اشتهر عند المسلمين قراءة سورة الفاتحة في الصلاه كطقس يومي بفتاوى واضحة للفقهاء تقول بوجوبها كل ركعة، ولكن عند التحقيق تبين أن هذه الشهرة غير كافية لإثبات صحة ذلك، وان الفقه لم يكن حاسما للمسألة..


روى عن الصحابي "عبادة بن الصامت" مرفوعا " لا صلاه لمن لم يقرأ الفاتحة" وفي روايات "أم القرآن/ الكتاب" وسند الحديث كالتالي:


1- ابن شهاب عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت


2- مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت


فالحديث إذن خبر آحاد لتفرد "عبادة بن الصامت" له، وابن شهاب تفرد به عن ابن الربيع لضعف طريق مكحول عند الألباني (ضعيف أبو داوود 146، 147) بينما الروايات الأخرى عن أبي سعيد الخدري فيها أبي نضرة، وأبو نضرة ضعيف عند العقيلي وابن عدي ، وطعن فيه ابن حبان بقوله "كان يخطئ" وكذا رواية "عمران بن حصين" فيها "عمرو بن يزيد" منكر الحديث، وقد توسع أبو داوود في رواية هذا الحديث بطرق كلها ضعيفة عند المحدثين ومنها عن أبي هريرة ورفاعة بن رافع.


أما رواية أبي هريرة فنصها .." من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ..ومعنى خداج ناقص، والناقص لا يبطل، فنقصان الصلاه لا يعني بطلانها، لذا فحديث ابن الصامت أوضح وأقطع في بيان فرضية قراءة الفاتحة ، وكلام أبي هريرة يعد شاهدا أو متابعة على الأصل


لكن مع ذلك يروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن النبي قوله .." إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"..(صحيح البخاري757،793، 6251،6667) (صحيح مسلم 45)


وهذا الحديث ينسف حديث فرض قراءة الفاتحة ويعارضه بإطلاق القراءة ، ولذلك رفض جمهور الأحناف شرط قراءة الفاتحة في الصلاه لعدم إمكانية تقييد القرآن بالحديث كونه عمل من أعمال النسخ الممنوع، فالأحناف في ذلك كالشافعية..عدا أن الشافعية تضاربوا مع منهجهم الداعي لعدم نسخ القرآن بالحديث، والمتأخرين منهم قلدوا الحنابلة في ذلك.


فالشافعي قال بعدم جواز نسخ القرآن بالحديث ولو كان متواترا، ما بالك بحديث عبادة بن الصامت (الواحد)؟..والغريب أن الشافعية لم يقيدوا نفسهم بمذهب إمامهم فقبلوا رواية " لا صلاه بدون فاتحة" وقالوا بوجوب قرائتها فرضا، والأغرب والأغرب رووا عن الشافعي قوله " قراءة الفاتحة على التعيين فرض" وهذا ضد مذهب الشافعي في قبول الأخبار..وإن دل ذلك فيدل على تخبط فقهي أكثر ما أصاب الشافعية بالخصوص..


أما خبر الواحد فلا يحتج به في التشريع العقائدي، ومعنى لا صلاه ظاهريا يعني إبطال ونكران، بينما الصلاه شأن عقائدي وهي الوسيلة الأولى للتواصل مع الله، وحديث ابن الصامت خبر واحد ظني الثبوت، فكيف ينسخ الظني قطعيا..!!!


كذلك فالقرآن لم يقيد سورة عن أخرى ، قال تعالى .." فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه"..[المزّمِّل : 20] واشتراط الفاتحة هو نسخ القرآن بالحديث كسلوك شائع عند فقهاء السنة، فالله لم يعين سورة أو آية..بل ما تيسر على الإطلاق، فجاء الفقهاء وقيدوا هذا الإطلاق ليضيقوا رحمة الله الواسعة.


أشير إلى أن أبي حنيفة رفض هذا الحديث وكان معاصرا لابن شهاب 44 سنة، ومكحول 32 سنة، وكلاهما رواة الحديث عن ابن الربيع ، مكحول وابن شهاب كلاهما شاميين..بينما أبو حنيفة كوفي ، وحجة الأحناف أنه لا قراءة مأموم للفاتحة في أول ركعتين للصلاه الجهرية، فهل هذا يبطل صلاته؟..بينما الشافعية قالوا على الإمام أن ينصت قليلا بعد فاتحته ليقرأها المأمومين، وأهل الحديث عموما قالوا أن قراءة الإمام هي قراءة للمأموم لحديث .." من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".. أي أنه خلاف فقهي لا يستوجب إلغاء صلاه وإبطالها في الأخير..


معلومة: محمود بن الربيع لم ير الرسول وتوفى النبي وعمره 4 سنوات، مع ذلك عدوه صحابيا لتوثيق روايته، وهذه من آفات تعريف الصحابي عند السنة، ولكي يخرجوا من هذه الورطة..قال البعض أن له رؤية وليس صحبة، مع أن تعريفهم للصحابي أن له رؤية..وهذا غريب، وعلى فرض أنه رأى الرسول فهل كان يعي من هذا وما الدنيا؟..بل كان يعي لنفسه؟!


قال الطحاوي في تأويل حديث أبي مسعود مرفوعا : " لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود " عن أبي جعفر قال: فتأملنا هذا الحديث، فوجدناه محتملا أن يكون أريد به: لا صلاة متكاملة كما يجب على المصلي أن يأتي بها إذا لم يقم صلبه فيها بين ركوعه وبين سجوده بها"..(شرح مشكل الآثار 3896) ومعنى كلام الطحاوي..أن لفظ (لا صلاة ) لا يعني إبطال الصلاه ولكن عدم كمالها، وبنفس التأويل فالطحاوي يقول باستحباب قراءة الفاتحة وليس أنها فرض، أي لو لم تقرأ الفاتحة لاشئ عليك..وصلاتك صحيحة.


قلت: وهكذا تأويل حديث أنس.." لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"..فعدم الأمانة لا يعني الكفر، وخيانة العهد لا تعني المروق من الدين، وكذا حديث " لا صلاة لمن لم يصلّ عليّ في صلاته" فعدم الصلاه على الرسول ليس من مبطلات الصلاه، وتأويلها أن العبادة تكون على الوجه الأمثل ، نفس الشئ لرواية " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فالصلاه في المنزل فضيلة ، وفي المسجد أفضل..وهكذا.


الخلاصة: أن القرآن يقول اقرأوا ما تيسر من القرآن في الصلاه بإطلاق، ولم يعين فاتحة ولا غيره، واشتراط الفقهاء قراءة الفاتحة بحديث "عبادة بن الصامت" الواحد، ولعلل قد تكون في السند لعزوف المحدثين عن جرح وتعديل ابن الربيع .