النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: بصيرة

  1. #1
    A Desert Fugitive
    الصورة الرمزية هاشم عبد العزيز
    الحالة : هاشم عبد العزيز غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26297
    تاريخ التسجيل : Jun 2019
    المشاركات : 2

    افتراضي بصيرة

    إن لمس الشعور بالبصيرة أجمل بكثير من رؤيته بالبصر ، تلك الصورة التي يشكلها الخيال خاصة مع ضعف عدد لا بأس به من الحواس المعروفة كالسمع والبصر مثلا ، وكانت قد اشتعلت الأقاويل بين أفراد العائلة -وعلى لسان أحفادي الأوغاد بالذات الغليظة قلوبهم كخشبة - ، تؤكد ان ذلك الضعف السمعي والبصري ضعف مقصود متعمد ولن أخجل ان أخرج لهم لساني المشقوق وأن أصارحكم مع ذلك واسخر منهم في نفس الوقت طبعا أنني كنت أتجاهل حقا الكثير من الأحداث التافهة التي لا تضيف إلى أثر الحياة الكلي شيئا ، فلا يصح ان يلتفت المرء إلى تلك الترهات التي إذا رواها الواحد منا على مؤلف او مصور او رسام لن ينفق من وقته ثانية واحدة في تدوينها بقلمه او كاميرته او ريشته ، هكذا استخدم حواسي الضعيفة المنهكة ولا استهلكها إلا فيما هو مفيد للقلب والوجدان وإذا لم تستطع عيني ان تلتقط مشهد من المشاهد أطلقت العنان لقلبي يشكل الصورة كيفما شاء ، أظن أنكم قد حزرتم أنني امرأة عجوز قعيدة في حصيرتي كإبني الممدد في سريره جراء جلطة ساق ولم يقدم أحفادي لأبيهم شيئا سوى أنهم شددوا عليه ألا يدخن السجائر كما نصح الطبيب ولم أتصور أن فلذة كبدي سيمتنع عن التدخين نصف ساعة بحالها ولكن مر أسبوعا كاملا والحق يقال كان ولدا ممتازا رائعا حتى مر أحد السادة المدخنين بجوار نافذته الواطئة وقد تسرب الدخان إلى خياشيم ولدنا الشاطر الذي أخذ ينفخ ويتلوى ويفرك طوال اليوم يكاد يكون مضربا عن الطعام أما الدواء فلا يبلعه إلا بعد عراك مرير مع زوجته التي خطفت رجلها إلى الدكان وجاءت بسيجارة فرداني على الفور ثم شطرتها نصفين مشوحة بنصف من النافذة التي فتحتها تماما ثم التقطت النصف الأخر بشفتيها وأخذت تنظر يمينا ويسارا حتى لا يراها أحد مطمئنة كل الاطمئنان لحماتها التى لا ترى إلا طشاش ثم أشعلت السيجارة ودستها بين شفتي زوجها النهم الذي انهمك في التدخين حتى كاد ان يبلع الفلتر بعد ان يمضغه تحت أسنانه،كنت أصيخ بسمعي الى صوت ارتطام الشفاة على القدم المجلوطة ولا أقوى على فعل شئ إلا أتذكر ذلك اليوم البعيد عندما خرج ابن جارتي الغنية بثمرة مانجو إلى صدر الشارع وجاء إلي ولدي والبريق يملأ عينيه يسأل عن اسم الفاكهة وطلب مني ان أوصف له طعمها هل تشبه البلح والعنب وما إليهما من أنواع الفاكهة الرخيصة التي في متناولنا نحن الفقراء ، لم يكن أمامي إلا ان اشترى له ثمرة فرداني حرصا على صحته النفسية على الأقل ، فلا يصح أن يحرم الإنسان خاصة إذا عرف ، خاصة اذا مر الشئ من أمامه مختالا فخورا وبمجرد أن انتهى ولدي من تناول الفاكهة ذهبت إلى جارتي باكية ارجوها ألا يخرج ابنها بثمار الفاكهة الغالية مرة أخرى وهكذا فعلت الزوجة بمجرد ان أجهز ولدي على سيجارته هرعت إلى الجار موبخة إياه غاضبة رافضة أن تحتكم لأي منطق أو قانون او فلسفة كأي أم يذهب عقلها اذا رأت الضرر يحوم حول وليدها خاصة اذا كان ضررا نفسي ، كف الولد عن الفرك وهدأت ثورته ولا يجب أن نلتفت لقول طبيب متحذلق كحفيدي الطالب في كلية الطب الذي صرخ بعدما شم رائحة التبغ تملأ الغرفة ، لا يجب أن نتحنبل طوال الوقت بحجة المصلحة والصحة ، لا يصح أن نمشي على الحركرك متجاهلين التباريح النفسية التي تنتج عن تلك الحنبلة ، ان طقس التداوي نفسه يسقط كالكارثة - فضلا عن المرض - على رأس أولئك المرهفين الذين يهربون من كل شيء بالقلق والغضب والتدخين ، تلك ليست فتوى ولكنه رأي لم اكتبه إلا نكاية في حفيدي الطبيب -الذي ارجع شفاء والده بعد شهر واحد إلى براعة زميله الطبيب - وشكرا لأمه التي خيبت رأيي الذي كونته عنها منذ الوهلة الأولى واستمر أكثر من عشرين عاما ، لم يكن من حقي أن اوغل في السطحية كل ذلك الإيغال ، نعم كانت فتاة متواضعة الجمال ولكنني لم أكن أعرف أنها تتمتع بكل تلك الأمومة والرحمة والفهم وذلك ما ينشده الإنسان ولو عن غير عمد.
    الصور المرفقة  

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •