بدت جريمة اغتيال خاشقجي الشنيعة كأنها، بمعنى ما، جريمة وهابية، ولا أقصد أن لها علاقة بالدين بأي شكل، معاذ الله، كلا، ولكن أقصد أن الجريمة طافحة بالتفاهة والسخافة والضحالة والركاكة، وهذه سمات وهابية راسخة بطبيعة الحال، وربما جاز القول إن مخططي الجريمة ومنفذيها ومعالجي شأنها حين افتضح أمرها كانوا جميعاً وهابيين "علمانيين"، وجهاً دنيوياً رديفاً للوجه الديني في نفس العملة الوهابية.

المهم أني كنت، منذ ساعات، أقرأ مقالة لكاتب أميركي حول هذه الجريمة وتداعياتها (المقال هنا)، ووجدته يستشهد بقول قاله أحد الفرنسيين (اختلفو في تحديد هويته) تعليقاً على قتل أحد الدوقات بأمر من نابليون بونابرت:

c'est pire qu'un crime c'est une faute
هذا (قتل الدوق) أسوأ من جريمة، إنه خطأ".

وقد هيَّج قتل الدوق، بالفعل، أعداء نابليون عليه وأضاف إليهم أعداء جدداً كان في غنى عن عداوتهم، وذكرني هذا الاستشهاد، وعلى نحو غامض، بكلام فرنسي آخر دعبست في ذاكرتي حتى استبنته، كلام كتبه شارل بودلير في نهاية واحدة من قصائده النثرية. القصيدة اسمها "الفلوس المزورة" (La Fausse Monnaie)، وتنتهي بالكلمات التالية:

On n’est jamais excusable d’être méchant, mais il
y a quelque mérite à savoir qu’on l’est ; et le plus irréparable des
vices est de faire le mal par bêtise.

"لا عذر لأحد في كونه شريراً، لكن هناك بعض الجدارة (أوالفضيلة) في أن يعرف المرء أنه شرير، أما الرذيلة الأكثر استعصاءً على الإصلاح فهي أن تفعل الشر بواسطة الغباء (أو بوسائل حمقاء)".

وأظن أنه ليس أمام الجناة السعوديين، ليس أمامهم مطلقاً، إلا أن يتشبثوا، إن استطاعوا، بـ "بعض الفضيلة" هذه، أي أن يعرفوا، ويسمحوا للعالم أن يعرف أنهم يعرفون، أنهم أشرار، أما محاولة البحث عن أعذار لشرهم، أو إصلاح رذيلة الغباء في شرهم، فلن تجدي نفعاً، أو هكذا قال بودلير رضي الله عنه.








.