلاً:
    - عم أبا طارق لقد تشرفت بالمعرفة، وإنني أرجو أن يوصلني طارق إلى فندق نظيف في دمشق، وإذا كان في وسط البلدة يكون أفضل للتنقل السريع.
    - لن يكون ذلك، وستحل ضيفاً علينا ولو لسنوات، فلن ننسى أصحاب الفضل، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، أقصد أن المعروف يوطئ للصداقة.
    - أشكرك يا سيدي فإن ذلك يحرجني، وأتمنى عليك أن تعفيني.
    - يا بني الطابق العلوي للضيوف، وخذ حريتك كما تشاء ففي كل يوم تأتي سيدة لتنظيفه، وله درج يؤدي إلى الخارج

  6. #6
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية hopsan
    الحالة : hopsan غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 195
    تاريخ التسجيل : Aug 2006
    الدولة : البلد اللى هى ماريه و ترابها زعفران
    العمل : بحار و بيحب البحر
    المشاركات : 23,506

    افتراضي

    متابع



    مكتوب على موج البحر منذ ولدت ... بأنك للبحر مالك

    سيان تعيش على شط البر... أو فى قوقعه البحر فإنك هالك

  7. #7
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    6
    قضى عماد ليلة لا تخلو من الأرق، وفي الصباح صعد غريب إلى غرفة نومه حاملا فنجاناً من القهوة، ومهما قيل فلن تجد ألذ ولا أطيب من القهوة الشامية، كان عماد يشرب القهوة مرة، وقد حمل غريب معه زبدية صغيرة تخصص للسكر يسمونها سكرية، وأحضر كرسياً وجلس إلى جانب عماد، وقال:
    - أنا غريب أخو ميا وطارق وابن إبراهيم شوقي، لعلك تعرف أن لدينا مصنعاً للحلويات في المرجة بوسط المدينة، ومعه محلٌّ للبيع على الشارع الرئيس، وهو ثروة لنا جميعاً، فنحن نبيع الحلويات ونصدرها أيضاً، وكلانا يحمل شهادة جامعية بالتجارة والاقتصاد.
    - هل أنتما عازبان ؟.
    - لا طارق متزوج ولديه طفلان، أما أنا فلم أتزوج بعد.
    - هل أنت أكبر من الآنسة ميا؟.
    - نعم بسنتين وشهرين.
    - هل أديت خدمتك الإلزامية؟.
    - لا فأنا وطارق معفيان.
    - لماذا.
    - بسبب من تسطح القدمين.
    - وهل هذا يعفي من خدمة العلم.
    - لا ولكنه يؤهل لدفع البدل.
    - أتعتبر نفسك محظوظاً بذلك؟.
    - بعض الشيء.
    - هل التهرب من خدمة الوطن راحة للمواطن.
    - أستاذي الكريم لا تحكم على أحد بسرعة، أنت هنا في دمشق وسوف تتعرف على الكثيرين وتطلع على آرائهم وأفكارهم، عندها يمكنك أن تحكم على مثل هذه المواضيع، وبعد شربك القهوة ستهبط الدرج فالوالد وميا ينتظرانك.
    بدا على غريب أنه شاب منطقي وعاقل، وكان كلامه واعداً بأنني سأطلع على تفاصيل تعدل وجهة نظري، ومع ذلك فقد التزمت الصمت، وسبقني إلى الطابق الأرضي، فتبعته بعد فترة، فوجدت العائلة كلها عدا طارق موجودة في غرفة الجلوس، وكان السيد إبراهيم يلبس الجلابية، في حين كانت السيدة أم طارق ولم أكن قد التقيت بها تلبس ثيابا محتشمة وتسفر عن وجهها فقط فقد غطت رأسها بمنديل أبيض.
    سلمت وجلست مطرقاً فقال السيد إبراهيم:
    - يا بني أنت كطارق وغريب، وأتمنى أن تتصرف بناء على ذلك، وهذه أم طارق والدتك وميا أختك.
    - وهما كذلك، ومن حسن حظي ورضا الله علي أن جمعتني الصدفة بالآنسة ميا، ولعلها إشارة.
    - أنا يا بني لا أؤمن بالإشارات، لقد أراد الله أن نجتمع معك، وسهل علينا ذلك.
    - ونعم بالله لا تخفى عليه خافية.
    - أريد أن أسألك سؤالاً وسأنتظر حتى تنقضي الثلاثة أيام كما تعودنا مع الضيف.
    - لا أعتبر نفسي ضيفاً، ومنذ قليل قلت أنني كواحد من أولادك.
    - نعم ويعلم الله.
    - إذن فاسألني ما تريد؟.
    - ماهي حاجتك في دمشق حتى تحملت مشقة السفر في ظروف البلد الصعبة؟.
    - ليس لي حاجة إلا مشاركة الجيش العربي السوري في تحرير بلاده وتطهيرها.
    - وكيف؟.
    - أنا من أفضل قناصي مصر، وقلت: أقوم بواجبي القومي والإنساني وأساهم في دحر المؤامرة.
    - يا بني، يجب أن تدرس الأوضاع أولاً ثم تحكم.
    - سيدي مهما كانت الأوضاع ولنقل حتى وإن كان النظام فاسداً وظالماً، لا يؤثر ذلك على حالة سورية.
    - كيف يا ولدي؟. فالحاكم الظالم يخرجنا الظلم من طاعته.
    - المسألة لا تتعلق بالحاكم الظالم.
    - بمن تتعلق؟.
    - تتعلق بالوطن.
    - كيف؟.
    - أتعتقد أن ماجرى في البلدان العربية بسبب ظلم الحكام، أم لتخريب الأوطان، وهل لهؤلاء المقاتلين الأجانب الذين يقتلون ويذبحون وينتهكون الأعراض ويسبون بنات الوطن، هل يبتغون هزيمة النظام أم تدمير الوطن؟.
    - هؤلاء جاؤوا مرتزقة، تدفع لهم أجورهم.
    - هل هم معزولون عن التنظيمات أم جزء منها؟.
    - بل جزء منها.
    - ألم تنظروا إلى احتلال العراق وما فعلوه بليبيا وبمصر، وما يفعلونه الآن في اليمن، إنهم يدمرون العرب كثقافة وكخيرات.
    - لقد أقنعتني يا بني، وإنني أوجز كلامك بأن الموضوع تدمير الوطن وليس إزالة النظام، لقد أصبت.
    ونظر إلى أسرته فوجدهم يومون له بالإيجاب، فاختتم الكلام بقوله:
    - يا بني إن لسانك أقوى من بندقيتك ويجب أن يصل قولك إلى جميع الناس.
    قالت ميا:
    - اليوم الجمعة سأذهب معك إلى قاسيون ونقضي شطراً من النهار في قمته، وتنظر منه إلى دمشق وسأعرفك منها على أجزاء دمشق وأحيائها، والشوارع المهمة التي يجب أن يعرفها كل عربي.
    - سمعاً وطاعة وسأكون تابعاً.
    - ولن نفطر هنا بل سنفطر في المطعم الصحي في حي المزرعة.
    - كما تريدين.
    وصل الشابان إلى أمام المطعم الصحي وركنت سيارتها غير بعيد ودخلا ذلك المطعم البسيط، وطلبت هي الإفطار، وبعد وقت أقبل النادل به، كان فتة حمص ومعها صحون صغيرة من المقبلات، وصحن من اللحم المشوي قطعاً يسمونها شُقَفاً.
    تناولا إفطاراً لذيذا، وحاول عماد أن يدفع فرفض المحاسب، وقال:
    - لقد دفعت رفيقتك.
    نظر عماد إلى ميا بعتب، فابتسمت وقالت:
    - يا عماد أنت لست ضيفنا بل ضيف سورية كلها، وقد جئت لتبذل روحك في سبيلها ألا تطعمك من طعامها العادي، هذا المطعم يرتاده الطلاب الغرباء، وكم تعارف به قوم هم اليوم أعز الأصدقاء.
    صعد الاثنان إلى جبل قاسيون وقرب قمته طريق عريض تقع عليه بعض المقاهي والمطاعم، فجلسا على شرفة مقهى يطل على دمشق.
    بدت المدينة وكأنها صحن امامهما وبعد أن استقرا ابتدأت تحدثه عن تفاصيل دمشق وتشير إليها بعلامات مبينة الموقع.
    سعد عماد بهذا المنظر وبمعرفة تفاصيله، وأبدى إعجاباً بالموقع وانتقد تخطيط المدينة، فهذه الأحياء الشطرنجية لا تسمح بدخول الشمس والهواء إلى المنازل، ولا توجد حدائق ومنتزهات إلا الشوارع العريضة، وقليل من الفسحات هنا وهناك.
    عند الظهيرة رجعا إلى المنزل، وبعد قيلولة نزل إلى الصالون فوجد العائلة كلها ومنها طارق وزوجته وولداه.
    سر طارق كثيراً بالتعرف على عماد وقال:
    - أهلاً بك يا أخي في منزلك، أنا حلواني سليمان باشا، لقد أمن لي والدك الدكان في أفضل الأماكن وبأرخص الأسعار، ولم يكتف بذلك بل عرفني على الزبائن الدائمين الذين أخذوا إنتاجي كله، وليس ذلك فحسب بل أمن لي اليد العاملة الماهرة الرخيصة والنظيفة، وسيبقى فضله يطوق عنقي طيلة العمر.
    كانت زوجة طارق متعلمة وهي تعمل صيدلانية في دكان تملكه في شارع المهدي بن بركة، بين الكثير من الأطباء ومراكز التحليل، هكذا عرفني عليها طارق، والولدان إبراهيم على اسم جده، والثاني غريب على اسم عمه.
    في الغد نزل إلى الصالة فوجد الجميع بانتظاره.
    قالت ميا:
    - سأصحبك اليوم السبت إلى المتحف فإن مديره يقول كل ما قلته.
    - سأذهب حيثما ذهبت بي ولن أغير من رأيي.
    - وأنا من رأيك فكيف أريدك أن تغيره؟.
    - إذاً تفضلي نذهب.
    - بعد الإفطار.
    - أريد أن أعزمك على إفطار في مطعم الكمال فله شهرة في مصر.
    - الإفطار جاهز والعزومة لمرة أخرى.
    لم ير بداً من الانتقال لغرفة السفرة وتناول إفطاراً شهيا غير ما يحضرونه في مصر وهو فتة كوارع ، عندما أكل منها ملعقة تحول عن باقي الطعام فلم يأكل إلا منها.
    قالت ميا:
    - أراك تحالفت مع فتة الكوارع، فلم تعد تأكل من غيرها.
    - إنها طعام طيب. فمم تتألف.
    - إنها عمل طويل اسأل أم طارق عنها.
    أخذت السيدة أم طارق تشرح له بالتفصيل الممل كيف تعد فتتة الكوارع ومم تتألف، وما هو الوقت اللازم لطهيها وشرحت له بإسهاب، ثم قالت:
    - سأكتبها لك خطوة خطوة.
    بعد إفطار شهي اتجه الرفيقان ميا وعماد إلى المتحف الوطني، ودخلا فوراً إلى مكتب الأستاذ عبد الحليم قدري مدير المتحف، فلم يجداه قد وصل فقالت ميا للآذن:
    - أخبره أنني سأزوره ومعي ضيف.
    وهبطا السلم ليدخلا المتحف من بابه الثانوي، ثم تفقدا أجنحة المتحف ومقتنياته. وانتقلا بعدها إلى الحديقة ليشاهدا مدخل قصر الحير الغربي بعد نقله وترميمه وجعله واجهة للمتحف الوطني السوري.
    بعد قليل حضر الآذن لإخبارهما بأن المدير ينتظرهما في مكتبه، فصعدا السلم ودخلا ليجداه وحيداً جالساً وراء مكتبه، فتقدمت ميا فسلمت عليه وقدمت عماداً وقالت:
    - عماد الأسيوطي مهتم بالآثار والحوادث التاريخية.
    - أهلا بأسيوط وبمصر كلها.
    - أهلا بك يا أستاذ، تحمل مصر لسورية مشاعر مماثلة، وتعتبرها مكملاً لها.
    - وهما كذلك منذ بداية التاريخ، وعندما تهاجم الأمة كانت مصر وسورية تتحدان وتهزمان العدو المهاجم وتبعدان الخطر عن الأمة.
    قالت ميا:
    - هذا الأستاذ عماد قادم من مصر ليقاتل الإرهاب مع الجيش العربي السوري .
    تفكر الدكتور عبد الحليم قليلا وقال:
    - لا أظن أن الجيش بحاجة إلى مقاتلين، بل إلى ناصرين. إلى من يفهم حقيقة الأزمة السورية، ويكسر ادعاءات الأعداء.
    - غالبية شعب مصر تفهم المؤامرة، وكلهم يحبون سورية ويعتبرون أن أذاها أذى لمصر.
    - عندنا في سورية بعض المغرر بهم يعتبرونها ثورة ضد نظام ديكتاتوري متسلط وفاسد.
    - وما علاقة المعارضة السياسية بحمل السلاح وقتال الجيش وبث العنصرية والمذهبية في حركة سلمية إصلاحية.
    قالت ميا:
    - إن المغرر بهم تظاهروا في البداية بسبب قصر نظرهم وغبائهم السياسي، أو تملك مشاعرهم حقد على النظام بسبب سوء تصرف عناصر من الأمن تجاههم أو اتجاه بعض من معارفهم.
    - لو كانت سورية أول بلد عربي تقوم به ما يسمونه ثورات الربيع العربي لقلنا إن جهلهم ونقص خبرتهم يبرر لهم ما جرى في بداياته، ولكن كان أمامهم التجارب المؤلمة في العراق ثم في ليبيا ثم مصر.
    - أرى رؤيتك واضحة، وأتمنى أن تنتقل إلى كل الناس، وإذا وافقت فإنني سؤؤمن لك مقابلة على التلفزيون لتشرح رؤيتك للناس كلهم

  8. #8
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    7

    خرجا من المتحف، واتجهت ميا بسيارتها غرباً في شارع بيروت، ووصلت إلى الربوة فقالت لعماد، هنا مطعم جيد اسمه القصر، تعال نشرب فنجاناً من القهوة .
    - أمرك يا آنستي.
    حينما جلسا في المطعم كان شبه خال، والوقت الضحى، فرواد المطعم يفدون إليه بعد الواحدة ظهراً.
    سألته ميا:
    - أتشرب النرجيلة، عندكم اسمها شيشة.
    - نعم بأوقات متباعدة.
    طلبت ميا نرجيلتين، ولم يكن عماد رغم أسبوع من المعرفة قد تمعن في وجه ميا وقوامها، فابتدأ يتفقد محاسنها.
    شعر أسود طويل ووجه أبيض نقي، وعينان خضراوان وقامة أقرب إلى الطول، وعنق رخامي متناسق وطويل يتصل بنحر كالحرير، وصدر عامر نسبياً، وخصر نحيل وساقان مسلوبتان كأنهما إبريقان نحتهما فنان من رأس شمرا.
    هناك شيء ما في عيني هذه الفتاة يشعرك بالطفولية والصدق، وكأنها لم تخض تجربة حب قبل الآن، كانت تتصرف بعفوية وبراءة، ولا يستغرب عماد أن تنام على الكرسي إذا أحست بالحاجة إلى النوم.
    شربا النرجيلة مع كأس من الشاي، ثم انصرفا. كانت الساعة تقارب الثانية عشرة والنصف ظهراً، فقال عماد:
    - ما رأيك أن أعزمك إلى مطعم أبو كمال.
    - نحن معزومان في مطعم أبو طارق.
    - أين هذا المطعم؟.
    - اتجهت جنوباً وبعد عشرة دقائق توقفت أمام منزلها وقالت:
    - هنا مطعم أبو طارق.
    ضحك عماد مستغفلاً نفسه لأنه لم يعرف قصدها فأبوها أبو طارق.
    كان الغداء شهياً، وبه طعام شامي آخر اسمه كرشة، عبارة عن أمعاء الخروف ومعدته محشية بالرز واللحم والصنوبر والبهارات والسمن العربي، مقسمة إلى قطع بطول عشرة سانتيمترات، وتصبح بعد الطهي بقطر من ثلاثة إلى أربعة سنتيمترات، كانت شهية للغاية.
    وبعد قيلولة العصر نزل إلى الصالة فوجد ميا بانتظاره، وما أن رأته حتى قالت:
    - اليوم سنذهب إلى سوق الحميدية، والمسجد الأموي.
    - سمعا وطاعة.
    - إي هيك خليك آدمي.
    - لم أفهم.
    - يعني أن تبقى سامعاً مطيعاً.
    - لمنْ؟.
    - لي، ألا تجب عليك طاعتي؟.
    تملى قليلاً ، وضحك وقال:
    - بلى وحق الإله فلن ترشديني إلا إلى الخير والصلاح.
    - يعني أنك سلمتني أمرك.
    - لله التسليم، سلمتك .
    ذهبا إلى سوق الحميدية معاً، وقد فوجئ بهذا الشارع العريض المسقوف بقوس معدني تغطيه صفائح معدنية، ولاحظ الفرق الكبير بينه وبين شارعي الموسكي وخان الخليلي في القاهرة، وهو عريض مرصوف ويستخدم للمشاة فقط، فتركن السيارة خارج السوق، وبسبب من ذلك تراه مكتظاً بالمشاة، قالت له ميا:
    - لا تخش من النشالين، فالأمن في كل مكان، وإذا وجد أحدهم وتم الإمساك به نال ما يتمنى معه لو مات وارتاح.
    سمع انفجارات ليست بعيدة، ولم ينتبه إليها أحد، فقالت ميا:
    - هؤلاء هم جبهة النصرة كلما اشتبكوا مع الجيش أمطروا المنطقة بقذائف الهاون.
    - هل هي مؤذية؟.
    - قاتلة إذا كانت مباشرة.
    طفقا يتفرجان على واجهات المحلات التجارية، فقالت ميا:
    - لا أحد يشتري من شارع الحميدية في أول زيارة، فإنه يستطلع فيها، ثم يعود بعد يوم أو يومين فيتفرج أيضاً وفي الثالث يسوم وفي الرابع يشتري.
    - لماذا؟.
    - لكي يعرف التاجر أن الزبون قد بحث وساوم فلا يحاول أن يرفع السعر.
    - أليست الأسعار محددة؟.
    - لا فهي تتراوح.
    - عندنا لا نساوم.
    - لو طالت الوحدة بين مصر وسوريا لتعلم تجاركم المساومة.
    - هل ندخل محلاً تجاريا ونرى المساومة.
    - على أن لا تتكلم أنت فيعرفوك من لهجتك.
    - موافق.
    دخلا أحد محلات بيع الثياب. فاستحسنت فستان سهرة جميل.
    - بكم هذا الفستان؟.
    - ثمنه خمسون ألفاً.
    - اسمع أنا مستعجلة ولن أساومك فقل كلمتك النهائية.
    - أربعون ألفاً ولا تنقص.
    - يا رجل، قلت لن أساومك.
    - يا أختي هذه ثمانون دولاراً فقط.
    - أنا لا أملك دولارات، وأشتري بالليرة السورية.
    - ونحن نأخذ بالليرة.
    - أنا لا أملك المبلغ، وإذا عدت لأخذ الفستان فلن أشتريه بهذا السعر.
    - عندما تعودين سيكون هناك كلام آخر.
    - أشكرك.
    خرجا من المخزن، ثم ضحكا بسعادة، قالت ميا:
    - هنا أعظم تجار العالم، وهذه المحلات تورث كالعقارات، وترى أحدهم تاجراً وأباه وجده وربما عاشر جد. وهنا مثل يقول: الشطارة في الشراء وليس في البيع. ونحن نشتري في آخر الموسم فتكون الأسعار في منتصفها وأقل.
    - لماذا؟.
    - يحسبونها وكلفة تخزينها وربما لم تكن رائجة في العام القادم. فيستخدمون ثمنها ولو بسعر الكلفة بشراء بضاعة جديدة.
    - إنكم كما تقولين، لقد أبهرني ترتيب البضاعة وعرضها.
    - أترى إلى هذه الشوارع الفرعية، يسمونها عندنا الحريقة، فمنذ أقل من قرن احترقت المنطقة بعد أن قصفها الغزاة الفرنسيون، وتم هدمها بعد الحرائق وإعادة بنائها، وفيها مكاتب البيع بالجملة، وبعض الحوائج المنزلية كقماش تغطى به الكنبات، وستائر المنزل، ووراء هذا السوق سوق الحرير وبه حاجات النساء المختلفة وطلبات كبيرات السن.
    عندما وصلا قريباً من الجامع الأموي قالت له:
    - هنا إلى اليمين سوق الذهب، وقصر العظم سنزورهما في مرة ثانية، وإلى اليسار قبر السيدة رُقَيَّة ابنة الحسين بن علي شهيد كربلاء.
    دخلا المسجد الأموي، وأخرجت ميا من حقيبتها خماراً لبسته واستمرا يدرجان في باحة المسجد، ووقفا في منتصف الساحة يتفرجان على هذا الصرح الحضاري.
    شرحت ميا تاريخ المسجد قبل بنائه، فقد كان معبداً للإه الآرامي حدد، وحوله الرومان معبداً للإله جوبيتر، ثم صار كنيسة للنبي يحيى الذي له قبر ضمن المسجد، وهو يوحنا المعمدان. واشتراها الوليد بن عبد الملك بن مروان من بطرك دمشق، الذي أقام المسجد ووسعه واشترك في بنائه اثنا عشر ألف عامل، واستقدم الفنيون من مختلف أصقاع الامبراطورية، أقباط ومغاربة وهنود وفرس ويونان، وسوريون من بقايا الفينيقيين والآراميين.
    دخلا المسجد، ووقف عماد مندهشاً أمام هذا الصرح الجمالي الكبير، وكيف رفع السقف في صفين من الأقواس الأول عال وفوقه صف أخر أقل ارتفاعاً، وتحمل الأقواس أعمدة في غاية الرشاقة والأناقة، زارا قبر المعمدان، ثم غادرا المسجد سعيدين بزيارة لا تنسى.
    ونظر إلى ساعتيهما فقد انتهى النهار وأذن المغرب وهما غارقان في بهجة الرفقة ومناظر الصرح العربي الخالد.

  9. #9
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    8

    اليوم الأحد الرابع عشر من شهر يناير كانون الأول عام 2018 كتب عماد إلى أستاذه الدكتور عماد حنفي الرسالة التالية.
    الرسالة الثانية دمشق في يوم الأحد 14 ا / 1 / 2018 .
    أستاذي الكريم أحييك من دمشق.
    على الطريق بين اللاذقية ودمشق الذي يساحل إلى قرية المنطار في جنوب مدينة طرطوس، ثم يبدا الأوتستوراد بالاتجاه شرقاً نحو حمص، وبعد مدينة طرطوس جنوباً مررنا على مدينة عمريت الأثرية، وهي مشابهة لأوغاريت وتقل عنها مساحة، وكأوغاريت هي مجموعة من الأطلال تم كشفها فقط.
    وبعد مدينة تلكلخ على طريق حمص بدت قلعة الحصن وكانت تسمى قلعة الفرسان، يدعي بناءها فرسان القديس يوحنا بعد احتلال القدس، ويدعون أنهم بنوا سلسلة من القلاع من بعلبك إلى إنطاكية لاستقبال الجيوش الصليبية الغازية، ولم ندخل مدينة حمص بل لاحت لنا من بعيد، إنها مدينة طحنها زلزال لم تشهد البشرية له مثيلاً منذ ستالينغراد حتى اليوم. وتعتبر هانوي بالنسبة لها جنحة.
    وصلنا إلى دمشق في أول الليل فأصرت الفتاة على أن أتعرف على أسرتها التي تسكن في حي الميدان في القسم الجنوبي من مدينة دمشق، وهناك طريق محلق يمر جنوبي دمشق وفي مرحلة منه انعطفت بالسيارة إلى اليمين وما لبثنا أن وصلنا إلى فيلا من طابقين ركنت السيارة أمامها ونزلنا لنلتقي بالسيد إبراهيم شوقي السسا، وهذا الرجل صديق والدي وربما حدثتك عنه وكيف أصر والدي علي أن أزوره بدمشق.
    لقد قيل: رب صدفة خير من ميعاد. لقد كان اللقاء مفاجئاً للجميع وخاصة للفتاة التي لم تعرف من اسمي غير عماد الأسيوطي.
    لهذه الأسرة المنة علي والفضل الكبير، فلم أعد أشعر بالغربة، وقد تداولت مع الأسرة بشؤون سورية فتوافقنا على فكرة أنَّ الوطن هو الأهم ثم يأتي الباقي، وإذا تعارضت مصلحة الوطن مع أي هدف آخر فيكون هم الوطن هو الأول وتليه المواضيع الأخرى، ولا مطلب يفضل على وحدة الوطن وسلامة أراضيه.
    قابلت مدير المتحف الوطني بدمشق الدكتور عبد الحليم قدري، وتطابقت وجهة نظرنا تماما، وطلب إليَّ الظهور على قنوات التلفزة السورية لبيان وجهة نظري.
    زرت قاسيون وسوق الحميدية والجامع الأموي، وفي جميعها متعة حقيقية.
    سأظل أكتب لك عن رحلتي والجديد فيها.
    تلميذك عماد الأسيوطي.
    أصبحنا في يوم الإثنين، وفي الساعة العاشرة هتفت ميا إلى الدكتور قدري لتخبره أنها لن تذهب إلى المتحف بل ستقلني إلى أحياء دمشق وشوارعها.
    هذا اليوم طافت بي ميا في أحياء متعددة منها شارع مدحت باشا وسوق الصاغة وقصر العظم، وباب شرقي وباب توما وباب السلام، ثم انتقلنا إلى بوابة الصالحية وهو شارع تجاري طويل أغلب الأبنية على جانبيه قديمة، ومررنا مشاة أمام مجلس النواب ثم حارة الشهداء فساحة عرنوس ورجعنا في شارع تجاري آخر مواز للصالحية اسمه شارع الحمراء.
    أمسى الوقت بعد العصر، وحين أردت أن أحدثها قالت:
    - اليوم ستعزمني إلى مطعم أبو كمال.
    سررت جداً بأنها المرة الأولى التي سأدفع فيها، وغير بعيد توقفت أمام مطعم أبو كمال قريباً من البنك المركزي في ساحة السبع بحرات، وهو مطعم مؤلف من صالة متوسطة الحجم رتبت في الطاولات كما مقاعد الدرس، وسألت ميا النادل:
    - أرسل لي محمداً، وبعد قليل جاء شاب نظيف الثياب أبيض الوجه فسلم عليها باحترام.
    - أمرك يا آنسة ميا.
    - ماذا لديك اليوم؟.
    - غير اللحوم عندي أنكينار طيب جداً.
    - واللحوم؟.
    - ضاني طري.
    سألت ميا:
    - ما هو الأنكينار؟.
    - الأنكينار طعام من نبتة تسمى أرضي شوكي. وأظنه عندكم اسمه الخرشوف.
    - نعم ينبت عندنا في مصر وهو طعام طيب.
    - سيختلف هنا وأتمنى أن تجربه.
    ثم طلبت صحناً من الكباب وآخر من الشقف المشوي.
    لم يطل الانتظار فقد جاء محمد بطلب الغداء، ومنه صحنان من الأرضي شوكي المطبوخ على الطريقة الشامية، وحينما تذوقته أول مرة وثاني مرة اعترفت بأنه من أطيب الأطعمة، وقلت لميا:
    - هل يكتب لي محمد على ورقة طريقة الطبخ؟.
    - بل ستكتبها لك أم طارق، وهي تعد على عدة طرق. وهي طعام شامي أصيل يزرع في الغوطة منذ الأزل.
    - سمعاً وطاعة وسآخذ الوصفات إلى أم عماد فتسعد بها جداً.
    تناولنا غداء شهيا وكانت اللحوم ممتازة الشوي قليلة التنكيه وكانت صحون الخدمة الأخرى التي تحتوي عل البصل والفجل والمخللات والموالح.
    حينما هممنا بالخروج دخل إلى المطعم رجلان أحدهما الدكتور عبد الحليم قدري، وقد سلم الدكتور عبد الحليم بعد أن رآنا واقفين وقال:
    - هذا الأستاذ ماهر الحموي رئيس تحرير جريدة الثورة.
    - تشرفت وانا عماد الأسيوطي.
    - لقد حدثني عنك الدكتور عبد الحليم حديثاً أعجبت به، وسارسل لك مراسل الجريدة لينشر لك حواراً على الصفحة الأولى.
    - أشكرك يا سيدي فقد جئت لأقاتل مع الجيش، ولم يخطر ببالي نشر شيء في الجريدة أو التلفزة.
    - أستاذي لعل الكلمة أمضى من الرصاصة واكثر فائدة، وسأرسل المراسل إلى منزل الأستاذة ميا فقد قيل لي أنك ضيف عليهم.
    ذهبت لأدفع الفاتورة، فامتنع المحاسب وهو السيد محمد من أخذ الفاتورة بحجة أن الآنسة ميا دفعتها قبل أن ندخل إلى المطعم.
    خرجنا من المطعم وقالت ميا:
    - مالي أراك مضرج الوجه رغم البرد.
    - من الإحراج، فقد جئت لأقاتل بالسلاح لا باللسان.
    وصلنا إلى المنزل فقال السيد إبراهيم:
    - اتصل بك شاب من التلفزيون السوري، وترك هذا الرقم وهو يرجوك أن تتصل به.
    - هذا اليوم شنيع، الصحافة والتلفزيون والكثير من الأسى والحزن، إن الكلمات التي قلتها يعرفها كل الشعب السوري، وتتلخص في الوطن أولاً. ولن التقي أحداً وسأسافر خارج سورية غداً، فقد سئمت.
    قال الوالد إبراهيم
    - كأنك ذو طبع حاد يا ولدي، واجه أمورك بهدوء وطول بال.

  10. #10
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية حسين جنيدي
    الحالة : حسين جنيدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26296
    تاريخ التسجيل : Jul 2017
    المشاركات : 42

    افتراضي

    9


    يوم الاثنين الخامس عشر من شهر يناير 2018
    في الصباح استيقظ عماد باكراً، وذهب يتنزه في الشارع الذي يقع أمام منزل السيد إبراهيم السسا، كان الشارع عريضاً والجو بارداً، وقطرات من المطر تشبه الرذاذ تتساقط، وأحس بأنه لا بد له من الجري، فركض على الرصيف مسافة خمسمائة متر فصادف دكاناً صاحبه أمامه وقد أشعل ناراً في صفيحة مثقبة وجلس يتدفأ، وكان أمامه كرسي آخر فاستأذنه بمشاركته في الدفء، وافق الرجل مندهشاً، لسببين أولهما أن لهجته المصرية لا تخفى، والثانية أن وجود شاب مصري جديد في المنطقة صار يعتبر حدثاً مهماً في مثل هذه الظروف، فقال له:
    - أهلاً بك في بلدك سورية.
    - كانت دائماً بلدي.
    - وكانت مصر دائماً بلد كل سوري.
    أخذ وأعطى مع الرجل، وأدهش لثقافته واطلاعه، فسأله إذا كان متعلماً؟. فأجابه:
    - الرجال الأميون قليلون في سورية ، وأكثرهم يحملون الشهادة الثانوية وما فوق.
    - وأنت ما تعليمك؟.
    - أنا معلم متقاعد.
    - طالما كنتم متعلمين فلماذا سمحتم بأن تصل الأمور إلى ما هي عليه؟.
    - المال يا سيدي، له سحر لا يقاومه إلا الأبطال.
    - لماذا؟.
    - يؤمن كل متطلبات الحياة.
    - ألم يكن جُلُّها موجود قبل هذه المأساة.
    - منذ عدة سنوات بدأت الحالة تسوء في الأرياف، فقد ارتفع سعر النفط إلى الحد الذي عجز الفلاح عن شرائه.
    - وما علاقة ذلك؟.
    - في الأرياف يحتاج المزارعون مادة المازوت لسقاية المحاصيل، وللتدفئة.
    - ما علاقته بسقاية المحاصيل؟.
    - أستاذ عندكم في مصر مياه النيل تصل بالراحة إلى كل الأراضي، عندنا نحفر آباراً عميقة جداً وهي بحاجة للمازوت لرفع مياهها ودفعها للسقاية، فأصبحت كلفة المحصول أكبر من إنتاجه. كما ارتفعت أسعار الأسمدة والمبيدات والمخصبات الأخرى.
    - وما علاقة ذلك بهذه الحرب المجنونة.
    - اضطر سكان الأرياف لإرسال شبانهم إلى السعودية وليبيا للعمل.
    - وبعد ذلك؟.
    - تشرب هؤلاء الشباب بالفكر الوهابي الإجرامي وتم إقناعهم به، ودعمهم بالمال. وعند التخطيط للمؤامرة عاد الشباب مجهزين بالمال والسلاح.
    - هل هذا هو السبب في المؤامرة؟.
    - بل هناك مؤامرة، وتمت تغذيتها بما سبق وأخبرتك عنه.
    - ألا يعني الوطن شيئاً لهؤلاء.
    - وطنهم غير وطننا يا سيدي، هؤلاء يريدون عودة الخلافة الإسلامية، ولا فرق عندهم أكانت حجازية أم عثمانية.
    - كدت أفهم.
    - ماذا أضيِّفك يا أستاذ.
    -لقد ضيَّفتني هذا الدفء.
    لم يتركه السَّمان حتى وضع له في كيس بعض البسكويت والشوكولا. وأجبره على أخذه فعاد إلى المنزل هرولة، ووجد السيد إبراهيم والسيدة أم طارق يتسامران في الصالون.
    قالت أم طارق:
    - يا ولدي كأنك كنت تتريَّض.
    - نعم سيدتي وقد تسامرت مع صاحب دكان في آخر الشارع.
    - هذا الأستاذ أبو حمدي كان معلماً وتقاعد..
    - نعم لقد قال ذلك.
    قال أبو طارق:
    - إنه رجل جيد، ومن العائلات المهمة في الميدان، من بيت الراعي.
    - عرفت ذلك وقد أصر على أن يعطيني هذا الكيس.
    نزلت ميا وتبعها غريب، فوجدا عماداً يتحدث مع والديهما، فقالت ميا:
    - أرى ثيابك مبلولة، أين كنت.
    - كنت أجري في الشارع.
    - اخلع سترتك وقميصك واقترب من المدفأة.
    قمت بما طلبت مني واقتربت من المدفأة وبقيت حتى شعرت بالدفء، قالت ميا:
    - الجو هنا مختلف عن القاهرة، وأخشى عليك من نزلة برد، وسأقدم لك كأس شاي ساخن.
    - مشكورة.
    دخلت المطبخ لتعد الشاي، فقلت:
    - لقد آن أن أودعكم فأمامي سفر طويل.
    - إلى أين يا ولدي؟.
    - إلى العراق وإيران وأوزبكستان.
    - لماذا هذ السفر؟.
    - قرأت الكثير ولم أصدقه وأريد أن أتأكد من الحقيقة.
    عادت ميا بالشاي، فقالت أم طارق:
    - سيتركنا عماد، ويقول أنه سيذهب إلى العراق وإيران وأوزبكستان.
    أظهرت ميا دهشتها وامتعاضها من الحديث، فلم يسبق أن لمح لها به، وقد ظنت أن لا هدف له إلا الدفاع عن سوريا مع جيشها المقاتل.
    - ما هذا أستاذ عماد، على علمي جئت تقاتل مع الجيش العربي السوري.
    - نعم وهذا سبب قدومي، وحتى الآن لم أجد من يريدني في القتال، هذا يريدني للتلفزة والآخر للصحف، ولا أدري لماذا.
    - كان كلامك مقنعاً فأرادوا إيصاله.
    - فليقولوه ويكتبوه فهو بسيط ولا يحتاج إلى فلسفة.
    - كونك من مصر يريدون أن يظهروا للشعب أن مصر ما زالت على العهد.
    - ولكنها لم تبق على العهد.
    - أردت شعب مصر.
    - وشعب مصر منقسم، وإن كان في أغلبه يؤيد سورية.
    - ما كدنا نتعرف عليك حتى قررت فراقنا.
    قالت ميا بتأثر، ثم أدركت أنها أظهرت شيئاً يجب أن لا تظهره، فعضت على شفتها، وأدارت وجهها، وأخفت دمعة سقطت على خدها.
    اتصل بوالده وأخبره بأنه التقى بصديقه ونزل ضيفاً عليه منذ أربعة أيام، وامتدح مضيفه وعائلته، وكان يتحدث عن الشرفة فدخل وقال لوالده أن يتحدث مع صديقه، فأخذ السيد إبراهيم الموبايل وتكلم طويلاً مع أبي عماد، وكانا يتضاحكان، ويعبران عن الشوق للِّقاء، وعن وحشة فراقهما.
    لأول مرة شعر عماد بشعور جارف يربطه إلى هذا البيت، وتساءل هل يدخل الحب خلسة إلى القلب بدون أن يقرع الباب، أم أن القدر يسوق الخُطا قسراً إلى المكتوب.
    أصبح بعد هذا الحادث واجباً عليه أن ينتقل إلى أحد فنادق دمشق، وعندما صرح بذلك غضب السيد إبراهيم، وقال:
    - ليس من حقك أن تطلب هذا الطلب فأنت كطارق وغريب، ولن نتركك حتى تغادر عائداً إلى القاهرة.
    - إذاً يجب علي أن أغادر بأقرب فرصة.
    - لماذا؟.
    - لا أرى مبرراً منطقياً لبقائي في منزلكم.
    - هل أزعجك أحد أم أحرجتك ميا.
    - معاذ الله فأنتم أشرف من الشرف، ولكن عندكم أقارب وجيران، وقد يظنون الظنون.
    - من هذه الناحية لا تخف، فهذه عاداتنا وأغلب حي الميدان يعرف أنك ابن صديقي.
    ابتدأ طائر المحبة يرفرف بين قلبين لم يتعرفا عليه بعد، نعم فقد أصابهما سهم كيوبيد، بل لقد تيمت عشتروت قلب بعل، وتمت حكاية الخلق القديمة آدم وحواء.


صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •