صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 13

الموضوع: تسالٍِ أدبية

  1. #1
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي تسالٍِ أدبية

    ماذا يمكن أن يقرأ المرء وهو ملازم للفراش كسلاً ووخماً وتمادياً واستعباطاً بعد الشفاء من مرض؟ أظنه لن يقرأ موضوعاً ثقيلاً يحتاج لتركيز خاص، ولن يقرأ بلغة أجنبية قد تحتاج منه العودة للقواميس من وقت لآخر، ولن يقرأ كتاباً يعالج موضوعاً واحداً وهو ما ينطبق على الروايات الأدبية أيضاً، وطبعاً لن يقرأ كتاباً يذكر الموت بأي شكل من الأشكال، وأشياء من هذا القبيل دارت بذهني وشعرت بها وأنا أبحث عن كتاب لأقرأه في فراشي بعد ان استعدت قدراً معقولاً من العافية والحمد لله. وقد كان أن اخترت كتاباً بديعاً اسمه "جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب"، تاليف أحمد بن إبراهيم بن مصطفي الهاشمي الأزهري المصري، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1999. المؤلف رجل محدث توفي عام 1943، وكان موظفاً في حقل التعليم. ويحتوي الكتاب على مختارات شعرية ونثرية تمتد من امرئ القيس حتى حافظ إبراهيم، ومن قس بن ساعدة إلى سعد زغلول، وكلها (أو كل ما قرأته منها) رائعة وقصيرة، والكثير منها لا يزيد عن ثلاثة أو أربع أسطر نثرية، أو بيتين شعريين أو ثلاثة، وهو ما يسمح لك أن تفتح الكتاب على أي صفحة، وتغلقه بعد أي وقت، وتكتفي أو تستزيد، براحتك خالص. حلو. هيا شاركوني التسلية مع بعض المختارات:

    وأجمل منك لم تر قط عين..........وأكمل منك لم تلد النساء
    خلقتَ مبرءاً من كل عيب.......... كأنك قد خلقت كما تشاء

    فيه أجمل من كده؟
    واجمل ما فيه الشطر الأخير (عجز البيت الثاني). أن يُخلق المرء كما يشاء فكرة جهنمية طازجة وطريفة إلى أقصى حد، لكنها، رغم ذلك، تواجه مشكله مع المنطق والعقل. ذلك أن المرء لكي "يشاء" لابد أن يكون قد خُلق بالفعل، لكن هذا لا يؤثر في شيء في جمال البيتين، وكانا سيكونان أجمل لو تحفظ الشاعر بعض الشيء في أوصافه الإطلاقية هذه التي اقتربت بالموصوف من تخوم الملائكية الصريحة.





    .
    هناك شىء فى نفوسنا حزيـــــن
    قد يختفى ولا يبين..لكنه مكنـــون
    شىء غريب .. غامض ...حنـون

    (صلاح عبدالصبور)

  2. #2
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    في وصف الهلال:


    انظر إلى حسن هلال بدا.......... يجلو سنا طلعته الحندسا
    كمنجل قد صيغ من فضة......... يحصد من زهر الدجى نرجسا


    هذا تشبيه للهلال بمنجل يحصد زهر الدجي (الظلام) الذي هو على هيئة زهر النرجس، وطيعا مقصود يه النجوم.
    المشكلة في صورة المنجل الذي يحصد أنها غاية في الرشاقة والحركية؛ إذ يكفي أن تسمع لفظ الفعل "يحصد" لتتخيل حركة سريعة ومتكررة، لكن القمر والنجوم أجرام ساكنة (في نظرنا وليس في عدسات تلسكوب هايل). لكنها، الصورة الشعرية، تيقى على شيء من الطرافة. لا بأس.






    .

  3. #3
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    بعيداً عن هذا الذي يريد أن يحصد زهر النرجس بالمنجل، هذه صورة شعرية ولا أجمل، أو "أكثر من رائعة" حسب تعبير فرسان قنوات أون سبورت:

    ذُبالة شمع عوّج الريح ضوءها..........فطار لها بالقرب بعض شرار

    الذُبالة (بالذال المضمومة وليس بالزين المكسورة) هي فتيلة الشمعة. أوعى حد يسأل يعني إيه فتيلة. (أو يعني إيه شمعة)
    الهلال فتيلة شمعه مشتعلة جاءت الريح فعوجت نارها، فتطاير حواليها بعض الشرر (النجوم). أظن أن الجمال ههنا يكمن في وجود وجه شبه مؤكد، غير الإعوجاج، بين الشمعة والقمر (بما في ذلك طوره الهلالي طبعاً) لكنه ماكر وخفي: كلاهما يرسل نوراً خافتاً، وكلاهما مصدر للنور من الدرجة الثانية، أي احتياطي أو بديل لغيره (هذا للشمس وهذه لنور الكهرباء)، لكن الأهم من كل ذلك أن كليهما مصدر للنور الذي يحبه ويسكن إليه العشاق.





    .

  4. #4
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    الهلال مرهوناً...


    قلتُ لما هوت لمغربها الشمـ.......... سُ ولاح الهــلال للنظــــــار
    أقرضَ الشرق ضدَه الغرب دينا........ راً فأعطاه الرهن نصف سوار

    الشاعر رأى الشمس تهوي للغروب، والهلال يلوح لعين الناظر في نفس الوقت، فتحركت "غريزته" الشعرية وفعل شيئاً عادةً ما يسميه النقاد "التشخيص" (Personification)، أي نسب أفعال البشر وطبائعهم إلى الجماد (أو المفاهيم المجردة)، فيصر هذا الأخير كأنه شخص. هذا تكنيك معتاد ومشهور في الشعر بصفة عامة وعند الرومانسيين بصفة خاصة؛ أولئك الذين بثوا روحاً إنسانية (أنثوية في الغالب) في الجبال والبحار والأنهار والأشجار والزهور وكل شيء، كل شيء حتى جثامين الموتى. شاعرنا شهد اتفاقية قرض ين الشرق والغرب، بموجبها أقرض الشرقُ الغربَ ديناراً واحداً (الشمس) فأعطى الثاني للأول نصف سوار (الهلال) رهناً ضامناً للقرض. الصورة حلوة لا تخلو أبداً من جمال. هذا لا يمنع أن نشعر مثلاً أن توظيف الـ "نصف سوار" مفتعل إلى حد ما، فليس من العادة أن يُكسر السوار لنصفين، وأن يتداول الناس نصفه. ذاك القرض سيكون، بطيعة الحال، قصير الأجل، إذ ينبغي للشمس أن "تعود" إلى جيب الشرق بعد 12 ساعة أو نحوهم لكي تشرق من هناك، أما الرهن فيبدو أن إعادته للغرب ستتأخر بعض الشيء. ويبقى أن مفردة "ضده" (شبه جملة في الواقع) ليس بريئاً، لا يُقصد بها الضدية بمعناها المجرد المحايد، بل يراد بها أن تعبر عن شيء من الخصومة أو النفور بين الشرق والغرب، لماذا؟ لكي يبرر أخذ الرهن مقابل القرض، فالرهن يؤخذ عند افتقاد الثقة. خبيث هذا الشاعر.







    .

  5. #5
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    بوصفي مواطناً في مملكة الليل، أحب سماع الأغاني الوطنية (يعني الكلام عن وطني الذي هو الليل).



    إلليل إن واصلتْ كالليل إن هجرتْ......... أشكو من الطول ما أشكو من القصرِ

    يقول: الليل إن واصلت شريكتي (أي جاءت لتقضيه معي، ومن الواضح أنها عشيقته لأنها تأتي بالليل وتنصرف بالنهار)، كالليل إن هجرتْ (لم تأت وقضيته وحدي)؛ وذلك لأنني أشكو من الطول (أي طول الليل الذي تغيب فيه) بنفس القدر الذي أشكو به من القصر (قصر الليل حين تكون معي).
    ما رأيكم؟ هل يتساوى فعلاً وجع الإحساس بطول الوقت في غياب الحبيب مع وجع الإحساس بقصر الوقت في حضن الحبيب؟ هل يستوي وجع الطُوَى مع وجع الحرمان من البَشَم؟ أو وجع الصدى مع وجع الحرمان من البَغَر؟
    المعنى في صدر البيت يعطينا الانطباع بأن الليلين متساويان عند الشاعر، لكن كلا ليسا سواء كأهل الكتاب، التساوي ليس في الليلين لكن في الشكوى منهما، والشكوى هنا تميل بشدة إلى أن تكون تعبيراً عن عتاب على المحبوبة بأن مرارة هجرها يبدد حلاوة وصلها. لكن بصراحة الشاعر وضع تفسه، وحبيبته، على طريق مسدود لا منفذ منه. لنفترض مثلاً أنها أرادت أن تساعده وتزيل سبب شكواه، فماذا تفعل؟ أن تكف عن هجر ليله؟ سيظل يشتكي من قصر الليل في حضورها، أن تكف عن وصاله؟ سيظل يشكو من طول الليل في غيابها. فما العمل؟ لا يوجد سوى حل منطقي واحد: أولاً لكي تزيل سبب شكواه من طول الليل ينبغي لها أن تتوقف عن الهجر، يعني تجيله كل ليلة سبع ليال في الأسبوع، ولكي تزيل سبب شكواه الأخرى من قصر الليل ليس أمامها إلا أن تصل الليل بالنهار، وكدا يبقى "الشغل" 24/7 زي صيدليات وسط البلد.






    .

  6. #6
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    يَزيدك وجهُها حُسناً......... إذا ما زِدته نظرا

    إذا لم تكن خجولاً ممعناً في الخجل، وإذا لم تكن سلفياً تعتبر كشف المرأة وجهَها مصيبة ونظر الرجل الغريب له كارثة، فلابد أن هذا البيت سيثير ذكرى ما أو خاطراً ما في نفسك. هذ النوع من الوجوه النسائية التي تنام على جمالها أو تموهه بحيث لا يمكنك أن تراه، لكن يمكنك أن تكتشفه. سواء أطلت النظر إليها مرة واحدة، أو أرجعت إليها البصر كرتين أو ثلاث أو عشر، أو رأيتها مراراً على امتداد فترة زمنية (بس لازم تكون مركّز كويس )، هناك دائماً شيء جديد يتكشف، وحسب نظرية التراكم الماركسية القائلة بأن التراكم الكمي عند حد معين يخلق كيفاً جديداً، تتراكم الأشياء الجديدة حتى تجد نفسك أمام كيفٍ جديد، أي وجه جديد نوعياً ودائماً أجمل. بعد ذلك حين تصارح زملاءك أو أصدقاءك بأنك ترى في هذه الفتاة بالذات جمالاً خاصاً، ربما يُشبعونك تريقة وسخرية، ودا طبعاً لأنهم..... مش مركزين كويس.
    هناك نوع آخر من الوجوه النسائية بيطلع وينزل، يعني مرة يعطيك حُسناً ومرة يعطيك رخامة . أتذكر زميلة أيام الدراسة الجامعية كانت من هذا الصنف. لم أكن مغرماً بها أو أي شيء بهذا المعنى، ولكن كنت مقرباً منها كزميل وصديق. كان في وجهها "ظاهرتان" تثيران الارتباك والحيرة فيما يتعلق بهوية وجهها - إذا صح التعبير - وضبط ملامحه. كانت تتمتع بما يسمى في اللغة العربية "الخَنَس"، ومنه لقب الشاعرة الشهيرة، أي قصبة أنف منخفضة وطرف أنف بارز بروزاً هيناً. هل تعرفون مذيعة بي بي سي عربي نورهان سلام؟ هذه خنساء خالصة، ومثلها فنانة مصرية مختفية من سنين اسمها ليلى حمادة، ومن هوليوود لا أتذكر أحداً، يبدو أن الله أراد للخنس أن يكون عربياً، لكن جوليا روبرتس وجولينا جولي ونيكول كيدمان أشباه خنساوات. أما ثاني الظاهرتين فكانت ما يسمى "الفَقَم"، يعني لو أطبقت الفك العلوي على السفلي تبقى الثنايا السفلى بارزة للأمام، وللأسف لا أعرف مثلا أضربه للتوضيح، وعموماً هذه الأشياء سهلة التعديل والعلاج هذه الأيام. المهم أن في كل مرة تقريباً أرى وجهها كان الخنس يتفاعل مع الفقم بطريقة مختلفة تُظهر لها وجهاً مختلفاً. كان نفسي مرة أشوفها ثابتة على حال وعلى وجه واحد ... لكن أبداً. حتى الآن لو سألتني عن رأيي في جمالها (أو عدمه) سأجيبك: معرفش والله، أحياناً كنت بلاقيها حلوة، وأحياناً كنت بلاقيها زفت .











    .
    التعديل الأخير تم بواسطة gameel ; 03-08-2019 الساعة 11:48 PM

  7. #7
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية أسامة
    الحالة : أسامة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 370
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    المشاركات : 4,974

    افتراضي

    "وأصبحتُ من ليلَى ـ الغداةَ ـ كقابضٍ
    على الماء، خانتْه فروجُ الأصابعِ"

    هذا البيت اليتيم الرائع، وربما الأكثر من رائع، يصور بتشبيه باهر البلاغة والإيجاز كيف إن الأماني قد تكون قريبة جدا، وربما في المتناول، وبالرغم من ذلك لا تحصل عليها. على أن اللهفة التي تعامل بها الشاعر مع حبيبته هي التي أفقدته إياها، فمن فرط لهفته أراد أن يقبض على الماء ــ مع ما توحيه مفردة "قابض" من دلالات قوة الرغبة ــ ولكن مسعاه خاب بطبيعة الحال. ربما لو كان الشاعر أكثر إلماما بالأساليب العملية، وأراد ألا يتسرب الماء أو حبيبته ليلى من بين أصابعه، لضم أصابعه معا، وقوَس راحته، ثم غَرَف ليلى في أناة ورفق.
    رُوحُ المُحِبِّ على الأحْكامِ صابرةٌ
    لعَلَّ مُسقِمَهـــا يومـــًا يُــــداويها


  8. #8
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    لئن ساءني أن نلتني بمساءة.......... لقد سرني أني خطرتُ ببالكِ


    طبقاً لمعنى هذا البيت، إذا جاءك أحدُهم وقال لك إن حبيبتك فلانة تقول عنك إنك حمار، يفترض فيك أن تفرح: ألف حمد وشكر لك يارب أني خطرتُ على بالها. عن نفسي، لو حصل هذا معي سأقول: هي اللي حمارة، وبنت حمار كمان (الحمارة لها اسم آخر في العربية الفصحى هو "أتان"، ويقال إن فلاحاً من بلدياتنا أنجب بنتاً وأراد التفرنج في تسميتها، وظل يفاضل بين غرائب الأسماء حتى استقر على... أتان ). المعنى ههنا يتعارض مع أزجال وأمثال وأشعار كثيرة تتباكى على "جرح الحبيب" الذي هو "مالهوش دوا ولا طبيب". ومنطق الأشياء وطبائعها تقول إن الإساءة من الحبيب أقسى وأشد من إساءة آتية من غيره، على الأقل قياساً على عشمنا فيه وما ننتظره منه. لكن يبدو أن هذا الشاعر يعيش حالة خارج أي حسابات منطقية، ولا أجد لحالته إلا نفسيرين: إما أنه غارق في الوجد الصوفي، أو حالة شبيهة به، ولا يعنيه سوى الوصل كائناً ما كان نوع هذا الوصل وطبيعته، فمرحباً بالجحيم طالما هو يد الله الممدودة، أو أنه خاضع لميول داخلية معينة يسميها علماء النفس "الميول المازوكية"، ميول للتلذذ بالدونية إزاء شخص آخر، أو بإهانة الذات أو حتى تعذيبها بأشكال ووسائل تتنوع بتنوع المرضى. ربنا يشفي.






    .

  9. #9
    An Oasis Pioneer
    الصورة الرمزية أسامة
    الحالة : أسامة غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 370
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    المشاركات : 4,974

    افتراضي

    أنا من محبي الشعر العربي الفصيح، وقرأت الكثير منه، ولا زلت رغم الانقطاع التام إلى العمل والدراسة العلمية أحفظ كثيرا من الأبيات وأستشهد بها، وبعض الأبيات أعتبرها كأصدقائي.

    هذه قائمة ببعض الأصدقاء:

    * نفسُ المُحبِّ على الأحكام صابرةٌ .... لعلّ مُسقِمَها يومًا يُداويها

    هذا بيت لأحد الصوفية، بسيط جدا، ومباشر جدا، ومع ذلك فيه معانٍ عميقة من الحزن والأمل والتعب والاغتراب. موسيقى البيت من البحر البسيط تتيح هذا الامتداد للمشاعر، حتى كأن البيت نفسه يمثل رحلة مستمرة لحياة إنسان مُرهَق ولكن لن تزال به بقية من أمل معلقة بـ "لعلّ". الأكثر من ذلك أني أعتقد أن هذا البيت يمثل رحلة كل إنسان في هذه الدنيا، الكل يسير في هذه الحياة الهادرة مع السائرين، ويصبر على الأحكام، وينتظر، لعلّ.

    * رُزقتَ أسمَحَ ما في الناس من خُلُقٍ ..... إذا رُزقتَ التماسَ العذر في الشيَمِ

    لو أنزل الله شعرا يُتلى لكان فيه هذا البيت. تلخيص إعجازي لكل ما جاء به المتصوفة والليبراليون. البيت من فرط منطقيته قد يعتبر tautology ، أو عبارة صحيحة في ذاتها غير قابلة للإنكار. اختيار الشاعر لكلمة "أسمح" موفق للغاية، فلم يقل "أفضل" أو "أجمل" أو "أكرم" أو "أعظم". التماس العذر إذا كان شيمة لك، فسيتبعه بالضرورة أن تكون سمحا، بما في ذلك من كف الأذى وبسط السلام. وفعلا، يظل أبرز الفوارق بين النبلاء والأجْلاف هو الذكاء العاطفي الذي يجعلك تتفهم موقف الآخرين أو تلتمس العذر لهم. نتمنى في نهاية الفقرة أن يلتمس الله لنا العذر يوم القيامة، وميحدفناش في جهنم ببلاوينا.

    * وجهُكَ المأمولُ حُجتُنا..... يومَ يأتي الناسُ بالحُجج

    هذا لا يُقال فقط عن فتاة ذات وجه جميل، لكنْ يمكن أن يقال عن أي شيء جميل يأسرك. هل يمكن أن تحتج للخطأ بالجمال؟ بالطبع نعم. الوجه الجميل لم يعُد ملامح متناسقة وجذابة بل أخذ منحًى تجريديا وأصبح حُجة، وهو من جهة أخرى "مأمول"، فهو يأخذك لتسعى إليه كما يسعى البشر إلى آمالهم، وستَرتكِب الأخطاء، الكثيرَ من الأخطاء، ولكنك مطمئن أنه ساعة الحساب والمكاشفة سيكون "وجهه المأمول" حجة عندما يدفع الناس بحججهم.


    * وخُذْ بقيةَ ما أبقيتَ من رَمَقٍ .... لا خيرَ في الحُبِّ إنْ أبقى على المُهَجِ

    هذا عاشق انتحاري داعشي. هذا الإصرار على الفناء التام لا يصدر إلا من شخص صاحب معاناة، صار الحب عذابا ثقيلا يستهلك روح العاشق وهو يريد أن يهلك، ولكنه يعطي المبرر لمعشوقه لا من جهة عذابه ومعاناته، ولكن بالادعاء أن الحب الذي لا هلاك كاملا فيه لا خير فيه. البيت يصف بدقة حالة الإنسان حين يحترقُ في محاولته لنيل أمنية ما.

  10. #10
    An Oasis Citizen
    الحالة : gameel غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 93
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 1,472

    افتراضي

    ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةً.......... وحقٌ لسكان البسيطة أن يبكوا
    تحطمنا الأيام حتى كأننـــــــــــــا......... زجاج لكن لا يعاد لنا سبكُ


    البيتان لأبي العلاء المعري وبهما ينسج على منواله المفضل: القرف من الحياة بما فيها وبمن فيها، هذه الحال التي أطلق عليها كاتب ألماني Weltschmerz، التوجع من العالم، أو الزهق من العالم، وتعبر عن نفسية لا تفاصل العالم على شيء، ولا تأخذ منه وتعطي، ولا تهتم بقضاياه الجزئية، ولا تسعى لإصلاحه، بل ترفضه برمته، بقضه وقضيضه،كرهاً له وسخطاً عليه، ويمتد هذا ليشمل الذات نفسها بوصفها جزءاً من هذا العالم المكروه، وقد اعتبر أبوالعلاء وجوده "جناية" جناها عليه أبوه حسب بيته الشعري الشهير. ويزداد القرف من العالم قرفاً حين يكون صاحبه بلا أمل في خلاص أخروي، في عالم أفضل جميل ورائع يعوض عن هذا العالم الذي "خلا من الوسامة"، حسب تعبير صلاح عبدالصبور، الساخط المحدث.
    أطلق المعري على نفسه "رهين المحبسين"، العمى والدار، لكن في الواقع كانت محابسه أكثر من اثنين، هذا الأعمى، الملحد أو على الأقل المتشكك، النباتي الذي يأكل البطيخ والبُلسن (العدس)، والمثلي جنسياً على الأرجح، لم يكن يربطه شيء ببيئته المحيطة، ولا حتى بالعالم كما تخيله.
    لو كان يعيش بيننا الآن، لأدرك أن الكثير مما تحطمه الأيام "يعاد له سبكٌ"، وبالذات الأسنان، فهناك أسنان صناعية تُزرع في الفكين، وتقطع الطعام وتطحنه كالأسنان الطبيعية تماماً، وأشياء أخرى كثيرة من هذا القبيل.






    .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •