النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: عيال الله

  1. #1
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية هاشم عبد العزيز
    الحالة : هاشم عبد العزيز غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26297
    تاريخ التسجيل : Jun 2019
    المشاركات : 1

    افتراضي عيال الله

    لم تخرج خديجة من شقتها إلى مكان عام منذ شهور طويلة ،إنها لم تفارق بيتها منذ وفاة زوجها إلا عندما تذهب الى السوق لشراء الحاجات أو إلى عملها في الإذاعة حيث تعمل مذيعة في إحدى الإذاعات وقد أشفقت عليها مديرة المحطة حيث كلفتها بناءا على طلب خديجة بتقديم أحد برامج الفضفضة الليلية بعدما كانت تقدم فقرة المنوعات الصباحية ،خير ما فعلت الرئيسة إن صوتها الذي بات ضعيفا خافتا منخفضا الذي يملأه الحزن والشجن لم يعد يصلح في نظر خديجة إلا ليلا ذلك ليس لضعف في قدراتها الشخصية لا سمح الله ،، إنها قادرة على التقمص والتمثيل وركوب حالات نفسية متعددة ولكنها دوما لا تنشد إلا الصدق ولقد نجحت فقرة الفضفضة نجاحا باهرا بعدما كانت خاوية على عروشها من الإتصالات والرسائل النصية ، نجحت إلى ذلك الحد الذي دفع المغتربين في الخارج إلى التواصل معها وأخذوا يقصون عليها عذابات وآلام الغربة كما يحكون لها محاسنها بعد تلميحها إليها بذكاء بطريقة غير مباشرة حتى لا تظهر الصورة الصوتية سوداء قاتمة ، الخلاصة أن خديجة وجدت البسمة في الأزمة ، وعادت اليها روحها ورجع كيانها النفسي المتزن إلى سابق عهده كلما لمست نجاحها رويدا رويدا وأصبحت تقدم فقرة في المساء وفقرة في الصباح أيضا ولم يتوقف النجاح عند هذا الحد ،لقد نصحها أحد الزملاء وكان يعمل مهندسا للصوت أن تحضر حفل سبوع بنت أحد كبار المثقفين الذي كان يجلس ضيفا أمامها في فقرة الصباح قبل أسابيع وجهد يذكر لها فوائد حضورها هذا الحفل وكان من أبرزها هو حضور أحد أصحاب القنوات التليفزيونية وتلك فرصة جيدة لها وأخذ يخترع لها وابل من الثناء والاطراء كان قد تلمظ به الرجل من فرط الإعجاب بخديجة على حد قول الزميل رغم ان كبير المثقفين لم يقل له سوى كلمة واحدة " بنت مجتهدة " وأردف الزميل أنها ما عليها إلا الحضور ، الحضور وفقط ، وسيبي الباقي لي ، ان لك طلة أخاذة وصوتا فريدا وقلما لو عثرنا على الميزتين معا مجتمعتين في مذيع ، دخل كلام الزميل من أذن خديجة اليمنى وخرج من اليسرى رغم موافقتها بعد محاولات عديده منه على الحضور ولكنها لم توافق إلا من أجل ابنتها إيزيس التي لا تعرف معنى التنزه ولم تذق طعم الفسح ولم تطأ قدميها الصغيرتين أرض الشارع منذ رحيل أبيها ذلك أن معاش الأب جد قليل بيد أن راتب خديجة نفسه تغتاله الأشباح في اول عشرة أيام من الشهر إن لم يكن في أول سبعة وذلك يجعل ظنون الحاسدين مضحكة وكوميدية ، إن أكثر ألوان الكوميديا إضحاكا على الإطلاق تلك التي تقوم على الجهل ، بمعنى أن من لا يعرف يقول عدس،جهزت خديجة فستانا قصيرا لإيزيس وحذاءا متواضعا ولكنه لا يخلو من ذوق ووجاهة ، لم تهتم خديجة كثيرا بملبسها بقدر ما اهتمت بمظهر إيزيس حتى أنها أنفقت وقتا طويلا في المرور على المحلات لتصطفى " الملابس وال" توكة " حتى تكون مناسبة،متماشية مع الملبس ولائقة بوجه إيزيس الأسمر الصغير الدقيق ، اتصلت خديجة بشركة أوبر حتي تحملهما إحدى سياراتها إلى مدينة الشيخ زايد ذلك أن فيلا كبير المثقفين بعيدة عن المواصلات العامة ولم تفضل شحططة إيزيس إبنة الخمسة أعوام في التنطيط بين السيارات والأتوبيسات وبذلك لنا ان نقرأ الفاتحة على راتب خديجة الذي أنتقل إلى رحمة الله في اليوم السادس من الشهر ونسأل الله أن يلهمها الصبر والسلوان ، لم يكن في الحفل مدقا للهاون أو حلقاتك برجلاتك وما إلى ذلك من طقوس السبوع الشعبية ، لم تجد عائشة إلا مجموعة من الموائد موزعة في أنحاء الحديقة يجلس عليها الناس جماعات جماعات يرغون ويزبدون ، تجلس الأم فوق منصة متوسطة العلو كانت قد نصبت في نهاية الحديقة أمام باب الفيلا مباشرة ، أخذت خديجة تفتش وجوه الحاضرين بحثا عن الزميل بعد ان اتصلت به غير مرة دون إجابة، لن يسمع الهاتف بالتأكيد بفضل الموسيقى الصاخبة التي لا يعلم إلا الشيطان ما علاقتها بحفل السبوع وكادت ان تنصرف بعد أن لمحت ايزيس تحفر بحذاءها في نجيلة الحديقة من فرط السأم لولا أن أشار لها الزميل صائحا من أمام المنصة وقبل وصولهما إليه كان قد قابلهما ودس حلقا ذهبيا في يد خديجة وكان الحلق قد دفن في علبة جذابة ، أحمر وجه خديجة وكادت ان تسقط على الأرض،خبطت على رأسها صائحة
    - أنت انقذتني ، معرفش إزاي انا نسيت حاجة زي دي ..
    = ولا يهمك إحنا أخوات
    هكذا قال الزميل جاريا إلى باركينج السيارات وعاد ضاحكا كالمهرجين حاملا مدقا نحاسيا للهاون ثم اتجه إلى المائدة البعيدة التي جلست عليها خديجة ثم سحب إيزيس من يدها منطلقا إلى المنصة مرتكزا على ركبتيه أمام الأم الشابة التي علمت خديجة فيما بعد أنها شقيقة زميلها المهندس،وأخذ يدق الهاون عند أذن الوليد ..
    - أسمع كلام مامتك ،اسمع كلام خالو ، متسمعش كلام ابوك،ابعد عن كتبه ،خليك تافه زي خالك تعيش مبسوط
    هكذا كان يقول الزميل صائحا وساد الهرج والمرج في المكان وأخذت إيزيس تجس أصابع الطفلة الدقيقة التي ترقد في حجر أمها في دهشة ترك غير قليل من الحضور الرغي والزبد واندفعوا نحو المنصة وكان من بينهم كبير المثقفين الذي كم تمنى أن يركل صهره على قفاه بقدميه الاثنتين خوفا على ابنته التي صال وجال على الأطباء حتى تأتي إلى الدنيا عن طريق الحقن المجهري ولكنه أثر الصمت حتى يمر الحفل على خير وكان من بين المندفعين أحد السادة الذي كان جالسا على إحدى الموائد التي كان يجلس عليها كبير المثقفين وصاحب القناة التليفزيونية والسيد الزميل بالضرورة الذي أخذ يمهد الطريق لتقديم خديجة في أحسن صورة وعندما لاحظ هذا السيد اندفاع الجميع نحو المنصة هرع إليها لاهثا كما جريت خديجة حتى لا تدهس ابنتها تحت الأقدام ، أود ان توقف قليلا عند هذا السيد كما أريد أن أوصف لكم ذلك الفن الذي يتقنه هذا الرجل وعدد المواهب التي يتمتع بها ، أنه لا يتقن إلا فن الحقد وما يندرج تحته من مواهب عديدة ، تجده في كل مكان وأي مناسبة، في الإذاعة، التليفزيون، الصحافة ، حتى الكتب وتأليفها لم يتركها في حالها وكأنه كان ينقصها هذا السيد الطويل القامة الذي كان يصرخ في كل مكان زاعقا ، أنا فنان شامل ، لا أدري لماذا يبخل على السادة المنتجين والمخرجين بفرصة تمثيل ، ألا أملك مواصفات الجان العصري ، حقيقي أنني تجاوزت الستين و لكن الشيب ليس عيبا ، لكم ان تنظروا إلى نظرة عبد الوارث عسر ، رغم أنني اكثر منه موهبة ولكن لا بأس،هكذا كنت أقرأ بين سطور مقالاته التي يكتبها يهاجم فيها طوب الأرض في شتى المجالات بلا علم أو موضوعية ثم يستقبل ضيفا على البرامج التليفزيونية والإذاعية ويقدم بصفته أستاذا جريئا ولا يدري أحد لماذا يأستذونه وعن اي جرأة يتحدثون !! ، لقد كور قبضته وجز على أسنانه عندما سمع قصائد الشعر التي قالها مهندس الصوت في زميلته أمام صهره وصاحب القناة وكاد أن يغمى عليه عندما شاهد خديجة تتجه نحو المنصة ويخيل إلي أنه كان على وشك الإصابة بجلطة مخية عندما قدم المهندس خديجة لأخته مشيرا إلى ايزيس التي كانت توشوش أذن الطفلة بشئ ما ، كانت الموسيقى قد خفتت أثناء دقه للهاون ، هرع السيد الحقود مزاحما الجميع صاعدا إلى المنصة بصفته صديق العائلة ثم نحى إيزيس جانبا خاطفا الطفلة من حجر أمها وأخذ يردد الأذان بصوت عال ، حتى الطفلة المسكينة ايزيس لم تسلم من حقده كأنه يريد التكويش على كل شيء ولو كان في وسعه ان يشفط الهواء كله من الجو لنفسه لفعل ذلك دون تردد ، وأخذ يعقف جسده أخذا هيئة مهرج مستدعيا الأطفال الذين التفوا حوله وجهد يوزع عليهم الملبس وعبوات السبوع الفاخرة من إناء معدني واسع كانت تحمله إحدى السيدات ،ابتعدت خديجة عن المنصة ساحبة ابنتها وكانت إيزيس تتابع المنصة باكية وقبل أن يخرجا من بوابة الفيلا سمعت زميلها المهندس يصيح من بعيد، توقفت ملتفتة إليه واضعة الحلق في يديه ثم قالت بلهجة حازمة

    - من فضلك عاوزة أبقى لوحدي
    = طيب اوصلك
    - لا انا عارفة طريقي كويس

    أثناء عودة خديجة وايزيس إلى المنزل حيث كانت الأم تمشي شاردة تائهة بعد نزولهما من أخر سيارة أجرة حيث توقفت إيزيس على حين فجأة مشيرة إلى أحد الفتارين الكائنة بأحد المحلات المكتظة بشتى لوازم السبوع
    - انا عاوزة سبوع يا ماما

    صعدا إلى الشقة ، وضعت خديجة أكياس السبوع على الطاولة ، دلفت خديجة إلى غرفة ابنتها وعادت إليها حاملة عروستها الصغيرة وأخذت تغني لها أغاني السبوع محاولة أن تصنع لها طقس السبوع كاملا كاتمة حزنها وبكاءها ثم قالت عندما شعرت أنها لا تقوى على غناء حلقاتك برجلاتك دون أن تكظم دموعها
    - كنتي بتوشوشي المولود تقوليله ايه ؟
    = اسمع كلام إيزيس !!!!!

    هكذا قالت ايزيس في براءة وهي لا تعلم ان الحلقة الذهب التي تذكر في اغاني السبوع هي حلقة إيزيس مصر التي لا يعرف عنها شيئا ذلك السيد الشره لكل ظهور ممتطيا أعناق الجميع حتى لو كانوا أطفالا ضعافا ، مرت الليلة ولم يتوقف الزميل المهندس عن طرح عروضه التليفزيونية يوما بعد يوم ولكن خديجة كانت تعتذر رغم إلحاحاته المتتالية ،حتى جاء ذلك اليوم الذي انحنى فيه الزميل المهندس إحتراما لخديجة وأخذ يروري لكل من يقابله ما حدث في ذلك اليوم حيث كانت هناك مسابقة قصصية للكتاب الشبان ، مسابقة قد أعلنت عنها الإذاعة وكانت خديجة عضوا في لجنة التحكيم بإعتبارها روائية فوق انها مذيعة، وكم أعجبت خديجة بقصة من القصص دون أن يلفت اسم المؤلف نظرها حسب رواية الزميل المهندس حتى أنها كانت تزعق قائلة،إنها قصة رائعة رائعة، كأنها ألفت خصيصا لتستحيل سيناريو إذاعي دون تدخل من أحد ، فيها غير قليل من الموسيقى أيها الأخوة لكم ان تقرأوا بكل حواسكم ثم احكموا ، هكذا قالت خديجة في حماسة عندما احمر وجه أحد الأعضاء غاضبا حيث كان يريد ترجيح كفة قصة أخرى تخص شابا يعرفه
    - انتي متعرفيش مين مؤلف القصة ؟
    هكذا قال الزميل لخديجة مندهشا على انفراد
    = عارفة
    - طب ليه
    = لانها فعلا كده قصة حلوة وأكيد ابوها ميعرفش ان بنته اللي في ثانوية عامة بتألف قصص حلوة كده
    - لو عرف يعني هيعمل إيه
    - وافرضي انه يعرف
    = مكانتش القصة وصلت الإذاعة أصلا، أقل كلام كنت هتشوفها في جائزة إقليمية ، ولو يعرف القصة حلوة ماليش دعوة هي بتاعت مين
    - عندك حق
    لقد خاضت خديجة حربا شرسة مع ذلك العضو أحمر الوجه انتهت في الأخير لصالح خديجة وكم كانت سعيدة فرحة حينما انتصرت لتلك الفتاة التي لم يلوث موهبتها جشع أبيها وطفق الزميل المهندس يروي القصة في كل مكان شاعرا بالفخر أنه يعرف خديجة التي قالت له في ذلك اليوم الذي كرم فيه الفائزين ، ماذا لو سمعت لصوت الانتقام الذي كان يدور في داخلي ؟،نعم كان هناك مثل هذا الصوت فأنا لست ملاكا ، انا أم على كل حال طعنت في ضناها ،ولكن سرعان ما صرعت ذلك الصوت فكرة ما انبجست في فكري على حين فجأة أننا جميعا عيال الله فلا يجب أن نحارب الله في عياله .. هكذا قالت خديجة بعينين كأنهما قبسين من نور يدري الله وحده أن ذلك النور ما نتج إلا عن سعيها للكمال والتخلي عن تلك النواقص التي لا تترك في الروح إلا الشعور بالخزي والعار والندامة ..

  2. #2
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية ماجد
    الحالة : ماجد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 25
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    الدولة : مصر المحروسه
    المشاركات : 10,833

    افتراضي

    استمعت كثيرا و انا اقرأ حكاية خديجه

    و لى اقتراح على سيادتكم بتقسيمها الى عدة بوستات كى تسهل متابعتها على ضعاف النظر مثلى
    و تسلم الأيادى .....هههههههههه

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •